مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

فؤاد حجازي

تاريخ الحلقة:

06/06/2003

- أسباب سجنه في مصر ومعاناته في سجن الواحات
- مشاركته في حرب 67 واعتقاله من قِبَل الإسرائيليين

- فترة اعتقاله في عتليت وكيفية مقاومة الاعتقال

- أدب الحرب عند فؤاد حجازي وأسباب منع نشر رواياته

سامي كليب: ضيفنا اليوم -مشاهدينا الأعزاء- كان من بين ثمانية أشخاص نجوا من الموت حين هاجمتهم إسرائيل في سيناء عام 67، اعتقلتهم في معتقل عتليت، وهناك كتب أولى رواياته، وشاهد بأم العين أولى المسرحيات وهو في قبضة أعدائه، خرج من معتقل عتليت لتصبح رواياته هي المعتقلة، هل سمعتم سابقاً بالكاتب والأديب المصري فؤاد حجازي؟

في المنصورة بمصر ولد فؤاد حجازي عام 38، أُعتُقِلَ بدايةً في بلاده لأفكاره اليسارية، ثم اعتقلته إسرائيل لمشاركته في حرب 67، أكثرُ من نصف قرن من النضال الفكري للكاتب المناضل والمتمرد أبداً لم يمنع رقَّة كلامه وبساطة ابن الأرض في عينيه، وهكذا من علاقة النضال بالإنسان وُلدت عشرات الروايات والمجموعات القصصية والمؤلفات الأخرى، ولكن ماذا عن بداية فؤاد حجازي؟ هل فعلاً سُجنت في مصر قبل إسرائيل ولماذا؟

أسباب سجنه في مصر ومعاناته في سجن الواحات

فؤاد حجازي: نعم، في العام 59 حصل تقدر تقول رِدَّة أو هجوم على كل التقدميين والماركسيين والقوى الديمقراطية في هذا الوقت، واعتقلوا في اعتقال شهير قوي اللي هو أول يناير سنة 59، في الواحات الخارجة وفي الفيوم وفي سجون مصر المختلفة، وإن كان أشهرها هو سجن الواحات الخارجة الذي أنا كنت فيه في هذا الوقت.

سامي كليب: والتهمة كانت الانتماء إلى هذا التنظيم.

فؤاد حجازي: الانتماء إلى تنظيم ماركسي حتى ولو كنت تقول عاش جمال عبد الناصر، يعني قُبِضْ عليَّ وأنا أحمل منشور يقول عاش جمال عبد الناصر، ولكن لأنه صادر من جهة تخالف أو لا تتفق مع الحكومة، فمهما تقول عاش جمال عبد الناصر تسجن أيضاً، وسُجِنت 3 سنين و3 أشهر في الواحات الخارجة، أقرب نقطة للعمران 500 كيلو بينك وبين أقرب نقطة للعمران.

سامي كليب: في ذاك السجن هل كانت شروط السجن صعبة جداً في الواحات؟

فؤاد حجازي: طبعاً أنت في وسط الصحراء، ولا طعام ولا ماء إلاَّ بيجي لك من أسيوط على بعد كبير جداً، كان يخرج المسجونون إلى الجبل يضربون المعاول في الجبل، ويحملون المقاطف بالكسر تحت سياط الهروات والكرابيج، وينقلونها من مكانٍ لآخر بشكل كما لو أن (...) بينقل الصخرة ويرجعها تاني، شكل عبثي لا يفيد أحداً، مجرد إنك بتنقل قطع من الحجارة من مكان إلى آخر، ولا ملابس هناك إلاَّ ملابس رثة من السجن، والمشي حافي في مناطق بِكْر لم يطأها الإنسان يمكن دون مبالغة من عهد الفراعنة، محمَّلة بالشوك في الأرض والتعابين طبعاً والعقارب السامة، والعقارب السجانة أيضاً، وشمس الواحات رهيبة جداً، يمكن 45 درجة في الظل، وبالليل رطوبة جداً، فلك أن تتصور الضرب والتعذيب وقسوة الطبيعة.

سامي كليب: هل توفي معكم سجناء؟

فؤاد حجازي: توفي أناس كثيرون، وأنا نفسي أجريت عملية مرة في سجن القناطر بدون تخدير وبدون بنج، لا لشيء لأنَّ الأمن في هذا الوقت -أمن الدولة- رافض يرسلك إلى المستشفى، مع إني كنت في القناطر الخيرية وقريب من أي مستشفى زي القصر العيني أو هكذا، على بعد يمكن نص ساعة بالعربية أو ساعة، ولكن الأمن لا يريد أن يرسلك إلى هناك.

سامي كليب: طيب أعتُقِلت كان عمرك حوالى 17 عاماً وترفع شعاراً يؤيد جمال عبد الناصر، بقيت في السجن إذن حوالى 3 أعوام أو أكثر بقليل، خرجت تقريباً عمرك 20، 21 عاماً.

فؤاد حجازي: تقريباً.

سامي كليب: لما خرجت كيف كان شعورك بالنسبة لجمال عبد الناصر وذاك المد القومي الذي مثله آنذاك؟

فؤاد حجازي: والله كان هناك تناقضاً ليس بالنسبة لي الحقيقة، ولكن بالنسبة لسياسيين كثيرين، يقولون أن عبد الناصر يبني الاشتراكية، ولكنني أقول كيف يبني الاشتراكية وهو يقبض على الاشتراكيين؟ لا بناء للاشتراكية بدون اشتراكيين، فانقسم كثير من الناس الـ.. الذين كانوا في السجن، بعضهم أيدَّ عبد الناصر دون تحفظ، وبعضهم حلَّ تنظيماته ودخلوا معه في التنظيم الطليعي، مع ملاحظة أن التنظيم الطليعي كان سريًّا، وإنني لأعجب كيف يكون رجلاً في السلطة وينشئ تنظيماً سريًّا؟ لماذا سريًّا؟ السرَّية لأنني لا أستطيع أن أصل إلى السلطة أو هناك قمع، إنما عندما أكون في السلطة لماذا أنشئ تنظيماً سريًّا؟ فكان شيئاً عجيباً جداً، ولكنني الحقيقة لم أكن رغم اتفاقي مع بعض توجهاته التقدمية كـ .. راح مؤتمر (باندونج) فيهما بعد، وكسر احتكار السلاح، وعمل صفقة الأسلحة التشيكية، وكان هناك مد قومي كما ذكرت، ولكن الديمقراطية غير موجودة، ومهما فعلت ومهما بنيت ومهما كان شعارك تقدميًّا ودون ديمقراطية فسوف ينهار كل شيء، بدليل أن السادات.. النكتة التي كانت تذاع في هذا الوقت أنه يمشي على خط عبد الناصر ولكن بأستيكة، كان هذا فعلاً حقيقة، لأن عبد الناصر نفسه رفض أن يعمل تنظيماً حزباً يعني علنياً يبشر بأفكاره أو يحمل أفكاره، رجل لا يريد حزب يناصره، فماذا تريد بعد أن يموت؟

