مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

اللواء محمد الفاتح كريم: ضابط سابق بالجيش المصري

تاريخ الحلقة:

26/09/2003

- أسره عام 1956 ومعاملة الإسرائيليين له
- آثار هزيمة 67 على نفسية الضباط المصريين

- معركة جبل المر ودور اللواء محمد الفاتح فيها

سامي كليب: مرحباً بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج (زيارة خاصة).

في مصر وتحديداً في منطقة السويس جبل كان اسمه جبل المر، فبات اليوم جبل الفاتح، ونحن هنا في القاهرة في ميدان يسمى ميدان كُريِّم، والاسمان في الواقع جاءا تيمناً بأحد أبطال التحرير في خلال الحرب المصرية الإسرائيلية عام 73، حقق آنذاك ما يشبه المعجزة، حين منع إسرائيل من احتلال ذاك الجبل، ذاك الشريان الحيوي في تلك الحرب، بطلنا وضيفنا اليوم هو اللواء المصري المتقاعد محمد الفاتح كُريِّم.

في قرقاص بمحافظة المنيا كانت ولادة محمد الفاتح كُريِّم عام 32، انتسب إلى الكلية الحربية عام 49 وتخرج برتبة ملازم بعدها بـ3 سنوات، وتعرف عن قرب على محمد نجيب، أَسَرته إسرائيل عام 56، ولكنها لم تعرف وهي تطلق سراحه، أنه سيتولى أرفع المناصب القتالية في الجيش المصري، ويقود ما وصفت بمعركة المعجزات في الجبل، الذي حمل اسمه قبل أن يلقب بفارس القوات المسلحة، ولو لم يكن من المتمردين لكان اليوم قائداً للجيش المصري، فهو رشح فعلاً لهذا المنصب، ولكن بداية ماذا عن الأسر وفلسطين؟

أسره عام 1956 ومعاملة الإسرائيليين له

محمد الفاتح كُريِّم: أسرت في غزة، لأني أنا كنت منتدباً في سلاح الحدود، قائد فصيلة هجانة بجمال، ليه هي الحرب فيها جمال؟! لأ لأن الحدود بيننا وبين إسرائيل كلها رمال سائبة، لا يمكن للعربات أن تجتازها، من هنا كان قرار القيادة العامة، أن تدفع بقوات هجانة لحفظ الأمن وتأمين مصر ما بين غزة، قطاع غزة وإسرائيل في منطقة اسمها جباليا، قامت عمليات 56، وكان أول ما بدأ به العدو هو الاختراق ما بين غزة وما بين رفح، رفح المصرية وتجاورها أو تلاصقها رفح الفلسطينية، أصبح القطاع غزة محاصراً، وكان أيامها حاكم عام القطاع اللواء عبد الله رفعت، جمع القادة، أنا طبعاً ما كنتش في هذا الوقت قائد، إنما أنا كنت ملازم أول، قائد حاجة صغيرة خالص، وأخذ رأيهم، هل نسلم المدينة؟ أم نقاوم؟ فكان رأي القادة المقودين له أنه يسلم، وبالتالي جمعنا في استراحة الحاكم العام، وجاء الإسرائيليون، أسفاً شديداً.

سامي كليب: وأسرتم.

محمد الفاتح كُريِّم: وأسرت.

سامي كليب: طبعاً فيما بعد سنلاحظ أن الهزيمة ليست قدراً، وقد رفضت الاستسلام والتسليم، وقاتلت حتى النهاية وحتى تحرير الجبل الشهير، ولكن سؤال في عملية الأسر، هل كان الإسرائيليون قاسين معاكم في تجربة الأسر؟ يعني هل عاملوكم معاملة جندي أسير أم معاملة عدو في الواقع؟

محمد الفاتح كُريِّم: لا.. لا يمكنني أن أقول أني.. الإسرائيليين أساءوا معاملتنا، لأ، ولا أقول أحسنوا المعاملة، لماذا؟ هم عاملونا كدولة لم تعترف بهم، فكانت معاملتهم لينا معاملة..، الدليل على ذلك عندما زارنا مندوب الصليب الأحمر في هذا الوقت في المعسكر، وشكونا له سوء المعاملة سوء.. الأكل وحش، ما فيش أكل، تجدنا كدنا نجن من قلة الطعام، كدنا نجن، الراجل كان متأثراً للغاية ومتضايقاً وحزيناً، فكان ردَّ الصاغ في هذا الوقت الإسرائيلي قائد المعسكر، ماذا قال بالضبط كده أنا فاكرها، لأني أنا كنت واقف، إحنا مش هنديكم أكل كثير علشان تربوا كتاف غليظة، وترجعوا تحاربونا تاني، منطق، منطق، ليه؟ لأن المفروض إنه إحنا نديهم تكاليف الأسير، إحنا كنا في هذا الوقت لا نعترف بإسرائيل، فبالتالي هم بيدونا كده.

سامي كليب: نعم، بعد تجربة الأسر، إذن أفرج عنكم في خلال تبادل الأسرى.

محمد الفاتح كُريِّم: أيوه فعلاً حدث هذا..

آثار هزيمة 67 على نفسية الضباط المصريين

سامي كليب: وانتقلت إلى المرحلة الثانية والأكثر صعوبة، مرحلة حرب 67، وهنا تروي في بعض مقابلاتك التي قرأتها، أنك شاهدت بعض الضباط وهم يتراجعون عن الجبهة في حرب 67، حين أُمِرُوا بإخلاء الجبهة، وهم يتراجعون ويبكون في الواقع، ورأيت بعض الضباط يذرفون فعلاً الدموع، ربما أسفاً لعدم المشاركة في الحرب، هل فعلاً كان الضباط على الجبهة يودون القتال، وفوجئوا بقرار الانسحاب والتخلي عن الجبهة؟

محمد الفاتح كُريِّم: هذه حقيقة، هذه حقيقة، وليس لأحد أن يشكك فيها إطلاقاً، وأذكر على وجه التحديد النقيب ممدوح منصور أحد الضباط معي، وأنا كنت برتبة المقدم في هذا الوقت قائداً ثانياً لإحدى الكتائب المشاة، هذا النقيب انتزعته من خلف الرشاش بالقوة، وهو مصراً أن يبقى لمواجهة العدو، ودبابات العدو على مسافة 150 متر منه، 150 متر ودبابات وهو رشاش خفيف، ماذا يفعل؟ ماذا سوف يؤثر الرشاش في دبابة قادمة؟ ولا حاجة طبعاً، انتزعته بالعافية، الدليل على كلامي هذا أن جميع الضباط تقريباً، وما أدل من أن الفريق عبد القادر حسن، الذي كان في هذا الوقت قائد فرقة مشاة، برتبة لواء، عندما سألناه أيه اللي حصل يا فندم؟ الله إحنا بنرجع ليه؟ أمَّال كنا طالعين ليه؟ ما كان من الرجل إلاَّ أن أجهش بالبكاء، لواء بيبكي بالدموع.

