مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيوف الحلقة:

جيل ميناج: مدير مكتب الرئيس الراحل فرنسوا ميتران

تاريخ الحلقة:

24/01/2003

- جيل ميناج وقضية الناشط اللبناني أنيس نقاش
- مفاوضات فرنسا مع سوريا

- علاقة حزب الله بعملية خطف الرهائن الفرنسيين

- علاقة أبو إياد بالفرنسيين وطبيعة مساعدته لهم

- ضرب المصالح الفرنسية في بيروت وردة الفعل الفرنسية

- المفاوضات مع أبو نضال وعلاقته بفرنسا

سامي كليب: مرحباً بكم إلى برنامج (زيارة خاصة).

ضيفنا اليوم كان كبير الأهمية إلى جانب الرئيس الفرنسي الراحل (فرانسوا ميتران) لم يكن يمر أي تقرير حول ما كان يوصف بالإرهاب آنذاك، إرهاب الشرق الأوسط، دون أن يمر به، هو الذي تابع المفاوضات مع أنيس نقاش في سجنه، هو الذي تابع مباشرة المفاوضات بين فرنسا وأبو نضال، مع سوريا، مع إيران، إنه المدير السابق لمكتب الرئيس فرانسوا ميتران، جيل ميناج.

ولد جيل ميناج في منطقة (أعالي السين) الفرنسية عام 43، تخرج من المدرسة الوطنية للإدارة، أرقى معاهد التأهيل الإداري والسياسي في فرنسا، شغل منصب نائب والي، ثم بات والياً عسكرياً قبل أن يتولى مناصب عديدة في مكاتب وزارات البريد والاتصال والداخلية، ومع وصول (فرانسوا ميتران) إلى السلطة في مطلع الثمانينات بات جيل ميناج من أهل البيت، وترفَّع في مكتب الرئيس الراحل مراراً حتى بات مديره، من هناك تولى ملف الإرهاب، فماذا أولاً عن قضية الناشط اللبناني المؤيد لإيران أنيس نقاش؟

جيل ميناج وقضية الناشط اللبناني أنيس نقاش

جيل ميناج: في البداية علينا أن نذكر المشاهدين بالتسلسل الزمني للأحداث: في شهر تموز/ يوليو عام 80 حاول كوماندوز يقوده أنيس نقاش اغتيال (شاهبور بختيار) وقد ألقي القبض على أفراد الكوماندوز وفشلت المحاولة ولكنها أوقعت ضحيتين وأصيب شخص آخر بإعاقة دائمة، في شهر مارس/آذار عام 82 قضت المحكمة بالسجن المؤبد على أربعة من أفراد الكوماندوز وبسجن شخص آخر لمدة 25 عاماً.

بعد هذه المقاضاة أدركنا الأهمية الكبرى التي يعلِّقها الإيرانيون على هذه العملية، فطالبوا بإطلاق سراح أنيس نقاش بحجة أن الأمر لا يعني فرنسا وقالوا لنا: إن في محاولة الاغتيال تنفيذاً لفتوى صادرة عن آية الله الخوميني، ولا تستهدف -بأي حال من الأحوال- المواطنين الفرنسيين، أما وقد أصيب فرنسيون على سبيل الخطأ فإننا مستعدون لتعويض الخسائر، فقط أعيدوا لنا أنيس نقاش ومن معه لأن الأمر لا يعنيكم.

ولعل ما أضفى على الأمر الكثير من الغموض هو تعدد الأطراف المعنية كما أن السلطة السياسية في فرنسا لم تدرك الأهمية التي يعلقها الإيرانيون على استعادة أفراد الكوماندوز إلا بعد مرور أربع سنوات تقريباً، ففي نهاية تموز/ يوليو عام 84 خطفت طائرة تابعة للخطوط الفرنسية للمرة الثانية، المرة الأولى كانت في نهاية آب/ أغسطس عام 83، جاءت عملية الخطف لتؤكد -نهائياً- إصرار إيران على مطلبها، ولكن رئيس الجمهورية الفرنسي آنذاك لم يصدر عفواً عن الكوماندوز إلا في الثلاثين من تموز/ يوليو عام 90، هذا ما حصل حينها.

سامي كليب: هذا كان مبدأ عند الرئيس ميتران أنه للعفو عن سجين معين لأسباب معينة ينبغي أن يمضي على الأقل عشر سنوات نصف مدة سجنه.

جيل ميناج: هذا هو القانون، ولم يعد الأمر كذلك مع ما يسمى بالأحكام غير القابلة للتخفيض، ولكن القاعدة في القانون الفرنسي هي أن يمضي السجين نصف مدة الحكم قبل أن يطلب إطلاق سراحه، والاستثناء الوحيد هو العفو الرئاسي، ذلك أن بإمكان رئيس الجمهورية -مثلاً- تقليص الأحكام بالسجن المؤبد وما إلى ذلك.

غنيٌ عن القول هنا أن تحديد نصف مدة السجن غير ممكن في قضية أنيس نقاش ومن معه بعد ما قضت المحكمة بسجنهم لمدى الحياة، ولا يمكنني القول إن عشر سنوات تمثل نصف المدة فهي غير ذلك وأقل من ذلك، بالإضافة إلى هذا فإن مبادئ فرنسوا ميتران هي عدم الرضوخ إلى الضغوط الخارجية ويرفض أن تملي عليه أي دولة أخرى قراراته. هذا هو مبدأ فرانسوا ميتران.

سامي كليب: تقول في كتابك أن الرئيس ميتران كان يقول لمحدثيه أكانوا الإيرانيين أم غيرهم ستحصلون على ما تريدون لكن أنا الذي أقرر التوقيت.