مشاركته في حرب 67 واعتقاله من قِبَل الإسرائيليين

سامي كليب: طيب، إذن خرجت بهذا الشعور بعد التجربة الأولى للسجن، وفجأة وجدت نفسك مجنداً ثم على الجبهة، في الجبهة حصلت معركة عام 67، واعتقلت، أود فقط التوقف عند هذه المعركة، أين وكيف حصلت؟ وكيف تم اعتقالك؟

فؤاد حجازي: الحقيقة لم تكن هناك حرب في 67 حتى يكون الأمر مفهوماً أمام السادة المشاهدين، وكان الضباط في الجبهة يقولون لنا عندما نسألهم أحياناً كانوا يأخذون رجلاً كانت مدة تجنيده في سلاح الإشارة مثلاً فيلحقونه على كتيبة مشاة، أو رجلاً كانت خطة تجنيده مدفعية فيلحقونه على سلاح الإشارة، فكان الجنود يحتجون أن هذا ليس اختصاصنا فكيف سنحارب؟ فكان الضباط يقولون بتعالي أنكم لست.. لن.. لن تحاربوا، الروس واقفون.

سامي كليب: يعني أنا وفق ما قرأت طبعاً في روايتك الأولى التي سنعود إليها بعد قليل، أن الضباط لم يكونوا.. لم يكونوا يتصوروا يوماً ما أن الحرب ستقع، وأنها كانت شبه مزحة بينكم يعني.

فؤاد حجازي: وأعتقد أن القيادة السياسية كانت تظن ذلك، وإلاَّ ما جمعوا هذه القوات الاحتياطية بأعداد كبيرة وبهذه الهرجلة، ويرسلوها للجبهة في اليوم الثاني كنت أبات في بيتي اليوم ثم في اليوم الثاني أجد نفسي على الخط الأمامي على خط النار، وأنا مازلت بعض الفلاحين كانوا معنا بالجلاليب، والآخرين لا سلاح لهم، والبعض لا يعرف ما هو واجبه بالضبط في الجبهة؟ أو ماذا سيفعل؟ تحت حجة أنها مظاهرة يقوم بها عبد الناصر لسحب قوات الطوارئ الدولية، كنت ملحقاً على كتيبة مشاة، وتقدمنا كنا نعسكر في محطة الأبطال في.. أمام العريش، وصباح الخامس من يونيو جاءت الأوامر أن نتقدم إلى الأمام، ونحن نتقدم إلى الأمام ركبنا العربات، كنا طبعاً نأخذ مواقع في.. في الأبطال فطبعاً.

سامي كليب: بدون تدريب مسبق فعلي.

فؤاد حجازي: بدون أي شيء، جمعنا المدافع وجمعنا السلاح وقفزنا إلى العربات بدون أي استعداد لأن العدو سيلاقينا أم لا، ولا نعرف أين توجُّهنا؟ وكل ما هناك الأوامر إلى الأمام، فمشينا إلى الأمام، عربات (زِلِ) محملة بكتيبة مشاة غير أي واحد فينا غير مستعد حتى ببندقيته العادية لكي يضرب على العدو أو مَنْ سيلاقيه، طبعاً واجهنا قول من الدبابات الإسرائيلية حوالي 40 دبابة يعني حوالي كتيبة مدرعات إسرائيلية عند منطقة اسمها (جرادة)، طبعاً شغَّلت مدافع البرج على أربعين عربة (زِلْ) قصادها غير.. مش واخدة أي وضع، فطبعاً حاولنا نحتمي بستائر.. بساتر في الطريق، لا يوجد خنادق مجهزة ولا يوجد أماكن تستطيع أن تأخذ خلفها وقع.. موقف لإطلاق النار، فكان بالمصادفة فيه في محطة جرادة حجرة صغيرة يبدو أنها كانت لناظر المحطة، فنزلنا لنتمترس فيها، ولم تمضِ إلاَّ أوقاتٍ بسيطة حتى احتلت.. حاصرتنا كتيبة الدبابات بمربع ناقص ضلع.

سامي كليب: قبل المحاصرة هل الضباط كانوا يتقدمون معكم أم تراجعوا؟

فؤاد حجازي: أنت لا تعرف أين ضابط؟ ولا أين عسكري؟ ولا تعرف من الذي معك؟ أو من الذي ليس معك؟ إنها هرجلة مدافع دبابات بتضرب على عساكر مشاة محملة على عربيات (زِل) كل 30 عسكري أو 40 عسكري فوق بعض في.. في العربة، فتعرف مَنْ مِنْ مَنْ؟ دخلنا هذه المحطة وحاصرتنا الدبابات والضلع الرابع هو البحر، وأخذوا يطلقون علينا دانات بجنون -ليست هذه عبارة مجازية ولكنها حقيقية- هم يطلقون النار الإسرائيليين في حروبهم بشكل غزير جداً جداً سواء رأوا أحداً أو لم يروا كنوع من الاحتياط أو من الجبن لا أدري، ولكنهم يطلقون النار بغزارة.

سامي كليب: وأنتم لم تطلقوا النار؟

فؤاد حجازي: معنا يا سيدي رشاشات، أنا كرجل إشارة معي تسليح شيء اسمه مدفع بورسعيد لا تستطيع أن تصطاد به عصافير.

سامي كليب: يعني فقط للتوضيح إنه جهاز الإشارة يعني جهاز اللاسلكي والمعلومات.

فؤاد حجازي: جهاز مثلاً (6×6)، جهاز صغير ومعاك تسليح شخصي أو المشاة اللي معانا معاه أحسن سلاح معاه بندقية تضرب 10 طلقات آلي، فدخلنا في الحجرات، وبرضو ضربنا.. بالبنادق الآلي عليهم بس تضرب بندقية آلي على دبابات يبقى شيء مضحك يعني، فالمهم ظللنا محاصرين طوال الليل، طبعاً كلنا مصابين بالجروح، والناس اللي أمعاءهم طِلعت، واللي أعضاءهم بُتِرت من الطلقات، ففي الصباح يعملون تطهيراً للمكان، عندهم مشاة مدرع أيضاً يركب عربيات مدرعة فبيأتوا ويطهروا الأماكن ربما أحد صاحي أو هكذا، فدخلوا الأوضة اللي هي الحجرة بتاعة المحطة دي ناظر المحطة دي، وفوجئوا بينا إنه فيه ناس صاحية، لم تمت، ولكننا جرحى جميعاً، عندي شظية هنا من أيام المعركة، وكلنا جرحى، وأحب أن أقول إن الأسرى الذين أخذوا ليس كالسينما إنه الناس تطلع تسلم فيخدوهم أسرى، ولكن الأسرى الذين أخذوا هم الجرحى الذين لم يستطيعوا حراكاً أو لم يستطيعوا أن يلحقوا بوحدة أخرى أو يركبوا عربة.