سامي كليب: طيب سيادة اللواء، يعني السؤال الذي تطرحه الأجيال الحالية ربما، والتي لم تعرف الكثير عن تلك الحرب عام 67، التي وصفت بالنكسة أو النكبة أو الهزيمة يعني كما شئت سمِّها، هل كان هناك فعلاً رغبة لدي الضباط على الجبهة بالقتال؟ هل كان هناك استعداد فعلاً للقتال؟ وهل فوجئتم بقرار التراجع حتى عسكرياً؟ يعني هل كان يمكن مقاتلة إسرائيل عسكرياً؟

محمد الفاتح كُريِّم: بالتأكيد طبعاً ممكن، ولكن العسكري، الضابط، الجندي عندما يصدر له الأمر بشأن أمر ما فليس له أن يناقشه، هذا أمر القيادة العليا، القيادة العامة قبل ساعة 1200 يوم 7 يونيو، مش 5 لأ 7 يونيو، جميع القوات ترتد لغرب القناة، ومن هنا أسرع الجميع بالانسحاب في فوضى وانزعاج..

سامي كليب: وكان خطأً عسكرياً كبيراً..

محمد الفاتح كُريِّم: بلا شك، وللأسف الجدية لم تكن هي بالقدر الكافي، والدليل على ذلك، إن عندما يُسأل القائد العام في هذا الوقت، وأعتقد هذا كان يوم 30 مايو، وأنا كنت موجود أحد الضباط الكبار برتبة عقيد في هذا الوقت بيسأله، إحنا هنعمل أيه والأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط يهدد؟ كان الرد لم يكن يعني مريح..

سامي كليب: على مستوى المرحلة.

محمد الفاتح كُريِّم: لم يكن مريح، إحنا هنخربشه، هيه الحرب فيها خربشة؟ مع احترامي وتقديري له في هذا الوقت، وإنما هي الحرب فيها خربشة، فيه حاجة اسمها سوف أدمره، مش قادر أدمره، يبقى بلاش أدخل معاه بقى في حرب.

سامي كليب: طيب هل كانت تحصل نقاشات بينكم كضباط على الجبهة، حيال كيفية القتال، وضرورة مقاتلة إسرائيل مثلاً، والتعبئة، ضرورة تعبئة الجنود، وحثهم على القتال.

محمد الفاتح كُريِّم: هذه كانت من الأمور الطبيعية جداً.

سامي كليب: وكان الحماس.

محمد الفاتح كُريِّم: لم يكن لنا شاغل إطلاقاً ولا تسلية إلا في هذا الكلام.

سامي كليب: وكان الحماس كبير لمواجهة إسرائيل؟

محمد الفاتح كُريِّم: جداً جداً، دا كانت هناك غصة لدى كل ضابط في القوات المسلحة تقريباً، أنه كيف تصل إسرائيل للضفة الشرقية للقناة؟ وإحنا على الضفة الغربية؟ كان هناك إذلال كامل، إزاي أنا أسمع أني إذاعاتهم المحلية تسلط علينا، وإحنا غرب القناة على سبيل، بإذاعات زي يا شمس ما تحميش.. ما تحماش أظن دا جيش مصري جاي ماشي، فبيحوروا في الأغاني، أي معنويات تكون عندنا؟ أنا كنت نادم، أنا كنت حزين، وللعلم أنا كنت و15 ضابط وحوالي من 17 صف وعسكري، 17 ألف وعسكري دول كانوا أصلاً كام 800، اتصفوا على 17 و15، جاءني القائد الكبير بقى، قائد الجبهة كان برتبة لواء، يا فلان أنت قادر على القتال، قلت له يا فندم أنا بما لدي من إمكانيات سوف أقاتل، لكن سيادتك عارف أنا 15 ضابط و17، إنما اللي أنا أؤكده لسيادتك، أني لن تعبر القناة وتمر على هذه الضفة دبابة إلا على جثتي وجثة هؤلاء الأفراد، هذه الحقيقة، إنما أنا ما أضمنش بقى إني أنا، أيه 15 ضابط و15..

سامي كليب: وفيما بعد قبلتم بالانسحاب..

محمد الفاتح كُريِّم: وهذا كان شعور الجميع حقيقة، لأنه إحنا كنا في، دي هيه دي الروح اللي دفعتنا سنة 73.

سامي كليب: ورغم ذلك يعني قبلتم الانسحاب، وشعرتم بنوع من..

محمد الفاتح كُريِّم: لأ بأتكلم على إنه إحنا بعدما وصلنا الضفة الغربية للقناة، وجاء القائد العام للجبهة، اللي هم الجيشين حالياً، غرب القناة، وبيسألني، يعني أنت قادر،.. طبعاً أنا قادر أو غير قادر، أنا هنا، لغاية دبابات العدو ما تمر على جثثنا، أنا والكام واحد قلت له وهذا كان شعور الجميع حقيقة، وإلاَّ كنا انسحبنا وجرينا بقى.

سامي كليب: فيما بعد قبلتم قرار الانسحاب، وشعرتم كما ذكرت في العديد من المقابلات بنوع من المرارة، وربما... أيضاً في الواقع.