جيل ميناج: صحيح، كان ذلك من ضمن الأسباب العديدة التي أدت إلى فشل المفاوضات بشأن تحرير الرهائن، ولكن فرانسوا ميتران قال: أنا أسمح بالإفراج عن أنيس نقاش شرط أن يكون ذلك مقابل تحرير كل الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان، كما أتعهد بإطلاق سراح باقي أفراد الكوماندوز الأربعة قبل نهاية مدة ولايتي الحالية، ولكن أنا من يحدد التاريخ المناسب لذلك.

سامي كليب: من هي الدول أو الشخصيات التي ساعدتكم آنذاك في قضية أنيس نقاش أو الرهائن، مثلاً تذكر هاني الحسن المسؤول الفلسطيني في كتابك الذي كان وسيطاً بينكم وبين إيران؟

جيل ميناج: ليس الأمر كذلك، لم يكن هاني الحسن أحد أهم قنوات الاتصال كما يعتقد البعض، هو ينتمي -إذا شئنا- إلى إحدى الشبكات التي تنسب إلى شخص يدعى (نيكولا لونج) وهو مقرب من عائلة الحسن.

سامي كليب: من كان نيكولا لونج بالضبط؟

جيل ميناج: نيكولا لونج هو أحد رجال الأعمال ممن كانت لهم علاقات مميزة مع الإخوة الحسن، كما أنه على اطلاع واسع على الشؤون الإيرانية، ومنذ عام 1980 قام نيكولا لونج بدور الوسيط، ولكن من دون جدوى، لهذا السبب لم يتم اللجوء إلى وساطته خلال المفاوضات النهائية بشأن الرهائن.

غير أن أحد أهم الوسطاء ممن لعبوا دوراً مهماً وحاسماً منذ يوليو/تموز عام 85 هو الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، لم يكن بوسعنا الاتصال بغيره، لأن ما يميز عملية احتجاز الرهائن في مارس/آذار عام 85 هو عدم وجود طرف مفاوض يتبنى العملية، لهذا السبب -تحديداً- توجهنا في البداية إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، لعل ما يبرر هذا التوجه أيضاً هو نجاح سوريا في التوصل إلى تسوية بشأن اختطاف طائرة (البوينج) التابعة للشركة الأميركية TWA في بيروت في شهر يونيو/حزيران عام 85، إذن بدا لنا الأسد قادراً على مساعدتنا خصوصاً وأن العلاقات السياسية بين فرنسا وسوريا كانت آنذاك طيبة بعد تسوية كل الخلافات بين البلدين خلال زيارة ميتران إلى سوريا في ديسمبر/كانون الأول عام 84، ولا ننسى أن نذكر بدور سوريا المهم في لبنان.

مفاوضات فرنسا مع سوريا

سامي كليب: في تلك الزيارة عام 84 الرئيس الأسد تحدث إلى الرئيس ميتران عن الإخوان المسلمين، هل كان في فرنسا إخوان مسلمين؟ هل كان لفرنسا تأثيراً.. تأثير عليهم؟

جيل ميناج: أنا لا أرغب بالحديث في مثل هذه المواضيع، ولكن سأجيب على سؤالك، لعل أحد أسباب الخلاف بين فرنسا وعدد من بلدان الشرق الأوسط هو نشاط المعارضين لأنظمة هذه البلدان على التراب الفرنسي، مثل الإخوان المسلمين بالنسبة لسوريا، أو مناصرو الملكية والمقربون من بني صدر بالنسبة لإيران، أو المعارضة التونسية، ومع هذا فإن فرنسا لم تتخذ تدابير استثنائية للحد من نشاط هذه المعارضة، من جهتنا في فرنسا لقد سعينا لإقناع السوريين -مثلاً- أن القانون الفرنسي يسمح لهذه المعارضة بالقيام بأنشطتها طالما لم تتعارض مع القوانين المعمول بها في فرنسا.

سامي كليب:هل كان في فرنسا آنذاك إخوان مسلمين؟

جيل ميناج: كلا.. كلا، كلا، لا أذكر شيئاً من هذا القبيل، كانت هناك محاولات قامت بها بعض الأوساط الرسمية السورية في فرنسا للتصدي للمعارضة، عام 1985 كان الاعتقاد سائداً في فرنسا أن محاولات تحرير الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان في طريقها إلى النجاح، لكن حدث العكس بل أكثر من ذلك، إذ بدأ الأمر يأخذ منحىً مأساوياً بعد الإعلان عن وفاة (ميشيل سورا) وذلك في بداية شهر مارس/آذار، وعليه فقد قرر الرئيس الراحل فرانسوا ميتران اللجوء إلى وسيلة أخرى فطلب تدخل (إريك رولو) سفير فرنسا في تونس آنذاك، وطلب إريك رولو من ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية التدخل أيضاً في الوساطة وذهب إلى طهران، وكانت المفاوضات النهائية قبل السادس عشر من مارس/آذار عام 86 تحديداً.

سامي كليب: ربما ينبغي الإشارة إلى شيء ما فيما يتعلق بالسفير والصحافي السابق إريك رولو، وهو أن إيران هي التي طلبت وساطته.

