مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

سليم الحص: رئيس وزراء لبنان الأسبق

تاريخ الحلقة:

05/12/2003

- نشأته الفقيرة وتخصصه في الاقتصاد
- طبيعة علاقته مع الرئيس سركيس وأبرز خلافاتهما

- طبيعة العلاقة بين لبنان وسوريا

- اجتياح لبنان وتجربة سليم الحص مع الإسرائيليين

- علاقة سليم الحص ببشير الجميل

- دور سليم الحص في حرب الجبل

سامي كليب: مرحباً بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج (زيارة خاصة).

عام أربعة وثمانين تعرَّ ض ضيفنا لمحاولة اغتيال، وعام تسعة وثمانين نجا من الموت بأعجوبة، تكررت المحاولات لكن السياسة وحدها هي التي كادت تغتاله، فقرر اعتزالها حين اقتنع بأن نظافة الكف تناقض الوصول إلى السلطة، ربع قرن من العمل السياسي سنحاول اختصاره اليوم مع ضيفنا (رئيس وزراء لبنان السابق) الدكتور سليم الحص.

د.سليم الحص: كل البيت وراءه الله يرحمها زوجتي كانت تهوى الأشياء الشرقية.

سامي كليب: بعد وفاتها هل تشعر إنك منذ تلك اللحظة قررت الابتعاد قليلاً عن العمل السياسي.

د.سليم الحص: مش هذا السبب الحقيقة لأ، لأ مش هذا السبب.

سامي كليب: أحد الأسباب كان أم لأ؟

د.سليم الحص: لأ، ما بأقدر أقول هيك، لأنه أنا بعد وفاتها –الله يرحمها- بسنة بسنتين رشحت نفسي للنيابة يعني، يعني فُت بمرحلة جديدة من السياسة.

سامي كليب: مرحلة الاحتراف السياسي.

د.سليم الحص: وهي.. وهي لو (...) كانت... معي الحقيقة، كانت دايماً تحضني إنه أكمل الطريق، ما تقبل إنه.. إنه أتنحى..

نشأته الفقيرة وتخصصه في الاقتصاد

سامي كليب: بين بيته الشرقي الطراز في دوحة عرمون، وبيته المتواضع في قلب بيروت، عاش الدكتور سليم الحص حياة ناقضت بصخبها وهزاتها هدوء شخصيته، فقال عنه البعض: إنه يصلح أستاذاً جامعياً، وقال البعض الآخر إنه جاء من الاقتصاد إلى السياسة فخسر الاقتصاد ولم يربح السياسة، بينما وصفه آخرون بأنه السياسي الأكثر شفافية وصدقاً والدبلوماسي الذي لم يغره مالٌ، ولا أخافته ضغوط، الدكتور سليم الحص الذي جاب العالم من أميركا إلى الفاتيكان، فالخليج والمغرب والدول العربية كافة، تارة طالباً وتارة أخرى رئيس حكومة، لم يكن يمارس السياسة كحرفة، ولا طلباً لمناصب، وسليم الحص الذي تعرَّف وعاصر وصادق أو خاصم الكثير من ساسة العالم، قرر اعتزال السياسة المحترفة التي يقول لنا إنه مارسها فقط منذ عام 92، هو الذي انتقل بالصدفة أصلاً إلى السياسة، والذي كما سترون ترعرع فقيراً، وهجر هواياته بحثاً عن لقمة العيش الشريف.

د.سليم الحص: كنت أول رئيس للوزراء في ثلاثة عهود، عهد الرئيس سركيس، وعهد الرئيس الهراوي، وعهد الرئيس إميل لحود، وكنت آخر رئيس وزراء في عهد واحد، وهو عهد الرئيس أمين الجميل، فاعتبرت إنه بعد هذه التجربة عندي رسالة يجب أن أؤديها، وهي رسالة وطنية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال العمل السياسي، فقررت الاحتراف في عام 92، فرشحت نفسي للانتخابات النيابية على رأس كتلة فازت بأكملها، وشكَّلت كتلة في مجلس النواب، كتلة معارضة في مجلس النواب، انضم إليها آخرون حتى من خارج بيروت.

سامي كليب: طيب لفتني.. طبعاً سنعود كما أسلفنا إلى كل هذه التجربة، وكل الوزارات التي توليتها، ولكن لفتني في قراءة مذكراتك -دولة الرئيس- إنه أول شيء كان يحصل معك، يعني مثلاً أول مبلغ مالي قبضته فعلياً كان عن مسرحية فازت بالجائزة الثانية في الجامعة.. في الجامعة الأميركية وقبضت -على ما أعتقد- 45 ليرة لبنانية آنذاك، وأول أيضاً جائزة حصلت عليها على المستوى العملي –إذا صح التعبير- كان من مكتب محاسبة، وأول ضابط إسرائيلي التقيت به كان جاء لاعتقالك، وأول شخص فقدته في خلال الحرب كان صديقاً حميماً لك في الواقع مدير عام وزارة المال آنذاك، ولكن أيضاً أول مرسوم اشتراعي في أول حكومة لك كان يتعلق بالعمل الصحافي، وأثار ضجة كبيرة آنذاك، على أنه يقمع الصحافة وما إلى ذلك، سؤال شخصي في البداية حول المسرحية، عمَّ كانت تتحدث؟

د.سليم الحص: والله كمان يعني من باب الخلفية، يعني أنا نشأت نشأة في حالة من الضيق المادي الشديد، يعني كنا في حال من الفقر، يعني.. يعني تعلمت خلال مراحلي الابتدائية والثانوية مدعوماً، في المرحلة الأولى من ابنة خالتي، اللي أصبحت بعدين زوجة عثمان الدنف، وفيما.. ولمدة أربع سنوات، ثم تولتني جدتي (...).

سامي كليب: والسبب فقط ربما للمشاهدين هو فقد الوالد، يعني وأنت في.. في الشهر السابع على ما أعتقد.

د.سليم الحص: نعم، فقدت والدي ولي من العمر سبعة.. سبعة أشهر فقط، والعيلة كبيرة يعني فيه خمس أطفال أنا أصغرهم، كنت أصغرهم، فعشنا في ضيق شديد، وعلى مساعدات في.. كي أتم دراستي في مرحلة (..) يعني لما وصلت للجامعة الأميركية دفعت آخر قسط جدتي، ولم تعد قادرة على متابعة الدعم، فغيَّرت نمط حياتي الحقيقة، أصبحت أسعى للعمل في الجامعة، بجمعية إنعاش القرية بالجامعة طلبت .. عاملة مسابقة لأحسن مسرحية ريفية، لازم تكون ريفية، قدمت أنا، انكبيت عليها، ما إني كاتب مسرحية، كتبت أول مسرحية..