محمد الفاتح كُريِّم: وأي مرارة؟ وأي مرارة؟

سامي كليب: مرارة الانسحاب، خيبة الهزيمة، كارثة النكسة، صور حاضرة في أرشيف محمد الفاتح كريم، وتوصيفات بقيت حاضرة كوصمة عار على جبين الضابط الشاب، فكان لابد من مناسبة أخرى تعيد بعض الشرف العسكري لأصحابه، جاء العام 73، كان جبل المر حاضراً لذلك، إسرائيل تطوقه من كل حدب وصوب، الدبابات المصرية مدمرة، الجيش المصري متقدم صوب الجبل يتحول إلى مجموعة من المشاة المجرجرين هزيمتهم، والدبابات خلفهم تحترق، هنا بالضبط انتقم اللواء محمد الفاتح كُريِّم من المصير المحتوم، رفض الهزيمة مرة ثانية، وقام بما وصفت بمعركة المعجزة، سيخبرنا محمد الفاتح كُريِّم عن كل ذلك، ولكنه أراد قبله أن يرينا بعض الصور حول سيرته العسكرية.

محمد الفاتح كُريِّم: هذا.. هذه هي صورة مع الرئيس محمد نجيب، كان في يوم من الأيام معزوم عندي في الكتيبة، عندنا في الكتيبة، فبيسأل مين الملازمين اللي هناك دول، فأجاب قائد الكتيبة إنه دُول آخر دفعة، فكان الرجل شعبياً محبوباً، فجاء وجلس معنا وترك الباقين.

سامي كليب: أنتم كضباط كنتم تشعرون إنه جمال عبد الناصر هو فعلاً القائد المحرك الذي ربما سيقوم بعمل معين قبل حدوث الثورة..

محمد الفاتح كُريِّم: قبل لا.. فهذه كانت مفاجأة، وما كانش حد مهيئ الذهن لجمال عبد الناصر، ومن هذا أتوا بمحمد نجيب.

سامي كليب: والصور الأخرى.

محمد الفاتح كُريِّم: هذه الصور سريعة، وأنا كنت منتدباً في سلاح الحدود، هذه الصورة في القرية، وهذه وأنا في سلاح الحدود، كنت رياضي، كنت رياضي، هذه الصورة وأنا في اليمن.

سامي كليب: في اليمن.

محمد الفاتح كُريِّم: في اليمن رئيس عمليات كتيبة برتبة رائد.

سامي كليب: ذهبت للقتال في اليمن في خلال..

محمد الفاتح كُريِّم: آه طبعاً وكان القتال صعب، وحياة معيشية صعبة للغاية حقيقة يعني.

سامي كليب: أنت لك إذن أصول يمنية كما عرفت، هل كان اليمنيون من أهلك مع الجمهورية التي تدافع عنها مصر، أم مع الملكيين؟

محمد الفاتح كُريِّم: للأسف كانوا مع.. ضد مصر، ومن هذا لم أتصل بهم.

سامي كليب: مع عهد الإمامة.

محمد الفاتح كُريِّم: آه مع عهد الإمامة، قد يكون هذا فيه شيءٌ من الأصالة، لا نسقطها من الحساب يعني.

سامي كليب: طيب سيادة اللواء بالنسبة للخبراء الروس، يعني الآن نشاهد سوياً هذه الصورة العسكرية.

محمد الفاتح كُريِّم: قبليها دي وأنا مأمور قسم مرسى مطروح، حيث كنت منتدياً في سلاح الحدود، والمحافظات كانت تابعة لسلاح الحدود، مأمور قسم مرسى مطروح.

سامي كليب: طيب هذه.. هذه الصور العسكرية التي نراها الآن تقودنا إلى السؤال عن دور الخبراء السوفييت آنذاك، وعلمت أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان ينصحكم بحسن معاملة الخبراء السوفييت، كيف كانت تجري الأمور بينكم كجيش وبين الخبراء السوفييت؟

محمد الفاتح كُريِّم: كل كتيبة مشاة، وأنا كنت قائد كتيبة مشاة معي في الكتيبة خبير، هذا الخبير يسير معي كظلي، الناس دُول كانوا كويسين، وأفادونا أفادونا، ونحن قاتلنا سنة 73 بعقيدتهم، بالتكتيك بتاعهم، إحنا انتصرنا بالتكتيك بتاعهم، بالأسلحة بتاعتهم، كانوا يعطونا بسخاء، سواء ضغط مش ضغط، سياسة أنا لا أتكلم.. أتحدث عن السياسة، ومن هنا كان جمال عبد الناصر دائماً يدفعنا أو ينصحنا أنه إحنا نحسن من معاملتهم، يعني الخبير اللي معايا في الكتيبة دا كان بيكتب عني تقرير شهري، ويوجه..، الغريب في هذا الأمر أن الخبير الروسي هذا الملحد كان دائماً وأبداً يذكِّرني بالإيمان ويدفعني لأن أدفع في نفوس رجالي العقيدة الإسلامية، لأن توجيهات القيادة الروسية (الكريملين) أنه ادفعوا الناس دي عشان تبقى عندهم عقيدة قوية للقتال لأن أصبح محسوباً لهم الآن إن إحنا دافعنا أو حاربنا بتكتيكاتهم، حاربنا بسلاحهم، أما بعد ذلك خلاف السادات -رحمه الله- معروف، فهذا أمر سياسي لا أتعرض له، هذه الصورة كانت ضمن الصور التي عثرنا عليها ضمن ما عُثر عليه في معسكر جبل المر، لأن معسكر جبل المر دا كان معسكر كامل، فيه جميع الاحتياجات بل وسائل قطع غيار حريمي، كوكاكولا وتكييف، طبعاً حاجات إحنا نحسدهم عليها، فكانت غنيمة أن أنا ألاقي صور. دا معناه أيه؟ أنهم كانوا مستريحين جداً، اللي بيدلل كلب في.. في جبل المر دا بيبقى أيه؟

سامي كليب: يعني دليل إنه ما كانوا خائفين فعلاً من الجيش المصري.

محمد الفاتح كُريِّم: لا، هم كانوا بيعتبروا إن الجيش المصري هو جثة هامدة لا حراك فيها، جثة هامدة لا حراك فيها.