جيل ميناج: أنت على حق، ولكن كان ذلك خلال فترة أخرى، فخلال شهر سبتمبر/أيلول من عام 85 -إذا لم تخني الذاكرة- حاول محمد صادق، وهو أحد معاوني (رفيق دوس)، لقاء إريك رولو، ولكن من دون جدوى، وبالتالي استبعدنا هذه الإمكانية، ولما عدنا إلى التفاوض عبر السوريين ظهر من جديد محمد الصادق مفاوضاً في بداية شهر يناير/ حزيران [كانون الثاني]، طبعاً كان علينا أن نتوصل إلى حل يرضي الإيرانيين والسوريين والفرنسيين في آن معاً، خلال المفاوضات كان السوريون يشكلون الضمان الأساسي لتعهدات الإيرانيين، طبعاً آنذاك لم نكن نلفظ كلمة الإيرانيين، بل كنا نستعمل كلمة مصطلح الخاطفين، لأننا نجهل هويتهم الحقيقية، كانوا من الإيرانيين من حزب الله، ولكن كلهم تحت المظلة السورية.

سامي كليب: أود هنا فقط توضيح مسألة معينة، أن وساطة إريك رولو حملت آنذاك اقتراحاً إيرانياً لم تجب عليه فرنسا، بعد عدة أشهر عادت وطلبت من رولو أن ينقل جواب، ماذا كان الاقتراح والجواب؟

جيل ميناج: الخلافات الرئيسية الثلاث بين فرنسا وإيران مردها أولاً: إلى الدعم الفرنسي للعراق، وثانياً: للدَيْن الفرنسي لإيران منذ عهد الشاه والمتعلق بمركز الطاقة النووية وهو يقدر بمليار دولار أميركي، أما الخلاف الأخير: فمرده إلى محاولة اغتيال (شاهبور بختيار)، هذه هي الخلافات الثلاث.

سامي كليب: هل السوريون كانوا على علم أين يوجد الرهائن آنذاك؟

جيل ميناج: سنعود إلى هذا الأمر لاحقاً إذا شئت، ولكن أود أولاً أن انتهي من عرض هذه الفكرة، كلما ذهبنا للقاء الإيرانيين أنكر هؤلاء أنهم الخاطفون، ولكنهم بالمقابل كانوا يقولون لنا: نحن نعرف الخاطفين وعلَّ بإمكاننا أن نساعدكم، واضح إذا أن في الأمر غموضاً، طبعاً استمرينا في إرسال مبعوثينا إلى كل من سوريا وإيران، لعل أبرزهم الدكتور رعد.

سامي كليب: فقط لنذكر بمن هو رزَّاح رعد هو طبيب إذاً لبناني حامل الجنسية الفرنسية يقيم هنا وينتمي إلى الطائفة الشيعية.

جيل ميناج: خلال شهر آب/أغسطس من عام 85 سافر الدكتور رعد للمرة الأولى إلى لبنان، وحمل من هناك رسائل سلمه إياها الرهائن، لأول مرة أثبت أحد المبعوثين أنه اتصل فعلاً بالخاطفين.

سامي كليب: ولكن كيف يمكن أن نفسر أن فرنسا لم يكن لها مصادر معلومات استخباراتية آنذاك في لبنان، خصوصاً أن لها علاقات واسعة مع كل الأطراف؟

جيل ميناج: هذا لفظ كبير، لفظ كبير لأن السؤال الذي كان يتردد باستمرار داخل الخلية المكلفة بمتابعة هذا الشأن هو: أين يوجد الرهائن؟ ولا أذكر شخصياً أنني تلقيت جواباً شافياً على هذا السؤال، إذاً كنا نجهل -تماماً- مكان احتجاز الرهائن، ويكفي أن أذكر في هذا الإطار أن معلومات مصالح الاستخبارات كانت تقول -على مدى أسابيع بل أشهر- إن الرهائن الفرنسيين الأربعة كانوا ينقسمون إلى فريقين، بعد إطلاق سراح الرهائن، وذلك في العام 88 أو بالأحرى الثلاثة الباقين على قيد الحياة بعد ما كان ميشيل سورا قد توفي تبين لنا أنهم كانوا معاً طوال فترة الاحتجاز على عكس ما ذهبت إليه مصالح الاستخبارات.

سامي كليب: ولكن إلامَ يعود ذلك؟ هل لقوة حزب الله آنذاك الاستخباراتية أم لضعف الاستخبارات الفرنسية؟

جيل ميناج: أقول الاثنين معاً، لأن كل مصالح الاستخبارات الغربية أميركية كانت أو بريطانية أو فرنسية عجزت عن تحديد مكان الرهائن.

سامي كليب: بالرغم أنه كان يقال خلال الحرب أن بيروت هي مركز الاستخبارات الدولية.

جيل ميناج: أنا لا أعلم الكثير عن هذا الموضوع، خصوصاً أنه لا يتم إعلامي بكل خطوات المخابرات وتحديداً الفاشلة منها، ولكنني أعتقد أن مصالح الاستخبارات كانت تشكو من الضعف، وفي مقابل ذلك برزت مصالح الأمن التابعة لحزب الله التي نجحت في إغلاق كل منافذ المعلومات بشأن الخاطفين، مما أفشل محاولات تحديد المسؤول الحقيقي عن عملية الخطف، هذا هو رأيي بالنسبة لهذا الموضوع، موضوع الخاطفين.

علاقة حزب الله بعملية خطف الرهائن الفرنسيين

سامي كليب: ولكن كنتم تعلمون أنهم كانوا لدى حزب الله؟

جيل ميناج: نعم، ولكن نفتقد للأدلة.

