مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

جون بول كوفمان: كاتب وصحفي فرنسي

تاريخ الحلقة:

08/12/1999

- تعرف جون بول كوفمان على العالم العربي
- لقاء جون بول كوفمان مع ياسر عرفات

- تفاصيل اعتقال جون بول كوفمان عام 1985

- المسؤول عن عملية الاختطاف والأهداف منها

- إطلاق سراح جون بول كوفمان

جون بول كوفمان
سامي كليب
سامي كليب: يحلو للكاتب (البريطاني) الشهير (فولتير) أن يقول: إن الذين يملكون القدرة على صنع الشر فيختارون ألا يقومون بالشر هم أسياد العالم وأسياد مصائرهم، ويحلو للكاتب الفرنسي والصحافي الشهير (جون فول كوفمان) أن يردد هذه العبارة كلما تحدث عن تجربته المريرة في بيروت، فهو كما خطف في لبنان وبقي في الأسر ثلاث سنوات، بقي في الأسر، بقي في سجن وزنزانة صغيرة وشاهد بأم العين احتضار رفيقه الكاتب الفرنسي (ميشيل سورا) قيل الكثير عن عملية الخطف، قيل إن حزب الله أو الجهاد الإسلامي هما المتورطان، قيل أنه قد جرت بعض الصفقات بين فرنسا وإيران، لكن الكثير مما حصل آنذاك لم يحكي حتى اليوم، لذلك اخترنا أن يكون ضيفنا اليوم في هذه الحلقة من (زيارة خاصة) جون بول كوفمان.

في صيف الحرب العالمية الثانية ولد جون بول كوفمان وفي ربيع الحرب الأهلية اللبنانية اختطف بعد وصوله إلى مطار بيروت، صحفي في جريدة "لوناسير" بباريس ثم كبير مراسلي مجلة (...) تخصص في ا لشؤون الإفريقية في إذاعة فرنسا الدولية قبل أن ينتقل بالصدفة للاهتمام بالعالم العربي، فتعلق به وعرف ببراثن خزانته الكثير.

تعرف جون بول كوفمان على العالم العربي

سامي كليب: بداية كيف تعرفت على العالم العربي؟

جون بول كوفمان: أنا منذ دراستي في كلية الإعلام عام 67، في ذلك العام اندلعت حرب الأيام الست، وكانت هذه الحرب هي الحدث الأساسي في منطقة الشرق الأوسط، أنا بطبعي فضولي وأحب الاطلاع وكنت أتوق إلى التعرف على منطقة الشرق الأوسط، وقد تحقق هذا الحلم، سريعا اذ بدأت عام 70 العمل كصحافي في إذاعة فرنسا الدولية التي تبث برامج باتجاه العالم الخارجي، عام 71 سافرت للمرة الأولى إلى الشرق الأوسط.

سامي كليب: عام 67 تقول أنك تعرفت على العالم العربي وبدأت في الواقع تفهم الصراع العربي الإسرائيلي ربما آنذاك، لكن كيف عشت حرب الـ 67، هل كنت متعاطف مع العرب أكثر أم مع إسرائيل؟

جون بول كوفمان: عام 67 كنت لا أزال شاباً، وعلى الرغم من صغر سني كنت أهتم بالسياسة، وكنت متعاطفاً مع قضايا العالم العربي، وكذلك كان معظم طلاب جامعة (ليل) حيث كنت أدرس الصحافة، بالنسبة إلي إن إسرائيل كانت المعتدي، صحيح أن إسرائيل كانت تواجه 100 مليون عربي، ولكنني كنت اعتبر أن العرب هم الطرف الأضعف.

سامي كليب: ومع.. ومع لبنان متى اتعرفت على لبنان وكيف؟

جون بول كوفمان: لبنان هو البلد العربي الأول الذي زرته خلال رحلتي إلى الشرق الأوسط عام 70، كما أنه كان لدي صديق يدرس العربية في إحدى مدارس السعوديين في لبنان ويُدعى زياد زان، وعنه كتبت أول مؤلفاتي وهو كتاب بعنوان "اليهود والعرب في فلسطين" كنت مهتماً جداً بهذه المنطقة من العالم ومهتماً بالحضارة العربية وبالعالمين العربي والإسلامي، وقد سمحت لي الظروف بالتعرف إلى لبنان قبل كارثة الحرب الأهلية عام 75.

سامي كليب: هل وجدت لبنان عام 71 كما كنت تتخيله في ربما.. في قراءتك وأيضاً في معارفك هنا في فرنسا؟

جون بول كوفمان: نرسم دائماً في ذهننا صورة خيالية لبلد نحلم به ونطمح إليه، بالواقع إن كل ما سمعته عن لبنان وكل المعلومات التي جمعتها عنه كانت تندرج في إطار هذه الصورة، ولكن الواقع كان مغايراً.

سامي كليب: أول مهمة صحفية ذهبت بها إلى لبنان كانت حين تم اعتقالك أم قبل ذلك ذهبت إلى بيروت مرات سابقة؟

لقاء جون بول كوفمان مع ياسر عرفات

جون بول كوفمان: أجريت أول تحقيق صحفي في لبنان خلال حرب الشوف في جبل لبنان، بعد ذلك حصلت مشكلة محاصرة ياسر عرفات في طرابلس.

سامي كليب: تعرفت على ياسر عرفات؟

جون بول كوفمان: أجل.. أجل طبعاً في طرابلس حيث كان محاصراً وكانت المدينة تتعرض للقصف العنيف من المواقع الموجهة لها.