معركة جبل المر ودور اللواء محمد الفاتح فيها

سامي كليب: جثة هامدة هكذا كان الإسرائيليون ينظرون إذن إلى الجيش المصري المقابل له، فجاء التاسع من شهر أكتوبر من عام ثلاثة وسبعين أي رابع يوم من القتال، وكانت بداية المعركة الشهيرة معركة استعادة جبل المر، الذي يبعد عن قناة السويس حوالي ثلاثة عشر كيلو متر، وكانت إسرائيل حتى السادس من شهر أكتوبر تحتل كل سيناء، فكيف حصلت معركة جبل المر؟ وماذا كانت مهمتك تحديداً سيادة اللواء محمد الفاتح كُريِّم؟

محمد الفاتح كُريِّم: عبرت القوات من غرب القناة إلى شرق القناة، امتد القتال إلى أن أصبح اللواء الثاني مشاة ميكانيكي الذي هو عبارة عن ست كتائب ثلاثة مشاة وثلاثة مساعدة، يتمركز في هذه المنطقة على بعد كم من جبل المر الذي هو محتلاً بقوات العدو في هذا الوقت، يسيطر على المنطقة جميعها شرق القناة وما حوله، ليه؟ لأن الجبل دا هو ما فيش حاجة أبداً لا يمينه ولا شماله إلا إنه هو مسيطراً بارتفاع..

سامي كليب: تقريباً 117 متر.

محمد الفاتح كُريِّم: ارتفاعه 117 متر ومواجهته 8 كيلو متر ونص، في هذا اليوم..

سامي كليب: أنت أين كنت تحديداً مع قواتك في هذه المنطقة؟ يعني حين بدأت القوات المصرية بالدخول إلى..؟

محمد الفاتح كُريِّم: أنا يعني يمكن بأحاول أختصر بقدر لأن الوقت قد لا يسعفني

سامي كليب: من الأفضل..

محمد الفاتح كُريِّم: آه، لكن كويس إن سيادتك مراعي كويس جداً، الكتايب بتاعتي الكتايب المشاة، آدي كتيبة أهه، وآدي كتيبة وآدي كتيبة، الثلاثة المشاة ومعهم الكتايب المساعدة مدفعية ودبابات..

سامي كليب: وهذا بحكم قيادة لواءك كنت تقود الكتائب الثلاث.

محمد الفاتح كُريِّم: أهو في هذه المنطقة، المفروض أن اللواء أو قائد اللواء بيبقى اسمه حاجة مركز قيادة متقدم اللواء، بيبقى ثلثين القوة قدامه وثلثها وراه، التكتيك بيقول كده، عندما أنا كنت في هذا المكان مع الكتيبة المتقدمة من كتايبي ما إحنا عبرنا القناة، وفيه لوائين قدامنا وأنا لواء مشاة ميكانيكي وراهم المفروض مهمتي عادة هي استغلال نجاح اللوائين دُول اللي لواء شمالي ولواء يميني، وأخترق ما بينهما لأستغل النجاح بتاعهم، وزي ما تقول أشرخ بتحقيق المهمة التالية للفرقة وتعزيز رأس كوبري الجيش، يعني دي كانت المهمة المقررة.

سامي كليب: والكوبري باللهجة المصرية تعني الجسر طبعاً..

محمد الفاتح كُريِّم: الكوبري معناه القوات بتاخد على البحر على النيل على القناة، هذا المنظر كيرف كده قوس، دا بنسميه في العسكرية رأس كوبري، يعني هنا لواء.. أصل مش ممكن هنبقى كده، لازم عشان نحمي الأجناب، فكانت مهمتي هو زي ما قلت لسيادتك إن أنا بأقول بأعمال، ولكن عندما يصدر الأمر لي في اليوم التالي للقتال هو ما.. ما صدرش لي في اليوم التالي، إنما صدر لي في اليوم الرابع، ليه؟ لتعويق أمر القتال، لأن القتال ما هواش يعني زي ما إحنا عايزين.

سامي كليب: يعني تمت إعاقة القتال بسبب المجابهة الإسرائيلية.

محمد الفاتح كُريِّم: العدو.. العدو طبعاً، إحنا كان المفروض ثاني يوم أستولي على جبل المر، ثاني يوم، إنما أنا بدأت أتقدم يوم 4، وتحت ضغط ولم يكن هناك تجهيزي التجهيز الكامل، ودي نقطة قصور لأن..

سامي كليب: طيب.. طيب غريب سيادة اللواء، يعني قبل الوصول إلى جبل المر، السؤال إنه لم يكن هناك تجهيز، ولم يكن هناك استعداد وما إلى ذلك، ونلاحظ أنكم تأخرتم في القتال ثلاثة أيام، يعني بعد نكسة 67 كان من المفروض إن كل هذه التفاصيل أن تكون باتت في مكان آخر، ويكون استعداد الجيش صار أفضل في حرب 73.

محمد الفاتح كُريِّم: هذا كلام فعلاً أقصد آسف يعني إن أقول لك إنه نظري، إنما العملي القتال ما هو إلا بين فريقين يمثلوا فردين في الملاكمة كلاهما قوي، ولكن في النهاية لابد من انتصار واحد مهما كانوا أقوياء.

سامي كليب: طيب بس بتلك الفترة هل شعرتم مثلاً أن القوات الإسرائيلية للجيش..

محمد الفاتح كريم: لأ أكيد فيه قصور.

سامي كليب: لا أسمح لي بالسؤال: هل شعرتم في تلك الفترة أن الجيش الإسرائيلي بات في خلال تلك الحقبة بين 67 و73 متقدماً جداً عنكم يعني؟

محمد الفاتح كُريِّم: هذا كان اعتقادنا حقيقة، وهذا ما كان يسيطر على النفوس جميعها أن العسكري الإسرائيلي أو اليهودي دا شيطان يعني إزاي نواجهه؟ للهزائم المتوالية.. للهزائم.. هم بدءوا يهملونا، وخير تمثيل أن دا الجيش المصري ما هو إلا جثة.. جثة هامدة، ميِّت خلاص أيه قيمتهم؟ وعندما صدر لي الأمر بالاندفاع في اتجاه جبل المر والاستيلاء، وهذا كان مفاجأة، المفروض أنا آخذ هذا الأمر قبليها 3 أيام، بـ3 أيام أجهز نفسي دا أنا قائد لواء..

سامي كليب: كان.. كان اللواء يعد تقريباً 5500 فرد.

