مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

جان لوي بروغيير: قاضي

تاريخ الحلقة:

27/12/2002

- علاقة حزب الله بالإرهاب من وجهة نظر بروغيير
- ملاحقة أبو نضال وتعامل بروغيير مع القضية

- قضية تفجير طائرة UTA وحقيقة اتهام ليبيا فيها

- قضية جورج حبش وكيفية تعامل بروغيير معها

سامي كليب: إذا كان ضيفنا اليوم اشتهر على المستوى العالمي، حين ركب السفينة الحربية الفرنسية وذهب إلى ليبيا للتحقيق في قضية تفجير الطائرة، فإن أي ملف حول الإرهاب لم يذكر إلا وكان فيه فهو الذي لاحق أبو نضال، وهو الذي أشرف على اعتقال كارلوس في السودان، والذي أشرف أيضاً على تفكيك الخلايا الإسلامية الجزائرية على الأراضي الفرنسية، ويستمر اليوم بملاحقة ما تسمى بملفات الإرهاب.

رفض أن نصور في منزله، لأنه يخشى على عائلته وأمنه، لذلك نُضطر للقاء القاضي الفرنسي، الذي وصفه البعض بالأميرال والبعض الآخر بالـCowboy هنا في فندق باريسي ضيفنا اليوم هو القاضي الفرنسي الشهير جان لوي بروغيير.

عام 1989 تفجرت طائرة UTA الفرنسية وتناثرت حطاماً فوق صحراء النيجر، خلف التحقيق رجل اسمه جان لوي بروغيير، عام 1994 خطف إسلاميو الجزائر طائرة إلى مطار مارسيليا الفرنسي، قُتل الخاطفون، تسلم التحقيق سيد مكافحة الإرهاب في فرنسا جان لوي بروغيير، عام 95 تفجرت قطارات باريس تولى التحقيق قاض اسمه جان لوي بروغيير وعام 94 تم تخدير كارلوس وخطفه من السودان، فقبض جون لوي بروغيير، على ملفه، وكلما اعتقل إسلاميون كان الرجل على شاشات فرنسا والعالم يشرح الجانب القانوني، فمن هو هذا الحامي لسلاح القضاء، يرهب الإرهابيين ويدك عروش ساسة بلاده لو تدخلوا في عمله؟ من هو القاضي المغامر المجنون بجرأته؟ وهل أن لعائلته التي قدمت للقضاء الفرنسي عشرة أجيال من القضاة تأثيرها عليه وما الذي أوصله بداية إلى حزب الله اللبناني هل الحزب يدخل في تعريفاته حول الإرهاب؟

علاقة حزب الله بالإرهاب من وجهة نظر بروغيير

جان لوي بروغيير: هذه مسألة حساسة بعض الشيء، لأن حزب الله كان على ما يبدو متورط في عمليات لها طابع إرهابي، وُجدت تحقيقات قضائية في السنوات الماضية، وقد توليت بنفسي ملفات من هذا النوع قبيل التسعينيات أما اليوم فإننا أمام مشكلة مختلفة ذلك أن الأمر يتعلق الآن بإسلام راديكالي دولي ذو خلفية سنية ويدور في مناخ جهادي متطرف وعنيف جداً ومختلف تماماً عن التهديد الشيعي

سامي كليب: هل حزب الله كان مثلاً خطراً على فرنسا؟

جان لوي بروغيير: كان خطراً قبل التسعينيات وتحديداً بين عامي 1982، و1987 وحتى بعد ذلك أي في إطار الصراع في لبنان، حيث كانت فرنسا والولايات المتحدة وغيرهما متورطة هناك، وقد وقعت بعض العمليات المحددة الأهداف.

سامي كليب: هل.. هل تذكر مثلاً بعض ما قام به حزب الله وهدد فرنسا؟

جان لوي بروغيير: من الصعب الإجابة على نحو دقيق، فقد نجحنا مثلاً في تفكيك شبكات دعم كانت تستعد للقيام باعتداءات، كما صادرنا متفجرات صُنِّعت في جنوب فرنسا ومناطق أخرى، وفي دول أخرى على غرار إسبانيا، كان ذلك بإشراف حزب الله الذي كان خاضعاً آنذاك لدولتين، أما الخطر اليوم فهو مغاير تماماً، هو لم يعد التهديد ممولاً مثلاً من دولة محددة.

سامي كليب: هل أنت اتصلت بحزب الله في خلال التحقيقات؟

جان لوي بروغيير: ليس بصورة مباشرة فأنا قاضي وليس من مسؤولياتي الدخول باتصالات مع الحزب، لدينا قضايا ذات طبيعة قضائية ونتصل وفق القانون بأجهزة الشرطة أو الاستخبارات ولو كان علينا آنذاك مثلاً التحقيق مع عناصر من حزب الله، فإن اتصالاتنا كانت ذات طبيعة قضائية، أي عبر محاميين أو مكاتب محاماة، أما الاتصالات المباشرة فهي ممنوعة.