سامي كليب: ولا ابن ريف كنت، ولا كنت ابن ريف.

د.سليم الحص: فكتبت.. فكتبت مسرحية بعنوان "مطحنة حامد"، عن.. عن صاحب مطحنة، وشو كان يعاني، وشو كان المشاكل اللي يواجهها وإلى آخره، وقدمتها، بعد 3 أسابيع جاني جواب من (...) إنه فزت بالجائزة الأولى.. بالثانية.

سامي كليب: وكما حامد في مسرحيته، فإن سليم الحص عاش منذ صباه وتعلم في وضعٍ مادي صعب، ولكنه بقي بين ندرة من أهل السياسة، الذين لم يستغلوا مناصبهم للكسب المادي ومن يزور بيته أو مكتبه سيجد شعاراً على الحائط يقول: "يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه"، فماذا علَّمه الفقر؟

د.سليم الحص: والله الفقر يعني حفزني إلى العمل بجدية، صرفني عن اللهو، يعني أنا أصدقائي كنت أطلع بالتروماي وأجي على البيت، يعني أنقل من ترام لترام، وكنت آجي مع أصحابي لما نوصل لساحة الشهداء، ونشوف إعلانات السينما اللي بأمر عليها، أصحابي يحكوا فيها ويلهجوا، يروحوا يشوفوا، يرتادوا السينما.. صالات السينما، أنا ما كنت أشوف السينما كل سنة ما عدا في عيد الفطر وعيد الأضحى، بأحب السينما بس ما أروح عليها أبداً، منقطع عنها بالمرة، لأنه نظراً لضيق ذات اليد، وأنا صرفني.. الفقر صرفني عن.. عن اللهو، فكنت جَدي كثير، بعدين أنا بدي أقول مش الفقر.. التربية الحقيقة، وهذا الفضل يعود فيه لوالدتي، التربية طيبة جداً، يعني والدتي يعني عيب الواحد يحكي لك عن والدته، بس كانت طاهرة الحقيقة.

سامي كليب: رحمها الله، طيب بدأت طبعاً جائزة بالعمل المسرحي، تحب السينما، وأيضاً وفق ما قرأت عنك كنت تستمع إلى الإذاعة من عند الجيران، يعني لم يكن المذياع متوفراً في المنزل، وحاولت أن تتخصص في الأدب ولكن أيضاً الأهل، وتحديداً الوالدة حاولت إقناعك بالعكس، لأن الأدب لا يطعم خبزاً، في هذه التجربة الأدبية الفنية، هل كنت تود الاستمرار بها مثلاً لو تسنَّى لك الظرف؟ ولم تكن بحاجة إلى المال؟ هل كانت تشدُّك، أم فقط من أجل الحصول على لقمة العيش؟

د.سليم الحص: لأ، كان حلمي أن أتخصص في الأدب العربي، كانت هوايتي قراءة الكتب الأدبية الحقيقة، كنت أتابع عن كثب طه حسين وعباس محمود العقاد، والأدب القديم يعني الأخطل والفرزدق وجرير وإلى آخره، وقد كنت أتابع أخبار عمر بن أبي ربيعة، يعني كنت أتابع أخبار الأدب عن كثب يعني الحقيقة، وكنت أحلم بأن أتخصص في هذا الميدان، إلى أن بلغت المرحلة الجامعية، أو شارفت على المرحلة الجامعية، اجتمعت العائلة، يعني والدتي جمعت العائلة، قالت لي وين رايح؟ قلت لها أدب عربي، قالت شوف يعني.. يعني نحنا ناطرينك، نحن منتظرينك حتى تتخرج، حتى تفرج شوية أوضاعنا، بالأدب العربي شو بيطلع منها غير أستاذ مدرسة يعني بأحسن الاحتمالات، إذا.. إذا توفقت فيها، يعني بعد الإلحاح وهذا، أعدت النظر في موقفي الحقيقة، قلت أنا عندي مسؤولية كمان تجاه عائلتي، وما كان عندي هواية الاقتصاد أو في.. شوفت أصحابي، أصدقائي إلى أي اختصاص هم متوجهون، وتوجهت معهم أيضاً، اللي كنت معهم كل يوم، رحت معهم على..

سامي كليب: واللي كان السبب طبعاً فيما بعد وصولك حتى إلى السلطة في لبنان يعني لن نتوقف طويلاً عند كيف تعلمت؟ أنت درست إذن في بيروت، وبنصائح من سعيد الحمادي أستاذك آنذاك، ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية، وحصلت على جائزة الدكتوراه.. على إجازة دكتوراه، وأيضاً هناك حصلت على مساعدات من الجامعة نظراً لدراستك في الواقع وتفوقك في العمل الجامعي، بعدها عدت إلى لبنان وعملت في حقل الاقتصاد والتجارة، عملت في الكويت أيضاً، وتعرفت آنذاك، أو على الأقل عملت بمؤسسة كان مديرها أمير الكويت الحالي.

د.سليم الحص: لأ، رئيس.. رئيس مجلس أمنائها.

سامي كليب: رئيس مجلس أمنائها.

د.سليم الحص: كان وزير المالية وبتلك الصفة رئيس لمجلس أمناء الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، أما المدير العام فكان عبد اللطيف الحمد، الذي هو رئيس.. اليوم رئيس مجلس أمناء الصندوق العربي للإنماء العربي والاجتماعي.

طبيعة علاقته مع الرئيس سركيس وأبرز خلافاتهما

سامي كليب: وعدت طبعاً بفضل ما جمعته من مال في الكويت، واشتريت منزل في لبنان، وتعرفت أيضاً في المجال الاقتصادي، وفي خلال عملك إلى الرئيس إلياس سركيس، وهو الذي استدعاك فيما بعد، وطبعاً وصلت في بداية عهده إلى رئاسة الوزراء، هنا أود أن أتوقف قليلاً عند هذه العلاقة مع الرئيس سركيس، يعني كانت صداقتك به، وبقيت كبيرة جداً، ولكن اختلفتما على العديد من المسائل السياسية، وأيضاً الأمنية في البلد، ووفق ما قرأت إنه أول صدمة لك، أو اصطدام –إذا صح التعبير- مع الرئيس سركيس كان بالشأن الجيش، بسبب الجيش، ما الذي حصل بالتحديد؟

د.سليم الحص: ما كان الأول كان الثاني الحقيقة..

