مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

إيزابيل كوتانبير: محامية فرنسية

تاريخ الحلقة:

20/06/2003

- بداية العلاقة بين إيزابيل كوتانبير وكارلوس
- أسباب اشتغالها بالمحاماة وعلاقتها بالسجناء السياسيين

- علاقة السودان باختطاف كارلوس

- علاقة كارلوس بالمنظمات الفلسطينية والقضايا العربية

- أبرز القضايا الموجهة ضد كارلوس

- النقاط المشتركة بين كوتانبير وكارلوس وقبولها الزواج منه

- الملاحقات والضغوط التي تواجهها إيزابيل كوتانبير

سامي كليب: حين نجحت الاستخبارات الفرنسية بتخدير (كارلوس) وخطفه من السودان إلى فرنسا، كانت أسئلة كثيرة قد طُرحت آنذاك، ماذا سيكون مصيره؟ هل يحاكم بالإعدام؟ هل يطلق سراحه بضغط من إحدى الدول أو المجموعات المتعاطفة معه؟ هل يغتاله أحد رجال الموساد أو جهاز استخبارات آخر في العالم؟ لكنَّ الحدث جاء من مكان آخر وهو في السجن، جاء من زواجه، كيف لا؟ والتي تزوجته هي المحامية التي تدافع عنه، لماذا تزوجته؟ هل بداعي الشهرة؟ أم بدوافع الحب؟

هذا ما سنطرحه اليوم على ضيفتنا المحامية الفرنسية السيدة إيزابيل كوتانبير.

باريسية الولادة والمنشأ هي، ومحامية منذ عام 79، تتلمذت على المحامي الشهير (جاك فرجاس) الذي كان دافع عن جبهة التحرير الجزائرية، وتزوج إحدى مناضلاتها، وباتت منذ عام 97 محامية كارلوس، وبين هذا وذاك قفزت السيدة إيزابيل كوتانبير عن برجوازية باريس ليصبح مكتبها المتربع بمحاذاة جادة السان جيرمان الأنيقة ملجأً لمناضلين عرب أو أهالي معتقلين إسلاميين أو مهاجر يحارب للقمة العيش، مواقفها ألبَّت بعض زملائها ضدها، ولكنها أيضاً جلبت عليها غضبة إسرائيل، هي التي تناهض إسرائيل وأميركا، وتتهمهما اليوم بالوقوف خلف اعتقال كارلوس.

إيزابيل كوتانبير: بدون أي دليل حكم على كارلوس بالسجن المؤبد، أنا بصفتي محامية فرنسية أعتبر أن المحاكمة لم تكن عادلة.

سامي كليب: ولكن ما الذي دفعها بالزواج بالموصوف في بلادها بالإرهابي الأول في العالم كارلوس، واسمه الحقيقي (اليتش رامريز سانشيز) وماذا عن أول اتصال بين المحامية والمتهم أو بين الحبيبين؟

بداية العلاقة بين إيزابيل كوتانبير وكارلوس

إيزابيل كوتانبير: حصل أول اتصال في 27 حزيران عام ألف وتسعمائة..، آسفة عام 1997، أي بعد 22 عاماً بعد قضية شارع (توييه)، وقد وجدنا نفسينا وجه لوجه في سجن (لاسونتيه)، فهو كان أرسل رسالة إلى القاضي (بروجير) لكي أتولى الدفاع عنه، كان أرسل ذلك قبل لقائنا بأسبوعين، ولكن عانيت كثيراً قبل الحصول على إذنٍ لزيارته، يبدو أن الفرنسيين كانوا غير راغبين بأن أتولى هذه القضية، وحين حصلت على الأذن وذهبت إلى سجن لاسونتيه كان أُخرج من مكان احتجازه أو لنقل اقتُلع، فهذا هو التعبير المستخدم، وتلاقينا في قصر العدل، وكان محاطاً برجال الأمن المسلحين ومرتدين ثياب المعركة، وكأن الأمر لا يتعلق بسجين.