سامي كليب: طب اسمح لي فقط بالمقاطعة هل مكان الرصاصة واضح حتى الآن.

فؤاد حجازي: موجود آه.. نعم

سامي كليب: هل تسمح أن نراه على الكاميرا.

فؤاد حجازي: لا أحب أن شيئاً يظهر كعاهة ولكنه موجود هنا، لا أدري هل تراه أم لا؟

سامي كليب: ممكن أن نراه بالكاميرا قليلاً، قرب.. قرب الكاميرا لتحت.

فؤاد حجازي: وكانت التعليمات كما علمنا فيما بعد في الكلام اللي أنا بأقوله ده حصل يوم 6، يوم 5 علمنا من بعض الجنود في الذين كانوا أمامنا أنهم لا يريدون أسرى .. الإسرائيليين يعني، فكانوا يقتلون الأسرى فوراً.

سامي كليب: وفهمتُ أيضاً أنهم حين دخلوا إلى الحجرة التي كنتم فيها أحدكم أطلق الرصاص.

فؤاد حجازي: أحدنا أطلق الرصاص فضربوا عليه بالرصاص، ولكن لحسن حظي أنا شخصياً أن كان فيه..

سامي كليب: قتيلاً وقع عليك.

فؤاد حجازي: قتيلاً جاء عليَّ فأخذ دفعة الرصاص، فلاحظ هو هذا الأمر، فالعجيب أني أنا ضحكت في هذا الوقت من الموقف العبثي، فاقترب مني وأطلق طلقة مباشرة، ولكنني كنت ألبس خوذة، فالطلقة صنعت (سِكْتِرما) مع الخوذة، يبدو أنها جاءت في المنحنى فطلعت، فضرب على الوسط كده، فبعض الطلقات السطحية جات في دراعي وطلعت على طول ما.. ما قعدتش، فبدأ يقلب بقية الجثث على أساس إنه إحنا متنا خلاص ومشى، فجات دفعة أخرى أيضاً تفتش الجثث لأنهم كانوا يأخذون الساعات والخواتم الذهبية والبطاقات الشخصية، طبعاً بطاقات ممكن يستخدموها في العبور أو في التجسس أو في حاجات مثل هذا، وبيستفيدوا طبعاً من الأشياء الذهبية أو الأشياء الثمينة اللي كانت الجنود يرتدونها، فعثروا علينا أحياء، كنا ما بقي من كتيبة مشاة حوالي 7 أو 8 أفراد أحياء، فصعقوا اللي بعد كل هذا الضرب وبعد كل هذا التفتيش وإطلاق النار من الدبابات ومن المدافع الرشاشة ومازال أناس أحياء، فخرجنا خارج الموقع وأنامونا على الأرض وأشاروا إلى دبابة لكي تمر فوقنا، ولاحظت ملاحظة غريبة جداً، أحد الجنود في وسطنا شعره ابيضَّ تماماً، وفجأة جاء أحد الصولات وأخذ يلكم.. يلكمنا وإحنا واقفين أين هو (كوسيجين)؟ وخبط على العربة الزل على أساس إنها عربة روسية، أين كوسيجين؟ أين كوسيجين؟

سامي كليب: رئيس وزراء روسيا سابقاً.

فؤاد حجازي: رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي في هذا الوقت، نحن كيف سنجيب عليه؟ أين كوسيجين الآن؟ بل أين نحن الآن؟ في هذا الموقف، ثم لم أكن أتوقع أننا سننجو في الحقيقة، قلنا أنهم..

سامي كليب: يقضون عليكم.

فؤاد حجازي: آه.. يعني يعذبوننا أولاً قبل القضاء علينا.

سامي كليب: طيب بعد هذه المرحلة، تم نقلكم مباشرة إلى إسرائيل.

فؤاد حجازي: لأ، رحنا على معسكر مؤقت في رفح كما قلت لك، كانت جاءتهم تعليمات أنهم (ينقلون) أسرى فأنشأوا معسكراً في رفح عند مقهى -ويا للسخرية- اسمه مقهى ناصر، في المعسكر المؤقت طبعاً بعض الناس كانوا يريدون أن يذهبوا إلى دورة المياه، لأننا لم نذهب إلى دورة المياه منذ الحرب من 5 يونيو ونحن الآن في صباح السابع من يونيو فكان يقول من يريد قم.. قم يا مصري ويأخذه أمامنا في مكان على بعد عدة أمتار وينده لآخر، يقول تعالَ ساعد صاحبك ويفحر على أساس أنه سيقضي حاجته، ثم يطلق عليه النار ويردم عليه الحفرة..

سامي كليب [مقاطعاً]: يُطلق عليه يعني يقتله؟

فؤاد حجازي: النار. آه، ويلقيه مكانه وطبعاً لم يطلب أحد بعد كم طلقة النار بهذه المناسبة كان هناك فلسطيني مأسور معنا، وقد عاملوه بطريقة غريبة جداً، كانوا يسألونه هويته، طبعاً شكله.. المصريون سمر وسحنتهم من السهل التعرف عليها، الفلسطيني يميل إلى البياض قليلاً وشعره مسترسل وهكذا ولهجته أيضاً، فيسألونه: ما هي هويتك فيقول: فلسطيني، فينهال عليه.. الضابط الإسرائيلي بعصا جلدية في يده (بذؤابة) يمسكها كبار الضباط، ويسأله مرة أخرى: ما هي هويتك؟ فيقول فلسطيني، فيضربه مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة حتى يسقط مغشياً عليه، ويفيقونه وينهضونه ثانية، لدرجة أننا أوحينا إليه أن يقول أنه مصري ويخلص من هذا العذاب، لو قال أنا مصري انضم إلينا وانتهت المشكلة، ولكنه لا يريد أن يقول إلا أنه فلسطيني، وظلوا يضربونه حتى قتلوه في هذا اليوم.

سامي كليب [مقاطعاً]: وكان شاب بعمرك آنذاك؟

فؤاد حجازي: كان شاباً في السابعة عشر على ما أذكر أو الثامنة عشر من عمره في هذا الوقت..

سامي كليب: بعد هذه المحطة..

فؤاد حجازي: بعد هذه المحطة في عصر 7 يونيو تقريباً أحضروا أتوبيسات مدنية لترحيلنا إلى معسكرات الأسرى فقيدونا من أيدينا من الخلف في مقاعد الباصات..