سامي كليب: ماذا كان يقول لك آنذاك؟ هل تذكر بعض حديثكم؟

جون بول كوفمان: عرفات كان رمزاً، كان محاطاً بالصحفيين الغربيين يؤمنون له تغطية إعلامية مهمة وتوازي بأهميتها وفاعلياتها وحدات إسلامية عدة، هذه التغطية سمحت له بالخروج من مأزق الحصار، كانت التغطية الإعلامية ناجحة جداً وسمحت له بالنجاة بنفسه، عرفات –كما عرفته- كان رجلاً في الوقت نفسه حاراً وبارداً وكان أيضاً ماكراً وديماجوجياً، عرفات كان يجعلك تتعلق به بسرعة.

سامي كليب: هل في حرب الشوف و أيضاً في لقاءات مع عرفات قد شاهدت آنذاك أشياء لم تذكرها هذا اليوم ربما حان وقت قولها؟

جون بول كوفمان: إن ما حصل لي في لبنان يشكل مفارقة في حياتي، فقد تبين لي سريعاً أن لبنان أرضاً خصبة للعمل الصحافي، فالفوضى التي تعم البلد كانت تسهل ظروف العمل، كنا ننتقل بحرية بين منطقة وأخرى من منطقة الدروز إلى التبة الخاضعة للمسيحيين بسهولة شديدة، إنه أمر مهم بالنسبة لكل الفضوليين، لبنان كان بمثابة الجنة لكل صحفي، لأنه كان يمارس مهمته بسهولة كبرى ومن دون رقيب، باختصار في لبنان عرفت الحرب.

سامي كليب: تعرفت لاشك على وليد جمبلاط، على بشير جميل وسمير زعزع آنذاك، القوات اللبنانية من جهة والزعيم الدرزي الاشتراكي من جهة أخرى، هل كنت تشعر أن الحقد فيما بينهم قد يؤدي إلى إلغاء أحدهم للآخر.. إلى إلغاء أحدهم للآخر مثلاً؟

جون بول كوفمان: الجواب صعب، كنا نشعر بالحقد اللامتناهي فيما بينهم، ولكن في الوقت نفسه كان إجراء مصالحة ممكناً، الوضع كان يشبه ما هو الوضع عليه بالخلافات العائلية، يتقاتلون ثم يتصالحون، لكنه تناقض لبناني بحد ذاته، هذه هي أيضاً حرب الجماعات العربية التي تعتمد كثيراً على إظهار المشاعر وهذا التعبير الكلمي، ولكن الكلام يسبق أحياناً كثير الأستار، إنه طبيعة إنسانية، في لبنان الأمور كانت تتغير وتتبدل بشكل سريع، أخصام الأمس يتصالحون، ثم يتقاتلون، الأعداء يصبحون أصدقاء، والعكس كان أيضاً صحيحاً.

انظرمثلاً إلى وضع ياسر عرفات كان حليفاً للرئيس السوري، ثم تحولت الصداقة إلى عداء، ولا يمكنني أن أقول أنهما تصالحا الآن، وباختصار لا شيء نهائي في هذه العلاقة.

تفاصيل اعتقال جون بول كوفمان عام 1985

سامي كليب: في 23 من شهر مايو عام 85 حصل اعتقالك، نود أن نعود إلى هذه التجربة الأليمة في الواقع، ولكن إلى بداياتها، كيف حصلت؟ وكيف شعرت في اللحظة نفسها؟

جون بول كوفمان: لقد رويت ما حصل عدة مرات.

سامي كليب: هذه.. هذه المرة الأولى لتلفزة عربية على ما أعتقد.

جون بول كوفمان: من الصعب جداً علي أن أتكلم عن تلك الفترة، لأنها تثير عندي الشعور بالضيق والملل سأشرح لكم ذلك.

سامي كليب: فقط ملل وليس حقد مثلاً.

جون بول كوفمان: كلا ليس حقداً، كلا، أقول مللاً لأنني فرضت على نفسي عدم الإكثار من الحديث، هناك أشياء لا يمكن نقلها إلى الآخرين ولا يمكن التعبير عنها أو وصفها، وحدهم الذين عاشوا ما عشته أثناء فترة اعتقالي يعرفون عما أتحدث، إنني غير قادر على رواية ما حصل، غالباً ما أكرر الشيء نفسه وأعيد ما قلته، ذلك ليس لأنني لا أريد أن أتكلم عن هذا الموضوع، بل لأنني غير قادر حتى الآن على سرد ما حصل لي، بالطبع يمكن أن أروي وقائع عملية اختطافي وأن أروي شريط أحداث ذلك اليوم في الثاني والعشرين من آيار/ مايو 85، أعتقد أن اختطافنا كان وليد الصدفة، كنت برفقة (ميشيل سورا) الذي كنت أعرفه معرفة سطحية عبر صديق نزال كنا معاً على نفس الطائرة التي أقلتنا من بيروت وكنا آخر الخارجين من المطار.

سامي كليب: فقط بالنسبة للمشاهدين الذين ربما لا يعرفون الكثير عن مكان الاختطاف أين حصل؟ هل يمكن أن تعود بنا قليلاً بالذاكرة إلى الخلف لتقول لنا أين حصلت العملية بالضبط؟

جون بول كوفمان: على طريق المطار عندما طاردتنا سيارة مرسيدس على متنها مسلحون أنزلونا من السيارة الأجرة التي كنا على متنها وتركوا صاحب سيارة الأجرة يذهب في حاله.