سامي كليب: ما هو الانطباع الذي تولد لديك حين رأيتيه للمرة الأولى؟ هل وُلِدَ شيء شخصي مثلاً ناحيته من قِبَلك؟

إيزابيل كوتانبير: كما قلت لك وكأن الأمر لا يتعلق بسجين، وإنما برجل سياسي عادي، كان محاطاً برجال الأمن المسلحين، وكان يصعد الدرج وهو منزعجاً قليلاً لأن محاميه لم يبلغوه بأنه ذاهب إلى قصر العدل، والتقينا وقبَّل لي يدي، وكان الأمر جميلا.

سامي كليب: سنعود طبعاً إلى كل هذه القصة مع كارلوس إلى إعلان حبه لكِ مباشرة كيف حصل؟ ولكن أود أن أعود قليلاً لو سمحتي إلى قصتكِ الشخصية، متى بدأتي بالمحاماة؟ ولماذا اخترتي هذه المهنة بالضبط؟

أسباب اشتغالها بالمحاماة وعلاقتها بالسجناء السياسيين

إيزابيل كوتانبير: أعتقد إني اخترتها منذ البداية، وكان بين أهلي محامون، وقد تأثرت كثيراً بهذه المهنة، لأنها حرة حين نريد الإفادة فعلاً من هذه الحرية، أما أن نستفيد كما أفعل أنا فإننا نكون عرضةً للضغوط والتهديد.

سامي كليب: طبعاً قرأت أن والدتكِ كانت تعمل في الخياطة، وفتحت محلاً في منطقة (الكوت دي زيير) أو على الشاطئ (اللازوردي) يعني في الشاطئ الجنوبي لفرنسا..

إيزابيل كوتانبير: هذا غير صحيح، وهو نوع من التشويه الذي ينطلق عادة من قصةٍ شبه واقعية، والدتي كانت عازفة بيانو، وبما أن هذه المهنة لا تطعم خبزاً فهي فتحت محلاً للثياب، ولكنها لم تكن خياطة وعملت آنذاك في الخليج.

سامي كليب: في الإمارات.

إيزابيل كوتانبير: نعم بالتحديد، ولذلك ربما عندي دم عربي لا أعرف.

سامي كليب: إذن قرأت عنكِ طبعاً أنكِ وُلدِتِي في عائلة يعني ميسورة، وتزوجت فيما بعد رجلاً من اليمين الفرنسي، وكان ميسوراً مادياً، ما الذي دفعكِ فيما بعد للدفاع عن قضايا الناس المحرومين -لو صح التعبير- والناس القادمين من دول العالم الثالث؟

إيزابيل كوتانبير: إننا نعيش في مجتمع تناقض ملامحه الهادئة والعصرية ورفاهيته طبيعة العمل الحقيقية التي تسير على نحو سيئ، وهذا يخلق لدينا الرغبة في تغيير الأشياء وفي الثورة.

سامي كليب: في العام 79 بدأتِ بالعمل كمحامية، وفي العام 82 إذن عملتي مع جاك فرجاس أُذكِّر فقط المشاهدين أن جاك فرجاس كان محامي القضية الجزائرية خلال الحرب، وتزوج من المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد، ما الذي دفعكِ للعمل معه؟ هل لأنها كانت الفرصة الوحيدة المتوفرة؟ أم الشعور أيضاً بالنضال حيال هذا النوع من الشعوب؟

إيزابيل كوتانبير: كان ذلك بمحض الصدفة، فأنا لم أكن أعرف تاريخ جاك فرجاس، وقد شكَّل لي العمل معه فرصة كبيرة، ذلك إني كنت متخصصة بالقانون التجاري، وهذا ما كنت أعمله حين التقيته، وبالفعل بدأت العمل معه منذ بداية عملي في المهنة عام 1981 حيث كنت أقسمت اليمين عام 1979، ووجدت أنه يناقض أولئك المحامين الباعثين على الملل، والذين كانوا يمضون النهار في الطلب إليَّ أن أزيد أرباح زبائنهم، وكنت بدأت بسبب هؤلاء أشكك بصلاحية المهنة التي اخترتها، ومع فرجاس تغير الأمر حيث شهدت المرحلة آنذاك نشاطاً سياسياً زاخراً مع وصول (ميتران) إلى السلطة، ومعارضة فاعلة بما فيها اليسار المتطرف.