ملاحقة أبو نضال وتعامل بروغيير مع القضية

سامي كليب: طبعاً في العودة إلى بداية عملك كقاضي كان ذلك وسط العديد من الأحداث، الأحداث التي هددت فرنسا مثلاً إيران وكل ما انعكس من تجارب إيرانية على السلطة.. على الأراضي الفرنسية، أيضاً الشرق الأوسط أبو نضال، مثلاً: دخول أيضاً (فرانسوا ميتران) إلى السلطة في فرنسا، إذن بداية عملك ترافقت مع العديد من الأحداث الإيرانية وأيضاً الشرق أوسطية، هل كان أول اتصالك مع هذه القضايا ملاحقة أبو نضال؟

جان لوي بروغيير: كما تعلمون، منذ عام 1981 وخصوصاً عام 1982 عرفت فرنسا موجة من الإرهاب، وأول قضية توليتها في التاسع من أغسطس/آب عام 82، وكنت حينها شاباً تعلقت بتفجير مطعم يهودي في شارع (لاروزييه) في باريس والذي للأسف لم نعرف من وقف خلفه، تقدمنا آنذاك على مستوى التحقيقات بشأن هذه القضية التي نسبت إلى حركة فتح –المجلس الثوري أي فريق أبو نضال وكان انفجاراً كبير الجرأة شابه تفجيرات أخرى وقعت في أوروبا.

سامي كليب: هل تطلب منكم الكثير من الوقت، حتى تعرفوا من كان وراء هذا التفجير؟

جان لوي بروغيير: في البداية حصلنا على معلومات من أجهزة الاستخبارات تقول: إن الانفجار يحمل توقيع جبهة الرفض، أي التنظيم الفلسطيني المتطرف، وحامت شبهات طبعاً حول تنظيم أبو نضال ولكننا كنا نفتقر في الواقع لدلائل دامغة، وبعد عمل تقني هائل وتعاون دولي كثيف حيث أجرينا مثلاً مقارنة للسلاح مع عمليات مشابهة حصلت في دول أخرى نجحنا في الوصول إلى نتائج، خصوصاً من خلال التعاون الدولي الذي كنت في طليعة الراعين له لأن الخطر آنذاك كان ذا طبيعة دولية ويتطلب جواباً دولياً.

سامي كليب: هل بعض الدول العربية ساعدتكم في ذلك أيضاً؟

جان لوي بروغيير: ليس في تلك المرحلة، إذا ما كنت تعني المستوى القضائي أولاً لأننا لم نطلب ذلك، ثم لأن الوضع الجيوسياسي في تلك الفترة لم يكن مشابهاً للوضع القائم حالياً، آنذاك كان التوتر ثنائي القطب بين موسكو وواشنطن، وبعض الدول التي كان يمكن أن تساعدنا مثلاً كانت أقرب إلى المعسكر السوفيتي منه إلى الغرب، ويمكن أن تتخيل صعوبة العمل مع دول كانت تقدم مثلاً دعماً للمنظمات المتطرفة أو تضمن لها على الأقل ملجأً على أراضيها.

الوضع كان إذن أكثر تعقيداً في حينه، وعملنا بالتالي بأسلحتنا ووسائلنا الخاصة وتحديداً على المستوى الأوروبي في مجال التعاون القضائي.

سامي كليب: خصوصاً مع السويسريين أيضاً.

جان لوي بروغيير: نعم، مع السويسريين ولكن أيضاً مع الإيطاليين، خصوصاً بعد الاعتداء على الكنيس اليهودي في روما، وكذلك مع النمساويين والبلجيكيين، ومن خلال تحقيقاتنا في البرتغال سيَّما بعد المؤتمر الفلسطيني الهام الذي عُقد في جنوب البرتغال حصلنا على معلومات كبيرة الأهمية وكنا قريبين جداً من الوصول إلى نتائج حاسمة، لا بل كنا نعتقل أحد المتورطين، لكنه نجح لاحقاً بالفرار واليوم نحن واثقون من أن تفجير المطعم اليهودي في فرنسا هو صنيعة فتح- المجلس الثوري.

سامي كليب: (جيل ميناج) الذي كان مستشاراً للرئيس فرانسوا ميتران يقول في كتابه في الواقع "أين السلطة" أن فرنسا دخلت باتصال مباشر مع فريق أبو نضال، خصوصاً عبر السويسريين أو بشكل مباشر، هل كنت على علم بهذه الاتصالات؟

جان لوي بروغيير: لا لا، لسبب بسيط ذلك أن العمل القضائي منفصل تماماً عن العمل السياسي والعمل الاستخباراتي السري، ولكن -وكما في كل دولة قانون كفرنسا- فإن العمل القضائي يتم بالتعاون مع مختلف الأجهزة والاستخبارات لتحديد مسؤوليات المتورطين باعتداء ما، ثم هناك الجانب السياسي، حيث يكون من الطبيعي لدولة ما أن تبحث لمعرفة مصدر التهديد، وتحاول تقديم مقاربات مختلفة، والقيام باتصالات سرية مع مسؤولين في دول أخرى لتفادي اعتداءات محتملة، والعمل القضائي يبقى مستقلاً، ولكني أؤكد أني لم أُبلَّغ آنذاك بالاتصالات مع أبو نضال وهذا لا يفاجئني، فجيل ميناج كان مسؤولاً سياسياً هاماً، لكونه مديراً لمكتب ميتران، وبالتالي مقرباً منه ومن الطبيعي إذن أن يكون على علم بذلك بعيداً عن القضاء.