سامي كليب: آه.

د.سليم الحص: أول ما بدأت أول، ما نقول أول مواجهة كانت عند مناقشة مشروع البيان الوزاري قبيل نهاية 76 عند تشكيل الحكومة، أنا الذي وضعت نص البيان، وعرضته أمام مجلس الوزراء، حين قرأته وعندما أتيت على عبارة تقول: إلغاء الطائفية في الإدارة والقضاء والجيش، هيك حرفياً، اعترض أحدهم وثنَّى عليه الرئيس سركيس، وقال ببلاهة لأنه لن نستطيع تحقيقها في الأجواء الطائفية السائدة.

سامي كليب: مين اعترض؟

د.سليم الحص: ما هو .. الأول من أدلى بملاحظة كان الوزير فؤاد بطرس، كان وزيراً للخارجية ووزيراً للدفاع، أدلى بهذه الملاحظة، والرئيس سركيس جاراه في هذه الملاحظة.

سامي كليب: برأيك كان مُنطَلِقاً من أسس طائفية في الملاحظة؟ يعني خوفاً على..

د.سليم الحص: حتماً لأ.. حتماً لا، لأنه من منطلق.. من منطلق واقعي، لأنه هيك.. هيك هكذا يعتقد، فلماذا لا يعبر عن اعتقاده؟ لأ بس شو صار بعدين؟ طرح الوزير بطرس آنذاك يعني فكرة ذكية أوقفت النقاش، قال فلنلتزم.. فلنلتزم إلغاء الطائفية، مبدأ إلغاء الطائفية، ولكن دعونا لا ندخل هذا الالتزام في البيان الوزاري، يعني خلينا نفرز شيء لم نلتزم به، أحسن من إنه نخل بشيء التزمنا به.

سامي كليب: هكذا كانت تحصل التسويات في لبنان منذ الاستقلال، فكلما اصطدم أهل السلطة بمشكلة ذات خلفية طائفية أوجدوا لها حلاً مؤقتاً ترقيعياً، وحتى الرئيس سليم الحص ورئيس الجمهورية إلياس سركيس اللذان كانا يحلمان بعمل سياسيٍّ منزه عن الطائفية، وجدا نفسيهما غارقين في براثنها، حصل ذلك حين إقرار المرسوم الاشتراعي رقم تسعة، والذي منح الحكومة صلاحية إقالة ضباطٍ من الجيش، أو القبول باستقالة ضباطٍ آخرين، فكانت النتيجة أن الضباط المسيحيين المستقيلين كانوا أكثر عدداً، وبدأت المشاكل.

د.سليم الحص: فأول جلسة يعني بعد أسبوعين جانا.. جاء وزير الدفاع، يعني الوزير فؤاد بطرس، وقال: هذه لائحة بالاستقالات، هذه لائحة المسلمين وهي محدودة، يعني عدد محدود من المسلمين استقالوا، وهذه لائحة المسيحيين المستقيلين، وهي لائحة طويلة، وأنا أقترح أن نرسم خطاً يوازي آخر اسم من المسلمين خط تحت المسيحيين وأن نرفض كل استقالات الباقين من المسيحيين، هنا تدخلت فقلت لماذا؟ لماذا لا نقبل استقالة كل الذين تقدموا باستقالاتهم؟ قال ما فيه توازن.

سامي كليب: سيحدث خلل طائفي.

د.سليم الحص: فيه خلل طائفي، وهنا وقع جدل طويل جداً محوره إنه الخلل نحنا تجاوزناه أصلاً الخلل، بالقضاة تجاوزناه، ليش بالضباط ما نتجاوزه؟ وبعدين إذا بدك تحكي تتكلم عن الخلل، عن التوازن، فيه اعتبار أساسي آنذاك يعني في.. في الـ76، الـ77، الجيش كان ضباط الجيش ثلثاهم من المسيحيين، ثلثهم فقط من المسلمين، هيك كانت تركيبة الجيش، قلت له إذا كانت التركيبة كذلك إذا بتحافظ على ذلك الميزان ثلثين للثلث، لازم تقبل استقالات بنسبة ثلثين الثلث، تطبق ثلثين الثلث أما إذا قبلت استقالات أقل من ثلثين المسيحيين، عم تخل أكثر بالتوازن، بيصير هذا اللي كافي رأسه على المسيحيين أكثر مما كان..

سامي كليب: شو كان.. شو كان رأي الرئيس سركيس؟

د.سليم الحص: الرئيس سركيس بالآخر لما حكيت هيك عن الثلثين إنه اليوم الخلل موجود، وإذا كان مشيت بمبدأ المساواة عم بتزيد الخلل، هو.. التفت إلى الوزير بطرس، وقال: سليم معه حق، وقُبلت استقالات.. استقالات ضباط ثلثين الثلث.. ثلثين للثلث، بس هايدي كمان مش.. مش خروج عن القاعدة الطائفية، لو نخرج عن القواعد الطائفية إطلاقاً كنا نقبل كل الاستقالات، ما قبلنا..

سامي كليب: طيب دولة الرئيس، يعني سؤال طبعاً لن نطيل التوقف عنده، ولكن هل بمعرفتك بالرئيس إلياس سركيس كنت تعتقد أنك وإياه، خصوصاً إنكما كنتما متشابهين تماماً في الفكر السياسي والعمل السياسي والممارسة أيضاً، أنكما قادران –آنذاك- على إلغاء الطائفية السياسية، وهل.. وهل كان هو شخصياً في وارد إلغاء الطائفية السياسية فعلاً حتى لو لم يصبح.. لو لم يعد الرئيس مارونياً على رأس السلطة اللبنانية؟

د.سليم الحص: الرئيس سركيس لا يعرف.. لم يكن يعرف للطائفية معنى، بريء من الطائفية على نحو مطلق، ولكن من ناحية أخرى أقول: هذا تقدير مني أنا، وقد أكون مخطئاً، هذا تقويمي أنا من تجربة مع الرئيس سركيس.. التجربة الطويلة مع الرئيس سركيس مش بس في.. لبنان، وإنما أيضاً في الحكم، في الحكم بصورة خاصة، في الحكم كان الرئيس سركيس إلى حدٍّ ما مرغماً كانت تمارس عليه ضغوط شديدة جداً من محيطيه.