سامي كليب: كنت واصل لتوك إلى بيروت؟

جون بول كوفمان: كنا أخر المسافرين

سامي كليب: كان الهدف إجراء تحقيق؟

جون بول كوفمان: أجل ذهبت إلى بيروت لتغطية المعارك بين الفصائل الفلسطينية في محيط المطار تحديداً، ولإجراء تحقيق حول قرية مسيحية محاصرة، ولكنني اختطفت بعد ربع ساعة من وصولي إلى المطار، لم أدرك على الفور ما حصل لي، عندما أوقفنا الخاطفون طلبوا منا أن نعطيهم ما بحوزتنا من مال، فاعتقدت أن الأمر يتعلق بعملية سلب ثم أخذونا إلى مكان مهجور ولكنهم كانوا خائفين مثلنا كانوا متوترين.

عندما شعرت بأنهم على هذا الوضع، شعرت أيضاً في أن ساعة النهاية اقتربت، وبعد توقف داوم عشر دقائق في هذه الأرض المهجورة توجهت لدينا سيارة الخاطفين إلى وسط العاصمة بيروت، كان الليل بدأ يخيم على المدينة فدخلت ا لسيارة إلى مزار أرضي يتخذه حزب الله مقراً له، وقد احتجزنا في خلوة صغيرة في هذا المكان لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر على ما أعتقد.

سامي كليب: هل تتذكر وجوه الخاطفين؟

جون بول كوفمان: منذ اللحظات الأولى لاختطافنا وضعوا رباطاً على أعيننا، وهذا مؤشر مهم لأن ذلك يعني أنك لا يمكن أن تتعرف على الخاطفين وبالتالي لا تشكل خطراً عليهم، كان معانا طبيب لبناني يهودي لم يضع الخاطفون منديلاً على عينيه، هذا يعني الموت محقاً بالنسبة إليه، بعد حوالي شهرين على خطفنا نقلونا إلى طابق علوي، في هذا المكان سُمح لنا بنزع المنديل عن أعيننا فرأينا وجوه الخاطفين، كانوا لطفاء معنا إلى درجة يمكننا القول أنهم عاملونا بطريقة إنسانية نوعاً ما، وهنا رأيت وجه حارسي وكان لطيفاً معي، من دون الدخول في التفاصيل أقول أننا لم نكن نعرف المصير الذي يخبئه لنا الخاطفون.

سامي كليب: ولكن هل.. هل قالوا لكم شيئاً معيناً أثناء عملية الخطف؟

جون بول كوفمان: لم يكونوا يعطوننا معلومات كثيرة، والمعلومات التي كانوا يعطونها لنا كانت غير دقيقة أو مغلوطة أو غير كاملة، لقد فهمت لعبتهم بسرعة، في البداية عندما كانوا يقولون لنا سنفرج عنكم بعد أسبوع أو غداً كنت أشعر بفرحة كبيرة، ولكنني سرعان ما فهمت أنها أكاذيب، في بعض الأحيان كانوا يقدمون لنا بعض التوضيحات حول أسباب خطفنا، كانوا يقولون إنهم سيفرجون عنا مقابل الإفراج عن سجناء الكويت، ولكن مطالبهم كانت تتغير باستمرار، أحياناً كانوا يقولون إنهم خطفونا للضغط على الحكومة الفرنسية لوقف بيع السلاح للعراق.

سامي كليب: يعني تعتقدون أنه كان.. كان عملية الاختطاف في الواقع عملية تمهيدية لوضع مطالب فيما بعد، لم تكن معدة سلفاً، جاءت بالصدفة؟

جون بول كوفمان: كانوا حائرين في طريقة استغلال عملية خطفنا ميشيل سورا وأنا، قبل شهرين من ذلك خطف دبلوماسيين فرنسيين هما (فرقن) و(فيركونتان) في هذه الحالة كان الخاطفون يعرفون الجهة التي سيتعاملون معها والتي سيحددون لها المطالب مع الحكومة الفرنسية المسؤولة عن الدبلوماسيين، الأمر بالنسبة لي ولسورا كان مختلفاً أنا صحافي وهو باحث ماذا سيفعلون بنا، كان هناك فرق، ولكن هذه الحيرة زالت في شهر أيلول/ سبتمبر عندما نقلونا إلى نفس الخلوة التي كان يحتجز بها (فرقن) و(كوتتان) لقد اعتبر الإثنان أن جمعنا في نفس المكان مؤشر إيجابي، ولكنني شخصياً فهمت أن فيركونتان أنزل وأن رحلتنا نحو الجحيم قد بدأت.

سامي كليب: هل كانوا يتحدثون إليكم باللغة العربية، أم بالفرنسية، أم بلغات أخرى؟

جون بول كوفمان: ميشيل سورا كان يتكلم معهم بالعربية.

سامي كليب: يبدو أن أحدهم طلب منك أن تعلمه الفرنسية أيضاً؟

جون بول كوفمان: كانت تظهر لديهم أحياناً رغبة تعلم اللغة الفرنسية فيطلبون ذلك وبعد يومين لا يبدون أي اكتراث. كانوا يتصرفون أحياناً بعنف فلا يتورعون مثلاً عن تحطيم أي آلة أو غرض يشعرون في التحكم به، يمكنني أن أتفهم هذه التصرفات، وهؤلاء الشباب كانوا مهزوزي الشخصية.

بالطبع كان هناك القرآن وكلاشينكوف يمكن اعتبارهما حافزان مساعدان في تحديد شخصيتهم، أما بالنسبة للأمور الأخرى فقد كانت تصرفاتهم غريبة، أتذكر مثلاً الهوس الجنسي، لقد كان جُل أسئلتهم لنا عن الجنس، إنه تصرف غريب، كانوا أيضاً في نفس الوقت من هواة الأفلام الأميركية، كانوا يمضون النهار في مشاهدة هذه الأفلام، كانوا متعصبين ولكن للسينما الأميركية.

