مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

رونيه بوتيه: سينارست فرنسي

تاريخ الحلقة:

24/11/1999

- تجربة رونيه بوتيه ضد الاحتلال النازي
- صورة الأفارقة أثناء الاستعمار الفرنسي كما صورها رونيه بوتيه

- بوتيه والثورة الجزائرية

- رونيه بوتيه والرقابة على أفلامه في الجزائر

- لقاء رونيه بوتيه وبن بيلا فور تسلمه السلطة في الجزائر

- علاقة رونيه بوتيه بهواري بومدين

- دور رونيه بوتيه في ازدهار السينما الجزائرية

رونيه بوتيه
سامي كليب
سامي كليب: حين كانت الثورة الجزائرية في أوجها ضد الاستعمار الفرنسي انطلق شاب من فرنسا كان في الحادية والعشرين من العمر، حمل كاميرته على كتفه، وذهب يقاتل إلى جانب جبهة التحرير الجزائرية،يقاتل بالكاميرا ما عجزت عنه البندقية.

لاحقته بلاده فرنسا بتهمة التعامل مع العدو آنذاك، أي التعامل مع جبهة التحرير الجزائرية، ثم لاحقته قوات جبهة التحرير بتهمة التعامل مع موسكو الشيوعية، طافت أفلامه العالم كله إلا فرنسا حيث منعت هذه الأفلام بأمر من وزير الداخليه الفرنسي آنذاك (فرانسو ميتران) الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية الفرنسية.

ذهب في عداد أول وفد جزائري إلى موسكو برئاسة أول رئيس للجمهورية الجزائرية أحمد بن بيلا، من على سنواته السبعين يروي لنا اليوم هذا السينمائي الفرنسي الشهير ذكرياته السعيدة والأليمة الآن في إفريقيا ثم في ألمانيا، وبعدها وخصوصاً في الجزائر، جزائر السينما حيث أسس أول معهد للسينما في هذا البلد وجزائر الثورة الشهيرة، إنه رونيه بوتيه.

أنا سامي كليب من قناة (الجزيرة).

ولد رونيه بوتيه في بريطانيا الفرنسية، وهي منطقة لا يزال بعض أهلها يحلمون بالاستقلال عن فرنسا، وهذا مهم إذا ما عرفنا كم هو متعلق باستقلال الشعوب، لم يحب السينما في طفولته، ولا ذهب إلى صالاتها في المراهقة، لكنه وبعد أن ناهض الاحتلال النازي وهو في الرابع عشر من عمره اختار أن يبحث عن الحقيقة بوسائل سلمية، فنصحه أصدقاؤه بالسينما، السينما فتحت له العينيين، ولكنها فتحت أيضاً أبواب السجن والملاحقات، وفتحت لنا ملفات وأسراراً كثيرة، ربما أبرزها عن الجزائر، يرويها لنا اليوم، ويرويها لحفيده.

تجربة رونيه بوتيه ضد الاحتلال النازي

أود أن أسألك في البداية عن تجربتك ضد الاحتلال الألماني، في عمر السادسة عشر حصلت على أول وسام، كان وسام الحرب لنضالك ضد المحتل الألماني.

رونيه بوتيه:لم يكن قراراً انفرادياً، بل كنا مجموعة من الأصدقاء، ولم نكن ثوريين حقيقيين، كنا فقط نسعى خلال الاحتلال الألماني لأن نسهم بشيء معين، فاخترنا أن نصبح من الكشافة، من الجمعيات الخيرية، وأن نكافح لتحرير بلدنا.

سامي كليب: طبعاً حينما نتحدث عن تجربة سينمائية طويلة امتدت على خمسين عام أو أكثر بقليل، من الأفضل أن نشاهد الأفلام سوياً، وسوف نعلِّق عليها معك، على الأفلام التي صنعتها أنت، أو التي وقفت وراءها بعد قليلاً من تناول القهوة.

[جزء من فيلم Africa 50]

إذن نبدأ بفيلم (Africa 50) أفريقيا خمسون أولاً لماذا هذا الاسم، وثم قصة هذا الفيلم، خصوصاً أنك ذهبت من أجل تصوير الوجه الجميل للاستعمار الفرنسي، وعدت بصور بالأحرى لم تعد، وعاد الفيلم بصور ضد الاستعمار الفرنسي، وذاك كان السبب لملاحقتك في إفريقيا.

رونيه بوتيه: سبب الإسم بسيط،وذلك لأني كنت بدأته عام 49، وانتهيت منه عام50، وكان الذين أرسلوني لأصور الاستعمار ومآثره اعتقدوا أن المستعمرات الإفريقية تعيش على وقع خطاب الرئيس.. الرئيس ( شارل ديجول) الذي كان في الكونغو برازافيل، بمعنى أنه سيحترم التزاماته حيال الأفارقة، التي كان اقتطعها حين كان ينبغي حث إفريقيا الغربية على المشاركة في مجهود الحرب ضد الاستعمار النازي، وكانت الوعود تقضي بأن تساعد فرنسا المستعمرات على إدارة نفسها بنفسها، وأن تصل إلى الاستقلال، وقد فوجئت حينها حين كلفتني مدرسة ( لافار) بأن أقوم بفيلمي هذا، فوجئت حينها بأن ما يجري في إفريقيا الغربية تحت الاستعمار الفرنسي لا يتوافق مطلقاً مع الوعود التي كانت قد قُطعت، فصورت ما شاهدته في ذلك الوقت.