سامي كليب: سيادة القاضي، يعني طبعاً أبو نضال قام بالعديد من العمليات ضد فرنسا أو على الأقل أُتهم بهذه العمليات، لماذا حتى اليوم لم تستطيعوا أن توقفوه من الذي أعاق التحقيقات آنذاك بشأنه؟

جان لوي بروغيير: بالنسبة لأبو نضال هناك مسألتان ينبغي أخذهما بعين الاعتبار، فقد كنا نقول دائماً: إن الاعتداءات تحمل توقيع أبو نضال، ولكن يجب تقديم الدليل الدامغ على ذلك، بمعنى آخر يمكننا أن نحل قضية معينة ونكتشف تورط بعض الأشخاص الذين نعرف أنهم منتمون لفتح المجلس الثوري وإذا ما توصلنا إلى ذلك، فيجب حينها أن نقدم الدليل على أن أبو نضال نفسه قد أعطى الأوامر حول هذه القضية، وهذا أمر بالغ الصعوبة يمكن توريطه في الإطار العام وليس في قضية محددة، فمثلاً تفجير المطعم اليهودي في شارع (لاروزييه) لم يتبين قضائياً حتى الآن أن أبو نضال نفسه متورط في ذلك، وبالتالي لا يمكن إصدار مذكرة توقيف بحقه، هذه نقطة أولى.

سامي كليب: حتى الآن.

جان لوي بروغيير: حتى الآن، ليست بين أيدينا أية قضية تورطه، وليست لدينا دلائل كافية تسمح لنا بإصدار مذكرات قضائية ضده خلافاً لما فعلنا مع غيره، فالأمر لا يتعلق هنا بمن هو خلف السبب الأيديولوجي لهذا الاعتداء أو ذاك وإنما بالرجل الذي أعطى الأوامر لهذا الشخص أو ذاك، للقيام بهذا العمل مثلاً.

سامي كليب: هل يمكن أن يكون بريئاً مثلاً مما حصل في فرنسا؟

جان لوي بروغيير: لا، فتنظيمه متورط في اعتداءات حصلت على الأراضي الفرنسية أو ضد مصالح فرنسا، ويمكن أن أعطيك مثالاً على ذلك: قضية الاعتداء في أثينا فهناك عثرنا على بعض القتلى وتبين لنا من خلال التحقيقات بهوياتهم أن بعضهم كان من كبار كوادر أو مسؤولي فتح - المجلس الثوري، وهنا إذن كان تورط تنظيم أبو نضال واضحاً تماماً، ولكن حتى في هكذا نوع من الاعتداءات وتوقيف مسؤولين كبار يجب تقديم الدليل القضائي على أن المسؤول الأول متورط وكيف.

أما المسألة السياسية التي أشرت إليها فهي صحيحة، ذلك أن أبو نضال كان يتنقل آنذاك من مكان إلى آخر، ولم نكن نعلم من هي الدولة المضيفة له، فهو كان تارة في ليبيا أو في سوريا وتارة أخرى في العراق ولم يكن التعاون القضائي مع تلك الدول آنذاك سهلاً بناء على الإطار السياسي الذي أشرت إليه قبل قليل.

سامي كليب: هل ذهبت إلى سوريا مرة..؟

جان لوي بروغيير: لا لم `أذأأأأأأذهب أبداً إلى سوريا.

سامي كليب: لماذا لم.. لماذا لم تذهب إلى سوريا؟ هل فعلاً أنك كنت تبغض الرئيس الراحل حافظ الأسد؟

جان لوي بروغيير: لم أكن أكره لا الرئيس حافظ الأسد ولا سوريا، ولكن بعض القضايا التي أشرفت عليها والتي كان لها علاقة بلبنان والتي كانت تدور في ظل التصادم بين فرنسا وسوريا على خلفية التنظيمات الفلسطينية أثارت شبهات حول سوريا، وكان من الصعب إذن الحصول على تعاون سوريا في هذا المجال، بالمقابل لم تكن لي أية مشاعر عدائية ضد أي دولة وضد الرئيس الأسد على وجه الخصوص، فأنا لم أكن أعرفه ولو كانت قد سُنحت لي الفرصة للذهاب آنذاك إلى سوريا لما ترددت بذلك، فأنا رجل منفتح وكنت أبحث دائماً عبر عملي كيفية الذهاب إلى كل الدول ومهما كانت طبيعتها.

قضية تفجير طائرة UTA وحقيقة اتهام ليبيا فيها

سامي كليب: نعم، مهما كانت طبيعة تلك الدول كان القاضي الفرنسي الشهير جان لوي بروغيير يذهب إليها أو يحاول، ولو عز عليه الذهاب عبر القضاء أو الطرق الدبلوماسية فلا يتردد في ركوب زورق عسكري هذا ما فعله مثلاً حين ذهب إلى ليبيا ولليبيا مع الرجل تاريخ صعب ولكن لها الفضل غير المباشر في شهرته من خلال توليه ملف تفجير طائرة UTA الفرنسية فوق صحراء النيجر، حصل ذلك عام 1989، طائرة تنفجر في الجو، الحصيلة 170 قتيلاً، وقبلها بأقل من عام –لو تذكرون- انفجرت طائرة بانام الأميركية فوق لوكيربي فقُتل على متنها 259 شخصاً، كانت الطائرة الفرنسية أهم قضية تولاها بروغيير، فكيف نجح في العثور على المخططين والمنفذين وهل من عثر عليهم هم فعلاً الجناة؟ بداية أقترح عليك سيد بروغيير أن نعود سوياً إلى الوراء نشاهد في هذا الفيلم الذي عندك كيف حصل الانفجار؟