محمد الفاتح كُريِّم: 5500 أو أكثر، إنما هي الرقم، 5500، لدرجة أن رئيس عملياتي مقدم أركان حرب علي أحمد صالح، رئيس عملياتي.. المكاتف لي اللي بيحمل الخريطة اللي بيخطط، ثار على قائد الفرقة، قائد الفرقة كان واقف معايا وبيديني الأمر، لأن قائد الفرقة الراجل برضو مغلوب على أمره ليه؟ لأن قائد الجيش بعث له رسالة وأنا واقف عبارة عن ورقة يعنِّفه لمَ لم تدفع اللواء الثاني للاستيلاء على جبل المر؟ يُدفع فوراً.. يدفع فوراً في حاجة ثانية.

سامي كليب: طبعاً لن ندخل بالتفاصيل، ولكن إعاقة.. إعاقة تقدم القوات لمدة ثلاثة أيام هل يعني ذلك أنه اللواء الذي كان معك سقط منه العديد من القتلى قبل ثلاث أيام؟

محمد الفاتح كُريِّم: طبعاً، هو خلال هذه الفترة لم يكن اللواء متكاملاً سُحبت منه كتيبة لتعاون لواء قدام على أساس إن أنا ورا، ولما يجي عليَّ الدور للقتال يرجعوها لي ثاني، هذه الكتيبة تدمرت، قائدها مرض بمرض الجنون، جنون أيه؟ جنون الحرب فاتها وهرب، وحُكم عليه بالإعدام، سابها وهرب، رئيس عملياته استُشهد، اثنين من قادة سراياه الثلاثة استُشهدوا، عدد كبير من الضباط والصف والجنود فأصبحت هذه الكتيبة في حكم العسكرية مدمرة، ولم يبقَ منها أكثر من الثلث، دا في اليوم الأول والثاني، والثالث أنا ما كانتش تبعي الكتيبة دي رجع.. رجع لي الثلث، فحدثت خسائر بس ما وقعتش على اللواء بالكامل، لأن أنا لسه ما دخلتش المعركة الرئيسية بتاعتي.

سامي كليب: طيب ثالث يوم إذن تلقيت الأمر بالتقدم، ما.. ماذا حصل؟

محمد الفاتح كُريِّم: كان الأمر فوري ويدفع فوراً، وهذا يخالف ما تعلمناه تماماً، المعركة لها تنظيم يستغرق ثلاثة.. من ثلاثة يوم لأربعة لقائد اللواء هو ورجاله، مش أنا بس.. كان لابد.. لدرجة إن دي لدرجة إن دي دفعت رئيس العمليات بتاعتي للهياج وبيزعق، يا ناس مش ممكن نرجع أيام 67 ثاني، مش عارف أيه.. أيه.. أيه، لثقة بيني وبين قائد الفرقة المتواجد معي في هذه اللحظة قائدي، بس يا فلان.. بس قائد الفرقة أقسم أن العدو اللي هأهجم عليه دلوقتي وأستولي عليه بالأمر حالاً خالي من العدو تماماً، الحقيقة كانت تخالف ذلك، الرجل كان صادقاً فيما قال، ولكنه هو دفع مجموعات الاستطلاع فعادت له بالأمس تؤكد بأنه الجبل خالي من العدو، هو ما كذبش، نقطة قصور لدينا نحن المقاتلين المصريين نقطة قصور، واتخذت قراري وعرضته على قائد الفرقة فوراً فصدَّق عليه، هو ليه ما يصدقش.. لكن صدَّق عليه وكان قراري إن أنا أندفع بكتيبتين المشاة اللي هم معايا والكتيبة اتدمرت تقريباً، نخليها احتياطي بقى، ما تقدمت يمكن حوالي 2 كيلو ودي أرتال متقدمة، أرتال، الرتل طوله كام؟ حوالي 3 كيلو.. 3 كيلو ونص، رتل يمين ورتل شمال وورا السرية

سامي كليب: أرتال المصرية..

محمد الفاتح كُريِّم: آه أرتال المصرية بتاعتي أنا، صارت زوبعة من الرمال والتراب أعمتني عن ملاحظة قواتي، طب أعمل أيه؟ لازم آخذ هيئة أستتر بها بس بس لغاية ما أشوف.. أنا هأمشي كده عمياني، أنا توقفت بمركز القيادة المتقدم اللي هو أنا فيه عبارة عن ست عربيات وحوالي 7، 8 رؤساء، الرئيس يعني رئيس العمليات، رئيس الاستطلاع، رئيس مش عارف أيه، دي اسمها مركز القيادة المتقدم إلا وانهالت علينا صواريخ العدو الـSS11 من جميع الاتجاهات، وكانت المعجزة الأولى في هذه المعركة أن هذه الصواريخ تنغرس في الرمال كما لو كانت قطعاً من الطوب.

سامي كليب: ولا تنفجر.

محمد الفاتح كُريِّم: ولا تنفجر، ولم تصب مركبة واحدة من مركباتنا ولا فرد من أفرادنا، سبحانك يا رب، وما.. (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، هذه حقيقة الأولى.. عندما هدأت الزوبعة من التراب والرمال تقدمت أيه مش راكب مركبة القيادة اللي هي بتاعة القيادة اللي هي عبارة عن دبابة لأ، ركبت عربية جيب، ليه؟ لأن مركبة القيادة هي التي جذبت نيران العدو ليَّ، لأن دا قائد اللواء يبقى نضربه الأول، يبقى بلاش منها ونركب عربيات جيب ونتقدم، تقدمت أنا بمركز القيادة المتقدم، وهنا كانت المفاجأة لي، قال لي: شوف الكتائب هنا متوقفة، آدي كتيبة وآدي كتيبة، والكتيبة أو السرية المتبقية من الكتيبة الثالثة ورا، وأول ما شاهدت شاهدت قائد كتيبة الدبابات ملقى على الأرض جريحاً وحوله رجال كتيبته، الله أنتم سايبين الدبابات وبتضمدوا جراح، وهيصت فيهم طبعاً، فكان الرد عليَّ هي فين.. فين الدبابات يا أفندم؟ أيه؟ فين الدبابات؟ الله، العدو دمَّر الدبابات وهي متقدمة.