سامي كليب: ألم تكن لكم اتصالات مع الطائفة الشيعية آنذاك مع بعض عناصر هذه الطائفة مثلاً؟

جيل ميناج: طبعاً كانت هناك اتصالات، ولكن الطائفة الشيعية كانت هي أيضاً مقسمة فيما بينها كما تعلم، كانت هناك حركة أمل بقيادة نبيه بري المعارضة لحركة أمل الإسلامية، وفي هذا السياق أذكر نقطة مهمة، وهي أن فرنسا وباقي الدول الغربية كانت تتمتع بمصالح استخباراتية جيدة، ولكن اطلاعها كان يقتصر على الجانب المسيحي. واعتقادي أنه من الخطأ التركيز على الجانب المسيحي وإهمال باقي الطوائف من دروز وشيعة ومنظمات يسارية لبنانية.

إذاً واضح أن ضعف مخابراتنا يعود إلى افتقارها إلى نقاط ارتكاز على الأرض، يبقى أن أذكر من جهة أخرى أننا لم نطلب من السوريين أن يحددوا لنا مكان الرهائن، وما إذا كانوا في صحة جيدة قبل إطلاق سراحهم، هذا لم يحصل، وهنا ارتكبنا خطأً آخر، لو حصلنا على هذه المعلومات قبل الإفراج عن الرهائن لاختلف الأمر، حسب رأيي، وفي هذا الإطار أيضاً لا يجب أن ننسى أن الدول الغربية وتحديداً أميركا وفرنسا وبريطانيا كل هذه الدول لم تتعاون في هذا الشأن، كل طرف كان يتحرك بمعزل عن الأطراف الأخرى.

سامي كليب: اليوم نتحدث للتاريخ، هل حاولتم -مثلاً- رشوة أناس مقربين من حزب الله أو حسن فضل الله.. محمد حسين فضل الله أو غيره؟

جيل ميناج: لا، لا أعتقد ذلك، لأنه يجب أن نعود إلى الخطاب الذي كان سائداً آنذاك، فالشيخ فضل الله -أحد مسؤولي حزب الله- كان ينكر معرفته بتفاصيل العملية، عملية الخطف.

سامي كليب: كيف كان موقف حركة أمل التابعة لنبيه بري آنذاك؟

جيل ميناج: كانت جيدة بالعودة إلى الاختلاف الذي كان يميز مواقف فصيلي حركة أمل، طبعاً هذا ناتج عن اختلاف موقعهما السياسي في الجنوب اللبناني.

سامي كليب: هل أمل نبيه بري قدمت لكم معلومات بشأن الرهائن؟

جيل ميناج: كان موقف نبيه بري مختلفاً بالمقارنة مع باقي المواقف بشأن قضية الرهائن، على الرغم من أنه لم يعلن رفضه صراحة فقد كان يعارض هذا الاحتجاز كالكثيرين، ولكنه كان يفتقر إلى الوسائل الكافية للضغط على أمل الإسلامية.

سامي كليب: هل حاول أن يساعدكم؟

جيل ميناج: أعتقد أنه قام بالمحاولة ولكنها كانت محاولة فاشلة، وهنا أسرد مثالا معبراً يدل على عدم قدرته على القيام بذلك: في بداية حادثة خطف طائرة البوينج التابعة لشركة TWA خلال شهر حزيران/ يونيو عام 85، تمكن نبيه بري من القيام بدور مهم في سبيل تحرير الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت، غير أنه ترك المهمة إلى سوريا والتي تكفلت بمتابعة هذا الشأن، حتى الحل النهائي بعد التدخل الأميركي.

خلال التفاوض كان نبيه بري يقول.. كان يقول: سوف أتوصل إلى حل هذه الإشكال، وللتذكير فقد كان الأمر يتعلق بإطلاق سراح الرهائن الأميركيين مقابل تحرير المساجين، وغالبيتهم من الشيعة المحتجزين في سجن عتليت، على أن إحدى النقاط المهمة التي دار حولها النقاش كانت تتعلق بضرورة إطلاق سراح كلٍ من (جون بول كوفمان) و(ميشيل سورا) المحتجزين منذ شهر أيار/مايو، وقد انتهت المفاوضات إلى إطلاق سراح الرهائن الأميركيين وسجناء عتليت على مراحل حتى نهاية صيف عام 85، خلال صيف العام ذاته كانت فرنسا تثق بوعود نبيه بري، وتعتقد أنه سينفذها، ولم ينته ذلك الصيف حتى بدا واضحاً أنه غير قادر على تحقيق وعوده، وكان ذلك سبباً إضافياً للجوء إلى سوريا.

سامي كليب: هل وضعت سوريا آنذاك شروطاً معينة لتساعدكم في إطلاق سراح الرهائن؟

جيل ميناج: لا، لم تكن توجد شروط حسب معلوماتي، ولا أعتقد أن هناك ثمناً -إذا شئت- أو أي شكل من أشكال المقايضة، السوريون وعدوا بالقيام بكل ما في وسعهم انطلاقاً من موقعهم، ومن وجودهم شبه الدائم في لبنان، وكانت لديهم قدرات كبيرة على التحرك، أضف إلى ذلك أن هامش التحرك كان واسعاً بالنسبة إليهم كما أن لهم علاقات مميزة مع طهران، على رغم الخلافات التي نشبت بين الرئيس الراحل حافظ الأسد والقيادة الإيرانية، لقد تلقى الرئيس الفرنسي وعداً مباشراً من الرئيس السوري الأسد بالقيام بدور ما في هذا الشأن، مع هذا كله فقد بدا الأمر غامضاً خصوصاً أن سؤالين ظلا من دون جواب، أولهما يتعلق بما إذا كانت سوريا قادرة فعلاً على حل هذا الإشكال أم لا.