سامي كليب: طيب هل.. هل هناك من مثل، يعني نحن اليوم نتحدث طبعاً لمشاهد عربي، ولكن أيضاً لمشاهد لبناني، هل من مثل محدد حول قرار كبير كان ممكن للرئيس سركيس أن يتخذه، وقد منعته الضغوط التي مُورِست عليه من قِبَل الذين كانوا يحيطون به في الواقع آنذاك في المنطقة الشرقية، هل من مثل محدد حول قرار فعلاً كبير كان ينوي اتخاذه؟

د.سليم الحص: قرار كبير، فيه كثير قرارات الحقيقة، كلها في إطارها مهمة يعني الحقيقة بس إطار مصيري.. قرار مصيري واحد هنا ما.. ما بيحضر ذهني قرار مصيري، فيه قرارات كثير.

سامي كليب: مثلاً إلغاء الطائفية.. إلغاء الطائفية.

د.سليم الحص: أي نعم.

سامي كليب: يعني هو كان رئيس جمهورية.

د.سليم الحص: أنا كنت..

سامي كليب: وحضرتك رئيس وزراء، يعني سلطتان كبيرتان في البلد، وهو يمثِّل طبعاً المسيحيين، وأنت يعني مرغماً كما يقال تمثِّل أيضاً المسلمين، ألم تكونا قادرين فعلاً على اتخاذ قرار إلغاء الطائفية والمضي به، وهل حصلت ضغوط كبيرة أيضاً عليك من الجانب الإسلامي؟

د.سليم الحص: الجو كان طائفياً متوتر على.. على كل الصعد وفي الجانبين، ما فيه شك.. ما فيه شك بذلك، أنا لا أستطيع أن أقول أنني تعرضت لضغوط، أنا ما تعرضت لضغوط الحقيقة، بس شوف في وقت مبكر من عهد الحكومة الأولى الوزير فؤاد بطرس تعرض لمحاولة.. محاولة شنيعة الحقيقة، جرى تفجير في بيته.. في منزله، محاولة اغتيال يعني، ونجا منها بأعجوبة، هاي كانت أول محاولة للضغط على القرار على.. مش على بس الوزير بطرس، على قرار الحكم، والوزير بطرس تعرض لمحاولات اغتيال 3 مرات على ما.. على ما أذكر إذا مش أكثر.

سامي كليب: دولة الرئيس، اتُّهمت.. اتُّهمتما بالأحرى أهو أنت والرئيس إلياس سركيس طبعاً بإدارة الأزمة، ولا شك أنك سمعت هذه التصريحات كثيراً ما كانت تقول: إن سليم الحص وإلياس سركيس يديران أزمة ولا يستطيعان حلها، ولكن في الواقع حصلت خطوات عديدة، يعني حصل لقاء (شطورة)، حصل مؤتمر وزراء الخارجية العرب في بيت الدين، ومحاولة إسقاط طائرة السفيرين السعودي والكويتي، مَنْ كان يمنع الحل برأيك؟

د.سليم الحص: الرئيس سركيس كان يُركِّز على الناحية الأمنية، ويعتقد أن الحل يأتي بجمع المتقاتلين في حكومةٍ واحدة تنتهي المشكلة، ولذلك كان أول صيغة فكَّر بها عندما تولَّى رئاسة الجمهورية هو تشكيل حكومة فعَّاليات برئاسة الرئيس تقي الدين الصلح، وأنا كنت أشوفه تقريباً، لأن أنا كنت أزور الرئيس سركيس تقريباً يومياً بناء على طلبه فعله.. بالتحضير لرئاسة الجمهورية، يوم من الأيام التفت إليَّ وقال: في حكومة الفعاليات أود أن تتولى حقيبة، ما هي الحقيبة التي تختارها لنفسك؟ فقلت: أنا لا أريد حقيبة لنفسي، أنا قدمت لك مشروع إعماري قدمت له تصور إعماري.. تصور إعماري وفيه إنشاء من ضمنه إنشاء مجلس للإنماء والإعمار لأول مرة بدلاً من وزارة التصميم، أنا طموحي أن أكون وزير دولة لشؤون الإعمار.. للإعمار والإنماء حتى أتمكن من الإشراف على عملية الإعمار في انطلاقتها، وعلى انطلاقة مجلس الإنماء والإعمار عند إنشائه، قال: فليكن ما تشاء، بعد مدة من الزمن يعني حاول كثيراً جمع الأضداد في الحرب اللبنانية، يعني هو كان يؤمن بأن هذا هو الحل، أنا ما كنت أؤمن بأنه هذا هو الحل..

سامي كليب: كنت مع اتجاه حكومة تكنوقراط؟

د.سليم الحص: لأ، يعني بعدين لما هو.. هو غير تفكيره إلى حكومة تكنوقراط كلَّفني أن أشكلها، أنا كنت دايماً أقول المشكلة أمنية في ظاهرها وسياسية في جوهرها، المشكلة التي يعاني منها لبنان أمنية في ظاهرها وسياسية في جوهرها. إذن الحل لا يكون إلا بالتوافق السياسي، وأنا أعتقد أنه هكذا كان يعني اتفاق الطائف كان عملية وفاقية، كان صيغة وفاقية أنهت الحرب بصيغة سياسية مش صيغة أمنية.

طبيعة العلاقة بين لبنان وسوريا

سامي كليب: وفيما كان سوس الطائفية ينخر خشب الأرز في لبنان ونفوس البشر كانت هناك أطراف تشعل النار بين لبنان وسوريا، سوريا التي كادت هي الأخرى تغرق أكثر من مرة في أتون النيران المشتعلة، فتقلَّبت تحالفاتها بين اليمين واليسار في منتصف السبعينات، وبعد أن شرح لنا ضيفنا الدكتور سليم الحص طويلاً سبب دخول سوريا إلى لبنان، وقال: إنها دخلت بقرارٍ لبناني وتخرج بتوافق مع لبنان، سألته إن كان يعرف شيئاً عن تلك الحادثة الشهيرة بين الرئيسين إلياس سركيس وحافظ الأسد حين طالب الأسد نظيره اللبناني بتسليم ضباط لبنانيين قتلوا ضباطاً وعسكريين سوريين في المنطقة الشرقية لبيروت؟

د.سليم الحص: العلاقة الطيبة لا تمنع لحظات من الاحتكاك أو من.. من التصادم مثل ما حدث، بعدين هذيك الحادثة بالذات يعني الحقيقة ما هو كان الرئيس سركيس عنده اعتبار بالطبع، الرئيس لبناني وهم لبنانيون، وهو مفروض هو يعاقبهم يعني، فالسوريين كانوا على غير ثقة من أنهم سيعاقبون في الأجواء السائدة آنذاك، في أجواء.. أجواء هيمنة الجبهة اللبنانية على.. على أجواء المناطق الشرقية حيث يوجد هؤلاء، إنه ما حد راح يطالبهم، إنه ما.. ما هيتعاقبوا على.. على الفعل التي فعلوه..