سامي كليب: كل الدبابات.

محمد الفاتح كُريِّم: كل الدبابات بتاعة اللواء.

سامي كليب: كم.. كم كان عددها؟

محمد الفاتح كُريِّم: 22 دبابة، الـ22 إحنا نعرف إن مثلاً يدَّمر أربعة، خمسة، ستة، عشرة، إنما تدمر الـ22 دبابة، هذا هو الأمر الغريب، ليه؟ لأن صواريخ SS11 الأميركية الصنع هي عبارة عن صندوق وهو وراء حفرة وهو مش باين خالص، وبعدين بيحرك الصاروخ بحاجة زي دي كده هو، التقدم العلمي، ولغاية ما يدخل في الدبابة، دمَّر الدبابات كلها، كان أمري لرئيس العمليَّات أن يبلغ قائد الفرقة بالموقف الذي نحن فيه، ولكن قائد.. لأن أنا هأقول له أيه.. هأقول أيه لقائد الفرقة؟ أقول له: إن أنا بعد دقائق من تقدمي توقفت وحدثت بي مثل هذه الهزيمة النكراء.

سامي كليب: طيب بها اللحظة سيادة اللواء يعني كتيبة دُمِّرت والأخرى عاجزة عن التقدم.. كيف.. كيف شعرت؟

محمد الفاتح كُريِّم: بالضبط، .. الحسرة.

سامي كليب: نعم كيف شعرت.. شعرت أنك انهزمت؟

محمد الفاتح كُريِّم: وأي هزيمة؟ نكراء خيبة أمل، خيبة أمل وندامة، خلال دقائق، دا أنا لم أحارب أيام دي.. دي دقائق، أنا متقدم منذ دقائق..

سامي كليب: شعرت أنك.. نعم..

محمد الفاتح كُريِّم: أنا كنت في اللواء بتاعي إلا أن..

سامي كليب: بس لو تسمح لي أطرح الأسئلة لو سمحت.. هل شعرت أنك أخطأت عسكرياً أيضاً يعني؟

محمد الفاتح كُريِّم: الخطأ فُرض عليَّ، وأنا لم أكن في حال أسمح، ليه بقى؟ لأن أنا أناقش الأمر دا إنما هذه هزيمة، هذه مصيبة وقعت بي، ما كان لي إلا أني أنا دماغي شت، حقيقة يعني خلال دقائق يروح اللواء اللي إحنا بصدد إعداده منذ سنين أضيعه أنا في دقائق؟

سامي كليب: طيب بها.. بها الحالة تقريباً هناك شعور تعرفه أكثر منا كعسكري الضابط الكبير قائد المنطقة إما يقرر الانتحار أو الهرب أو التقدم في الواقع بشجاعة منقطعة النظير، طبعاً أنت تقدمت فيما بعد، ولكن هل في لحظة ضعف..

محمد الفاتح كُريِّم: هو يصح إن أنا أكون مثلاً برضو..

سامي كليب: ولكن هي في لحظة ضعف شعرت أنك مثلاً يمكن أن تطلق رصاصة بالرأس وترتاح.

محمد الفاتح كُريِّم: والله هذا أمر قد يكون وارد فعلاً، لأن سنين أضيعها وبعدين أنا في تجهيز هذا اللواء طبعاً بمعاونة القيادات المختلفة، وبعدين أنا أضيعه أنا السبب في هذا، الله كيف هذا؟ كيف هذا؟ ومن هنا قلت أنا لرئيس العلميات بلغ قائد الفرقة، هو مش المفروض إن رئيس العمليات اللي يبلغ، دا أنا اللي أبلغ، وعلشان كده قائد الفرقة قال له خلي قائد اللواء هو اللي يبلغ البلاغ وفي حسرة وندم بالضبط راح رئيس العمليات قال لي: قائد الفرقة عايزك أنت، طبعاً وهذا.. هذا هو الصحيح، وما كان مني إلا أن.. إلا أني أبلِّغه.. هو الرجل عايش دلوقتي يوسف عفيفي، قلت له هالو الفاتح إلى يوسف: اطمئن يا يوسف فمن خلفك رجال سوف يحققون النصر بإذن الله، انتهى معك، ورُحت رامي السماعة، مش دا بلاغ القتال، بلاغ القتال لازم أقول له العدو بيعمل أيه، أنا قواتي بتعمل أيه، أنا قراري أيه، عاوزك تعاونني بأيه، دا بلاغ القتال بنتعلمه من ملازم ثاني لواء، إنما أنا لم أجد في دماغي في هذا الوقت غير هذا الرد، ومن هذه اللحظة حيث أصابتني يمكن أن أقول لسعة من جنون، لسعة من إيمان إن أحسنَّا الظن، وبدأت أقف في العربة (الجيب) المكشوفة مناشداً الرجال، سرعة التقدم والقتال مُذكِّراً إياهم بالإيمان.

سامي كليب: طيب، يعني أنت كنت قائد لواء والذين كانوا معك يعيشون في واقع ظرف صعب إنه جزء مدمر، جزء خائب، جزء خائف، هل سمعوا منك حين عدت تحمسهم على الاستمرار، خصوصاً إنه ميزان المعركة تقريباً صار لصالح إسرائيل وليس لصالحكم.

محمد الفاتح كُريِّم: طبعاً هذا كان من خلال (الميكروفون) مكبر الصوت اللي إحنا بنشيله الصغير ده، وهذه كانت أوامر رئيس أركان حرب في هذا الوقت، كل قائد يحمل ميكروفون مش أنا بس، من خلال هذا الميكروفون أخذت أناشد الرجال مواصلة القتال، الإيمان.. و.. وبقيت العربة تمرق بين القوات ما هي 8 كيلو ونص مش كيلو، خلفي رئيس العمليات، وحامل الجهاز اللاسلكي وأنا واقف جنب السائق في العربية الجيب المكشوفة، وأخذت أناشد الرجال:

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ

سامي كليب: قلت هذا الكلام على الجبهة؟

محمد الفاتح كُريِّم: طبعاً.. طبعاً، الغريب أن رئيس العمليات الذي هو مسؤولاً عن التخطيط كان في أذني يصرخ: نِعَم القائد والله يا فاتح.