وحين منعوني من مواصلة فيلمي قلت أن الذي يستطيع منعي اليوم هم أنفسهم الذين طلبوا مني التصوير أي رابطة التعليم الفرنسية، وبدأت المصاعب منذ تلك اللحظة مع الإدارة الفرنسية.

سامي كليب: هل كان لديك فكرة عن الوضع في أفريقيا؟

رونيه بوتيه: كنت أفكر بسذاجة أن هناك أشياء جميلة وبشعة، وأني أستطيع تصوير الاثنين.

سامي كليب: سوف نشاهد سوياً بعض الصور قبل أن نكمل الحديث، ونود أن تعطينا فكرة بالضبط أين أخذت هذه الصور؟

رونيه بوتيه: هذه الصور في السنغال وساحل العاج، وبدأت الفيلم وكأني أصور فعلاً أموراً بهدف التعليم، ولكن بعد المشاكل الجمة التي عانيت منها مع الإدارة قررت أن أخرج فيلماً يكون شاجباً ومنتقداً لما يحصل.

سامي كليب: كل هذه الصور التي نشاهدها حقيقية؟

رونيه بوتيه: كلها حقيقية، وكانت صورت على نحو يمكن أن نستشف منه أنها حقيقية، لكن حين دخلت الصور إلى فرنسا تم.. تم الاستيلاء عليها، ولوحقت بثلاث عشرة تهمة، حتى اليوم لم أتمكن من استعادة تلك الصور التاريخية، تصوروا عدد كل التُهم الموجهة إليَّ.

سامي كليب: ثلاثة عشر محاكمة، ثلاثة عشر تهمة؟

رونيه بوتيه: نعم..نعم، ثلاثة عشر تهمة، تبدأ بتعريض أمن الدولة، وتصوير بدون إذن من الحاكم، والاعتداء على موظف دولة.

سامي كليب: من كان الوزير آنذاك؟

رونيه بوتيه: الوزير الذي تابع القضية كان وزير فرنسا لشؤون ما وراء البحار، وكان يدعى(فرنسوا ميتران).

سامي كليب: الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية.

رونيه بوتيه: نعم الذي أصبح رئيساً للجمهورية.

سامي كليب: وهو نفسه الذي نشر الفيلم في كل السفارات الفرنسية لاحقاً.

رونيه بوتيه: بعد سنوات طويلة أذكركِّم بأنني صورت الفيلم، وحُوكمت حين كان عمري آنذاك واحداً وعشرين عاماً، وأُعيد إليَّ الفيلم منذ ثلاث أو أربع سنوات، أي بعد حوالي ستة وأربعين عاماً، قالوا لي في وزارتي الداخلية والخارجية أن الفيلم شجاع، و إنه يوزع منذ تسع سنوات في السفارات الفرنسية في الخارج، ولذلك بغية القول بأن فرنسا كانت تضم تياراً مناهضاً للاستعمار في الخمسينات وفي الستينات.

هذا مهم لسمعة فرنسا في الخارج، لقد ردوا لي الاعتبار حين بلغت أكثر من سبعين عاماً، وهناك احتفالات تقام لي بعد تلك الفترة، اليوم يتغاضون عن حقيقة أن الفيلم لوحق في السابق، أعتقد أن قول ذلك اليوم مهم، لأنه ليست سينمائي هو الذي تغير، فالسينمائي هو نفسه، هي السياسة تغييرها أعاد الحق إليَّ.

سامي كليب: في أفريقيا طبعاً تعرفت على العديد من المسؤولين الأفارقة، ورؤساء، وأحد الأفارقة الذي خبأك عنده أصبح فيما بعد رئيساً لجمهورية إفريقية.

رونيه بوتيه: نعم لوحقت حين كنت أصور الفيلم، لاحقتني الشرطة الفرنسية

في المستعمرات الإفريقية، والغريب أني لاقيت آنذاك نوعاً من التعاطف والأخوة الإفريقية معي، لقد ساعدني الناس من كل المستويات وتضامنوا معي ومن بين الذين قدموا لي أيضاً المساعدة كان (روفوات جوانييه) الذي أصبح فيما بعد رئيس ساحل العاج، كذلك ساعدني ( كوليبالي) الذي كان نائب التجمع الديمقراطي الأفريقية، و(كيقا) الذي أصبح .. أصبح هو الآخر رئيساً، وكان قد خبأني في منزله في باماكو عاصمة مالي.

سامي كليب: نعم.

رونيه بوتيه: قضية إخفائي في الناس حصلت بعد ذلك، فحين وصلت إلى

داكار كنت مريضاً جداً بسبب إصابتي بمرض معدي، و عالجتني ممرضتان أفريقيتان شابتان، وكانت تعلمان أن الشرطة تبحث عني وتلاحقني، علمتا من خلال أفارقة كانوا يعملون في مقر الشرطة، أن هذه الأخيرة ستبحث عني في مكان علاجي، كان يجب نقلي من المكان، ولكن كيف؟ فنقل المريض في تلك المنطقة لا يمكن أن يتم بالسر، خصوصاً إذا كان أبيض اللون، فقررتا نقلي، وكأني شخص ميت، لأني لم أكن قادراً على السير على قدمي، فلفاني في شرشف أبيض كأنه الكفن، ونظما عملية دفني.