سامي كليب: بس حدثك الرئيس سركيس عن الجو قبل لقائه بالرئيس الأسد؟

د.سليم الحص: هلا ما بأذكر بالتفصيل، هاي يمكن بيجوز يكون حدثني أيوه، بس هايدي ما بتمنع لأ صحيح، بس بيظل علاقته طيبة الحقيقة، علاقة كانت إجمالاً طيبة جداً، ولهم ثقة فيه، وكان ولما يكون فيه قمة.. قمة عربية سورية لبنانية دايماً كقاعدة إنه يبقى كانت تبدأ بخلوة بين الرئيسين، يعني هذا بيدلك على أنه ما فيش تميز بين..

سامي كليب: طيب تشكيل الحكومات يعني المعروف، ولن نقول جديداً إنه لا يمكن أن تُشكَّل حكومة في لبنان بدون ضوء أخضر سوري حتى على الأسماء، ربما بعض الأسماء تمر من وقت لآخر، وأنت في آخر حكومة ربما أصريت على أسماء تريدها، حتى فيه بعض الأسماء لم تكن حاصل عليها على ضوء أخضر سوري، في عهد الرئيس سركيس، هل كنت تستطيع أن تشكِّل حكومة أنت والرئيس سركيس بدون موافقة تامة من قِبل السوريين؟

د.سليم الحص: أنا بأقدر أقول لك ما يتعلق بجانبي منها، أنا ألَّفت حكومات مش حكومة مع رئيس الجمهورية طبعاً رئيس الوزراء ما بيؤلفها لوحده بمشاركة رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية له دور أساسي في تشكيل الحكومات، شريك أساسي، أنا من جهتي ولا مرَّة تشاورت مع أحد، ولا مرة عرضت تركيبة على أحد، هلا شو بيعمل رئيس الجمهورية ما بأعرف، بس أنا وأنا.. وأنا من جهتي بأحكي لك عن جهتي، أنا ولا مرة طلبت موافقة من الشقيقة سوريا على تركيبة معينة أو على اسم معين.

سامي كليب: ولا مرة حصلت على توصيات معينة؟

د.سليم الحص: ولا مرة.. لأ.

سامي كليب: على تمنيات؟

د.سليم الحص: بيجوز، بس ما.. مش بالضروري آخذ فيها، وأكبر دليل إنه الانتخابات الماضية شكَّلت لائحتي ونزلت فيها، مع أنه كان فيه رغبة بإدخال أحدهم في لائحتي ورفضته يعني.. لأ، مش هذا.. هذا بيجوز يكون صار شيء منهم ما باذكر أنا.

سامي كليب: بس كنت تأخذ بعين الاعتبار المصلحة السورية اللبنانية المشتركة؟

د.سليم الحص: أه طبعاً، أنا بأعتبر علاقة لبنان وسوريا علاقة مصيرية الحقيقة، ومن مصلحة البلدين استراتيجياً أن يكونا على وفاق على طول في كل الأوقات، فيه مصلحة مشتركة، أنا مؤمن بالعلاقات المميزة بين لبنان وسوريا، وبأعتبرها هايدا أنا.. أنا بأقول: أنا رجل عروبي، أنا بأقول.. بأعتبر بأقول لبنان عربية الانتماء والهوية كما قال اتفاق الطائف، وأزيد عليها عروبة لبنان.. عروبة لبنان تمر في دمشق، شو بتقفز لبغداد، أو بتقفز لعمان يعني، عروبة لبنان تمر في دمشق.

سامي كليب: يعني نقول دائماً وحدة المسارين، عروبة لبنان تمر في دمشق، كلما صرح مسؤول لبناني لابد وأن يذكر السوريين في الواقع، وكأنه بات نوع من الواجب التصريحي أو تم تبنيه، يعني ربما بالعادة، ولكن لماذا نقول مثلاً عن سوريا هذا الكلام لا نقوله عن مصر خصوصاً في دولة كلبنان، ومصر معروف ثقلها في المنطقة، أو حتى الأردن دولة جارة وشقيقة يعني، هل أن لبنان مخيَّر في هذا الخيار في الواقع؟

د.سليم الحص: العلاقة بين لبنان وسوريا أوثق منها بين لبنان وأي بلد عربي آخر لأسباب معروفة يعني.

أولاً: بحكم الجوار، نحنا مجاورين سوريا من.. من 3 جهات يعني.

ثانياً: بحكم وشائج القربى، فيه كثير سوريين في لبنان، كثير لبنانيين بسوريا، وفيه تزاوج بينهما وإلى آخره وفيه.. فيه وشائج قربى بيناتهم.

ثالثاً: فيه مصالح مشتركة، يعني نحنا سوقنا الطبيعية سوريا، نحنا سوق سوريا الطبيعية يعني لمنتجاتنا لهذا، فيه مصالح مشتركة ما لها حدود يعني، لأن بحكم الجوار أساساً يعني..

سامي كليب: هل أنت راضي -دولة الرئيس- على كل التجربة السورية في لبنان؟

د.سليم الحص: بالطبع.. بالطبع لأ.. بالطبع لأ، يعني..

سامي كليب: يمكن أن تذكر لي بعض المآخذ على هذه التجربة؟

د.سليم الحص: شو.. أنا بأقول لك واحدة منهم مثلاً: إنه فيه أوقات سوريا دعمت ميليشيات، دعمت تنظيمات مسلحة على الجانبين في الوقت الذي كان يجب أن يكون الرهان كله على.. على الشرعية اللبنانية، في بداية عهد الرئيس سركيس كانت العلاقة متميزة بين الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية من جهة وسوريا من جهة أخرى، فدعمت.. سوريا دعمت القوات اللبنانية آنذاك والجبهة اللبنانية آنذاك، يعني ثم تحوَّلت بعد نحو سنة ونصف يعني انقلبت الأوضاع، وأصبحت تدعم قوى مسلَّحة غير شرعية في المناطق الغربية، هايدا بأعتبره أنا إنه يمكن ما كانت..