سامي كليب: لكي لا نطيل الحديث طبعاً نود أن تخبرنا فيما بعد كيف حصل الأمر، بُتَّ تجول على الجنود والضباط وقيل تردد أود أن تؤكد لنا هذا الخبر أم لا أنك وجدت بعض المتخاذلين في الواقع الذين لا يودون المشاركة وقتلت بعض رفاقك، لكي يقوم الآخرون ويستمروا في المعركة، صحيح ها الكلام؟

محمد الفاتح كُريِّم: هذا حدث فعلاً، وإن كنت أشير إلى إن إحنا تقدمت بالست رجال اللي هي مساعدين ليَّ، مركز القيادة المتقدم للواء دُول مساعدين ضباط، رواد أو مقدمين، تقدمنا عبر هذه الرمال السائبة، أنا مش شايف العدو، بعد ما مشينا كده حوالي مثلاً كيلو ونص ترامى إلى سمعي أصوات من بعيد: قائد اللواء، قائد اللواء، قائد اللواء، الله! أنا مش شايف حد، الله! دول يبقوا رجالي مش أعدائي تقدمت منهم قليلاً فإذا بهم مجموعتين من الرجال محتميتين بصخرتين هنا عشرة وهنا عشرة، وهنا أسأل: أين قائدكم؟ يشيرون إلى التبَّة المتقدمة بحوالي 20 متر، 30 متر مش أكثر من كده

سامي كليب: شو التبَّة يعني؟! يعني موقع متقدم؟

محمد الفاتح كُريِّم: التبة هيئة أرضية من ضمن الجبل، يشيرون إلى قائدهم من هو؟ المقدم علي أحمد حسن الغليظ قائد الكتيبة اللي هي في اليسار، اللي بلَّغ إني أنا متعثراً لشدة النيران، هذا المقدم المقدام يتقدم مع أول عشرة في كتيبته، أول عشرة مش أنا.. مش أنا بس اللي عملت، لا، الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم من كان حولي عملوا مش أنا، فأرقد يا أفندم أرقد يا أفندم الله! نار العدو.. نيران العدو شديدة، نيران العدو شديدة، لأن إحنا دلوقتي تحت أيه؟ ضغط نيران العدو، مدفعية، دبابات، صواريخ، طيران كل.. بس الطيران لا يقصفنا، ليه؟ ما بيضربناش.

سامي كليب: لقرب المواقع طبعاً

محمد الفاتح كُريِّم: مضبوط.

سامي كليب: طيب، سيادة اللواء، يعني بدأت بإعادة الحماسة إلى الجنود وبعض الضباط الذين بقوا، ولكن أعود إلى السؤال: كيف قررت أن تقتل بعض الرفاق؟ يعني ما السبب؟

محمد الفاتح كُريِّم: هذا القرار لم يكن قرار.. أنا يعني فكرت فيه كتير إنما هو كان لحظي، عندما وصلت إلى هؤلاء الرجال اللي أنا بأقول إنهم.. حوالي 20 واحد على مجموعتين خلف صخرتين، دول طبعاً معاهم قتلى وجرحى كثيرون، لأن إحنا تحت ضغط العدو الشديد في هذه اللحظة، في هذه اللحظات، دول الجرحى القتلى خلاص، الجرحى إديني شوية مية، هأموت يا أفندم، الكلام ده، منين أجيب له ميه؟ منين؟ فناشدت الناس دول، يا ولاد قوموا، ليه؟ لأن إحنا في الجانب الغربي، في السفح الغربي للجبل، العدو في السفح الشرقي، وإذا إحنا ما قمناش وواجهنا العدو في الجانب الشرقي..

سامي كليب: سيتقدم العدو..

محمد الفاتح كُريِّم: ويتقدم ويطهر الجبل مننا، دي الحرب كده بتقول كده، بديهيات للأسف، ما حدش قام، هددتهم، رغم إن أنا: الله أكبر و..، ما فيش، أنا كلواء.. قائد لواء مسلح بطبنجة، لكن طبنجة أيه؟ وقع بصري على بندقية أحد القتلى أو الجرحى تناولتها، وهم تحت رجليَّ أنا يا ولاد مش عارف أيه.. ولاد أيه اللي مش هيقوم أنا هأضربه بالنار، ما حدش قام، عمرت البندقية وأطلقت النيران عليهم، قتلت يا أفندم، قتلت يا أفندم، قتلت يا أفندم؟! الله أكبر متقدماً إياهم، متقدماً إياهم فقام الجميع من خلفي يرددون ما أردد: الله أكبر والعزة للعرب، الله أكبر والعزة للعرب، وعبرنا الخط الفاصل، القمة فوق، وضربنا إلى تحت على السفح الشرقي، والمعنويات ارتفعت الله أكبر الله أكبر، ما فيش قدامنا عدو، أتاري العدو انسحب قبل إحنا ما نوصل في اللحظات دي بقى، بعدما أوقف قواتنا.

سامي كليب: بخمسة وعشرين عسكرياً وضابطاً قرر اللواء محمد الفاتح كُريِّم المضي صوب قمة الجبل مهما كان الثمن، كان القرار انتحارياً ولكنهم تقدموا، وفي هكذا حالات تكون المعنويات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، ولكن..

محمد الفاتح كُريِّم: ولكن لم يستمر بنا الحال طويلاً، هي حوالي 100 متر وإذا بدبابتين من يميننا ومن الخلف مندفعتين بأسرع ما يمكن في اتجاهنا، الله! دول مش دباباتنا أنا ما عنديش دبابات خلصت الدبابات، منين؟ آه ده العدو، العدو؟! وفجأة تنحرفا في اتجاه الشرق مباشرة في اتجاه العريش، سبحانك يا الله!! ارتفعت المعنويات أكتر وأكتر، ولكن كانت المصيبة الأكبر بعد حوالي 500 متر من الدبابتين دول، 12 دبابة إسرائيلي، إحنا كل اللي معانا صاروخين اتنين، لو أصابوا هيصيبوا دبابتين، طب والـ12 دبابة، لو دبابة منهم أغلقت المزاغل اللي هي الفتحات الصغيرة، وداس الرامي على الزر ضرب النار في الدبابة كهربائية، يقتل آلاف، إحنا مشاة عُزَّل ما معناش أسلحة (م.د) في هذا الوقت، لأن إحنا طلعنا الجبل كأفراد.