سامي كليب: هل كان لها تأثير على حزب الله؟

جيل ميناج: بالتأكيد كان لها بعض التأثير، ولكن لم يكن ذلك كافياً لتحقيق ما وعدت به. السؤال الثاني يتعلق بما إذا كانت سوريا تضع فعلاً هذا الأمر في مقدمة أولوياتها، أو لا، اعتقادي الشخصي بعد البحث الذي قمت به ونشرته في هذا الكتاب هو أن تدخل سوريا كان منحازاً إلى فرنسا على حساب مصالحها الخاصة، ومرد ذلك هو أن الوضع المتغير في لبنان وفق المواقف السورية معنى هذا أن سوريا كانت مضطرة نوعاً ما إلى القيام بمثل هذه الجهود.

سامي كليب: مسألة الرهائن في الواقع تزامنت مع رغبة سوريا بالعودة بقوة إلى لبنان بعد الاتفاقات مع إسرائيل وغيرها، وأرادت نسف كل ذلك والعودة إلى الخط العربي في بيروت، هل وضعت شرطا لعودتها إلى لبنان، إطلاق سراح الرهائن مثلاً؟ إذا أطلقت الرهائن تقبل فرنسا بالدور السوري في بيروت.

جيل ميناج: كان هناك طلب مُلح ومتواصل من جانب حكومة فرنسا ورئيسها لحل هذا الإشكال، وقد استخدمت فرنسا وزنها السياسي من أجل تحقيق ذلك، النتيجة هي أن توقفت كل الانتقادات تجاه السياسة السورية في لبنان.

سامي كليب: في الواقع هناك سؤال سهل لم يجب عليه أحد حتى الآن بما فيه الكفاية، وهناك عدة طروحات حول هذا الموضوع كيف أطلق سراح الرهائن؟

جيل ميناج: هذا سؤال بسيط، ولكنني لن أجيب عنه.

سامي كليب: لماذا يرفض حتى الآن كل المسؤولين الفرنسيين إعطاء جواب فعلي كيف أطلق سراح الرهائن؟

جيل ميناج: أنا أيضاً أتساءل عن هذا الأمر، نحن لا نملك كل عناصر الإجابة، سوف تتجلى الحقيقة يوماً ما، ولكن عن طريق المتدخلين مباشرة في عملية إطلاق سراح الرهائن، لذا علينا أن نتوخى الحذر، وخصوصاً النقد السهل، اعتقادي أن من أسهم في تحرير الرهائن يستحق كل الشكر، يكفي أن نقارن هذه العملية مع أحداث مشابهة حصلت في دول أخرى كالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مثلاً حيث استوجب إطلاق سراح (تري أندرسون) ثلاث سنوات إضافية، ولا أعتقد أن هذا الأمر يعود إلى قلة خبرة القائمين بالمفاوضات، ولكن الأمر يتعلق بشروط التفاوض، نحن نجهل دائماً تلك الشروط إلا أن البعض يحاول أن يقنعنا بأنها واضحة وجلية، في حين يحاول البعض أن يشكك بها، بين هذا وذاك تختفي الحقيقة.

علاقة أبو إياد بالفرنسيين وطبيعة مساعدته لهم

سامي كليب: دائماً في إطار المساعدات الخارجية أو الوساطات لعب -على ما يبدو- أبو إياد دوراً بارزاً معكم أكان على مستوى الاستخبارات أو الدولة الفرنسية، أي مساعدة قدمها أبو إياد ومتى بدأت العلاقة معه؟

جيل ميناج: أعتقد أن أول لقاء بين أبو أياد وبين الفرنسيين كان بطلب من ياسر عرفات، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني أو ديسمبر/كانون الأول من عام 82 جرى لقاء سري في باريس بين أبو إياد من جهة و(فرانسوا دي بروسوف) المكلف بمهمة لدى رئيس الجمهورية، و(جوزيف فرانشيسكي) كاتب الدولة للأمن العام، أعتقد أن ياسر عرفات كان يسعى من خلال تنظيم هذا اللقاء إلى إسداء خدمة لفرنسا، ولكن من الصعب جداً تحديد الدور الذي لعبه أبو إياد، يكفي أن أذكر في هذا الإطار بمثال جورج إبراهيم عبد الله الذي قُبِض عليه في تشرين الأول/ أكتوبر عام 84 من دون أن نتأكد من هويته في ذلك الوقت.

سامي كليب: إنه استخدم اسماً آخر.

جيل ميناج: هذا صحيح، كما أن لديه جواز سفر جزائري، إذاً كان هناك تهديدات باحتجاز رهائن آخرين أو بارتكاب عمليات تفجير في حال عدم إطلاق سراح جورج إبراهيم عبد الله، لقد وصلتنا عدة رسائل بهذا المعنى، كانت هناك فعلاً بعض التهديدات بحصول عمليات انتقامية في حال عدم الإفراج عن جورج إبراهيم عبد الله، لمواجهة هذا التهديد توجهنا إلى أبو إياد بهدف مساعدتنا في هذه القضية، كي يرسل أحداً أو يقوم بوساطة ما، كذلك اتصلنا بالسوريين أيضاً بعد ما علمنا أن لهم علاقات مع جورج إبراهيم عبد الله، وبعد ما تم اللقاء مع أبو أياد أو مع أحد معاونيه، لا أذكر ذلك تحديداً الآن، بعد ذلك اكتشفنا أن علاقته مع جورج إبراهيم عبد الله كانت سطحية لأنه ليس من الموالين لياسر عرفات، بل من الموالين للفلسطينيين المنشقين عن حركة فتح.