انطلقت الطائرة الفرنسية UTA ظهراً، كان كل شيء طبيعياً، الركاب هادئون، بعضهم نام فور الإقلاع وبعضهم كان يشاهد من النوافذ إفريقيا من الجنوب، وكان قائد الطاقم ورفيقاه يقومان بآخر التصريحات كان خط الطيران مستقيماً وبالتالي فاحتمال المشاكل الجوية ضئيل بدأ قائد الطائرة يرفع إذن سرعتها وصلت السرعة إلى 350 كيلو متر في الساعة، والطائرة تنحرف بعض الشيء لتواصل سيرها الطبيعي من (إنجامينا) صوب (البرازافيل)، وبعد التوقف هناك أقلعت مجدداً صوب مطار شارل ديجول الباريسي، وفجأة وقعت الكارثة، اختفت طائرة UTA 772 فوق صحراء النيجر، كان على متنها 170 راكباً مع القبطان، بدأ صراخ مراقبي الملاحة الجوية ينتقل من مطار إلى آخر، انقطعت الاتصالات مع الطائرة، في اليوم الثاني قامت طائرة (ترنزال) الفرنسية التابعة للجيش بالسير على الخط نفسه، وعند السادسة والدقيقة الخامسة والثلاثين عثرت على الحطام متناثراً في الصحراء القاحلة، ألقت الطائرة مظليين تابعين للقسم الطبي في الجيش الفرنسي، ولكن لسوء الحظ لم يعثروا سوى على الكارثة، قُتل كل من في الطائرة.

جان لوي بروغيير: بالفعل إنها من أهم القضايا التي توليتها، حصل ذلك في التاسع عشر من سبتمبر/ أيلول حين تم تفجير الطائرة على علو 35 ألف قدم أي 10 آلاف متر.

سامي كليب: عام.. عام 89.

جان لوي بروغيير: نعم، فوق الصحراء النيجرية، وتناثر حطام الطائرة بملايين القطع على مساحة 650 كيلو متر مربع، هذا هائل في الأماكن الأكثر صحراوية، وقد كُلِّفت بالأمر في الخامس والعشرين من الشهر نفسه عبر برقية وصلت إلى قصر العدل من قبل الاستخبارات الفرنسية وقالت البرقية: إنه تم العثور على آثار متفجرات، وإن ذلك يدفع للاعتقاد بأن خلف تفجير الطائرة اعتداء. هذا كل شيء.

سامي كليب: منذ البداية فكرت بأن العمل هو عمل إرهابي مثلاً أو اعتداء؟

جان لوي بروغيير: لو لم يكن في الأمر اعتداء لما كان تم تكليفي بالأمر وقد سبقني إلى عين المكان محققون فرنسيون، وكانوا أخذوا من على حطام الطائرة آثار تفجير، كان كل شيء يشير إذن إلى الاعتداء وليس إلى فرضية الحادث، ثم أن طبيعة تناثر الطائرة حطاماً أوضحت أن في الأمر اعتداء.

سامي كليب: أود أن تروي لنا لو سمحت -سيادة القاضي- كيف كان الأمر بالنسبة لك مثلا متى علمت بتفجير الطائرة؟ كيف تحركت؟ كيف انتقلت على الأرض إلى هناك؟ ربما المشاهد يجب أن يعرف كل هذه التفاصيل.

جان لوي بروغيير: حصل كل ذلك بالنسبة لي يوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول أي في اليوم الذي قررت فيه المحكمة الفرنسية فتح تحقيق بشأن الاعتداء وقتل أشخاص، ومنذ تلك اللحظة تم تعريف الأمر قضائياً على أنه اعتداء إرهابي، ولكن الدعوى القضائية قُدمت ضد شخص مجهول، ذلك أن أحداً لم يكن يعرف من يمكنه أن يكون مسؤولاً عن الاعتداء ولم تحم أية شبهة حول ليبيا، فماذا فعلت أنا شخصياً؟ أذكر أن أول عمل قمت به على الناحية القضائية هو عدم الاستناد إلى الشائعات وإنما إلى الدلائل القاطعة والدامغة، وقررت الذهاب مباشرة إلى تشاد، لأنه كانت لدينا في العاصمة (إنجامينا) قوات عسكرية تسمح لي بالذهاب إلى عين المكان، ذهبت إذن إلى هناك بعد 15 يوماً وزرت بسيارتي العسكرية مكان تحطم الطائرة وكانت الشروط المناخية بالغة الصعوبة لأن الحرارة كانت وصلت في ذلك الشهر إلى ما بين 80، 85 درجة ودون أية رطوبة وبقيت يوماً كاملاً عندها أعطيت أوامري لجمع الحطام وأن نجمع خصوصاً الحطام الذي يمكن أن يرشدنا إلى شيء.

سامي كليب: طبعاً يقال إنه مرت تقريباً تسع ساعات بين تحطم الطائرة وبين وصول الإسعافات، ألا يمكن أن يكون هذا النوع من المتفجرات فُبْرِك ووضع خصيصاً لتوريط بعض الدول مثلاً؟

جان لوي بروغيير: مستحيل لأسباب كثيرة، أولها: أن أحداً لم يكن قادراً على معرفة مكان وجود حطام الطائرة، وقد تطلب الأمر تصويراً من الجو، ولكن أيضاً عبر الأقمار الصناعية..

سامي كليب: الأميركيين هم الذين صوروا.