سامي كليب: هل حاولت شخصياً مناقشة الرئيس الأسد أو على الأقل الرجل الذي كنت تلتقيه أكثر من غيره (نائب الرئيس السوري) عبد الحليم خدام بوقف دعم الميليشيات وتشكيل نوع من الحكومة تكنوقراط، أو ربما يعني الناس الكفء الأكفاء لعمل حكومة بعيداً عن الميليشيات؟

د.سليم الحص: ها الكلام اللي بأحكيه كنت مع الرئيس سركيس إنه..

سامي كليب: بس مع السوريين أبداً لم يطرح الموضوع؟

د.سليم الحص: إنه نجيب.. نجيب أصحاب كفاءة إلى الدولة وكذا، لأ نحنا نجيبهم مش هم.

سامي كليب: لأ، إبعاد الدعم السوري للميليشيات في مرحلة معينة، هل ناقشت الأمر مع السوريين؟

د.سليم الحص: نعم، صار فيه أزمات بيننا وبين الميليشيات، صار فيه أزمات مراحل توتُّر بيننا وبين الميليشيات، وكانت تصل إلى سوريين، وأحياناً كثيرة تطرح بيننا بيني وبين القيادة السورية، ما فيه شك أن بيعرفوا إنه.. كثير.. ما كثير كنت مرغوب فيِّ يعني بين.. بين الميليشيات، الرهان كان يجب أن يكون على شرعية واحدة من دون دعم أي قوى من قوى غير شرعية، ولكن يعني مرات السياسة التي انتهجها الرئيس سركيس يمكن اضطرته إنه يسلك بهذا الطريق، يمكن اضطرته إنه يسلك هذا الطريق، الرئيس سركيس في أكثر الأوقات لم يكن حيادياً، أنا أقول مش عن اقتناع، وإنما كان مُرهَباً.. مُرهَباً من القوى في المنطقة الشرقية وليس من المنطقة الغربية، ما كان أكثر الأوقات محايد بدليل ما قاله بقرادوني وما ذكرناه هلا.

اجتياح لبنان وتجربة سليم الحص مع الإسرائيليين

سامي كليب: نعم، سنة الـ82 حصل اجتياح لبنان، وكانت لك تجربة خاصة منذ البداية وأليمة مع ضابط إسرائيلي اسمه الضابط إبراهيم وفق ما ادَّعى آنذاك، جاء إلى منزلك، واقتادك إلى التحقيق، ما الذي حصل؟

د.سليم الحص: لأ، مش إلى التحقيق الحقيقة، يعني عند بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وقبل وصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت حطت في.. في جوارنا، يعني (…) قرب بيتي بالدوحة يعني أنا كنت ساكن..

سامي كليب: في ضواحي البلد..

د.سليم الحص: كنت.. كنت مقيم في الدوحة في جنوب بيروت على رأس تلة يعني، دخلت القوات الإسرائيلية على الدوحة نفسها والآليات الإسرائيلية توجهت إلنا بالرشاشات الثقيلة، رشاشات عيار 500 قصفونا، ضربونا رشوا لنا بيتنا يعني، واليوم التالي إجاني هايدا ضابط إسرائيلي ومعه (مليلتين مليلتين)، قال الضابط.. ضابط أو قائد الحملة على بيروت موجود على الخط الساحلي وبيحب يجتمع فيك، ليش ما ليش؟ قال لي هو بده يجتمع فيك، قلت له بس بأنزل بسيارتي أنا، قال: طبعاً، طلعت بسيارتي ونزلوا قدامي مللية وورايا مللية..

سامي كليب: بس لو اسمح لي بالمقاطعة -دولة الرئيس- قبل أن تذهب معه زوجتك المرحومة الست ليلى وقفت في وجه الضابط، ويبدو حصل حتى شجار كلامي بينها وبينه، وهي التي أقنعتك فيما بعد إنه من الأفضل أن تذهب من أن يقوموا بأعمال ربما ضد العائلة أو ضد المنزل..

د.سليم الحص: المشكلة ربما يقصفوا لنا بيتنا نروح بالغلط يعني طبعاً، أو رشونا بالرصاص الثقيل، طبعاً إحنا مش بخاطرنا يعني، طلعت بسيارتي لعنده كان ناصب شادر على الطريق الساحلي، على جانب الطريق الساحلي، ومتوجه المدافع لبيروت، قال: أنت كنت رئيس وزراء؟ قلت له: أيوه، قال: نريد أن تحمل رسالة منا إلى الحكومة اللبنانية، قلت له: هذا.. هذا دور ما بألعبه أنا، أنا ما.. مش شغلتي أقوم بها الدور.. الدور. قال: بس توصل الرسالة. قلت له: ما بأوصل لحد رسالة، قال: طب كيف نوصل الرسالة للحكومة اللبنانية، قلت له: بتظل عندكم وسائلكم الخاصة.

سامي كليب: ومنهم السفير الأميركي في بيروت.

د.سليم الحص: السفير الأميركي وفيليب حبيب كان موجود في بيروت.. في بيروت، أنتم حرين، جادل شوي، قال: طيب خلاص، طلعت على بيتي بس.. بس قررت في تلك اللحظة أن لا أبقى في منزلي في الدوحة، لأن ما بأعرف إن كانوا يفاتحوني مرة ثانية بطلب آخر.

سامي كليب: خفت؟ هل شعرت بالقلق بالخوف يعني حين ذهبت مع الضابط؟

د.سليم الحص: طبعاً، عندي عيلة الحقيقة عندي يعني، عندي بنت طفلة، وهذا قلت ما.. ما بأعرف شو يصير شو بيصير يعني يمكن ينسفوا لك البيت، ويحطوها بحادث وديت خبر للمفتي الشيخ حسن خالد –الله يرحمه- إنه مثل ما وليد جُمبلاط رتبت السفارة الأميركية إنزاله من الجبل إلى بيروت فليكن مثل هذا الترتيب لي أنا كمان، لأن أنا بدي أقطع خطوط الخطوط العسكرية الإسرائيلية على طول الطريق، ما أقدر أقطعها لوحدي إجا حسن صعب –الله يرحمه- كان من المقربين لسماحة المفتي، يعني تجشم كل ها الرحلة الصعبة، وإجا لعندي وقال شو رغبتك؟ قلت له، راح هو تولاها عن المفتي، طلب من السفارة الأميركية فأرسلوا لي سيارة نحنا عائلتنا صغيرة ثلاثة يعني، أنا وزوجتي وبنتي، طلعنا فيها ونزلونا، وبقينا عشنا الحصار في بيروت من أوله لآخره، يعني قبل ببداية الحصار فتنا على بيروت، بس أنا ما كان عندي منزل في بيروت، فكنت أتنقل من منزل صديق إلى منزل صديق آخر، فيه كثير من الناس نزحوا من بيروت آنذاك، إما خرجوا إلى الجبال أو خرجوا إلى.. إلى بلدان أخرى، هرباً من.. من عنف القتال.