سامي كليب: مثلاً في لبنان هل ساعدكم أبو إياد؟

جيل ميناج: نعم، الفلسطينيون قادرون على المساعدة وبالإمكان أن نطلب منهم ذلك، في قضية (بيرول) مثلاً عام 84 بعد اختطاف الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية في طهران، طلبنا تدخل الجزائريين مثلاً، وكان معروفاً أن لديهم علاقات وثيقة مع الإيرانيين، كما طالبنا أيضاً في ذلك الوقت تدخل أبو إياد باعتبار أنه كان مستعداً للمشاركة في الاتصالات بشأن قضية أنيس نقاش، مع هذا فإننا لا نعلم تحديداً ماهية الدور الذي كان سيلعبه هذا الطرف أو ذاك في نهاية الأمر، كنا نجهل المستقبل، على أنه من الجائز القول إن أبو إياد مثلاً لعب دوراً مهماً من أجل المساعدة في المصالح الفرنسية وإرشادها، وهو العارف بشؤون كل هذه الحركات.

سامي كليب: بالواقع مقابل المساعدة الفلسطينية نلاحظ أنك تذكر في كتابك أن الموساد الإسرائيلي لم يكن يقدم معلومات كبيرة الأهمية للفرنسيين، ولكنه -من وقت لآخر- كان يقدم نوعاً من التحليل، لماذا؟

جيل ميناج: كنا نختلف في كثير من الأحيان، كما كانت اتجاهاتنا السياسة متباعدة بل متعارضة تماماً كما هو الحال بشأن القضية اللبنانية أو القضية الفلسطينية، معنى هذا أنه لم تكن هناك أسباباً تدعونا للتعاون في مثل هذه القضايا، فقد كنا على طرفي نقيض، طبعاً هذا لا يعني غياب التعاون بيننا في مجالات أخرى، مع هذا كله فإنه ليس بإمكاني القطع بعدم وجود تعاون بالمرة، أذكر في هذا الإطار مثلاً أن جهاز الاستخبارات الأميركي الـ CIA قام بدور فعال في تجميع المعلومات حول الهجوم الذي تعرضت قوات البحرية الأميركية والمظليون الفرنسيون في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 83 في بيروت، أعتقد أن الـ CIA تلقت معلومات من جهاز الموساد، طبعاً كانت للمصالح الفرنسية دائماً علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، ولكنني لا أستطيع أن أجزم بأن هذه العلاقات شملت القضايا التي تحدثنا بشأنها منذ قليل، وللأسباب التي ذكرت سابقاً، هنا استحضر -على سبيل المثال- المساهمة الفرنسية في إجلاء الفلسطينيين عن بيروت في آب/أغسطس من عام 82 بعد محاصرتهم على أثر الاجتياح الإسرائيلي، طبعاً لا يعني هذا الأمر بالضرورة أننا كنا نتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية.

ضرب المصالح الفرنسية في بيروت وردة الفعل الفرنسية

سامي كليب: تحدثنا عن المفاوضات، عن وسائل الضغط، عن الوساطات التي قام بها الكثير من أصدقاء فرنسا، ولكن أود الآن أن نتحدث قليلاً عن وسائل الضغط الأخرى، أي عمليات الانتقام التي قامت بها فرنسا.

لنبدأ أولاً: باغتيال سفيركم السابق في بيروت (لوي دولامار) لماذا أسميتم سوريا مسؤولة عن ذاك الاغتيال وكيف كانت ردة فعل الرئيس الفرنسي؟

جيل ميناج: أعتقد أن الانتقادات التي كانت توجه إلى السفير لوي دولامار هي التي دلَّت على المحرض على الاغتيال، ذلك أنه كان حريصاً على مساعدة لبنان وعلى إعادة بناء جيش هذا البلد، وأعتقد كذلك أنه نظَّم أول لقاء بين (كلود شيسو) وياسر عرفات، وهذا الأمر كان سبباً للخلاف، طبعاً هذا التفسير الأول يؤدي بناء إلى اتهام سوريا، أما التفسير الثاني فإنه لمعرفة ما إذا لم يكن لعملية الاغتيال -أصلاً- علاقة بعملية خطف فاشلة مما يؤكد في هذه الحالة أن عملية اغتيال دولامار لها علاقة بالخلاف مع إيران، بمعنى أن النية كانت تتجه لاختطاف السفير دولامار بهدف الضغط على فرنسا لتسليم المعارضين: بني صدر ومسعود رجافي اللذين كانت تطالب السلطات الإيرانية بترحيلها إلى إيران.

سامي كليب: وفق المعلومات التي نشرتها في كتابك الرئيس ميتران بعد اغتيال سفيركم في بيروت لوي دولامار طلب الانتقام من سوريا وتفخيخ حتى مركز حزب البعث داخل سوريا، كيف جرى ذلك؟

جيل ميناج: لم أكن شاهداً على مثل هذه القرارات ولم أكن حاضراً، ولكنني لا أستبعد ذلك بالمرة.

سامي كليب: لننتقل إذاً للمسألة التي تخصك مباشرة، عام 83 أيقظك (شارل إيرنيو) ليخبرك بالانفجار الذي حدث ضد المظليين الفرنسيين في بيروت، أعلمت الرئيس، كيف كانت ردة فعل ميتران آنذاك، وكيف قررتم الانتقام؟

جيل ميناج: حدث ذلك في الثالث والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول وسافر الرئيس في اليوم التالي، مع بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وتحديداً خلال الأيام الثلاثة الأول منه بدأت الرؤية تتضح بشأن المسؤول عن هاتين العمليتين، تلقينا معلومات كثيرة من الـ CIA وأكدت صحتها أجهزة الاستخبارات الفرنسية، على رغم المعلومات التي كانت بحوزتنا فأنا لا أنكر أننا ربما أخطأنا، أما الاستنتاج الذي توصلنا إليه فمفاده أولاً أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق أمل الإسلامية بشأن العمليتين التفجيريتين...