سامي كليب: أعتقدتم أنهم سيقتلونكم؟

فؤاد حجازي: لا نعرف حتى الآن ما هو مصيرنا، لا صليب أحمر حضر ليرى عدد الأسرى، أو ليحضر لنا طعاماً أو أي شيء على الإطلاق، هذا اليوم الثالث على التوالي بدون أكل، مع العلم طبعاً أن يوم الحرب ماذا ستأكل في يوم الحرب لا شيء طبعاً، فطبعاً شحنونا في قطار مثل القطار الفرنساوي زمان، وللأجيال التي تشاهدنا الآن ولا تعرف ما هو القطار الفرنساوي، القطار الفرنساوي دا كان أول قطار سكة حديد اتصنع أو ثاني قطار سكة حديد اتصنع في العالم يعني فرنسا وإنجلترا أول ناس دخَّلوا السكة الحديد، في هذا الوقت مصر دخَّلت قطار سكة حديد، هو هذا القطار عربات صغيرة جداً، قضبان رفيعة جداً وتصوَّر هذا القطار عمره مثلاً 100 سنة فما هو شكله عندما تركبه؟ يرقص بك ويتراقص بك، ويقف في كل قليل، وأحياناً القاطرة تنقلب على وجهها من.. قطار.. من لحظة ما اخترعوا القطارات ومازال يعني، أركبونا قطاراً مثل هذا القطار، وطبعاً..

سامي كليب [مقاطعاً]: الذي أسميته فيما بعد قطار الذل.

فؤاد حجازي: آه، هذا القطار العربة مثلاً هو قطار بضاعة، مش قطار حتى ركاب، العربة تساع في مثلاً عشر أنفار أو عشرين شخص، فكان راكب فيها 50 أو 60 دون مبالغة فوق بعضهم وهم جرحى وينزفون، وأعضاء مبتورة وهكذا، ويغلق عليك الباب ولا تنفس مافيش أي مكان للتهوية أو للتنفس.

سامي كليب: وحين وصلتم كان عدد من الأسرى موتى.

فؤاد حجازي: سأقول لسيادتك، فكنا نخبط على الباب، حتى نستنشق، فيفتح الباب ويقول: ماذا تريد يا مصري؟ إحنا نريد أن.. فنقول ماء، فيحضر كوب من الماء ويرشه على الأسرى، ثم يغلق الباب مرة أخرى، وظل هذا القطار يسير بنا طوال الليل، كأنه بيزحف، كأنها دودة تزحف، وعندما وصلنا إلى محطة عتليت، كان كل عربية فيها 6، 7 قتلوا من الاختناق.

سامي كليب: رغم ذلك بقي التضامن حتى آخر لحظة، ووفق ما أذكر أن أحد زملائك الأسرى أعطاك كسرة خبز أكلتها وأنت في القطار.

فؤاد حجازي: كان الشيء العجيب، الطبيعة المصرية لم تغادرنا، ونحن نضحك حتى في أصعب الأوقات مأساوية، فبعد أن مشى القطار عدة ساعات ونجحنا في عمل شق بأظافرنا، لنرى الطريق الخارج، فبعضهم أخرج نصف سيجارة ويبحث عن ولعة مثلاً، والناس فوق بعضها، علشان تتحرك ممكن تسبب آلام لعشرات جنبك، لأن جروحهم مازالت تنزف وطلقات لم تخرج من الأجسام وهكذا، وآخر اكتشف أنه معه قطعة فولية ويوزع منها على الموجودين في العربة، علشان توزع..

سامي كليب: قطعة خبز.

فؤاد حجازي: آه خبز وهكذا، لازم تحرك أربعين واحد يتحركوا فوق بعض ومع ذلك الناس تضحك وتدخن.

فترة اعتقاله في عتليت وكيفية مقاومة الاعتقال

سامي كليب: طيب، أستاذ فؤاد، يعني بعد الوصول إلى معتقل عتليت بدأت حياة أخرى صعبة في البداية، ثم بقي هذا الظرف -إذا صح التعبير- الضاحك أيضاً رغم كل الصعوبات، وهناك أبدعت أدباً، على الأقل كانت البداية الأولى وصحافة ومسرحاً، سنتحدث عن كل ذلك في الخارج إذا سمحت هنا في المنصورة، في منطقتك حيث تقيم في مصر.

فؤاد حجازي: تفضل.

سامي كليب: أستاذ فؤاد حجازي، كنا وصلنا إلى عتليت في الداخل ودخلتم إلى عتليت، إذن البداية كيف كانت؟ جرت تحقيقات صعبة معكم؟

فؤاد حجازي: كانت بسيطة، استجواب روتيني علشان يعرفوا هوية الناس اللي هي أسروها، هو طبعاً مهتمين أساساً بالاسم والرقم العسكري.

سامي كليب: وفصلوا الضباط عن الجنود العاديين؟

فؤاد حجازي: الضباط كانوا لوحدهم والجنود لوحدهم، إنما كنا بنسمع فيما بعد إن هم لما بيعرفوا إن واحد له اختصاص معين أو كذا، كانوا بياخدوه ويستجوبوه ويتعرض لحبس انفرادي وكده، على أساس يجيبهم على بعض الأسئلة اللي كانوا بيسألوها ولكن عند استقبالي أنا لم أتعرض لشيء من هذا.

سامي كليب: آنذاك كان هناك أسرى مصريون وأردنيون وسوريون وطبعاً فلسطينيين خصوصاً؟

فؤاد حجازي: نعم. بالتأكيد.

سامي كليب: حين بدأت العلاقة بين الأسرى، هل كان فعلاً هناك جو من التمييز يعني المصريون كانوا يبقون بمفردهم ذوو الجنسيات الأخرى من جهة ثانية..

فؤاد حجازي: هو كان كل جنسية لها معسكر، يعني الأردنيين في عنابر ويحيط بهم سور معين، السوريين كذلك، والمصريين أيضاً كذلك إنما كنا بنتصل عن طريق الأسلاك الشائكة وعن طريق تبادل الأخبار وكنا بنعمل مجلات حائط، وكنا بنتبادلها معهم، التمييز حصل إن هم استَبْقونا نحن، يعني الأردنيين مشوا..

سامي كليب [مقاطعاً]: طبعاً بعد إطلاق سراحهم..

فؤاد حجازي: بعد أسبوعين.. ثلاثة..

سامي كليب: الأردنيون ثم السوريون

فؤاد حجازي: وبعدين السوريين قعدوا بتاع شهر، إحنا قعدنا بقى 8 أشهر

سامي كليب: كنت آنذاك على ما أعتقد متزوجاً، وحين أُسرت كنت متزوجاً فقط من أربعين يوماً.

فؤاد حجازي: آه.