طبعاً لم يكونوا من كوكب آخر، بالنسبة لي كانوا كباقي البشر، من الصعب أيضاً التكلم عن السجانين بشكل عام، لا أريد أن أعطي صورة تفصيلية عن السنوات الثلاث التي أمضيتها في الاعتقال، ثلاث سنوات طويلة وقد عشت خلالها أحداثاً كثيرة ومررت بمراحل متعددة، حيث جبنا في 17 مكاناً مختلفاً الواحد عن الآخر، لم يكن لدينا دائماً نفس الحراس بعضهم تصرف بطريقة إنسانية، أذكر أننا كنا في أحد الأيام معصوبي الأعين وموثقي الأقدام، أحد الحراس كان يُدعى سعيد وكان في البداية عنيفاً جداً معنا، ولكن مع مرور الزمن بدأ يشعر بنوع من الرحمة في شأننا، من غير المنطقي أن نعمم وأن تكون لنا نظرة موحدة مع الحراس الملازمين لنا الذين يقدمون لنا الطعام كل يوم تصبح العلاقة علاقة تبعية، لا يمكن أن نتصادم معهم لأن المسألة تعني بالنسبة إلينا مسألة حياة أو موت، في البداية كانت العلاقة صعبة، ثم تحولوا إلى سجانين محترفين ونحن إلى رهائن محترفين.

سامي كليب: وميشيل سورا الذي كان يعرف القرآن جيداً والإسلام أيضاً والمنطقة العربية هل كان يتحادث معهم بهذه الأمور؟

جون بول كوفمان: ميشيل سورا كان يتحادث معهم أحياناً، الحوار معهم كان نادراً، في بعض الأحيان كان هناك نقاش خطير يطرحون علينا أسئلة غريبة، مثلاً: لماذا لست مسلمين؟ لأنني مسيحي، ولكن لماذا أنت مسلماً؟ كان لدي انطباع وكأنني في مسرحية عبثية.

سامي كليب: حين تقول أنهم كانوا عنيفين معكم في بعض المرات، كيف يمكن أن تفسر لنا هذا اليوم؟

جون بول كوفمان: أعتقد أن الحرب في لبنان دمر شخصية هؤلاء الشبان وانتزعت منهم المعالم التي كانوا يحتذون بها، هذه المعالم متمثلة في الديانة وفي الأسرة وفي المحيط الاجتماعي أيضا، إذن من الصعب الحوار مع أناس مضطربي الذهن بسبب العنف وبسبب الأجواء السائدة آنذاك، مرة جديدة أقول لا يمكنني التعميم بشأن كل المسؤولين عما حصل لنا، لا يمكن المقارنة بين العناصر المكلفة بحراستنا وبين الذين يصدرون لهم الأوامر، أنا سامحت حراسي وسامحت الذين اختطفوني، وسامحت إيران، ولكن أعتقد أن ذلك لا يكفر عن ذنوبهم، هناك أُناس لم يسامحوهم على ما فعلوا، ماري سورا مثلاً، ماري سورا التي فقدت زوجها نهائياً لم تصفح عنهم حتى الآن.

سامي كليب: على.. على ذكر ميشيل سورا، أنت كنت الوحيد في الواقع الأول حين وصلت إلى باريس الذي أعلن أن ميشيل سورا قد قتل أو توفي بالأحرى بمرض السرطان، وأنه دفن في مكان ما في لبنان، كيف تأكدت من موته؟

جون بول كوفمان: لا أحد يعرف بالضبط متى توفي، وحتى اليوم ليس لدينا أي دليل ملموس على وفاته، جثته لم تسلم حتى الآن إلى عائلته وهذا مصدر ألم كبير لزوجته وكذلك لابنتيه، ابنتاه اللتان يزورانني دائماً كي نتحدث معاً عن هذه المأساة، أحدثهن عن والدهن ولكن فترة الحداد لم تنتهي بعد بالنسبة إليهن، ونحن البشر بحاجة لرؤية موتانا ولمعرفة مكان دفنهم، حتى الآن ليس لدينا دليلاً حسي على وفاة ميشيل سورا.

كل ما نعرفه بالتأكيد عنه أنه نقل من مكان أعتقالنا وكان مريضاً جداً في شهر ديسمبر عام 85 تحديداً في الثامن والعشرين من ذلك الشهر على ما أتذكر، وبقي لمدة ما في زنزانة ملاصقة لزنزانتي.

سامي كليب: هل هو طلب نقل نفسه من الزنزانة؟

سامي كليب: أجل، أعتقد أنه طلب ذلك، لأنه كان يريد أن يموت لوحده، وقد دفعه إلى ذلك الانطواء على نفسه ولأنه لم يكن يريد أن يزعجنا وأن يجعلنا نتألم معه، نحن كنا نود أن نساعده، ولكن الإمكانات المتاحة كانت محدودة، لم يكن في حوزتنا أي دواء وكنا نتألم لرؤيته يحتضر، كانت هذه أكثر المراحل حزناً ومأساوية في فترة اعتقالنا، لأننا كنا نرى شخصاً أصبحت أيامه معدودة ويواجه الموت، بينما كان الخاطفون يطمئنونه ويقولون له: إنهم سيفرجون عنه، لقد صفحت عن الخاطفين، ولكننا عشنا على الكذب والنفاق خلال سنوات، هذا النفاق على ما أعتقد هو الذي أدى إلى وفاة ميشيل سورا كان سبب في فقدانه.