سامي كليب: م.د مضادة للدروع يعني.

محمد الفاتح كُريِّم: ما فيش معانا أسلحة مضادة للدبابات، وهنا كانت المفاجأة الأكبر، المعجزة من عند الله، ما حدش تدخَّل فيها، المعجزة من عند الله، تنحرف الدبابات الـ12 دبابة خلف الدبابتين اللي أسرعوا..

سامي كليب: طيب.. طيب، طيب السؤال: كيف تنحرف يعني لم.. الدبابات..

محمد الفاتح كُريِّم: تنحرف يعني غيرت اتجاهها.

سامي كليب: عارف، بس الدبابات ما شافتكم يعني؟

محمد الفاتح كُريِّم: نعم؟

سامي كليب: يعني لم.. لم تشاهد الجنود المصريين؟

محمد الفاتح كُريِّم: شافتنا، ما أنا جاي هأقول لك بقى أيه هو السبب، العجيب إن الدبابات تجري وأقول قول الله سبحانه وتعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ).

سامي كليب: بس سيادة اللواء يعني عسكرياً كيف تفسر الأمر؟ يعني بغير الجانب الإيماني، هل مثلاً لم يشاهدكم العدو، هل يعني لم يرَ إنه أمامه هناك جنود مصريون.. هل من الدبابة ممكن إنه يكون الاحتمال وارد؟

محمد الفاتح كُريِّم: كله وارد، إنما أنا إن سألتني والله هو الله سبحانه وتعالى، أنا مش متدروش ولا حاجة، إنما هذه هي الحقيقة، هل يصح إن أنا أقول..، الغريب إنه عسكري اسمه محمد محمود أبو خليفة دا كان جاي حامل الصاروخين اللي أنا تكلمت عنهم يجري و.. و.. ويصل إلى مؤخرة الدبابات الـ14، الدبابة بينها وبين الدبابة خمسين متر، يعني ما بيكونوش لاصقين، ويدمر واحدة ويعود هذا المقاتل محمد محمود أبو خليفة، جندي مجند، أملك أيه إلا أني أفتح له ذراعي واحتضنه وأقول له: والله يا ابني لو قدرت أرقيك لرتبة العقيد لرقيتك، لأنه أفضل مني

سامي كليب: هو أطلق صاروخ وهناك صاروخ تاني ما انطلق.

محمد الفاتح كُريِّم: لا، دا.. دا.. دا ضربهم (R.B.J) ماركة 2، هو كان حامل صاروخين، لكن هيضرب الصاروخين ليه الدبابات دخلت على مسافة 150 متر، 100 متر، الصاروخ عاوز 500 متر، فيعني كانت فيها قوة، وأنا أحمس الرجال اللواء الخامس يتقدم على يسارنا يا رجال على اعتبار أن الجار لواء زيي على بعد 300 متر، ويسرع الرجال في تنافس ونستولي على جبل المر، ونبلغ وأبات الليل أصبح الصبح، وقد ذهبت..

سامي كليب: وقد تقدمت القوات فيما بعد مصرية خلفكم.

محمد الفاتح كُريِّم: آه، تقدمت بقى واحتلت الجبل، الصبحية وأنا واقف بأدي أوامري لرئيس عملياتي، الجار اليسار اللي أنا كنت بأقول إمبارح الجار اليسار اللي أنا كنت بأقول عليه إمبارح دا جاري، وأنا في قرارة نفسي بأقول إيه الهيصة اللي إنت عاملها دي يا فلان، زميل يعني قائد اللواء أكبر مني كمان، أيه الهيصة دي والفوضى؟ أتاريه هو العدو نفسه ينسحب من مركز قيادة القطاع الجنوبي للجبهة الجنوبية، ليه؟ تصور العدو إن أنا برجالي سوف نلتف ونحاصره ونأسره، وأنا فاهم دي قواتي، قد يكون هذا قصور عندي أنا شخصياً، انتقاد ذاتي لنفسي، ما أنا عندي وسائل استطلاع ما بعتش ليه وراحوا شافوا؟

سامي كليب: بجميع الأحوال يعني..

محمد الفاتح كُريِّم: أيوه.

سامي كليب: فيما بعد في تقييم هذه المعركة البعض عاب عليك إنه من الناحية العسكرية كانت غير منطقية ولم يكن من الممكن تحقيقه، معروف إنه في الجيش عادة حين يقوم ضابط بهكذا نوع من العمل غير التكتيكي يلام، أما أنت فقد حصلت على وسام رفيع في الواقع وسام نجمة الشرف، وأيضاً لُقبت بالفارس الأول للقوات المسلحة في الحرب والجبل.. جبل المر أصبح اليوم اسمه جبل الفاتح وقد أقر الرئيس الراحل أنور السادات الجبل باسمك، من الذي سماه فيما بعد جبل الفاتح؟ القوات اللي كانت معاك؟

محمد الفاتح كُريِّم: هو الأساس هم القوات عندما جاء قائدي قائد الفرقة، الفريق يوسف عفيفي ليهنئ الرجال بانتصارهم الذي كان هو بعيد المنال، أيه يا ولاد.. ومش عارف أيه، نسمي الجبل دا باسم مين؟ فانطلق الجميع في نفس واحد: جبل الفاتح يا أفندم، ومنذ هذا الوقت أصبح اسمه جبل..، جاء السادات -رحمه الله- في الشرح له لمسرح العمليات بواسطة المشير أحمد بدوي، فقال له دا الجبل دا اسمه جبل الفاتح لأن الرجال سموه علشان حصل كذا وكذا، وقصَّ المعركة وهنا صدَّق على الاسم، رحمه الله.

سامي كليب: لأسباب عسكرية وأمنية لم نستطع تصوير جبل المر، لكن اللواء المتقاعد محمد الفاتح كُريِّم، الذي له أولاد ضباط في الجيش المصري أيضاً، أضاف إلى عائلته ابناً جديداً اسمه اليوم وغداً وبعد غدٍ جبل الفاتح، وله في ذلك فخر كبير.