سامي كليب: هل ذاك أثر عليك سجين جديد، يعني هل كان التفكير بالعائلة هو الذي يجعلك تتمسك أكثر بالحياة؟

فؤاد حجازي: لأ، هو عادة التمسك بالحياة أقوى من الزواج وأقوى من أي شيء آخر، وإن كان دا طبعاً أحد الأسباب، التمسك بالحياة إنك فجأة تجد نفسك وأنت ابن حضارة عريقة وبعض المرتزقة لم يمر عليهم أكثر من 30 عاماً في المنطقة ويأسروك، كيف يحدث هذا؟

سامي كليب: طيب داخل السجن، طبعاً هذا من.. من ناحية التحليل السياسي ونحن نوافق معك 100%، بتنظيم الحياة في السجن، يعني بدأ.. رأينا أنكم بدأتم توزعون أنفسكم فرقاً فرقاً البعض يتولى شؤون المطبخ، البعض الآخر شؤون الكتابة، ونشرتم أيضاً بعض الجرائد في السجن، النشرة اليومية، والطريف أن.. الطريف والصعب طبعاً أن أول نشرة كانت حول حشرة القمل داخل السجن.

فؤاد حجازي: هو طبعاً معروف عالمياً أن في معسكرات الأسرى أي عدو أياً كان، سواء كان الألمان في الحرب العالمية الأولى بالنسبة للحلفاء أو بالنسبة لنا إحنا الإسرائيليين أنه يريد أن يكسر الروح المعنوية للأسير أو يقتلك ببطء عن طريق إنه أولاً من الناحية البدنية طبعاً ما فيش غذاء بالمعنى المتعارف عليه، يعني مثلاً الرغيف يمكن يأكلوه سبع أنفار حبة من اللفت دي غذاء 5.. 6 أنفار وهكذا.

سامي كليب: طيلة فترة الأسر.

فؤاد حجازي: آه.. لأ، لست شهور تقريباً من الأسر إلى أن وصل الصليب الأحمر، بدأ الأكل يتحسن درجة درجة وبجانب.. طبعاً ما فيش علاج لا للجرحى ولا للعمليات..

سامي كليب: مطلقاً.

فؤاد حجازي: مطلقاً، بالإضافة لهذا بيكسر روحك المعنوية، لأنه يذيع ساعات أخبار مش مضبوطة..

سامي كليب: أذاع مثلاً استقالة الرئيس..

فؤاد حجازي: آه استقال عبد الناصر أو انتحار المشير فيما بعد أو ما أعرفش أيه ومانع عنك أخبار الوطن نهائياً، أنت لا تعرف هل أنت.. يعني نحن مأخوذون من الجبهة في السادس من يونيو وغادرنا سيناء في السابع من يونيو لا نعرف ماذا تم في الحرب حتى هذه اللحظة هل انتصرنا، هل انهزمنا، هل حدث كذا، هل حدث كذا، لا تعرف أيه اللي حاصل بالضبط.

سامي كليب: ولكن هناك ثلاثة أسرى نجحوا بالهروب من القطار الجنائزي كما تسميه، الذي نقلكم إلى عتليت وعادوا ببعض الأخبار، هل قدموا لكم أخباراً جديدة.

فؤاد حجازي: هو اللي هربوا.. هربوا من المعسكر، من المعسكر نفسه..

سامي كليب: ما قبل الهروب من المعسكر.

فؤاد حجازي: قبل الهروب كان هناك ناس من الجبهة كانوا بيأتوا متأخر ولكن هؤلاء لم يحضروا لنا أخباراً في الحقيقة إلا أخبار تعتبرها بائتة أو ليست مجدية، ولكن الأخبار الحقيقية جاءتنا بعد الصليب الأحمر عن طريق الأهالي المصريين بطريقة ذكية جداً، فطبعاً علمنا بالصدفة أن هناك هدايا من الشؤون المعنوية في الجيش المصري ومن الأهالي، ولكن مخفينها ما بيسلموهلناش، فبعض الأسرى اللي كانوا بيشتغلوا في المطبخ لمحوا بعض الحراس بيدخنوا سجائر مصرية، فلفت انتباههم فبدأنا نسأل، فعرفنا أن هناك هدايا من الدول الصديقة زي الصين والاتحاد السوفيتي وقتها وتونس وبعض الدول العربية ومصر طبعاً فلا تسأل عن مدى فرحتنا عندما عرفنا أن هناك هدايا مصرية وعربية تنتظرنا وهم الذين يحجزونها.

سامي كليب: لماذا؟ كنتم تعتقدون أنكم في طور النسيان بالنسبة لـ..

فؤاد حجازي: نعم، فدا من الناحية المعنوية صعد بروحنا طبعاً إلى السماء أن مصر تتذكرنا وأول ما فتحنا الهدية ولقينا فيها بيجامات، والبيجامة دا كان مجد، لأن معظمنا (قاعد) من الجبهة بنصف بنطلون مثلاً أو برجل واحدة أو بنص قميص أو بكذا، لا ملابس على الإطلاق..

سامي كليب: لم يعطوكم الإسرائيليين أي ملابس..

فؤاد حجازي: لا فيه أي ملابس على الإطلاق لا داخلي ولا خارجي أنت من يوم الأسر لمدة أربع أشهر، وأنت بعرقك لا تستحم ولا تغتسل، يا دوبك تروح دورة المياه، وتعود دورة المياه خالية من الماء، ويعطوك ما قيمته لكل واحد كوباية ماء عشان يشرب، لا أكثر ولا أقل، لا تغتسل ولا تذهب إلى حمَّام، ولا كذا، هؤلاء هم الأوروبيون المتحضرون، الذين جاءوا..

سامي كليب: وحقوق الإنسان وحقوق..

فؤاد حجازي: لتعليمنا الحضارة وحقوق الإنسان، فلا تتصور بقى عندما تجد شنطة من الشؤون المعنوية للقوات المسلحة فيها إزازة ريحة، وفيها بيجامة، وفيها باكو بسكوت، وفيها عجوة، وفيها كولونيا، وفيها كذا وكذا وكذا، طبعاً ده كان مجد لم يعطونا هذا إلا بعد أن اكتشفنا وعملنا دوشة، وطلبنا قائد المعسكر، وبدءوا يفرجوا عن الهدايا واحدة.. واحدة.

الأخبار وصلت لنا إزاي بقى؟ لما سمحوا بقى لأهالي المصريين بقى يبعثوا هدايا، فكان كل أهل أسير زوجته أو والدته أو كذا بيلفوا الهدايا الأكل، كيكة مثلاً، بسكويت، كحك...

سامي كليب: بالصحف.