جان لوي بروغيير: أعتقد، ولكني لا أريد الدخول في تفاصيل الجدل، فالأميركيون يقولون إنهم هم الذين قاموا بذلك، ولا توجد دلائل لدي، وما أعرفه هو أننا نحن قمنا بعمل دقيق، ووجدنا الحطام سريعاً بفضل قواتنا الجوية، ذلك أن الطائرة التي تحطمت كانت تسير أصلاً على خط جوي واضح ومستقيم، وبالتالي لم يكن من الصعب العودة إلى هذا الخط لنعرف أين تحطمت، وغداة التحطيم فإن طائرة شاحن فرنسية من نوع ترنزال صارت على الخط نفسه، وكانت لدينا أيضاً طائرات مراقبة، وهكذا عثرنا بسرعة على الحطام، وربما الأميركيون قدموا معلومات عبر أقمارهم الصناعية، لكن الأمر يدخل في إطار الأسرار العسكرية، ولا مجال للتأكد من ذلك، على كل حال فالأمر ليس مهماً، المهم في ذلك هو العثور على الحطام سريعاً، والأكيد هو أن المحققين كانوا أول من وجدوا الحطام، وهذا يبعد احتمال تزوير الوقائع، ثم أنه بسبب تناثر حطام الطائرة على مسافة 640 أو 650 كيلو متر في منطقة غير قابلة للحياة، حيث يخلو فيها حتى وجود الحيوانات بسبب طبيعتها الحرارية العالية.

سامي كليب: كبريات الصحف الفرنسية كانت أثارت شكوكاً حول التحقيقات حتى بعد الانتهاء منها، فهذه مثلاً صحيفة "لوموند دبلوماتيك" تقول تعليقاً على كتاب (بيير بيان): "إنه في الأوساط القريبة من التحقيق كان ثمة يقين بهشاشة الاتهامات المستندة أصلاً إلى شاهد واحد هو (برنار يونجا)، لا بل أن شهادته لم تطابق الدليل العملي الوحيد الذي قاد إلى منظمة 15 مايو العربية، وبالتالي إلى الجبهة الشعبية القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل، وتطلب الأمر دليلاً علمياً آخر لدعم الاتهامات الكنغولية ضد ليبيا، وهنا بالضبط طار (توم -ترومان) عميل الـFBI لنجدة القاضي بروغيير، وتورمان هذا كان وفق زملائه يفبرك الدلائل لتوريط جناة مفترضين، الأمر الذي أدى إلى توقيف عمله في الـFBI عام 97، فلماذا ذهب تورمان بعد يومين من تفجير الطائرة إلى مكان الانفجار؟ ولماذا اتهم مباشرة ليبيا وهو يفتش بين الحطام؟ فهل كان بالإمكان إذاً فبركة الدلائل؟ أوجه السؤال إليك سيد بروغيير.

جان لوي بروغيير: لا.. لا، كان التزوير مستحيلاً، ثم إن الإثباتات كانت واضحة، فكيف وجدت تلك الدلائل؟ لقد كانت عملية فريدة لا سابق لها، ولذلك فإني مسحت الصحراء مسحاً دقيقاً امتد على 80 كيلو متر مربع، وحين نتحدث عن مسح شامل فإني أنوه بالقوات النيجرية التي قامت بعمل رائع وبالغ الدقة بسبب معرفتهم الدقيقة بطبيعة الأمر، وفي الواقع فبفضل الجيش النيجري والجيش الفرنسي استطعنا جمع الحطام قطعة بعد قطعة بما في ذلك القطع الصغيرة جداً، وهذه القطع الصغيرة هي التي كانت كبيرة الفائدة لنا في التعرف على المتفجرة، قد جمعنا ما بين 15 و20 مليون قطعة، كان الأمر فعلاً هائلاً وفق ما تشاهدون في هذه الصور.

سامي كليب: كم استغرق من الوقت؟

جان لوي بروغيير: استغرق حوالي 15 يوماً تقريباً، أكرر هنا أن المسألة التقنية كانت صعبة للغاية، لأننا قمنا بجمع الحطام في ظروف مناخية مرعبة، كان ينبغي أن أقوم بالعمل بشكل سريع وإرساله لاحقاً إلى باريس، كل شيء كان متناثراً حطاماً، كل شيء كان مهماً، هذا طرح لاحقاً مشكلة جديدة كيف يمكننا نقل هذا الكم، هذه الأطنان العديدة من الحطام إلى باريس، ولذلك فقد استخدمنا وسائل ضخمة ولجأنا إلى وسائل عسكرية، وبما أن الأمر كان سابقة –كما أشرت سابقاً- إذا ما استثنينا تحطم طائرة بانام الأميركية.

سامي كليب: يعني تقريباً حوالى العام قبل تفجير هذه الطائرة كانت بالفعل فُجِّرت طائرة أميركية آنذاك.

جان لوي بروغيير: أقل من عام، لأن تحطم طائرة بانام 103 فوق لوكيربي حصل في شهر ديسمبر عام 1988، إذاً أعدنا جمع حطام الطائرة الفرنسية بطريقة مختلفة ومتقدمة جداً، ذلك أننا أعدنا بناء مجسم الطائرة الجديد تماماً كما كان شكل الطائرة المحطمة وفق ما تلاحظون في هذا الفيلم، كان عملاً دقيقاً يشبه قطع البازل، وتطلب الأمر منا حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر، استطعنا فعلاً إعادة بناء الطائرة بشكل رمزي، وأعدنا بناء مكان الحقائب وخزانات الوقود، وبفضل هذا العمل حددنا المكان الذي وُضعت به القنبلة.