سامي كليب: هل كان الذين خطفوكم في الواقع والذين تولوا حمايتكم فيما بعد أو الإشراف على خطفكم هل كانوا يهددونكم بالموت كما قلت في.. في كتاباتك السابقة؟

جون بول كوفمان: هددونا بالموت مرات عدة، لذلك أعتقد أن العذاب والبؤس المطلقين غير موجودين، هذه الحقيقة قد تكون قاسية أحياناً، لأنك لا يمكن أن تعيش باستمرار على الخوف من الموت، لذلك قتلوا بعد فترة ما إلى التعايش مع هذه المخاوف ومع القلق الدائم من مواجهة ا لموت، صحيح أنه عندما هددني الخاطفون بالقتل لأول مرة خفت واضطربت كثيراً وشعرت بأن نهايتي قد اقتربت، ولكن معه تكرار تجربة التهديد بالقتل أصبحنا نتحدى الموت وأصبحنا نقول أيضاً للخاطفين: ماذا تنتظرون؟ اقتلونا الآن، هياأطلقوا النار، هل أنتم خائفون؟! كانت ظروف اعتقالنا صعبة جداً إلى درجة أننا كنا نتمنى أن نموت لنستريح، أنا لم تساورني أبداً فكرة الانتحار، ولكنها ربما كانت طريقة للخلاص.

سامي كليب: قلت أنه تم نقلكم حوالي 17 مرة، وفي بعض المرات كان النقل صعباً جداً فيما يشبه النعوش تحت السيارات إذا صح التعبير، هل لك أن تخبرنا عن ذلك بالضبط كيف كان يحدث؟

جون بول كوفمان: خلال سنوات الاعتقال تعايشنا مع مراحل كثيرة ومؤلمة، ولكن خوفنا الأكبر كان من عملية نقلنا داخل نعوش، أول نقل مؤلم لنا كان في آذار/ مارس عام 78، وكان الخاطفون متوترين جداً حينها لأن القوات السورية كانت قد دخلت إلى بيروت وقد انتشرت فيها بكثرة وأصبح السوريون يسيطرون على الوضع تماماً في المدينة، لذلك فإن الخاطفين كانوا يبحثون عن مكان أمين لاحتجازنا، وفي وسط الظلام وضعونا في نعوش من الخشب أو من الحديد لا أعرف، كان النعش نسبياً مريحاً بالمقارنة مع مكان اعتقالنا، وكانوا يضعون النعش تحت هيكل الشاحنة، تحديداً بالقرب من منفذ غازات المحرك، فكنا نتنفس دخان المحرك، الرحلة دامت 13 ساعة أو أكثر لا أعرف.

أتذكر أننا توقفنا بالقرب من ورشة بناء وكنت اسمع صوت الماء، الخاطفون اختفوا، لم نعد نشعر بوجودهم، اعتقدت أنهم سيتركوننا في هذا المكان داخل النعوش وانتابني شعور بأنني سأموت اختناقاً، لكن هذه التجربة علمتني ممارسة التحكم بمشاعري وبأعصابي وعلمتني عدم الارتعاب، وبعدما طال بقاؤنا في هذه النعوش أنا و(هونتان) و(كركون) شعرت حينها كأن ساعتنا الأخيرة قد اقتربت، شعرت أننا سنموت ببطء في هذه النعوش، ولكن بعد ساعات طويلة من الانتظار عاد الخاطفون ونقلونا إلى قرية قريبة من مدينة صور حيث بقينا لمدة سنة، بقينا في مبنى أعتقد أن الجيش الإسرائيلي كان قد اتخذه سابقاً مقراً له، لأننا كنا نرى آثار رسوم لنجمة داود.

خلال هذه السنة تم تغيير مكان احتجازنا مرتين أو ثلاث مرات وقد نقلنا دائماً في نعوش، كنا نخشى كثيراً عمليات النقل هذه ونشعر بالتحضير لها، لأنها كانت تتم بمواكبة عدد كبير من الحراس يأتون خصيصاً إلى مكان احتجازنا للمساعدة في نقلنا، كنت أخشى جداً هذه اللحظات، حتى الآن استيقظ مذعوراً في الرابعة صباحاً كل يوم.

سامي كليب: هل كانت هذه أصعب لحظة أو أصعب تجربة في عملية الخطف؟

جون بول كوفمان: كلا هناك تدرج في الخوف، هناك لحظات أقل قسوة من غيرها، منها مثلاً عندما وضعت مع رهينة أميركية في زنزانة واحدة لمدة ستة أشهر كنا نتحادث ونتبادل الأفكار مما جعل ظروف الاعتقال أقل صعوبة.

سامي كليب: بين الأربعة: أنت وفونتان وأيضاً... ميشيل سورا؟ من كان الأكثر صموداً في التعذيب؟

جون بول كوفمان: في البداية تألمت كثيراً، الساعات الأولى، اليوم الأول، الأسبوع الأول، والشهر الأول هي الأصعب، بعدها تتعلم رويداً رويداً التكيف مع الظروف وتصبح كما قلت خلال هذا الحديث رهينة محترفة، وفي النهاية تصبح قادراً على التحكم بكل المشاعر في كل الظروف، هناك أيضاً شعور متناقض لم أشعر يوماً في حياتي بأني حراً كما شعرت بالحرية عندما كنت مكبلاً ومعصوب العينين، لأن ذهني كان متحرراً وقادراً على الإفلات من سجني، وكان ينقلني إلى أينما أريد، خلال فترة اختطافي انتابني شعور عظيم بالحرية في حين كنت سجيناً، هذا أمر يصعب شرحه، يصعب القول من كان أكثرنا صموداً، مارشال فونتان كان متعدد الحرف وكان يحسن استخدام يديه على الرغم أنه كان دبلوماسي، ولذلك كان مارشال فونتان يتألم كثيراً، كان يتألم من البقاء مكبلاً في نفس المكان ومن دون حراك. كان يريد أن يتحرك، لذلك كان يتألم أكثر مني، أنا بطبعي أحب الوحدة، ومعتاد على أن أمضي ساعات طويلة من دون حراك، أنا رجل فكر وبالتالي من سنني أن استعيض عن الحركة بالتأمل وأن استخدم مخيلتي، كان أهون علي إذن أن أبقى مكبلاً.