فؤاد حجازي: في الصحف، وانتبهنا إن همَّ أذكيا جداً، لأن الصحف مش متكررة، تلاقي واحد لافف في "المساء"، وواحد لافف في "الأخبار"، وواحد لافف في "جمهورية" اليوم اللي بعديه، فأكيد الأهالي وهمَّ رايحين يسلموا الحاجة للجيش عشان يسلمها أو للشؤون المعنوية عشان يسلمها للصليب الأحمر أكيد تداولوا في الأمر، فما يبعت لكش الجرنان بتاع.. بتاع النهارده، يبعت لك اللي بعديه ثاني يوم، وتالت يوم يبعث لك جرنان ثاني أو مجلة ثانية، فبدأت نلم الجرايد والمجلات دي ونقرأ، ولأول مرة بقى نعرف أخبار الوطن بالضبط أيه اللي بيحصل وأيه اللي حصل من هذه الجرائد والمجلات.

سامي كليب: مما أدى إلى رفع المعنويات.

فؤاد حجازي: أدى طبعاً لرفع المعنويات، وأدى تنبُّهنا لذكاء الأهالي، إن هم يبعثوا لنا الحاجات ديت، وبدأنا نكوِّن أرشيف k أن هناك هداي أن نناناتاكنتبقى من الجرائد

سامي كليب: الصحف.

فؤاد حجازي: اللي فيها بقى فن، وفيها كذا كذا في نظر الناس هي بالنسبة لنا فاكهة كبيرة جداً أن نتصل بالوطن وعن طريق اليهود.

سامي كليب: في خلال إذاعة نبأ جمال عبد الناصر، استقالة جمال عبد الناصر عبر مكبِّرات صوت في المعتقل قمتم بشيء يعني فعلاً بحاجة لجرأة كبيرة، وهو أن اعتقلتم كلباً -إذا صح التعبير- وعصبتم إحدى عينيه وصورتموه وكأنه (موشي ديَّان) رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، كيف كانت ردة فعل الإسرائيليين على هذا الحدث؟

فؤاد حجازي: عملنا مظاهرات في.. في الأسر، وعملنا اصطدنا هذا الحيوان، وعصَّبناه كأنه موشي ديَّان، ونزعنا زوايا الحديد من الأسلاك الشائكة، وكسَّرنا شبابيك العنابر، وعملنا متاريس فعلاً، ومن هنا جاء اسم الرواية التي كتبتها فيما بعد "الأسرى يقيمون المتاريس" وتمترسنا خلفها، ونزعنا صفائح من المطبخ والأخشاب، وبعضنا أوقد ناراً في العنابر، واهتز المعسكر كله، واستدعوا الاحتياطي، وأحاطوا المعسكر بالدبابات، وجاء (إسحاق رابين) هو كان أيامها رئيساً للأركان بطائرة هليكوبتر، وطار مرَّ فوق المعسكر يشوف الخسائر اللي إحنا عملناها، وإداهم أمر بضرب النار في المليان.

سامي كليب: طبعاً لم تكونوا تتصوروا آنذاك البقاء طيلة تلك الفترة في المعتقل، كنتم تظنون أنه سيتم تبادل الأسرى، ولكن حل الشتاء، وكنتم تتغطون ببطانية واحدة، كل شخص ومهترئة، كيف كان ذلك الشتاء؟ كان فعلاً صعباً جداً على المعتقلين؟

فؤاد حجازي: يعني عندما تقول بطانية، فهذا شيء مجازي كبير جداً، لأ، هي ليست بطانية، هي نسيل بطَّانية أو مزق بطَّانية الحقيقة، ورائحتها منفِّرة أيضاً ومليئة بالغبار، و أنت نايم على أرض من الأذى، أسمنت من.. بأقول لك من أيام الحرب العالمية الأولى لم يحدث فيها أي إصلاح، أنت نايم على قلاقيل ومتغطي بهلاهيل -إذا صح القول- والشتا جه طبعاً، الشتا في فلسطين ليس كمصر مثلاً أسبوع ويعدي أو تشتي ساعتين وتوقف، الشتا هناك مستمر، يعني ساعات يقعد 7 أيام أو 10 أيام شتاء مستمر، المطر لا يكف، العنابر بقى مغطاه بالصاج المخروطي ومخروم، لأنه من زمان، فالميه بتسقط علينا جوه، فإحنا نايمين جوه في الميه فعلاً، الميه بتسقط عليك، وما فيش أي حاجة تحميك.

سامي كليب: بالإضافة إلى أنه أحد الأسرى كان يقتلع الخشب ليولع النار للطبخ في..

فؤاد حجازي: فزوَّدت الطين، دورة الميه بتروح لدروة الميه ليست دورة ميه، عشان أوري هؤلاء المتحضرين كانوا بيتعاملوا إزاي، هو عبارة عن قطعة من الخشب فيها بعض الخروم، قطعتين قصاد بعض، ونسمي هذه دورة ميه في الخلاء وهي ليست دورة ميه، والناس تكشف عورات بعضها دون حياء، فهل هذا هو التقدم؟ وهل هذه هي الحضارة؟ الميه بقى.. بالإضافة إلى إن أنت قاعد في هذه الدورة الهوا (بيسفخ) فيك، أيضاً الميه نازلة عليك، فكيف تقضي حاجتك؟

سامي كليب: هل أصيب الكثير بأمراض أثناء ذاك الشتاء؟

فؤاد حجازي: كل الناس تقريباً أو أغلبها طبعاً جاله دوسينتاريا، وطبعاً القمل حدِّث ولا حرج، لأن لما جه بتاع الصليب الأحمر كان كل جندي يمد أيده كده في أي مكان يوري له القمل، فالراجل بتاع الصليب الأحمر مش مصدق.

سامي كليب: يبدو أنه لشدة مكانة هذه الحشرة مؤذية حشرة القمل، أحد السجناء وضع منشوراً يومياً بتطور وضعها داخل المعتقل.

فؤاد حجازي: لأن لا يمكن مقاومتها، لأن لا يوجد حمَّام، ولا يوجد استحمام، ولا يوجد تغيير ملابس، فكيف تقاومه؟ تخلع.. تخلع ما عليك من أثمال، وتجلس في الشمس قليلاً، ثم تفلي نفسك، ثم تلبسها مرة أخرى، فتجد كل شيء عاد كما كان، لدرجة يكاد الناس يصابوا بالجنون من كتر الهرش في.. في الجلد، فكان شيء..

سامي كليب [مقاطعاً]: هل أُصيب بعض السجناء بحال من الجنون مثلاً أو الصمت؟

فؤاد حجازي: هو بعض السجناء أُصيبوا بالصمت، لا.. لا يتكلم ممكن يقعد فترة ما يتكلم.. لا يتكلم، وبعضهم أصيب بالصمت حتى رحل عن.. عن المعسكر، بالذات الكبار في السن.

سامي كليب: في فترة المقاومة مقاومة في المعتقل والاعتقال، والعدو الموجود قربكم مباشرة بدأتم بالكتابة، وبدأت النشرات.