صورة الأفارقة أثناء الاستعمار الفرنسي كما صورها رونيه بوتيه

سامي كليب: هذه طبعاً الروايات ربما الطريفة والمأساوية في آن، ولكن هنا أيضاً في الفيلم نشاهد صور.. في الواقع صورة مآسي الأفارقة أثناء الاستعمار الفرنسي، هل كانت الأوضاع سيئة إلى هذه الدرجة حسبما..وفق ما نرى في هذا الفيلم، خصوصاً الأولاد الصغار الذين يعملون بشكل صعب وشاق آنذاك في أفريقيا؟ وما هي الرواية التي أثرت فيك أكثر من غيرها في أفريقيا آنذاك؟

رونيه بوتيه: إن أكثر ما صدمني هو حين كنت أصور في هذا المكان الذي نراه على الشاشة وكانت خلافاتي قد بدأت مع الحاكم الفرنسي، لكني لم أكن مهدداً بالترحيل، وسألت مهندسين بيض، لماذا يتم تشغيل السود وكأنهم عبيد وبأسعار زهيدة؟ ولما ليس لديهم نقابات تدافع عنهم؟ فقالوا لي إن السود أو العبيد حاولوا تأسيس نقابة، ففبركنا لهم قضية حيث أخفينا ثلاثة أكياس حبوب، ووضعنا أحدها في منزل أحد الذين كانوا يحاولون تأسيس النقابة، وهكذا تم وضعه مع رفاقه في السجن لمدة ثلاثة أعوام، بتهمة سرقة الأكياس التي وجدوها طبعاً في منزله، كان هناك أيضاً أدلة على التهمة، ولكننا نحن الذين قمنا بذلك.

بوتيه والثورة الجزائرية

سامي كليب: ننتقل بعد أفريقيا إلى الجزائر، في الجزائر في الواقع حصلت معك حوادث كثيرة جداً، حوادث مؤلمة، شاركت في حرب التحرير ووقفت إلى جانب الذين صنعوا ثورة التحرير في الجزائر ، ولوحقت طبعاً من قبل فرنسا ، البدايات مع الجزائر كيف كانت؟

رونيه بوتيه: أول علاقة لي مع الجزائر كانت حين بدأت لتصوير فيلم عن بداية الاستعمار الفرنسي لهذا البلد، مستنداً إلى وثائق كانت تضم شهادات لضباط كانوا شاركوا في غزو الجزائر، وتقول أشياء مثيرة للاستياء، فكرت أنه من الضروري أن يعرف الشعب الفرنسي الحقيقة.

سامي كليب: طبعاً هذا الفيلم اختفى اختصار، ولكن بقيت الوثائق التي كانت لديك، والتي استندت عليها من أجل إخراج هذا الفيلم، أود أن نرى قبل أن نكمل الحديث بعض هذه الوثائق على شاشة التلفزة، وأنت تقرؤها بصوت.

رونيه بوتيه: ها هي بعض الصور العادية، ذلك لأن النيجاتف الأساسي أحرق على أيد الحاكم الفرنسي، لأني كنت ملاحقاً بتهمة تعريض أمن الدولة للخطر، وقلت أن الجزائر كانت مستقلة.

سامي كليب: نذهب إذن الآن إلى وثائق المكتبة الوطنية لو سمحت.

رونيه بوتيه: هذه كانت فعلاً من وثائق المكتبة الوطنية في فيلمي، ومن الشهادات التي جمعتها، أود أن أشير أيضا إلى أنه في تلك الفترة من الزمن كنا أقمنا غرف الغار في الجزائر خلال غزوها، فحين كان أعضاء القبائل مثلاً يختبئون في المغارات هرباً من الجيش الفرنسي كان يتم إشعال النار أمام المغارات، من أجل خنق الذين فيها بالدخان، وهناك عن هذه الأعمال أمثلة وأدلة، هناك أيضاً إحصاءات قدمها الضباط الفرنسيون حول القيام بهذا النوع من العمليات في إحدى القرى، حيث .. حيث تم إخراج ستمائة جثة من الرجال والنساء والأطفال في اليوم التالي من عمليات الخنق بالدخان.

سامي كليب: وهذا موجود في وثائق المكتبة الوطنية الفرنسية؟

رونيه بوتيه: كان يوجد ذلك في المكتبة الوطنية في باريس، ويوجد أيضاً في وثائق وضعها أناس رافقوا المستعمرين الفرنسيين في تلك الحقبة.

سامي كليب: كيف تفسر صمت السينمائيين و المثقفين والسياسيين الفرنسيين آنذاك، خصوصاً أن حزبك مثلاً الحزب الشيوعي آنذاك شارك في المهمات والصلاحيات الخاصة التي أعطيت أيضاً للشرطة الفرنسية؟

رونيه بوتيه: نعم بالفعل طلبت الحكومة الاشتراكية –آنذاك- صلاحيات استثنائية للقوات الفرنسية العاملة في الجزائر،وقد دعمها الحزب الشيوعي الذي صوَّت عليها، وكان الهدف النظري هو إقامة السلام في الجزائر، فكانت النتيجة مزيداً من القمع، وكان المسؤولون الشيوعيون يقولون إنه لا يمكننا القيام بأي عمل إلا دعم الحكومة الاشتراكية التي كانت تؤكد أنها تريد السلام، قلت لهم أن لا ثقة ليٌّ ببعض الاشتراكيين الذين أعرف موقفهم من الجزائر، ولا أثق أيضاً برئيس الحكومة( جيموليه)، في تلك اللحظة بالضبط قررت الذهاب إلى الجزائر لتصوير ما يحصل.