سامي كليب: وبداية التفجيرات في فرنسا.

إيزابيل كوتانبير: نعم بدأ ذلك عام 1982، وتزامن مع اجتياح لبنان، حيث وقعت اعتداءات كثيرة في فرنسا، وكان هناك أيضاً العمل للحصول على العفو لكل السجناء السياسيين، ويجب أن أقول هنا أن فرنسا تؤكد أنه لا يوجد سجناء سياسيين على أرضها، ولكن في الواقع هناك الكثير من السجناء السياسيين، ومن خلال إلغاء محكمة أمن الدولة عام 1981 قِيل أنه لم يعد يوجد سجناء سياسيون، ولكن في الحقيقة هم مازالوا على حالهم، حتى وإن كنا لم نعد نسميهم كذلك، وفي واقع الأمر إن الذي يقتل جارته أو يسرق دجاجة جيرانه ليس كالسجين لأسبابٍ سياسية، أو الذي يقوم بأعمال معينة لأسبابٍ أيديولوجية.

سامي كليب: اليوم هل الجميع بما في ذلك السجناء السياسيون يعتبرون كمجرمين؟

إيزابيل كوتانبير: نحن في وضع أسوأ من هذا، لأنه لم يعد يوجد سجناء سياسيون، ولكن من هم في السجن لأسباب سياسية يعانون وضعاً أصعبٍ من السجناء الآخرين.

سامي كليب: من هم هؤلاء الناس الذين يدفعون الدولة الفرنسية لوضع سجناء سياسيين في السجن؟ هل الدولة الفرنسية هي التي تقرر؟ أم هناك نوع من اللوبي -إذا صح التعبير- مرتبط بهذه الدولة أو تلك هو الذي يدفع القضاة الفرنسيين إلى هذا النوع من الإجراء؟

إيزابيل كوتانبير: لاشك في وجود ذلك، فبالنسبة لحالة جورج إبراهيم عبد الله الذي كان يجب أن يُطلق سراحه منذ اعتقاله، لأنه حين حصل اتفاق مع الحكومة الفرنسية بضمان الاستخبارات الجزائرية، يقضي بإطلاق سراحه مقابل إطلاق سراح ابن (جيل بيرو)، وحتى لا يطلق سراح جورج إبراهيم عبد الله تم توزيع معلومات من الاستخبارات الفرنسية تقول أنه حصلت تصفية دبلوماسي أميركي، وهنا قامت الولايات المتحدة بالضغط لمنع إطلاق سراحه، وأنا آسفة لأن الجزائر لم توفِ بالتزاماتها، ومن الطبيعي أن يحصل ذلك، لأن محامي الولايات المتحدة هو اليهودي الأصل (جورج كيجمان) وليس من شك أن فرنسا هي ساحة العصب الأساسي للصهيونية في العالم، هناك جالية يهودية في فرنسا، لها حقوقها كما الجميع، أما الصهيونية ودولة إسرائيل فهي أمر آخر، ثم إن الشعب الفرنسي هو تقليدياً ليس معادياً للصهيونية، وربما هو ضد العرب بسبب الاستعمار، وفي فرنسا لم نعد قادرين مثلاً على التفوُّه ببعض الكلمات.