فؤاد حجازي: كما قلت لحضرتك العدو يُهمه أن ينال من روحك المعنوية والبدنية أيضاً ومن سلامتك البدنية، لكي تقاوم هذا لابد أن تعيش، أحسن وسيلة للمقاومة أو للحياة أن تمارس حياتك العادية، أن تكتب، وأن تقرأ وأن تلقي المحاضرة، وأن تدِّرس لقليلي الثقافة وهكذا، وبالفعل بدأنا نعتبرهم كأنهم غير موجودين، وعملنا فرق للكرة الشراب، وعملنا دوري للكرة بين العنابر، وعملنا فرقة مسرحية، وبدأ بعض المواهب تظهر على بعض العمال اللي كانوا معنا، وبعض الفلاحين أيضا، وبدأنا نعطي دروس في محو الأمية لمن لا يجيد الكتابة والقراءة، ودروس في التاريخ وفي الجغرافيا عن تاريخ إسرائيل وتاريخ فلسطين وتاريخ الأمة العربية وهكذا، ومحاضرين يمروا على العنابر وهكذا، الأجر طبعاً سيجارة ونص كوباية شاي، نص فنجان من القهوة إذا قدرنا نجيبه من المطبخ.

سامي كليب: نحن نتحدث إليك اليوم كأديب مصري، أديب شعبي، وأديب لك جمهورك الخاص، وأديب كنت ممنوعاً ربما ولا تزال بعض الروايات، ولكن أود أن أسألك عن النشر داخل المعتقل، يعني متى.. كيف بدأ النشر؟ هل بدأتم تنشرون مثلاً صحيفة يومية عن نشاط المخيم؟ خصوصاً أني علمت فيما بعد أنه حصل.. حصلت منافسة بين أيضاً دور النشر -بين هلالين- داخل المعتقل، البعض بدأ يصدر ملاحق لصحيفة رياضية، وما إلى ذلك.

فؤاد حجازي: هو في البداية طبعاً عملنا صحيفة من ورق شكاير الأسمنت، كانوا بيجيبوا لما اشتكينا للصليب الأحمر بدءوا يصلَّحوا بعض الطرق وهكذا، وعايزين يقووا الأسوار اللي كنا نزعنا الحديد بتاعها، فبقوا يجيبوا أسمنت عشان يعملوا قواعد خرسانية وكده، فأخذنا الشكاير دي، وفردنا الورق، وعملنا منه مجلات حائط، وكنا عاملين صفحة للرياضة بننشر أخبار الدوري، وصفحة للقصة القصيرة كنت أنا بأكتبها، ومجموعة من القصص اللي كتبتها هرَّبتها وأنا جاي مصر، ونشرتها فعلاً في مجموعة "سلامات"، وأصول هذه المجموعة محفوظة في.. قابلني مراسل "البرافدا كومسمركات" فيما بعد..

سامي كليب: وموجودة في.. في موسكو..

فؤاد حجازي: موجودة في متحف "البرافدا" في موسكو، اللي هو متحف عاملينه لمقاومة الشعوب في هذا الوقت، وبدأنا نعمل مقالات فنية وتاريخية وكذا وكذا، وبدأنا نتبادل كل معسكر.. كل 5 عنابر عاملين عليهم سور عشان الأسرى ما يلتحموش ببعض ويعملوا هيجان، وكل معسكر من تحت الأسلاك الشائكة يودي مجلته ويجيب المجلة الأخرى، تُعرض يوم أو اثنين وهكذا، وبدأ تنافس بين معسكرات الأسرى كلها في تبادل المجلات وفي نشر المقالات، وكذا وكذا..

سامي كليب: وفرضتم على العدو أيضاً آنذاك أن يذيع أغاني عبر مكبرات الصوت، المكبرات نفسها التي أذاعت نبأ استقالة الرئيس المصري، وكانت أولى الأغاني لعبد المطلب.

فؤاد حجازي: هو أذاعوا الحقيقة أغنيتين في البداية، أغنية لعبد المطلب وأغنية لأم كلثوم، أغنية أم كلثوم "على بلد المحبوب وديني"، وأغنية عبد المطلب على ما أذكر "اسأل مرة عليَّ" أو حاجة زي كده مش فاكر..

سامي كليب: بالضبط..

فؤاد حجازي: فطبعاً لما أول مرة يذيعوا ده، فما كانوش بيطربونا بقى، ده كانوا بيغمونا، أنك أنت على بلد المحبوب وديني، وأنا بقى لي 6، 7 أشهر مش شايف بلد المحبوب، فالناس زعلت جداً، وقعدت في أسى فعلاً، وبعدين جه عبد المطلب زودها في إن هم يذيعوا لك "اسأل مرة عليَّ"، فده كلام، فحتى الطرب اللي همَّ بيسمَّعوه لنا جايين يزعلونا به مش جايين يفرجوا عننا به، فطبعاً اشتكينا لإدارة المعسكر وكده، وبدءوا فعلاً يغيَّروا الأغاني دية ويجيبوا أغاني طبعاً.. طبعاً الواحد لو سمع على بلد المحبوب وديني في وقت آخر يبقى لها مذاق آخر، إنما مش هنا.. أو مش بالطريقة دي، لأنه قعد يكررها صباح مساء الأغنيتين دي الصبح، ودي بالليل.. دي الصبح ودي بالليل، مش معقولة يعني؟

أدب الحرب عند فؤاد حجازي وأسباب منع نشر رواياته

سامي كليب: أُطلق سراحكم طبعاً بعد كل المجموعات الأخرى، أطلق سراح الأردنيين، السوريين، المدنيين، ثم أنتم في النهاية، أُطلق سراحك في خلال تبادل الأسرى مع مصر، ونشرت الرواية الشهيرة عام 67 "الأسرى يقيمون المتاريس"، هنا بدأت مسيرة أخرى وصعوبات أخرى، يعني خرجت أنت من المعتقل، واعتُقلت الروايات ومُنعت، ماذا كان سبب المنع.. منع الرواية، وكم عانيت آنذاك لنشر رواية عن المعتقل؟

فؤاد حجازي: هو طبعاً جو الهزيمة كان مازال مسيطراً، فكان من الصعب نشر تلك هذه، ولكنني لم أكن أنظر إليها بهذا المفهوم، كنت أنظر إليها كعمل مقاوم، وأن هذا في صالح البلد مصر، لأنه ضد العدو ويفضح سلوك العدو، وفي الوقت نفسه يتكلم عن المقاومة المصرية برغم الظروف الصعبة، فكيف يُمنع نشر شيء كهذا؟ ولكن عانيت أيضاً من عدم إقناع أحد بالنشر، ولكن الحقيقة كان متحمس لها المرحوم صلاح حافظ، كان رئيس تحرير "روزاليوسف" في وقتها، وفعلاً خذها علشان تُنشر، ولكن اعترضت الرقابة أيضاً على نشرها.

سامي كليب: اعترضت على جمل معينة، خصوصاً..