المسؤول عن عملية الاختطاف والأهداف منها

سامي كليب: سنخرج قليلاً من.. من جنتك وعملية الخطف لنتوجه إلى الخاطفين من كان المسؤول عن العملية؟ من نفذها؟ ومن هي الدول المتورطة؟ ولكن قبل ذلك اقترح عليك أن نخرج إلى الحديقة ربما الحديث يصبح أقل (..).

في تحديدنا للمسؤوليات نتحدث قليلاً عن ميشيل سورا وجه آنذاك أو الخاطفون وجهوا –إذا صح التعبير- ندائين من أجل إطلاق سراحه وقالوا إنه كان مريضاً جداً، لماذا لم تتم الاستجابة؟ وهل تعتبر أن ذلك كان خطأ إذا إطلق سراحه؟

جون بول كوفمان: آه أجل طبعاً، لكن المسؤولية الأولى هي على عاتق الخاطفين وليست على عاتق فرنسا أو على الحكومة الفرنسية التي لم تستجب لمطالبهم، إن الخاطفين هم المسؤولون الأولون لا يمكننا أن نخطئ في تحديد المسؤوليات.

سامي كليب: حين كنتم توزعون الأشرطة المسجلة ونرى فيها أنكم كنتم مكبلين اليدين.. مكبلين اليدين والرجلين هل كان الخاطفون هم الذين يقررون مضمون الأشرطة؟

جون بول كوفمان: الأمر بسيط جداً، كان الخاطفون يفرضون علينا ما نقول، مثلاً أن نطلب وقف تسليم الأسلحة إلى العراق، فالخطاب يتغير حسب الظروف، أحياناً أيضاً كانوا يطالبون بتحرير السجناء في الكويت أو أيضاً بالنسبة للباقي فكنا نخترع .. كنا نؤلف ما نقول، لكنني كنت سعيداً بذلك، حقيقاً هذه الأشرطة عبرت عن الصورة التي كنا نمثلها، الأمر مهين فعلاً، عندما أرى هذه الأشرطة اليوم أشعر بالرعب،أرى الحالة التي كنا فيها وأرى العار الذي أجبرونا على معاناته، كان الأمر مرعباً جداً بالنسبة لنا، لكنني كنت سعيداً بالأشرطة لأنها كانت وسيلة لإعلام عائلاتنا وأقربائنا بأننا أحياء، كانت وسيلة ليعلموا ماذا يحصل لنا.

سامي كليب: ولكن.. ولكن الأشرطة خلقت آنذاك جدلاً كبيراً، هل كان يجب أن توزع على التلفزات أم لا، وحتى بعض الأشرطة يقال أنها منعت، هل تعتقد إنه ذلك أيضاً كان خطأً سياسياً؟

جون بول كوفمان: أجل أجل خلق جدلاً فعلياً البعض قال إن توزيعها يخدم مصلحة الخاطفين، زوجتي وأصدقائي الذين تجنبوا طويلاً وبطريقة فعالة في السنوات الثلاث من خطفي لمتابعة قضيتي هؤلاء اعتبروا أن على وسائل الإعلام المرئية بث الأشرطة، وقد خلق ذلك جدلاً فعلياً بين الإدارات في تلك الوسائل الفرنسية وبين زوجتي وأصدقائي.

سامي كليب: ولكن جون بول كوفمان أنت تقول في كتابك بعد إطلاق سراحك أنه لو تحركت فرنسا خلال الشهر الأول أو الثاني أو الثالث لربما كنا استطعنا إيجاد وسيلة لإخراجكم، فإذن لماذا لم تتحرك برأيك آنذاك فرنسا مباشرة؟

جون بول كوفمان: إنك تطرح مشكلة فعلية الآن، لا أريد أن أضع المسؤولية على عاتق وزير الخارجية آنذاك أي (رونالدولا).

سامي كليب: والذي على ما يبدو أنه كان يحتقركم كما تقول في مذكرتك.

جون بول كوفمان: أجل، بالفعل أظهر نوعاً من الاحتقار لما جاء.. الطريقة التي عالج القضية بها يمكن تفسيرها بالاحتقار، من الواضح أنه كان يجب التصرف بسرعة، في الأيام والأسابيع الأولى كان عليه الإسراع في إرسال مبعوثين إلى العالم العربي كله إلى بيروت إلى دمشق وإلى طهران، حصل تضييع للوقت لا يغتفر أظن أن وزير الخارجية وأن الاشتراكيين آنذاك أن بعضهم على أي حال لم يعي على ما أعتقد أهمية عملية خطفنا، هذا الوقت الثمين الذي أضاعوه أدى إلى قضائنا ثلاث سنوات في السجون اللبنانية.

سامي كليب: بعد إطلاق سراحك قلت شكراً (لشيراك) وكان آنذاك شيراك رئيساً للحكومة بينما (فرنسوا ميتران) كان رئيساً للجمهورية، هل تعتقد أن شيراك هو الذي وقف وراء إطلاق سراحكم فقط؟

جون بول كوفمان: حتى اليوم مازالت أمور كثيرة مبهمة حول ظروف إطلاق سراحنا، لكن في الواقع الذي أدى إلى تحريرنا هو جاك شيراك، وفعلياً (شارل...) وزير الداخلية وأيضاً (جون شال ماركني) الذي حررني شخصياً والذي دخل فعلياً إلى عرين الأسود، أقر بأن بعض المعلومات تدفعني إلى الاعتقاد بأن الإليزيه أي فرانسو ميتران كان يميل إلى إطفاء سير الأحداث.