سامي كليب: أين كانت؟

جان لوي بروغيير: في كونتينر موجود في مقدمة الطائرة، ولكن القنبلة كانت موضوعة بشكل سمح لنا باستبعاد أن تكون القنبلة قد وضعت في إنجامينا، وبما أن الطائرة جاءت من البرازافيل إلى إنجامينا فإن كل دولة كانت تقول لنا: لست أنا المسؤولة، وإنما الدولة المجاورة، الكونغوليون كانوا يقولون لنا: اذهبوا وانظروا في الأمر عند التشاديين، وإنجامينا تقول: لسنا مسؤولين، قد نجحنا أيضاً في معرفة كيفية التلاعب بالكونتينرات لوضع القنبلة، نجحنا في ذلك من خلال التحقيقات والاستماع إلى الموظفين هناك التابعين لشركة الطيران الإفريقية أو للخطوط الجوية الفرنسية أو بالأحرى لشركة U.T.A، وحين توصلنا إلى القناعة بأن القنبلة كانت موضوعة في مقدمة الطائرة، أي في مكان يصعب الوصول إليه من قبل العاملين في مجال وضع الحقائب عند محطة إنجامينا، فإننا تأكدنا بشكل كامل وحاسم أن القنبلة وُضعت في برازافيل، ولكننا لم نكن قادرين على معرفة هوية الشخص أو الجهة التي وضعت القنبلة، وانطلاقاً من ذلك وعبر العثور لاحقاً على عناصر مادية أخرى.

إن الفحوص التقنية التي أُجريت على الحطام بالنسبة لطائرة DC10 ساهمت في تقديم معلومات حاسمة لبقية التحقيق، فالكونتينر حيث وُضعت القنبلة عُرف، ورقمه RK 7044، أما القنبلة فهي من تصنيع يدوي، وتحتوي على ما يقارب الكيلو جرام من المتفجرات، ومخبأة في حقيبة من نوع سامسونايت، وتبين لنا أن هذه المتفجرة تشبه تلك التي كان يصنعها تنظيم الخامس عشر من مايو الذي يقوده أبو إبراهيم، وأما الكونتينر فكان في قسم R 13، وكانت الحقيبة في جزئه الشمالي، وعلى مستوىً عالٍ.

وبالتالي يمكن استنتاج أمرين من خلال ذلك، الأول: المكان الذي وُضعت فيه القنبلة، فقد تبين أنه برازافيل وليس إنجامنيا، ذلك أنه لم يتم مس أي كونتينر في العاصمة التشادية، ونظراً لطبيعة موضعة الكونتنيرات فقد كان من المستحيل وضع القنبلة في إنجامينا.

والاستنتاج الثاني ذو طبيعة تقنية، وقد سمح للمحققين والخبراء بمعرفة ماذا حصل بالضبط أثناء الانفجار، ففي تلك اللحظة ومع ظهور أربعة أمكنة للنيران تبين أن الأمر ناجم عن انفجار، وتلاحظون أن قمرة القيادة انفصلت عن الطائرة، وضربت الجهة اليمنى منها، وانفصل جزء آخر عند الجناحين، بينما تحطم وسط الطائرة المركزي على الأرض أو أنه احترق، أما مؤخرة الطائرة فإنها ذهبت باتجاه آخر وتناثرت حطاماً.

وبناءً على هذه المعلومات واصلنا التحقيقات في الكونغو حيث تبين لنا أن الحقيبة وُضعت إذاً في البرازافيل، وسمحت بالتوقف عند رأس خيط كان مهماً لتحديد هوية المخططين والفاعلين.

سامي كليب: متى بدأت بالشك بتورط ليبيا مباشرة، خصوصاً أن الكثير من الفرق كانت تسمى إرهابية بين هلالين، كانت أعلنت مسؤوليتها كما في بيروت أو في إفريقيا، ثم ذُكر اسم سوريا، وأنت استبعدته منذ البداية، متى بدأت؟ ولماذا استبعدت سوريا مثلاً؟

جان لوي بروغيير: في البداية لم تكن لدينا فكرة واضحة عن الجهة الفاعلة، لذلك قمنا بعمل دقيق، كما يحصل عادة في أي تحقيق جدي، كان من الطبيعي آنذاك النظر صوب سوريا، لأن سوريا كانت الهدف الأول، نظراً لخلافها- آنذاك- مع فرنسا، وكانت ليبيا –آنذاك- مستبعدة تماماً، لا بل أنه في خيال الفرضيات التي وضعناها كنا استبعدنا تماماً ليبيا، توجهنا بالشكوك صوب إيران أو سوريا أو منظمات أخرى، وانطلقنا في شكوكنا تلك من خلال ما تعرضت له فرنسا عام 1986 من موجات تفجير، وحيث كانت الاتهامات توجه إلى سوريا وإيران رغم أنه لم تقدم بدائل آنذاك حول هذه الاتهامات.

سامي كليب: خصوصاً أن ليبيا آنذاك كانت بدأت تهدئ الأجواء مع فرنسا، وذلك بواسطة جزائرية.