سامي كليب: طبعاً حين تتهمين فرنسا بأنها مكان أو بالأحرى ساحة الصهيونية في العالم، هذا اتهام خطير لدولة فرنسا، هل من أمثلة محددة حول ما تقولين؟

إيزابيل كوتانبير: لدي الكثير، فمثلاً حالة (روجيه جارودي) الذي أحامي عنه، فهو وعبر نشر كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" وهو كتاب مستند إلى وثائق، فإسرائيل دولة لا تحترم القانون الدولي، وتتصرف كدولة مجرمة، وتقتل حين وأين تشاء دون عقاب، وقد لوحق روجيه جارودي لأنه استخدم كلمة يهود، لم نعد قادرين على استخدام كلمة يهودي في فرنسا.

سامي كليب: روجيه جارودي هو المثال الأول، هل لديك أمثلة أخرى على ذلك؟

إيزابيل كوتانبير: أنا أواجه أوضاع السجناء السياسيين المسلمين، وأنا أكافح لأنهم مسجونون بتهمة أنهم ذهبوا يوماً للتدرب في أفغانستان، إذا كان ذلك صحيحاً أم خطأ، فما دخل الفرنسيين في ذلك؟ أنا لا أؤمن باستقلال القضاء الفرنسي، ذلك أن القضاة يعملون لمصالح مغايرة لمصالح فرنسا، إنهم يعملون من جهة مع FBI وكذلك لمصلحة إسرائيل، إسرائيل التي تأمل في أن كل من يعمل بالسياسة التي تدفع إلى تنمية العالم الإسلامي فهم أعداء.

سامي كليب: روجيه جارودي الذي اعتنق الإسلام، وكتب عنه الكثير مدافعاً لوحق مراراً في فرنسا، وحوكم أكثر من مرة، ولكن هجمة اليهود عليه بلغت ذروتها مع نشره كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، وقلما استطاع الدفاع عن نفسه في وسائل الإعلام التي أوصدت أبوابها في وجهه.

لن نطيل الحديث كثيراً عن السياسة، طبعاً هذا موضوع طويل جداً، ولكن نعود إلى موضوعنا الأساسي العلاقة مع كارلوس، متى أعلن لكِ حبه؟ وكيف حصل ذلك؟

إيزابيل كوتانبير: في العودة إلى الوراء اكتشفنا نحن الاثنين منذ اللقاء الأول، أن ثمة انجذاباً خاصاً بيننا، وأعتقد أن هذا ما يحصل للجميع حين يلتقون، وأعتقد أن كلاً منا كان قد وضع نوعاً من الحاجز.

سامي كليب: ولكن أين حصل ذلك؟ في المحكمة أم في السجن؟ وأين كنتما تحديداً حين أعلن لكِ حبه كارلوس؟

إيزابيل كوتانبير: الأماكن التي نلتقي فيها محدودة جداً، فهي إما في مكان الزيارة في السجن، أي في غرفة زجاجية لا تزيد مساحتها على المترين، أو عند القاضي وهذا نادر، ذلك أن القاضي (بروجير) مشغول للغاية، ولذلك فمعظم لقاءاتنا تقريباً تتم في السجن في تلك الغرفة القذرة والمعزولة بالزجاج، ولكن لا بأس سوف يبقى هناك مكان للشعر والحلم.

سامي كليب: ماذا قال لكِ؟

إيزابيل كوتانبير: قال أنه يحبني.

سامي كليب: كل ما تقدم مهم، ولكن ماذا عن قصة المحامية إيزابيل كوتانبير مع كارلوس، لماذا تلمع عيناها كلما حدثتنا عنه؟ أي حب هو ذاك الذي يدفع للتعلق بحبال أمل ضعيف؟ فهل نشدت السيدة كوتانبير الشهرة؟ وهو رغب بالخروج من عزلته عبر هذا الزواج الخارج عن المألوف.