سامي كليب: كنتم في طليعة من اتهم مباشرة أمل الإسلامية.

جيل ميناج: لست أدري، ولكن الأمر بديهياً مع أنه لم تصدر تصريحات تدينها علناً، لقد بحثت أجهزة الاستخبارات في كل الفرضيات وفي كل السيناريوهات، ومع أن الحقيقة لم تكن كاملة إلا أنه أمكننا إدراك عناصر أخرى أثبتت ضلوع أمل الإسلامية بمساعدة حزب الله على العمليتين. من جهة أخرى بحثنا في الدور السوري، هل غضَّ السوريون الطرف عن هذه العملية على رغم علمهم بها مسبقاً؟ إني أذكر أن الاعتقاد كان سائداً بيننا بشأن إمكانية ضلوع بعض الفلسطينيين المنشقين في هذه العملية. هذا إذاً ما توصلت إليه الاستخبارات منذ بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني.

أما عملي أنا فإنه يتمثل في إيصال المعلومات التي أحصل إلى رئيس الجمهورية، لم أكن آنذاك عاملاً بالإدارة العامة لأمن الدولة، بل بإدارة الأمن على التراب الفرنسي، حيث أعددت تقريراً عن العملية وسلمته إلى رئيس الدولة الذي كانت له مصادر أخرى للمعلومات، معنى هذا أنني لم أشارك في اتخاذ قرارات رد الفعل، لأنها تناقش في إدارة أخرى لا صلة لي بها، كما أن (كريستيان بوتو) رئيس مصلحة مقاومة الإرهاب لم يشترك هو الآخر في اتخاذ قرار الانتقام الذي استهدف سفارة إيران في بيروت، لا أستطيع أن أحدد الآن طبيعة رد فعلنا في حالة إعلامنا ولو كان الأمر كذلك لأبدينا بعض التحفظات عن هذه العملية، لأنه ثبت فيما بعد فشل مثل هذه الأساليب.

سامي كليب: حتى بتطبيق الأمر لم تكن القضية جيدة وذلك لأن الشاحنة التي وضعت أمام السفارة الإيرانية لم تنفجر.

جيل ميناج: ومع ذلك فإنها فشلت، اعتقادي أن الفشل -على رغم نتائجه المأساوية- كان أفضل لهذه العملية من النجاح، ذلك أن فرنسا كانت في واجهة الأحداث، واستعمل الإيرانيون الأدلة التي تدين فرنسا للتشهير بها في البرلمان أو في مجلس الشورى الإيراني، وبعد ذلك أصبحت العمليات الانتقامية واضحة ومعلنة، كما هو الحال في العمليات العسكرية التي عرفتها بعلبك يوم السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني..

سامي كليب: في بعلبك..

جيل ميناج: بعلبك نعم، خلال هذه العملية بدا واضحاً أننا ننسق تحركاتنا مع الطرف الأميركي.

سامي كليب: كنت أود أن أطرح عليك سؤال حول هذه العملية في بعلبك ضد أمل الإسلامية، قررتم مع الأميركيين أن تقودوا هذه العملية بشكل مشترك وتقوموا بها ولكن الأميركيين تراجعوا في آخر لحظة وأنتم استمريتم، لماذا؟ ما الذي دفع الأميركيين إلى التراجع ودفعكم إلى الاستمرار في العملية؟

جيل ميناج: لست أدري، لقد كان الأمر مفاجئاً بالنسبة إلينا إذ أعلن الأميركيون انسحابهم من العملية في آخر لحظة، وبما أن فرنسا كانت تنتظر مثل هذا الانسحاب استعدت له وقال الرئيس ميتران لا نعتمد على الأميركان في هذا الموضوع.

سامي كليب: أذكر جيداً (ريجان) الذي اقترح على ميتران هذه العملية.

جيل ميناج: كان هناك اتفاق لا أستطيع أن أكشف عنه، على أن الأميركيين لم يقدموا تفسيراً لذلك، وعندما اتصل (شارل إيرنيو) هاتفياً (ببرجر) وزير الدفاع الأميركي لم يحاول هذا الأخير تقديم تفسيرٍ لما حدث، واكتفى بالتعبير عن أسفه، لم نُلح في ذلك إذ لم يكن لدينا متسع من الوقت ومع ذلك فإن الأميركيين قدموا لنا مساعدة تقنية كالرادارات مثلاً.

المفاوضات مع أبو نضال وعلاقته بفرنسا

سامي كليب: أنت طبعاً تابعت مباشرة قضية أبو نضال والعلاقة مع فرنسا، متى بدأت الاتصالات السرية مع أبو نضال؟

جيل ميناج: في البداية كانت هناك اتصالات بين العاملين في إدارة جهاز مراقبة الأراضي وأعضاء منظمة أبو نضال، هذه الاتصالات أدت فيما بعد إلى مفاوضات فعلية بدأت عملياً خلال شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب من عام 83، بدأت بدعم من النمسا التي كانت بدورها على اتصال بممثلي أبو نضال.