جان لوي بروغيير: نعم، وقد حصل ذاك اللقاء الشهير بين الرئيس (فرانسوا ميتران) والعقيد القذافي في قبرص، صحيح إذن أن كل العوامل السياسية والجيوسياسية كانت تستبعد ليبيا، ولم تكن لديَّ أسباب واضحة لكي أبدأ بتوجيه الاتهام لليبيا، قد قمنا بمسح شامل لكل الجهات التي يمكن أن تكون متورطة بتفجير الطائرة، ومنها مثلاً المافيات، ولكن بعد ذلك وعلى ضوء التحقيقات توصلنا إلى عناصر تسمح بالتفكير بليبيا.

سامي كليب: مثلاً؟

جان لوي بروغيير: عناصر مادية، مثلاً الحقيبة التي وجدنا بعض حطامها كانت من نوع سامسونايت، فذهبتُ إلى الولايات المتحدة وحققت لدى شركة سامسونايت في كولورادو، فعرفنا هناك تاريخ تصنيع الحقيبة ورقمها المتسلسل، كان التحقيق دقيقاً حول كل شيء، عثرنا أيضاً على نوع المتفجرة، وعلمنا أنها مصنوعة يدوياً من قبل تنظيم الخامس من آيار/مايو، التابع لأبو إبراهيم المقيم في العراق، والذي استطعنا التعرف إليه من خلال متفجرات وقعت في فرنسا وخصوصاً ضد محلات (ماركس آند سبنسرز)، وبعد اختفاء هذا التنظيم فإن جزءاً من مخزون المتفجرات ذهب إلى ليبيا، قمنا بتجربة مماثلة عبر تفجير حقيبتين تحتويان على الكمية نفسها من المتفجرات، واعتمدنا أيضاً على العناصر البشرية ومؤشرات أخرى في إفريقيا والكونغو حيث أننا ركزنا عملنا لاحقاً في الكونغو واستبعدنا التشاد، هناك قمنا بعمل دقيق مع السلطات الكونغولية، وقد عثرنا في الكونغو على المؤشرات التي قادتنا إلى ليبيا، قضينا في التحقيق عشر سنوات، توصلنا بعدها إلى حقيقة تورط ليبيا.

سامي كليب: ولكن حتى اليوم هناك الكثير من الكُتَّاب وأيضاً المحققين بطريقة خاصة يقولون إن ليبيا غير متورطة، مثلاً أذكر لك اسم الكاتب الفرنسي ربما لا تحبه كثيراً (بيير بيان)، الذي يقول إن حتى اليوم ليبيا غير متورطة، وهناك دول أخرى، مثلاً يذكر سوريا، يذكر إيران، يذكر حزب الله، إذاً هل أنت متأكد فعلاً أن كل الأطراف الأخرى غير متورطة؟

جان لوي بروغيير: لا أريد مجادلة السيد (بيان)، والفرق بين السيد بيان وبيني يكمن في أنه يقوم بتحقيق صحفي، وهو بالتالي غير مرتبط بالضغوط القضائية، ذلك أني كقاضٍ مضطر للجدية المطلقة، والتحقيق دار في ظروف متناقضة، ولكن بشفافية كبيرة.

كما أعلم قد حصلت محاكمة، صحيح أن المتهمين كانوا غائبين، لأن ليبيا لم تسمح بقدومهم إلى فرنسا، وبالتالي فإن المحاكمة جرت غيابياً وصدرت بعدها الأحكام التي تعرفونها، وأنا لا أريد إضافة أي شيء ولا الدخول في جدال عقيم مع هذا الصحفي أو ذاك.

سامي كليب: أعتقد أنك أيضاً استقبلت قاضياً ليبياً كان نظيرك في ليبيا أيضاً، وقدم لك الكثير من الوثائق، وقيل أنها كانت وثائق مزورة، هل فعلاً كانت مزورة بالنسبة لك؟ ألم يقدم لك شيئاً جديداً؟

جان لوي بروغيير: هنا أيضاً المسألة بالغة الحساسية، ولا أرغب في مجادلة زميل لي، فأنا استقبلت هذا الزميل الليبي الذي أوجِّه له تحية خاصة، ذلك أن اللقاء بيننا كان جيداً جداً، وكان السيد مرسي عضواً في المحكمة العليا، وأنا التقيته في فرنسا، ولكن أيضاً في ليبيا، وكنت سعيداً بالعمل معه، واستطعت التأكد من المستوى الجيد للمحامين الليبيين، لكن تبين للبعض أن بعض الوثائق التي قُدمت إلي هي غير صحيحة.

سامي كليب: بالنسبة لك.

جان لوي بروغيير: أقول للبعض، ولكن الحقائق أصبحت ثابتة فيما بعد، ووافقت عليها السلطات الليبية نفسها، ولعل الوثائق غير الصحيحة قُدِّمت لنا بدون علم الأشخاص المعنيين، لذلك فأنا لا أشكك مطلقاً بالسيد مرسي حيث أنه قاضٍ جدير باسمه وصفته، وقام بعمله بكل مصداقية وبجدارة، هذه على كل حال تفاصيل، والتحقيق القضائي الذي قدته أنا شخصياً كان بالغ الدقة، قد ذهبت إلى ليبيا حيث بقيت ثمانية أيام، هناك عملت بهدوء، وقمنا بعمل مثمر جداً، أكرر أننا قمنا بذلك بالتعاون مع الليبيين، وكنت مفاجأً بالمستوى العام للقضاة الليبيين، كان بعضهم يتحدث الفرنسية ويحب فرنسا، وشكلنا فريقاً مشتركاً ولجنة استماع.