إيزابيل كوتانبير: لنقل أن كلا مناً كسر حائط الجليد، فحتى تلك اللحظة كنا نقمع مشاعرنا، واستمر ذلك، لثلاث سنوات ونصف، كان كلا منا يخفي أحاسيسه عن الآخر، وأنا سعيدة لأننا كسرنا الحواجز بيننا اليوم.

سامي كليب: هل كنت تشعرين بأنه يحبك فعلاً قبل أن يعلن لك ذلك رسمياً؟

إيزابيل كوتانبير: كارلوس معروف أنه يجب إغراء النساء، وهو رجل جذاب.

سامي كليب: خصوصاً أنه تزوج عدة مرات.

إيزابيل كوتانبير: عدة مرات لا مرتين، وهو لا يزال متزوجاً من الفلسطينية (لنا جرار)، وأود هنا التجديد على أنه من العيب والعار ما حلَّ بهذه السيدة، فقد كان (سانشيز) يطلب من كل محاميه وعددهم قَارَب الثلاثين أو الأربعين وأنا منهم كان يطلب أن يسألوا عن اختفاء (لنا جرار) يوم خطفه من السودان على أيدي جهاز الاستخبارات الفرنسية، وحتى الآن لا جواب، فالاستخبارات الفرنسية قبضت عليه بشكل غير شرعي، ونقلته إلى هنا، وقد قُدِّمت أثناء ذلك احتمالات كثيرة، فالبعض قال أن (لنا جرار) قتلت، والبعض أكد أنها في السجن، ولكن الجميع كان يرفض الإعلان رسمياً عن اختفاء (لنا)، وحين قابلت كارلوس للمرة الأولى لوحده في خلال زيارتي الثانية له، حيث إني رأيته في المرة الأولى، وكان محاطاً بالحراس، طلب مني أن أعلن عن اختفائها وهذا ما فعلته، ولكن حتى اليوم لا أعرف أين هي، وربما هي ميتة، وأعتقد أن الحكومة الفرنسية تتحمل المسؤولية في هذه القضية.

سامي كليب: حتى اليوم لا.. لا يُعرف أي شيء عن زوجته؟

إيزابيل كوتانبير: لا شيء على الإطلاق وأنا لا أكف عن التحدث عن ذلك، هذه كارثة حقيقية، وقد مر أكثر من سبع سنوات وأنا أسأل عن الأمر منذ بدأت الدفاع عن كارلوس، لكن لا جواب، وهذا معيب تماماً كما لم يتوفر جواب مقنع حتى اليوم عن كيفية خطف (سانشيز) وعلى كل حال فسوف يدفعون الثمن يوماً ما.

سامي كليب: حين أعلنتما زواجكما أو الرغبة في الزواج في صحيفة أجنبية، كيف كانت ردة فعل العائلة؟ وهل صحيح أن ابنك قال إن والدتي ستتزوج واضع قنابل؟

إيزابيل كوتانبير: أنا شخصياً لم أقرأ ذلك في أي مكان، وعلى العكس لم تكن ثمة مشكلة بالنسبة لأولادي، أنا عندي 3 أولاد، وعمر أكبرهم 25 عاماً والثاني 22 عاماً، والصغير عشرة أعوام، وعندما أخبرتهم بالأمر منذ حوالي السنة تفهموا الأمر، فالأولاد يتفهمون الحب أكثر منا، الوضع الأصعب كان مع والديَّ، فأهلي وجدوني جريئة أكثر من اللزوم، ولكن الصعوبات لم تؤدِّ إلى قطع العلاقة معهم ولا مع أيٍ من أفراد عائلتي.

سامي كليب: هل صحيح أن (مجدلينا كوب) الزوجة السابقة لكارلوس اتصلت بك مباشرة بعد الإعلان عن الزواج؟

إيزابيل كوتانبير: نعم اتصلت، وقالت لي بالإنجليزية مبروك، بعد أن تأكدت من صحة الخبر، ولو تذكر فأنا كنت محاميتها وكنا على علاقة جيدة، وقد تأسفت كثيراً للوضع الذي تعيش فيه، خاصة أنها خاضعة للمراقبة طيلة الوقت من الشرطة الألمانية.