جزء من فيلم: إن الفلاحين يقسمون بكل فرح طعامهم مع الجنود، لأنهم يعملون أن هؤلاء الجنود قد ضحوا بحياتهم في سبيل حرية الجزائر واستقلالها، وهذا الفلاح الصغير سينضم -عما قريب- إلى صفوف المتطوعين الأحرار، أثناء النهار يحرس الأهالي الجنود من طائرات العدو.

سامي كليب: طبعاً أنت كنت فرنسياً وصورت في الجزائر، كيف كان شعورك وأنت تصور الجنود الفرنسيين هناك؟

رونيه بوتيه: كان يجب أن أبرهن حينها أن الحرب موجودة، لم أكن أقصد شيئا خاصاً بي، ولذلك صورت قطارات تنفجر، وكان في أحدها جنود فرنسيون، أنا أعرف أنه لا يمكن الحديث عن وجود حرب دون إظهار الحرب ومشاهدتها، في فرنسا كان يقال هناك بضعة عصابات فقط وليس حرباً، فكان ينبغي أن أصور الحرب.

سامي كليب: في تونس تعرفت على العديد من المسؤولين الجزائريين آنذاك، أو بالأحرى من مناضلي جبهة التحرير، هل أصبح بعضهم فيما بعد مسؤولاً جزائرياً كبيراً؟ وهل تذكر الأسماء –آنذاك- التي تعرفت عليها؟

رونيه بوتيه: العموري، والدنماشيت، وجينيز، وشريف سعدي، وصلاح صوفي، هؤلاء أصبحوا لاحقاً أسماء بارزة في الثورة الجزائرية، بينما كانوا –آنذاك- مسؤولي مناطق أو ولايات، وحين دخلت إلى تونس في نهاية عام 57 الجزائر قيل لي آنذاك إنه ينبغي أن أعرض الصور على شخصٍ كان حينها مسؤولاً عن الإعلام، قبلت وقتها وتعرفت على شخص كان صاحب ذكاء سياسي خارق للعادة، وكان اسمه عبان رمضان، عبان رمضان ناقشت طويلاً معه، لأنه لم يكن من السهل أن أقنعه بمواصلة التصوير في تلك الحقبة دون أن أصبح جزائرياً، وذلك بغية السلام في الجزائر، وليس بهدف الدعايات السياسية، كما كان همي هو أن أقول انظروا هذا ما يحدث اليوم في الجزائر، وبعد ما شاهد ما صورت قال لي وقتها إني أفهم أنك تريد أن تصبح جزائرياً، وإنك تكافح لقناعتك بأن من مصلحة فرنسا والشعب الفرنسي الانتهاء من الحرب الجزائرية في أقرب وقت، حسناً أضاف قائلاً لي: الآن يمكنك أن تتابع فيلمك بشرط واحد هو أن نستخدم صورك، ودون أن ندخل عليها أيه تعديلات باللغة العربية، فوافقت كلياً على كل ما قال لي وتمكنت من إكمال تصوير الفيلم.

مقطع من أغنية

حي على السلاح حي على السلاح

حي على السلاح حي على السلاح

بالنار والبارودي أيدنا ترد الأجنبي

وتطهر الأرض التي في ظلها نام أبي

بالنار والبارودي أيدنا تردُّ الأجنبي ...

سامي كليب: بالنسبة للتعليق باللغة العربية، علمنا أن أحمد طالب الإبراهيمي الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية هو الذي كان يعلق بصوته على بعض أفلامك، هل كان هذا الفيلم أيضاً؟

رونيه بوتيه: كلا.. كلا، لم يكن فعله وزير الخارجية أحمد الإبراهيمي في هذا الفيلم، وإنما في الفيلم الأول الذي كنت وضعته انطلاقاٌ من وثائق المكتبة الوطنية، وقام بترجمة النص من اللغة الفرنسية.

سامي كليب: ولكن كيف أنت الشيوعي قبلت أن يكون طالباً مسلماً..أو من التيار الإسلامي هو الذي يعلق على فيلمك حول الجزائر؟

رونيه بوتيه: كانت لدينا فقط وجهات نظر مختلفة في نظرتنا للسلام في الجزائر، هو كان يكافح لأسبابه الخاصة، وأنا كنت أعتقد أن الصداقة بين الشعبين لا يمكن أن تتم إلا من خلال شرح الأسباب التي تدفع أولئك الذين في مواجهتنا لاتخاذ هذا الموقف أو لحمل السلاح أيضاً ضدنا، كان الهدف هو شرح أسباب مواقفهم، لكي يصبحوا مواطنين في بلادهم.

سامي كليب: ربما أحمد طالب الإبراهيمي يشاهد هذه الحلقة حول الجزائر، هل كان معلقاً جيداً على أفلامك آنذاك؟

رونيه بوتيه: إن ما يبرهن على إمكانية التفاهم بين ملحد ومسلم هو أن طالب الإبراهيمي ترجم التعليق الذي كنت وضعته أنا بنفسي، وقيل لي لاحقاً أنه كان وفياً جداً بالنص، وأنه لم يضف إليه أي شيء، وقال: إنه من المهم أن يعرف الجزائريون ما هي شروط غزو الفرنسيين لهم، ولبلادهم طبعاً.

سامي كليب: على كل حال هناك سؤال حول مناضلي الداخل و مناضلي الخارج، هل كنت تشعر أن هناك عداوة بين رجال جبهة التحرير في الداخل وأولئك الذين ناضلوا من تونس أو غيرها؟

رونيه بوتيه: لم يكن هناك حقد، وإنما صراع، لم تكن لهم طريقة التفكير نفسها، كان ثمة صراع حول توجهات الثورة الجزائرية، وتعلمون أنه غالباً ما تكون النقاشات صعبة في الفترات الثورية وفي الحروب، بهدف التوصل إلى تسوية، وهناك أيضاً قضايا تم حلها بوسائل أخرى غير النقاش.