سامي كليب: وأنت دخلت إلى بيروت؟

د.سليم الحص: فُت على بيروت، صرت بأتنقل من بيت لبيت يعني أنا وعائلتي.

سامي كليب: قبل مغادرة المنزل أيضاً في الدوحة ابنتك وداد كادت تُقتل حين كانت تتصل بالهاتف قُرب السيارة، وما أن غادرت المكان وأعطت الهاتف لأناس طلبوه منها للاتصال حتى سقطت قذيفة، بعدها جئتم إذن إلى بيروت، وكان فيما بعد حصل يوم قصف عنيف أيضاً كدتم تقتلون في المنزل، تبين فيما بعد -دولة الرئيس- إنه هناك اتصالات قديمة بين إسرائيل وبين أطراف لبنانية، تحديداً مع بشير الجميل الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية، أولاً متى علمت شخصياً أنت بهذه الاتصالات؟

د.سليم الحص: يعني نحنا كنا نشعر.. نشعر بها منذ البداية الحقيقة، بسبب أحداث الجنوب وموقف هؤلاء مما يجري على صعيد الجنوب، يعني الموقف من الجنوب كان يفضح الهوية السياسية لمطلقي التصريحات، فمنذ البداية كان موقف بعض رموز الجبهة اللبنانية غير مرضي بالنسبة لمن يعتبر إسرائيل عدواً وطنياً وقومياً، كان فيه شبهة بوجود اتصالات وكان فيه ريبة بأنه الموقف من إسرائيل لم يكن موضوعياً.

سامي كليب: طيب كرئيس حكومة كانت توصلك تقارير حول وجود مثل هذه الاتصالات السرية؟

د.سليم الحص: نعم.. نعم، مش كثير بس مش كثير، لأنه الأجهزة ما أنها حيادية كمان، الأجهزة ما كانت حيادية اللي بتعطي التقارير ما أنها حيادية الحقيقة، بس حصار بيروت فضح المواقف تماماً، يعني ومجيء (شارون) واتصالاته بمختلف الأطراف في المناطق الشرقية كمان فضح مواقف كثيرة.

علاقة سليم الحص ببشير الجميل

سامي كليب: عام تسعة وسبعين أجرى الدكتور سليم الحص مشاورات مع كل الفعاليات في لبنان لنيل موافقتها الخطية على صيغة وفاقية، كان له الفضل في كتابتها، اجتمعت أطراف النزاع إلا الميليشيات، ولكن في تلك الجلسة بالضبط اقترح إلياس سركيس على الحص التعرف على بشير الجميل.

هل كنت تعرفت على بشير الجميل قبل اجتياح بيروت؟

د.سليم الحص: في نهاية المشاورات يعني الرئيس سركيس قال لي حرفياً: ما شوفت كل اللي عملناه، قلت له: نعم، قال: كأننا لم نعمل شيئاً، قلت له: ليه؟ لأن ما شوفنا الشيخ بشير، قال أيه، قلت له: طيب جيبه، طب جيبه للشيخ بشير، بس شرط تجيب مقابله، قال مين يعني؟ قلت له مقابله، إبراهيم عبيدات واللي بتريده، الحركة الوطنية، قال: ok بكل سرور، جبناهم كلهم بمرحلة ثانية من المشاورات، وشوفت الشيخ بشير هناك إجا مع.. ومعه (داني شمعون)، وآخرين مش لوحده، يعني طُرف من طريف ما حصل يعني، قلت له: أنت موافق يا شيخ بشير على.. على المبادئ الـ 14؟ قال: أيه، قلت له: موافق على وقف التعامل مع إسرائيل فيه نص صريح بها الموضوع، قال: طبعاً، نحنا ما بنرضخ لحداً، نحنا أحرار في وطنَّا، قلت له: سجِّل يا داني: إنه بشير أحرار.

سامي كليب: على أساس الحزب المنافس يعني لمن لا يعرف من.. من المشاهدين العرب إنه حزب الكتائب والأحرار، طيب بـ 24/7 ترشِّح بشير الجميل سنة 82 للانتخابات الرئاسية، وأنت بادرت في الواقع كنت في بداية أو في طليعة المبادرين لإرسال رسالة خطية إلى والد بشير الجميل تحذِّره من هذه الخطوة، وأيضاً التقيت بفيليب حبيب وحذرته، وقلت له: لا نريد رئيساً في الواقع فئوياً طائفياً وخطيراً على البلد، ما الذي كان يقلقك من بشير الجميل؟

د.سليم الحص: أولاً: أنا لا أوافق على سياسته ومنطلقاته، كان منفتحاً على التعامل مع إسرائيل بدليل إنه راح على إسرائيل بعد ما انتخب كمان، واجتمع مع شارون ومع (بيجين) يمكن كان وقتها، كان فيه انفتاح بينه وبين إسرائيل، وأنا أعتبر إسرائيل عدو قومي مصيري ما بأتعامل معهم أنا الإسرائيليين، كان منفتح، هذه سياسة أنا ما بأوافق عليها، وما بأعرف وين.. إلى أين يجر البلد فيما لو تولَّى مسؤولية الرئاسة رجل من هذا النوع يعني؟ وبعدين بشير الجميل كان طرفاً عنيفاً في النزاع القائم في لبنان، ما بيجوز يكون فيه غالب ومغلوب في بلد كلبنان.

سامي كليب: بس سركيس بمرحلة معينة خضع لأنه يُختار بشير رئيساً للجمهورية.

د.سليم الحص: لأ، لأ من شان هيك تركت أنا (..) الأمور، أنا من شان هيك استقلت إلى غير رجعة سنة 80.