سامي كليب: لماذا النمساويون هم الذين بدءوا الاتصالات مع أبو نضال؟

جيل ميناج: هذا أمر غريب، لأن النمساويين أنفسهم تعرضوا لرد فعل أبو نضال بسبب الدور الذي لعبه (رولو كراسكي) في التقارب الذي حصل بين دعاة السلام الإسرائيليين وياسر عرفات، كانت النتيجة المباشرة لذلك هي العملية التي استهدفت كنيس إسرائيلي في فيينا واغتيال مسؤول نمساوي.

على الرغم من غرابة هذا الأمر فإنه بالإمكان الوقوف على سببه ذلك أن العملية التي استهدفت الكنيس في فيينا أدَّت إلى سجن أحد أعوان أبو نضال، وبالتالي كان التفاوض من أجل إطلاق سراحه، هذا ما حصل.

سامي كليب: من الذي كان يقود المفاوضات من جانب فرنسا، لأني قرأت أن الكولونيل (فيليب روندو) كان يذهب دائماً إلى العراق لمفاوضة أبو نضال؟

جيل ميناج: أجل، لقد لعب الكولونيل (روندو) دوراً إيجابياً للغاية خلال المرحلة الأولى، وكان أول من ذهب إلى بغداد قبل النمساويين، ومنذ ذلك الحين بدأ أعوان أبو نضال بالتعبير بوضوح عن مطالبهم المتمثلة بإطلاق سراح منفذي عملية اغتيال عز الدين القلق (ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس)، والتي حصلت في شهر تموز/ يوليو أو شهر آب/ أغسطس من العام 78، جدير بالذكر أن وضع أعوان أبو نضال كان مختلفاً تماماً عن وضع أنيس نقاش وأعوانه، إذ حُكم عليهما بالسجن لمدة 15 عاماً، وهذا أقل بكثير من الأحكام التي صدرت بحق أنيس نقاش ومن كان معه، ولعل هذا ما دفعنا إلى اتخاذ تدابير عادية بهدف إطلاق سراحهم بعد قضاء نصف مدة حبسهم، هذا يتطلب تقديم طلب إلى لجنة تطبيق الأحكام التي تقرر تخفيض مدة السجن إلى النصف أو ترفض ذلك، بالنسبة للمقيمين في فرنسا فإنهم يتمتعون بالإفراج المشروط، أما بالنسبة للأجانب فيتم ترحيلهم عن فرنسا، هذا هو الفارق الذي كان حينها بين وضع أنيس نقاش ووضع أعوان أبو نضال، بل كانت هذه هي الفكرة، المفاوضات استمرت وكانت تجري من وقت لآخر، وخلال المفاوضات كان يطلب منا من حين لآخر الموافقة على فتح مكتب لحركة فتح في باريس، طبعاً كنا نجيب -قطعاً- بلا، كانت هذه الفكرة، أي فكرة فتح مكتب لحركة فتح في باريس مستبعدة كلياً لدينا جدير بالذكر أن منظمة أبو نضال كانت نشطة جداً في فرنسا خلال العام 85، مرد ذلك هو التطورات التي عرفتها القضية الفلسطينية، مثلاً الاتفاق الفلسطيني الأردني الذي عُقِد في شهر شباط/فبراير من العام نفسه، وطبعاً أصبح كل من شارك في هذا الاتفاق أو أيده مستهدفاً، الأردنيون مثلاً أو معاونو ياسر عرفات في حركة فتح أو المصريون، أي كل من كان يدعم الاتفاق، من دون أن ننسى هنا أن نذكر البريطانيين الذين تعرضوا أيضاً للاعتداءات.

سامي كليب: ولكن هل تعتقد أن الموساد لم يكن على علم بهذه الاتصالات مع أبو نضال؟

جيل ميناج: لست أدري، لا أملك الإجابة على هذا السؤال، ما أستطيع أن أقوله هو أن هذا الأمر لم يتعارض مع الخطوات التي كانت تتخذها الحكومة الفرنسية لحل هذه القضية، وقبل أن يقرر (روبير بادينتير) وزير العدل آنذاك نهائياً إطلاق سراح المسجونين كتب إلى رئيس الجمهورية ليوصيه بعدم الإقدام على مثل هذه الخطوة. للأسف مع بداية شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام 85 أصبح ملف القضية أكثر تعقيداً بعد عمليات التفجير التي كان مسرحها المركب التجاري (لافاييت) دون أن تتبنى أي جهة هذه العملية، ثم تصاعدت وتيرة أعمال التفجير فيما بين الثالث والخامس من فبراير في أماكن عامة في باريس، من حسن الحظ أن عملية برج إيفل كانت فاشلة ولو نجحت لأدت إلى أضرار كبيرة.

إذاً تواصلت المفاوضات وأبدى وزير الداخلية (بيير جوكس) إصراره على التخلص من هؤلاء المساجين، ولكن كنا نبحث عن الطريقة المثلى لذلك، بما أننا تعهدنا سابقاً بألا نتجاوز تاريخ السادس أو الثامن من شباط/فبراير وهو التاريخ الذي يوافق -تحديداً- نصف مدة السجن، فقد قررنا إذاً أن يكون الأمر كذلك، وبما أنه لم يكن بإمكاننا -طبعاً- إطلاق سراحهم مباشرة بعد عملية التفجير فانتظرنا 24 ساعة ورحلناهم إلى دمشق، لم نعلن عن ذلك إلا في نهاية شهر فبراير/شباط.

سامي كليب: هكذا كانت تدار إذاً قضايا ما يسمى بالإرهاب، ولعل ما قاله لنا جيل ميناج يبقى غيضاً من فيض أسرار الدولة التي لم نعرف عنها -نحن العرب- الكثير قبل أن يتفضل أحد صانعيها بكتابتها أو بترك بعض الصور حولها.