سامي كليب: كنت طبعاً مرتبطاً بعلاقة خاصة مع عبان رمضان، وكان قربك جداً إليه، هل كان يحدثك عن رفاقه الذين قتلوه فيما بعد؟

رونيه بوتيه: كلا..كلا أبداً، كنا نناقش مشاكلنا الذاتية، ومفادها كيف أن مسؤولاً من الثورة الجزائرية يستطيع القبول برأي مخالف تماماً لهم، أنا كنت فرنسياً وشيوعياً، إذن كيف يمكن السماح لشيوعي أن يذهب وأن يصور بين صفوف الثوار؟ على الرغم من أن التعليمات كانت قد أُعطيت لهم بمنع أي دعاية سياسية شيوعية في أوساط جيش التحرير الجزائري.

حين انتهيت من تصوير فيلم" كفاح الجزائر" عرضت النسخة العربية على عبان رمضان الذي كان طلب مني أن أقوم به، لكني كنت في تلك الفترة فقدت الاتصال به لانشغالاتنا الكثيرة، وعلمت بعد فترة أن ثمة اجتماعاً للقيادة الجزائرية في القاهرة، فتوجهت إلى هناك لعرض الفيلم، وقعت لي بضعة مشاكل صغيرة مع المصريين، ذلك لأنهم فوجئوا بفرنسي يأتي إلى القاهرة في أعقاب عام على حرب السويس، ودون تأشيرة الدخول لكي يلتقي بالقادة الجزائريين، عندها طلبوا مني بعض الإيضاحات، فاحتجزوني لعدة أيام، ثم جاء جزائريُُ لمرافقتي، وكان يدعي -على ما أذكر- توفيق المدني، توفيق المدني كان مسؤولاً عن العلماء الجزائريين، وهم مسلمون متدينون لم تكن لي معهم علاقات خاصة، سألت عن عبان رمضان، قالوا لي ليس هنا،وعرضت الفيلم أمام المسؤولين الجزائريين.

سامي كليب: ألم تكن وصلتك المعلومات بأن عبان رمضان كان قد قُتل على أيدي رفاقه؟

رونيه بوتيه: لم أكن أعرف بذلك، وإلا لما كنت سألت عنه أو عرضت الفيلم أمام أناس عرفت لاحقاً أن بينهم من قتل بالفعل عبان رمضان.

رونيه بوتيه والرقابة على أفلامه في الجزائر

سامي كليب: يعني في كل مرحلة عملك في الجزائر قابلت بشكل أو بآخر نوعاً من الرقابة -إذا صح التعبير- على أفلامك، قطع.. قطعت بعض المقاطع، وأيضاً تدخل بعض المسؤولين لتغيير هذا المقطع أو ذاك، وهو ما رافضته طويلاً في فرنسا، كيف ذلك؟

رونيه بوتيه: لم أقبل يوماً الرقابة من قبل الجزائريين، ولكن من خلال لقاءات مع عبان رمضان، وكانت قاعدته في الجزائر، وإلى جانب المقاتلين الجزائريين أن أصوِّر ما أرى أمامي، وقلت لرمضان هل تقبلون أن أواصل التصوير؟ تمت الموافقة على ذلك، شرط أن لا أقوم بعمليات الدعاية في..

سامي كليب: لكن أنت صورت كل ما هو إيجابي في الثورة الجزائرية، ونعلم كما تفضلت في كتابك أيضاً أنه حصلت الكثير -إذا صح التعبير- من الشواذات في تلك الثورة، رغم أهميتها بالنسبة للعالم واللجزائر.

رونيه بوتيه: أنا.. أنا فرنسي، ودرست الثورة الفرنسية، وأعرف تماماً ما الذي قدمته لنا، أنا أعرف أيضاً أنه خلال تلك الثورة قتل ( روبشكير) ( دونتون) وهناك ثوريون قطعت رؤوسهم، وذلك لأن ثوريين آخرين أرادوا ذلك، إذن التوتر كان في الثورة الجزائرية تماماً كما كان عليه الحال في الثورة الفرنسية، هل كان من صلاحياتي -أنا الفرنسي- أن أدير التوتر في .. في الثورة الجزائرية؟

سامي كليب: طيب أسألك سؤال بشكل آخر اليوم، هل رأيت أشياءً في الجزائر خلال عملك الطويل ولم تصورها خشية في الواقع على الثورة، وخشية من الثورة على نفسك؟

رونيه بوتيه: نعم صورت أشياء لم أخرجها.

سامي كليب: سنعود إلى شريف مسعديه، كيف حاول أن يعلمك الإسلام؟

رونيه بوتيه: حسناً، حين تم عرض الفيلم أمام المسؤولين الجزائريين قالوا إنه خارق العادة، إنه أول وثيقة حول حقيقة حرب الجزائر، لكنهم تساءلوا عما يمكن أن نصنعه عبر الفيلم بصيغته العربية، وافقوا على كل شيء، إلا مقطع نرى فيه جنود يبكون، طلب أحدهم أن نقطع هذا المشهد، قلت لماذا؟ أجابني المسؤول أن الجنود لا يمكن أن يبكوا، وأنا كنت صورتهم فعلاً وهم يبكون حين وصلهم خبر مقتل رفاقهم أثناء قراءتي أسماء القتلى، بكوا حزناً و صدقة بكوا كما يبكي الرجال وبكوا أيضاً كما يقاتل الرجال، هذا ما صورته بالفعل، لقد رفضت قطع المشهد، لكن المسؤول عنهم شدَّد على أن الجنود لا يبكون أبداً، علماً أنهم بكوا أمام الكاميرا، بكوا تعبيراً عن شعورهم الصادق.