سامي كليب: في أي عام؟

جان لوي بروغيير: حصل ذلك عام 1996.

سامي كليب: طبعاً ما شَهَرك آنذاك في تلك القضية هي الرحلة عام 92 على متن سفينة عسكرية فرنسية، وقد لاقى ذلك انتقادات كثيرة من ليبيا ومن أطراف سياسية فرنسية، لماذا ذهبت على (نذير) عسكري، وهل فعلاً أن السلطات الليبية كانت أعطت موافقتها مسبقاً على ذلك؟

جان لوي بروغيير: تعلمون أنه لا يمكن الانتقال بسفينة أو زورق عسكري بدون موافقة، فأنا قاضٍ، وليس من صلاحياتي ركوب زورق عسكري تابع للبحرية الفرنسية، هذه الوسائل العسكرية أُعطيت لي بأمر من قائد الجيوش، أي من رئيس الجمهورية الفرنسية، وكذلك بموافقة وزارتي الخارجية والدفاع.

كل السلطات الفرنسية عُبئت لهذه الغاية، وقد أثارت هذه العملية ضجة كبيرة، ولكنها حصلت بموافقة الجميع، بما في ذلك موافقة السلطات الليبية التي كانت علمت تماماً بكيفية ووسائل حصول ذلك، وهذا تطلب أذونات وتصريحات من فرنسا وليبيا.

قضية جورج حبش وكيفية تعامل بروغيير معها

سامي كليب: قضايا تحصل على أذونات وأخرى تثير الجميع فالقاضي جان لوي بروغيير ضرب قبل سنوات بعرض الحائط كل دبلوماسية بلاده، وحمل ملفاته واصطحب بعض رجال الشرطة باتجاه المستشفى الذي كان زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش يعالج فيه، لكن بروغيير لم ينجح هذه المرة في كسر المحظور فماذا حصل؟

جان لوي بروغيير: لم يكن هناك خلاف جدي، فقد علقت قضية جورج حبش باكتشاف مخبأ للسلاح في منطقة (فونتاملو) تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد تولى جهاز DSD، أي جهاز مكافحة التجسس والأمن الداخلي والشرطة القضائية هذا الملف، وكما تعلمون فإن جورج حبش كان قد جاء إلى فرنسا في ظروف لا داعي للعودة إليها اليوم، كل ما يمكن قوله هو أن القضية كانت معقدة جداً، وتم توريط قصر الإليزيه آنذاك بهذا الموضوع، وبما أن جهاز الاستخبارات كان استشير من قبل السلطات الرسمية الفرنسية كجهاز استخبارات وليس كسلطة قضائية فإنه لم يكن مخولاً للكشف عن التفاصيل عن زيارة حبش التي كان من المفترض أن تبقى سرية.

سامي كليب: ولكن هذا مفاجئ أنك كنت القاضي المكلف بقضايا الإرهاب، ولم تعلم بمجيء جورج حبش إلى فرنسا.

جان لوي بروغيير: هذا صحيح، ولكنه يشير أيضاً إلى أن الدولة الفرنسية تعمل على نحو صحيح، فمنذ اللحظة التي علمت بها بما حصل من مصادر الشرطة والقضاء أعطيت أوامري الواضحة لجهاز الاستخبارات، وقد سارع جهاز DSD للتعاون معي قضائياً، صحيح أن الأمر أثار حادثاً سياسياً، ولكني تصرفت كما ينبغي بالنسبة للاستماع لحبش والحصول على الوثائق.

تعلمون أن حبش كان مريضاً، وكان هذا هو سبب نقله إلى فرنسا من تونس، وقبلها من دمشق، حيث كان في وضع صحي صعب، ولم يسمح لنا وضعه الصحي بالاستماع إليه.

كان قرارنا بعدم الاستماع ناجماً عن تقدير لجنتي خبراء، وذلك لكي لا يقال لاحقاً أن القاضي كان خاضعاً لتأثير السياسة، ذلك أنه قبل حادثة حبش كنا تعرضنا لمشكلة مع إيران، وهكذا فإن هدفي الأول تركز على ضرورة العمل بشكل مستقل وشفاف، وإزالة كل التباس أو غموض مع السياسة وبعد هذا العمل الدقيق الذي قام به جهاز الاستخبارات قررت التخلي عن الاستماع إلى جورج حبش، واستطاع التوجه بعد ذلك إلى تونس.

سامي كليب: هل ملف جورج حبش مقفل في فرنسا؟

جان لوي بروغيير: نعم، الملف مقفل.

سامي كليب: هكذا انتهت إذن قضية طائرة UTA الفرنسية واستمرت الأسئلة بشأنها حتى اليوم، وهنا انتهى لقاؤنا الأول مع القاضي الفرنسي الشهير جان لوي بروغيير، فالرجل كان على موعد مع قضاة ومحققين أميركيين، وهذا ما سيقودنا في الحلقة الثانية والأخيرة معه في الأسبوع المقبل للحديث عن التهم الملصقة به حول التعاون مع الـ FBI، ولكننا سنتحدث بإسهاب أيضاً عن محاولة اعتقال جورج حبش في باريس وعن توليه قضايا الجماعات الإسلامية الجزائرية، خصوصاً من خلال قضية خطف الطائرة الجزائرية إلى مدينة مارسيليا وسيقول لنا متى بدأ القضاء الفرنسي يهتم بملف أسامة بن لادن، فإلى اللقاء.