سامي كليب: صحيح أن ميتران لم يفاوض آنذاك وأن شيراك ربما الذي كان في الواجهة، ولكن قيل أيضاً أن ميتران لم يكن يريد أن يتصل بإيران أو بالخاطفين، بينما شيراك دفع أموالاً عبر (..)من خلال تعامله مع لبنانيين في إفريقيا، ما هي صحة كل ذلك؟

جون بول كوفمان: في الوضع الذي خيم آنذاك من الممكن بل من المحتمل أن يكون تم دفع بعض المال، ليس لدي أي دليل، لكن هناك شائعات كثيرة حول ذلك، أعرف على أي حال بأنه يجب النظر إلى الوقائع، تكلمنا منذ قليل عن مطالب الخاطفين التي قدمت عبر أشرطة الفيديو، كانت المطالب الرئيسية ثلاث، أولاً: وقف تسليم الأسلحة إلى العراق، لكن لم يتوقف ذلك، كانوا يطالبون بترحيل السجناء في الكويت، حرروا عام 91 بعد حرب الكويت، ثالثا تحرير (...) قرطاج، لكنه لم يحرر إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات من تحريرنا، إذن.. إذن استندت إلى المطالب التي تقدم بها الخاطفون رسمياً، لا يمكن أن أقول بأن أي شيء منها تحقق عندما أطلق سراحنا.

أضيف إليها مطلباً آخر تسديد ديون (...) لكن تسديده اقتضى سنوات عديدة، هذه هي الوقائع، لكنني لست متشائماً، ونعرف الحقيقة كما هي الحال دائماً. على أي حال سيتغير الوضع السياسي يوماً ما، ستحصل تغيرات في إيران مثلاً، ولقد رأينا كيف أنه مع انهيار الشيوعية انكشفت الأسرار كلها وانجلى الغموض الذي كان يحيط بقضايا عدة وأصبحنا نعرف كل شيء عنها اليوم.

سامي كليب: هذا طبعاً بالنسبة إلى الجدل الفرنسي الفرنسي الداخلي، ولكن ما هي المعلومات التي تجمعت لديك حول عملية الخطف وكيف تم التفاوض؟

جون بول كوفمان: أظن أن كل شيء قد قرر بين باريس وإيران، المشاكل التي نشأت في اللحظة الأخيرة سببها الخاطفون أي الجهاد الإسلامي أو حزب الله إذا شئت، لم تكن المصالح نفسها بالنسبة للطرفين، لكن حصل ضغط قوي من الطرف الإيراني، إيران كانت ترغب حينها في الانفتاح باتجاه فرنسا بسبب عزلتها آنذاك، لذلك فرضت على خاطفينا إطلاق سراحنا.

إطلاق سراح جون بول كوفمان

سامي كليب: أعرف أنه.. أن الرئيس الفرنسي وربما الرئيس الحالي جاك شيراك الذي كان رئيساً للوزراء قد أعطى أوسمة للبنانيين ساهموا في إطلاق سراحك، هل حاولت أن تعرف المزيد عن هذا الموضوع؟

جون بول كوفمان: طبعاً بالتأكيد، أسأل دائماً (جون شال ماركني) الذي ساهم في إطلاق سراحي هو صديقي وأراه دائماً، إنه يعرف مداخل هذه القضية ومخارجها، لكنه لا يستطيع إخباري بكل شيء، فالمسؤولون مازالوا على قيد الحياة، ينبغي أن نتحلى بالصبر، إن الله مع الصابرين كما يقول القرآن، فلنتحلى بالصبر.

سامي كليب: ماذا عرفت؟

سامي كليب: علمت أنه حصلت مساومات وحصلت وساطات من الجانب الإفريقي. لقد تم تحريرنا بحضور شيخ إفريقي، هذا الشيخ هو من داكار أو من أبيدجان على ما أعتقد لم أعد أتذكر تماماً، وعندما قرأت كل ما كتبته الصحافة وما كتبه الصحافيون عن اعتقالنا وعن فترة احتجازنا كتبوا كأنهم كانوا يعلمون كل شيء، ولكن هذا لم يكن صحيحاً، علمني ذلك التواضع في مهنتي، لقد كتب الكثير من التفاهات ونُشر العديد من الأخبار غير الدقيقة حول هذا الموضوع، لذلك ربما لا يمكنني أن أمارس مهنتي اليوم لأنني أدركت ما هي الحدود.

سامي كليب: هل طرحت السؤال على جاك شيراك كيف تمت عملية إطلاق سراحكم؟ وماذا قال لك؟

جون بول كوفمان: كلا، لم أفعل، لم أفعل لأنني أعرف أنني لو فعلت لكنت حصلت في الوضع السائد آنذاك على إجابات غير كاملة عن أسئلتي.

سامي كليب: كان هناك أيضاً لاعبان في لبنان أساسيان، اللاعب الأول سوري والثاني إسرائيلي، ما هو الدول الذي لعبه كل من البلدين؟

جون بول كوفمان: في الواقع دمشق لعبت دوراً غامضا في هذه القضية، لاشك أن السوريين كانوا على علم، أي إنهم كانوا يعلمون أين كنا محتجزين، لا أريد القول بأنهم وراء تلك العملية، لكنني أريد أن أعرف درجة المسؤولية.. المسؤولية السورية في هذه القضية، لا أظن أن سوريا بريئة تماماً من أي علاقة بهذه القضية، أما بالنسبة إلى دور إسرائيل فالأمر يدعو إلى التساؤل، بعد إطلاق سراحي قلت في مؤتمر صحفي هو الأول، قلت بعض الأمور التي لم تنقلها الصحافة الفرنسية أبداً، قلت أنه لو لم يتم الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 82 لما كنا خطفنا، وعندما استجوبتنا أجهزة الاستخبارات الأميركية قلت لهم: لا أريد أن أخبركم بشيء لأنكم ستنقلونه إلى الجهات الإسرائيلية.