كما قلت لكم بكوا كالرجال، وكما يقاتل الرجال أيضاً رفضت قطع المشهد، لكن المسؤول شدد على أن الجنود لا يبكون، لم أعرف ماذا أفعل، فقلت لهم حسناً سأقطع المشهد إذا ما عرفتم فك أحجية سأقولها لكم،وكان هناك رجل أسمه رجل اسمه محمود شريف، وكان كولونيلاً سابقاً في الجيش الفرنسي، انضم لاحقاً إلى جيش التحرير، قال هذا الكولونيل حسناً إذا ربحت الرهان ابقى على المشهد، قل لنا ما لديك، فقلت لهم إني أراهن أن الذي طلب مني قطع المشهد لم يكن أيضاً في عداد المقاتلين، ولم يرى يوماً الجنود في ميدان القتال، ضحك الجميع، لأن الشخص المقصود كان فعلاً لم يرَ جنوداً في الجبهة، وبعدما ضحكوا قالوا لي لقد ربحت الرهان، وفعلاً أبقيت على مشهد الجنود يبكون، هكذا ربحت الرهان.

سامي كليب: رغم ذلك بعد مباشرة عرض الفيلم الذي شاهده قادة الثورة الذين كانوا في الخارج في القاهرة، وضعوك في سيارة أوبل ( O PEL) ومررتم في طرابلس، في ليبيا، ثم إلى السجن في تونس على الحدود الجزائرية، فلماذا برأيك حصل ذلك؟

رونيه بوتيه:لم أعرف أبداً لماذا حصل ذلك؟ بالفعل سمعت شهادات فيما بعد من أناس قالوا إن الاستخبارات الفرنسية سربت معلومات مغلوطة إلى الاستخبارات

المصرية، مفاد تلك المعلومات المغلوطة -كما ذكرت- هي أن بعض الفرنسيين الذين يساعدون الثورة الجزائرية يفعلون لأفكارهم السياسية الشيوعية، أو بهدف تقديم معلومات للاستخبارات الفرنسية، حينها قال البعض سنُبقي المخرج لكي نستطيع استخدام الفيلم على أفضل وجه، مهما كانت طبيعة هذا المخرج وطريقة عمله، لم يكن الأمر واضحاً.

سامي كليب: شريف مسعدية كان معك في نفس السجن؟

رونيه بوتيه: فوجئت في السجن بوجود كل أولئك الذين كانوا في عداد المقاتلين للتحرير، وكذلك الذين تعرفت عليهم في الجبهات، وقد اتُهموا بالتآمر على الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى، كان هؤلاء المتهمون قد دُعيوا للمجيء إلى تونس كضباط جيش للإجتماع بدعوة من كريم بالقاسم، كريم بالقاسم الذي كان مسؤول الدفاع في الحكومة بغية وضع لائحة بمطالبهم، وهكذا بهذه الطريقة أوقفهم بعض أعضاء الحكومة المؤقتة في تونس على أيدي الحرس الوطني التونسي، وقد تم تشكيل محكمة حاكمت خمسة منهم بتهمة التآمر، وتمت تصفية أربعة أشخاص في السجن الذي كنت أنا فيه.

سامي كليب: هل تذكر الأسماء؟

رونيه بوتيه: نعم، ربما العموري قائد الولاية الأولى، وكان أيضاً هناك شريعة، وكولونيل آخر لم أكن أعرفه سابقاً إسمه على ما أذكر مصطفى العقال، ولا أذكر الرابع، وقد أُطلق سراح البعض منهم، وبقي آخرون في السجن، بينهم شريف مسعدية، و أحمد درايه، وعبد الله بلهو شيت، وأصبح لهم وزن فيما بعد في الثورة، فمثلاً بلهو شيت كان أصبح أول جنرال.. أول جنرال جزائري في عقاب الاستقلال، ودراية أصبح مديراً للأمن ووزيراً للنقل فيما بعد، بعد انتهاء الثورة بعد الاستقلال، هذا أمر من مفارقات الحياة.

سامي كليب: مسعدية أمين عام جبهة التحرير.

رونيه بوتيه: نعم بالفعل، وعلى كل حال فإن مسعدية، وحين كنت أناقش معه في السجن كنت أنا معزولاً عن الآخرين، وأتحدث معهم من خلال الأبواب الموصدة، كان السجناء يسألونني عن معلومات بشأن الذرة والعلوم الأخرى، كان هناك تبادلاً للحديث إذن بيننا، وكان الحراس يغضون النظر عن ذلك، ومسعدية سعى لإقناعي بالإسلام.. الديانة الإسلامية، فكنت أهدده بأنه لو فعل فإني سأعلمه الشيوعية، كان يؤكد أني لن أستطيع إقناعه، وأن بإمكانه أن يقنعني بأن الدين أمر مهمُ جداً، وهو بالفعل كان علمني الكثير من الأحاديث، في تلك الفترة قررت أن أنفذ إضراباً عن الطعام.. إضراباً عن الطعام احتجاجاً على شروط السجن، وبعد عشرين يوماً جاء طبيب قال: إنني سأموت، وأضاف: إن حالتي الصحية لم تعد تنفع، حتى لو عدت إلى تناول الطعام، بالفعل كان الوضع مأساوياً بالنسبة إلي، حينها جاء محمد شريف مسعدية وقال لي الآن عليك أن تنطق بالشهادة..