فؤاد حجازي: لأ، على العمل كله، لا يريدون أن ينشروا شيء عن الحرب عام 67، ثم تقدمت بعد ذلك بها لهيئة الكتاب، وكان المرحوم صلاح عبد الصبور مدير النشر وقتها، واقتنع بها الحقيقة، وأجازها للنشر، ولكن قال أن لابد أن فاحص عسكري يقرأ الرواية، واعترض على بعض جمل، ولم أجد مانعاً من تغييرها في هذا الوقت على أساس يمر العمل.

سامي كليب: على كل حال في رواية "الأسرى يقيمون المتاريس" هناك نوع من السخرية أيضاً من بعض الضباط ونقاشاتهم حول الحرب، يعني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هل هذا كان السبب في منع هذه الرواية، أم إن كل شيء عن الحرب ممنوع؟

فؤاد حجازي: على أية حال هي رغم الملاحظات اللي ذكرتها لحضرتك فلم تنشر الرواية في الهيئة أيضاً، وأنا لا أعرف أيه السبب، ولكن فيما أرى أن هناك حساسية بالنسبة لنقد الموضوع العسكري، حقاً الآن يُكتب كل شيء عن 67 وعن التصرفات، ولكن أيضاً هناك تحفُّظ مازال موجوداً.

سامي كليب: هل كل ما يكتب صحيح من خلال نظرتك كراوي ولكن كشخص عشت الحرب؟

فؤاد حجازي: طبعاً أنا لم أقرأ كل ما قيل، ولكن طبعاً فيه بعضه له نصيب من الصحة لاشك في هذا، وإلا لو كنا لا يوجد مواقف دفاعية، لماذا انهزمنا؟ انهزمنا لأن هناك قصور، وأنا عندما أكتب أكتب بروح نقدية، ولكن من أنهي زاوية؟ من زاوية إصلاح هذا النقد، أو من زاوية الذهاب للأحسن، أو التطلع للأفضل.

سامي كليب: طيب، نشرت بعد هذه الرواية مجموعة كبيرة في الواقع من القصص، مجموعات قصصية وروايات ومسرحيات أيضاً، ولكنك استمريت بالمعاناة في نشر كل ذلك، حتى أقمت ما يُسمى بأدب الجماهير، يعني هي مبادرة منك شخصياً لنشر ممنوعاتك وممنوعات الآخرين، وأعتقد أنك كنت أيضاً من الأدباء القلائل في مصر ربما الأول الذي نشر بطريقة معينة وفردية لنشر..

فؤاد حجازي: الماستر..

سامي كليب: الماستر، هل كل ذلك أيضاً بسبب الحرب؟ يعني هل لازلت ممنوعاً بسبب الحرب؟

فؤاد حجازي: لأ، ليس بسبب الحرب، ولكن بسبب المعارضة، إن أنا أُعتبر في الجانب المعارض، فطبعاً هذا الأدب..

سامي كليب: لكل العهود؟

فؤاد حجازي: والله بيتصادف يعني عندما كتبت "سجناء لكل العصور" كان السادات وهو الرأي الرسمي في هذا الوقت يقول أنها انتفاضة حرامية، فكتبت أنا "سجناء لكل العصور" لأقول أنها ليست انتفاضة حرمية، وإنما انتفاضة ناس تبحث عن لقمة الخبز أو لقمة العيش، فهيئة الكتاب تنشر كتاباً مثل هذا؟! وحتى الآن لم يتغير هذا المفهوم الرسمي، وإذن حتى الآن...

سامي كليب: فكيف تنشر.

فؤاد حجازي: لم تنشر هيئة الكتاب هذا الكتاب، بأنشره على حسابي طبعاً أو على نفقتي الخاصة، أو ما يُسمى أدب الجماهير، بنوزَّع، بنلم من الناس بونات بثمن الكتاب، أو بنستخدم الطريقة الشخصية في توزيع الكتب اللي في مؤسسة، اللي في وظيفة ما، اللي في دار ما بيأخذ بعض الكتب وبيوزعها بشكل شخصي، وأنا رأيي أن هذه الطريقة بتوزع أكثر من التوزيع الرسمي، لأن تدهش بعض الكُتَّاب الكبار لا يوزع أكثر من 30 ،40 نسخة، أنا هنا ممكن أطبع ألف نسخة وألفين نسخة وأوزعهم بطريقة شخصية ممكن تغيب أيضاً، ولكن الكتاب ليس سلعة مطلوب توزيعها في الحال.

سامي كليب: نشرت أيضاً رواية "رجال ورصاص"

فؤاد حجازي: "وجبال ورصاص".

سامي كليب: "وجبال ورصاص" حول حرب اليمن، هل ذهبت إلى اليمن؟

فؤاد حجازي: لم أذهب إلى اليمن، ولكني كنت في الجيش وقتها ومعاصر لحرب اليمن، والذاهب والقادم أجلس معه وأعرف ماذا يتم بالضبط حتى تكوَّنت عليَّ قناعة أن أكتب عن هذه الحرب، وكتبت فعلاً.

سامي كليب: هل تعتقد أن ثمة مكان للأدب المقاوم اليوم في دولنا العربية؟

فؤاد حجازي: لاشك، دا أنا أرى أنه هو الأدب الذي سيستمر، والذي سيظل، لأن الموضوع ليس أدب مناسبة كما يعتقد البعض، أدب الحرب أو أدب المقاومة هو أدب إنساني من الدرجة الأولى، والمهم هو الشروط الفنية التي تكتب بها، أنت لا تكتب لتزعق أو لتخطب، ولكن تكتب تصوِّر شخصيات من لحم ودم وتعاني في أوقات صعبة، هذا الأدب موجود على مر العصور، "الإلياذة والأوديسا" أدب حرب، "الحرب والسلام" عن الحرب، كثير من الأعمال الأدبية عن الحروب الكبيرة في تاريخ البشرية عمل حرب، ولكن ما يبقيها هو القيم الإنسانية، هو الشخصيات الإنسانية، هو التعرض لجوهر الإنسان في الحرب تتعرض لجوهر الإنسان الحقيقي، تكون أو لا تكون.

سامي كليب: شكراً جزيلاً أستاذ فؤاد حجازي، وأنا سررت جداً بهذا اللقاء.

فؤاد حجازي: عفواً، وأهلاً بكم في أرض المنصورة، الأرض التي هزمت (لويس التاسع) وأَسَرَته، والأرض التي هزمت الحملة الصليبية مرتين وليس مرة واحدة كما يعتقد البعض.

سامي كليب: الهزيمة والانتصار كلمتان تعودان كاللازمة الموسيقية أو كالضرب على الجرح في فكر وكتب فؤاد حجازي، وهو تماماً كالعناوين في رواياته يستمر في قرع الطبول وإقامة المتاريس، ولكن هل من يسمع بعيداً عن أرض المنصورة الطيبة؟