سامي كليب: أي نوع.. أي نوع من الأسئلة طرحها عليك جهاز الـ CIA.؟

جون بول كوفمان: كان هناك بعض الرهائن الأميركيين في لبنان آنذاك، أرادوا معرفة مكان احتجازهم، لم أكن.. لم أكن مستعداً لإعطاء أي دلائل لأنني كنت خائفاً من أن يتمكن الأميركيون أو من أن يتمكن الفرنسيون أو غيرهم من تحديد مكان احتجازهم، كنت أخشى.. كنت أخشى أن يرسلوا فرقة كوماندوز لإطلاق سراح الرهائن مما كنا سيتسبب بقتلهم، قررت إعطاءها أقل قدر ممكن من المعلومات.

سامي كليب: هل اليوم أنت مقتنع تماماً أن حزب الله هو الذي خطفك وأن إيران كان واقفة خلفه؟

جون بول كوفمان: بالطبع، عندما يطالب بأمر ما كأنك تتحمل المسؤولية عن هذه المطالب، لماذا طلبوا بالإفراج عن السجناء في الكويت إن لم يكن لهم علاقة بالخاطفين، لماذا طالبوا بالتوقف عن تسليم الأسلحة إلى العراق؟ لا يمكن أن تكون إسرائيل أو تركيا وراء ذلك، فالمطالب كانت بمثابة اعتراف بالمسؤولية.

سامي كليب: آنذاك اتهمت أيضاً مارجريت تاتشر بعد إطلاق سراحك بأنها كانت تتمنى موت البريطانيين أن المسألة أصبحت مزعجة جداً، هل فعلاً البريطانيون لم أيضاً يريدوا التفاوض، لم يردوا التفاوض بشأن إطلاق سراح البريطانيين المختطفين؟

جون بول كوفمان: أجل صحيح أنني سافرت إلى لندن بعد إطلاق سراحي مباشرة، لأنه بالنسبة إلي كنت سأشعر وكأنني لا أزال مخطوفاً طالما لم يتم تحرير سائر الرهائن، ذهبت إلى إنجلترا والتقيت بوزيرة الخارجية وأدركت آنذاك أن البريطانيين لا يقومون بجهد كبير لتحرير الرهائن، أنا أحترم مارجريت تاتشر ولكنها لم تهتم كثيراً بتحرير الرهائن البريطانيين

سامي كليب: اليوم أنت بتتوجه ربما إلى الخاطفين الذين يحضرون هذه الحلقة، ماذا تود أن تقول لهم؟

جون بول كوفمان: قبل كل شيء ينتابني شعور غريب عندما بدأت تطرح علي الأسئلة باللغة العربية منذ بداية هذا اللقاء، فاللغة العربية أصبحت بالنسبة إلي لغة اضطهاد، عندما أسمعك تتكلم العربية كأنني أسمع الذين احتجزوني، ينتابني الشعور نفسه كشعور الفرنسيين الذين عاشوا فترة الاحتلال الألماني عندما يسمعون النازيين يتكلمون، أكيد هذا الشعور (مجحف) في حق اللغة العربية والحضارة العربية وبحق الإسلام، هو شعور ناجم عن تعسف الخاطفين، إنها مسؤولية الخاطفين، ما هي النتيجة؟ إنها خسارة كبيرة، ربما لا يقدر الخاطفون نتيجة عملهم على الساحة الفرنسية إن العنصرية تتغذى بأعمال كهذه وأصبح هناك جهل متزايد للإسلام الذي يتم ربطه غالباً بالتعصب، والذي يتم ربطه أيضاً بالعنف وبعدم التسامح إن عدم فهم الأوروبيين للشعب العربي قد نما وقد تغذى من هذا السلوك، يدفع ثمن ذلك ضحايا العنصرية من الجزائريين والتونسيين والمغاربة الذين يعيشون في فرنسا، إنها خسارة فعلاً.

أتوجه إلى الذين احتجزوني لأقول لهم إنني عفوت، الإنجيل يطلب منا أن نحب من أساء إلينا، لم أصل بعد إلى هذا الحد من الإيمان، المسيح قال أن نحب أعداءنا، لكن أن نحب من أساء إلينا أمر صعب للغاية، لم أصل إلى هذا الحد بعد، على أي حال لا أسعى إلى الانتقام، لا أسعى إلى الانتقام، لقد سامحتهم، لكن يجب أن يتحملوا مسؤولية عملهم يوماً ما، يجب أن يتحملوا هم مسؤوليتهم تجاه التاريخ، تجاه بلدهم، وتجاه الضحايا، لأن بعض الضحايا فقدوا حياتهم هناك، أنا نجوت من الموت وأصبح للحياة عندي معنى آخر ونكهة أخرى أعمق من قبل، لكن هذا ليس بفضلهم، ليسوا هم من أعطاني هذا الرقي الإنساني، حاولت أن أحول هذا المحنة إلى نوع من الحرية، هذا ما جنيته لكنني أكرر مرة أخرى إنها خسارة كبيرة.

سامي كليب: لاشك أن جون بول كوفمان نسي الكثير من ذكرياته الأليمة لكن عمله اليوم بالرواية تارة وبصناعة النبيذ تارة أخرى لم ينسياه حب الصحافة، فترك السياسة ويرأس تحرير مجلة متخصصة (...) مطبقاً المثل الشهير "دخن عليها ستنجلي".