سامي كليب: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

رونيه بوتيه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، سألته لماذا؟ قال: هكذا تصبح مسلماً وتذهب معنا إلى الجنة، سألته عما إذا كنت قادراً على الذهاب إلى جهنم والذهاب إلى النار؟ فأجابني كلا، لأنك قمت معنا بالجهاد، ومن يقوم بالجهاد لا يذهب أبداً إلى النار، ولذلك أضاف لو نطقت بالشهادة ستذهب إلى الجنة، رفضت ذلك وقلت له هل نسيت أنك أنت علمتني أن عم النبي رفض النطق بها، وهو على سرير الموت، وقال إنه لن ينطق بها لكي لا يقال عنه أنه فعل خوفاً وليس قناعة. بكى شريف مسعدية، وقال: انظروا إليه أنه يعتقد نفسه عم النبي قلت: لا.. لا آخذ نفسي على أنني عم النبي..

سامي كليب: لا شك أن السيد شريف مسعدية إذا كان يحضر هذه الحلقة يريد أن يعرف إذا ما كنت لا تزال تعرف العربية، هل يمكن أن نسمع النشيد.. نشيد الجزائر بالعربية في أحد أفلامك، أعتقد" كفاح الجزائر "؟

رونيه بوتيه: إنه معك بين يدك، إن كل ذلك يبقى في مخيلتي ذكرى جميلة للتلاقي بين الشعوب، فالجزائريون علموني أغنيات، وأنا علمتهم أغنيات على الثورة الفرنسية.

لقاء رونيه بوتيه وبن بيلا فور تسلمه السلطة في الجزائر

سامي كليب: بعد عبان رمضان تعرفت أيضاً على الرئيس الجزائري الذي أصبح في الواقع رئيساً فيما بعد، أول رئيس للجمهورية الجزائرية أحمد بن بيلا، وذهبت -فيما بعد- معه إلى موسكو في أول وفد رسمي، هل لك أن تحدثنا قليلاً عن ذات اللقاء مع بن بيلا، وكيف ساعدك في بداية عملك السينمائي فوراً بعد تسلمه السلطة؟

رونيه بوتيه: تعرفت عليه حين وصل إلى تونس، فبين وقف إطلاق النار والاستقلال قمت بتصوير أوائل اللقاءات بين السجناء الجزائريين السابقين، أولئك الذين كانوا على متن الطائرة التي خطفتها فرنسا، وهم بن بيلا، محمد أبو ضياف، وأية أحمد، وحين .. حين وصلوا إلى الحدود التونسية تم استقبالهم من قبل رجال جيش التحرير، وكان بينهم هواري بومدين، كان ذلك في منطقة مرتبطة بالولاية الأولى، أو ما كانت تسمى سابقاً بقاعدة الشرق، أي المنطقة التي كنت فيها في صفوف المقاتلين السريين، وكان مسؤول الاستقبال هو الذي طلب أن أكون أنا الذي أصِّور تلك اللحظة التاريخية، فتعرفت على بن بيلا حينها، ثم عدت والتقيته حين أسست معهد الأجهزة السمعية والبصرية في الجزائر، طلبت حينها الحصول على إذنٍ لكي أستطيع العبور من تونس إلى الجزائر، طلبت ذلك الإذن من بن بيلا، ومن بومدين، لقد قبل الرجلان بطلبي، لكنهما اشترطا عليَّ

أن أعلِّم أحد الشبان الجزائريين، وهو الذي أصبح فيما بعد مدير معهد السينما الجزائرية.

سامي كليب: فقط اسمح لي بالمقاطعة، ولكن أحمد راشدي يروي دائماً رواية يقول أنك السينمائي الوحيد في العالم الذي تقول تابعوا التصوير حتى ولم يكن هناك فيلم في الكاميرا، ويبدوا أن لذلك قصة على الحدود التونسية الجزائرية.

رونيه بوتيه: نعم، راشدي يروي دائماً تلك القصة، حينها ذهبنا إلى الحدود لتصوير عودة اللاجئين الجزائريين، بناءً على اتفاق جرى بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والجيش الفرنسي، وقال الضباط الجزائريون" نحن نعرف ذلك الذي يحمل الكاميرا من الناحية الأخرى للحدود"..

سامي كليب: تحدثون عن...

رونيه بوتيه: وكانوا يشيرون طبعاً إليِّ، وإذا جاء إلى الجهة الجزائرية فإننا لا نستطيع منع الجنود من إطلاق النار عليه، قلت عندها يجب أن أصِّور، وأن أجتاز الحدود سالماً، قلت أيضاً لأحمد راشدي خذ أنت كاميرا وصورني أثناء عبوري مع اللاجئين، قلت له نعم قم بتصويري، وبينما أخذت أنا الكاميرا الأخرى معي، وبالفعل بدأ التصوير، وقد اجتزت الحدود من دون أي خوف، وبعد فترة ناداني راشدي ليقول لي لم يعد لديَّ أفلام، وذلك حين كان الجنود الفرنسيون يكيلون لي الشتائم، فأنا بماذا أفعل؟ فصرخت به قائلاً لا يهم تابع التصوير.. تابع التصوير، وذلك لإدراكي أنهم لن يأذونني لو قام فعلاً بمتابعة التصوير.