سامي كليب: طب التقيت بالمبعوث الأميركي –آنذاك- فيليب حبيب الذي كان له صولات وجولات في لبنان، وطرحت عليه الأمر، وقلت له بالحرف الواحد إنه بشير لا يصلح لرئاسة الجمهورية، يجب أن يكون رئيس توافقياً وهو طرف وهو.. يعني كل الصفات التي قلتها، والغريب إنه قرأت محضر لقائك مع فيليب حبيب إنه كان ردُّه إنه هذه شؤون لبنانية نحن لا نتدخل بها، وأنت طبعاً قلت له تتدخلون في كل التفاصيل، ولكن سألك من هو المتطرف في لبنان، في البداية لم تذكر اسم بشير، فقلت له بشير الجميل، وأيضاً ذكرت كميل شمعون، هل كان كميل شمعون بالنسبة لك أيضاً بنفس تطرف بشير.. بنفس خطر بشير الجميل؟

د.سليم الحص: أي نعم، صحيح، أنا.. كميل شمعون ناصبني العداء.. الرئيس شمعون ناصبني العداء منذ البداية، وبعدين مرة بعد مرة كان يكرر القول، إنه أنا رجل طائفي، هو لأ، أنا رجل طائفي، وأنا أبعد الناس عن الطائفية، وإن فتحنا هذا الملف أنا مستعد أحكي بكل شيء.

سامي كليب: هل.. هل تسمح لي، لو سمحت -دولة الرئيس- فقط بالمقاطعة حول مسألة الطائفية للتطرق لمسألة شخصية، أرغب بأن أرويها للمشاهد وهي أنك متزوج كنت من مسيحية وأسلمت وهي على سرير الوفاة ذلك لكي تدفن بقربك، وأيضاً أنت تبنيت المذهب الشيعي لكي تستطيع أن تورِّث ابنتك أيضاً، المسألة الطائفية –على ما أعتقد- بهذين المثالين محسومة بالنسبة لك.

د.سليم الحص: كنت أواجه.. أُواجَه بنهج طائفي في المقابل يجعلني في منتهى الإحراج، يعني كأنك تعطي من دون مقابل..

سامي كليب: إذن كميل شمعون كان بالنسبة لك..

د.سليم الحص: كان.. كان.. كان هو يستعديني الحقيقة.

سامي كليب: طب حين تم اغتيال بشير الجميل بعد أيام قليلة على انتخابه رئيساً، كنت في الخارج وتحديداً في لندن تشارك في ندوة مصرفية -على ما أعتقد- أو اقتصادية بشكل عام، وصلك الخبر إلى هناك، هل شعرت بالارتياح؟

د.سليم الحص: لأ، ما معقولة، أنا الحقيقة لا أشعر بالارتياح أمام قتل أحد الحقيقة أبداً، أنا مؤمن بالمعالجات السياسية مش بالقتل، القتل مناقض لطبيعتي يعني..

سامي كليب: أعتقد أن أول شخص التقيته بعد اغتيال بشير الجميل كان وليد جمبلاط، وبالصدفة أنك عدت عن طريق قبرص، ومن قبرص إلى دمشق، ومن دمشق عبر المطار إلى بيروت، وفي المطار التقيت بوليد جمبلاط (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) ونقلك بسيارته، ثم رجاله أكملوا الطريق بك إلى منزلك.

د. سليم الحص: لازم أنا أعمل معك مقابلة.

سامي كليب: يعني يسعدني ويشرفني دولة الرئيس. هل في خلال هذا اللقاء تحدثتما عن بشير الجميل؟

د.سليم الحص: دا بالطبع.. بالطبع تحدثنا بصورة خاصة عن المرحلة المقبلة، شو بيصير في المرحلة المقبلة؟ أنا عارضت انتخاب الشيخ بشير كما عارضت بعده انتخاب الشيخ أمين، يعني أنا بأعتبر الشيخ أمين كمان كان طرف في النزاع، وما كان يجب أن يُنتخب أساساً يعني، لهذا السبب على الأقل.

دور سليم الحص في حرب الجبل

سامي كليب: طيب بعد الاجتياح مباشرة -دولة الرئيس- بعد اغتيال بشير الجميل وقعت حرب الجبل، وأيضاً أحداث بيروت الأليمة وبين أهل البيت الواحد -إذا صح التعبير- في بيروت والجبل بين الدروز والمسيحيين، ولكن في خلال حرب الجبل، أنت المعارض للميليشيات وأيضاً الطائفية، ذهبت للقاء وليد جمبلاط في قصر (المختارة)، وكان بذلك وقع طيب طبعاً على وليد جمبلاط، وأيضاً على الدروز آنذاك، فيما بعد اتهمك وليد جمبلاط شخصياً بأنك ذهبت لأهداف مشبوهة، ما الذي جرى؟

د.سليم الحص: السؤال يوجه له هو، أنا.. أنا مشتغل بنفسي، على كل حال أنا قلت لك دايماً كانت علاقاتي مع الميليشيات والقيادات المسلحة غير ودية دائماً، وكان هناك لحظات كثيرة كان التوتر يشتد بيني وبينهم، في منطقتي نفسها.

سامي كليب: اجتياح إسرائيل للبنان، علاقة الجبهة اليمينية بالدولة العبرية، ولكن أيضاً أسرار محاولة اغتيال الدكتور سليم الحص وصولاً إلى سبب اتهامه الرئيس رفيق الحريري، ملفاتٌ من الصعب أن تنتهي بحلقة واحدة، ولذلك تواعدنا مع (رئيس الوزراء اللبناني السابق) سليم الحص على اللقاء مجدداً في الأسبوع المقبل وانتقلنا وإياه إلى بيته في دوحة عرمون، حيث روى لنا في ختام هذه الحلقة، قصة ابنته مع الضابط الإسرائيلي.

د.سليم الحص: أنا بنتي كانت تطلع وتنزل كل يوم، عندها سيارة صغيرة كانت، وتمر على الحواجز الإسرائيلية على الخالدة، فمرة مطلعة معها التليفزيون صلحته وحطته على المقعد الخارجي، المقعد الخلفي وهي عم بتسوق، وقفها قال لها: وين رايخ؟ بالخاء، قالت له: على الدوخة، قال لها: وين الدوخة؟ قالت له هي قدامي للأمام، قال لها أنت عايش بعيد، قالت له: أنا عايش بعيد أم أنت؟.. أنت منين جاي؟ قال له: شو معكِ بالسيارة ورا؟ قالت له: براد. قال هذا ما براد هذا تليفزيون قالت له إذا بتعرف ليش عم تسأل؟!