علاقة رونيه بوتيه بهواري بومدين

سامي كليب: بعد بن بيلا تعرفت أيضاً على الرئيس هواري بومدين، ويبدو أن الرئيس هواري بومدين كان طلب في البداية إقصاءك من الجزائر، وقطع كل الخطوط مع الشيوعية إذا صح التعبير، وكنت أنت طبعاً معروفاً بأنك قريب من الحزب الشيوعي الفرنسي كما قلنا سابقاً، كيف عدت وتعرَّفت على بومدين؟

رونيه بوتيه: أنا تعرفت على بومدين على الحدود، تعرفت عليه على الحدود، ولم يصدر أي قرار معادي لي، بل على العكس لقد تفاهمت معه كثيراً، وكانت العلاقة طيبة، ولكن أثناء.. أثناء انقلاب بومدين على بن بيلا، وبعد تسلمه السلطة كان هناك ثمة رجال في صفوف الشرطة العسكرية الجزائرية، قالوا له بأنه يجب تحييد رونيه بوتيه، هذا ما حصل لي مع بومدين.

سامي كليب: حين تذهب اليوم إلى الجزائر خصوصاً أن العديد من المسؤولين هم أصدقاؤك، تذكر مثلاً رئيس الحكومة إسماعيل حمداني هو أيضاً أحد الأصدقاء القدامى، هل تشعر فعلاً أنك تعود إلى بلدك مرة جديدة؟ و هل تشعر بأن السينما التي وضعت أسسها تساهم في الواقع في تحقيق مشروعك الذي كنت تنوي أن يتحقق في الجزائر؟

رونيه بوتيه: أريد أن أقول للسينمائيين الجزائريين بكل بساطة اصنعوا أفلامكم كما ترتأون أي شرف، وقد علمني أحد الأساتذة حين كنت طالباً في معهد السينما الفرنسي، لقد علمني أشياء كثيرة من هذا القبيل، كان يقول لنا أنتم السينمائيون ستصبحون سفراء الحوار، بكل بساطة كان يقول لنا أيضاً أنتم الذين ستتيحون للشعوب التحادث فيما بينها والتفاهم أفضل عبر صوركم، لديكم مهمة للتبادل بين الشعوب، أعتقد أن للسينمائيين دور مهم في التفاهم بين الشعوب.

دور رونيه بوتيه في ازدهار السينما الجزائرية

سامي كليب: سيد رونيه بوتيه، أو سيد فريد إذا صح التعبير، كما كانوا يلقبونك في الجزائر، أنت وقفت في تونس خلف أول فيلم وصل إلى مدينة (كان) .. إلى مهرجان (كان) الشهير، كنت وراء أول ظهور للممثلة النجمة العالمية (كلوديا كاردينالي) وقفت خلف تأسيس السينما الجزائرية وأوصلت ابرز الأفلام الجزائرية إلى كل العالم خلال الثورة، هل تشعر أن الدول العربية وتحديداً دول المغرب العربي التي عملت معها لا توافيك..لا توفيك حقك فيما قدمت لها على مدى كل تلك السنوات، خصوصاً أنك كدت تموت أيضاً في الجزائر مراراً عديدة؟

رونيه بوتيه: أكثر الأشياء التي أثرت بي بعد عملي الطويل هذا كان حين شاركت في أحد اللقاءات في الجزائر حول الذاكرة، وقدموا لي ميدالية أبناء شهداء الحرب الجزائريين، قالوا لي إننا احتفظنا بها هنا لأننا لم نرك منذ فترة طويلة، قاموا بعملهم بكل بساطة، قدموا لي هذه الميدالية وقد قبلتها بفخر، ولكن اليوم هذه الميدالية أضافوا هي لك لتبرهن لك أننا نتذكرك ونتذكر أيضاً كل ما فعلته لنا، ولكي تتذكر أننا موجودون، هذه الميدالية أهم من جوائز كان، وأهم من احتفالات التي تقام حالياً لي في فرنسا، كانت ميدالية غير حكومية طبعاً، وكانت ميدالية قادمة مباشرة من أشخاص بعيدين عن الضوء، عن أشخاص يقولون إن صوري وأفلامي كانت مهمة لهم، هؤلاء الأشخاص هم الذين وافوني حقي في عملي الطويل.

سامي كليب: ذكرت يا سيد بوتيه أنك أحد أعمدة السينما الجزائرية، وأحد أعمدة الثورة الجزائرية، كنا نود أن يمر هذا الحديث في ظروف أفضل في الجزائر، ولكن اليوم فيما تعيش الجزائر ما تعيشه من تمزق داخلي، أود أن نختم هذا الحديث بكلمة منك لشعب الجزائر، ماذا تود أن تقول له؟

رونيه بوتيه: يجب أن نقول للأصدقاء حين يمرون بظروف صعبة أن ثمة قوس قزح في السماء، وأن الأمل موجود.

سامي كليب: شكراً جزيلاً على الحديث بارك الله فيك.

رونيه بوتيه: بارك الله فيكم، والسلام عليكم.

سامي كليب: بعد نصف قرن من النضال كان خلالها سياسياً في السينما، وسينمائياً في السياسة لا يزال رونيه بوتيه يحمل كاميرته ويصوِّر ويصوِّر، ربما الضاحية الفقيرة ليست المكان الذي يليق به، لكنها قد تذكره بجزائر الأمس. شيءٌ واحدٌ فقط تغَّير، فرنسا اليد صارت تناقض ثبات الالتزام، وكما يقال العين بصيرة واليد قصيرة.