سامي كليب: حين طرح السؤال على كارلوس: ما الذي ينقصك في السجن؟ قال: تنقصني حرارة زوجتيَّ السابقتين، ولكن أيضاً زوجتي المقبلة، هل هذا صحيح ولتشعرين ببعض الغيرة حيال السيدتين اللتين تزوج معهما سابقاً؟

إيزابيل كوتانبير: لا، فهو كان طلَّق المرأة الأولى، أما الثانية أي (لنا)، فهي لو ظهرت مجدداً، فإني سأعاملها كصديقة.

سامي كليب: لا توجد أي غيرة؟

إيزابيل كوتانبير: سوف نرى.

سامي كليب: كارلوس الفنزويلي الأصل، المولود عام 49 تدرب منذ السبعينات مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الأردن، بات عضواً في الجبهة، لكن الأيديولوجية الشيوعية لم تمنعه من اعتناق الإسلام في اليمن عام 75، وابتعد لاحقاً عن الجبهة لكي لا يأخذ موقفاً في الصراع بين وديع حداد -أحد أبرز القادة ومنظمي عمليات الجبهة آنذاك- وبين المكتب السياسي، ومن اليمن إلى ليبيا فالأردن، حيث تزوج (لنا جرار) بعد زواجه الأول من الألمانية (مجدلينا كوب)، استقر كارلوس في الخرطوم حين لم تعد سوريا قادرة على استضافته فالرجل متهم باعتداءات دموية خطيرة، أبرزها خطف وزراء نفط التابعين لدول أوبك من فيينا، وتفجيرات استهدفت خصوصاً إسرائيل والمتعاطفين معها، فهو منذ عام 75 قام مثلاً بمحاولتين لضرب طائرات العال الإسرائيلية، (اليتش رامريز شانشيز) المتقن للغات عديدة حاصل على العديد من الشهادات في الكيمياء والاقتصاد والسياسة، لكن كل عبقريته التي حالت دون اعتقاله سابقاً سقطت بفخ فرنسي سوداني، فماذا عن السودان والاختطاف من هناك سيدة إيزابيل؟

علاقة السودان باختطاف كارلوس

إيزابيل كوتانبير: هذا ليس قانونياً، ليس فقط بالنسبة لكارلوس، ولكن بشكل مطلق أيضاً، فكل قوانين العالم تمنع خطف شخصٍ ما وكيف إذا تعلق الأمر بفرنسا؟ ثم إن الأمر غريب فعلاً، تصوروا أن رجال شرطة فرنسيين يذهبون إلى بلد أجنبي هو السودان، ليخطفوا شخصاً من جنسية ثالثة فنزويلي، وهذا معيب فعلاً من قبل بلد يعتبر نفسه ملاذ القانون. إن ما حصل كان عملية خطف منظمة تبنتها وزارة الداخلية، وبالتالي فإن كارلوس لم يُخطف سراً.

سامي كليب: هل بالنسبة لك حصل ذلك فعلاً بالاتفاق مع حسن الترابي الزعيم الإسلامي في السودان آنذاك؟

إيزابيل كوتانبير: للأسف هذا صحيح أقول للأسف، لأني أُكنُّ الكثير من الاحترام لأفكار الترابي السياسية فهو رجل ذكي للغاية، ولكنه خان كل قيمه الدينية، وخان الإسلام في المطلق، فكارلوس مسلم، وقد اعتنق الإسلام عام 1975، وفي الإسلام لا يجوز تسليم مسلم للعدو، الترابي خالف ذلك، وأعطى أوامره لحراس سانشيز، لتسهيل عملية الخطف.

سامي كليب: لماذا قام السودانيون بذلك؟ هل من فكرة واضحة حول ذلك؟

إيزابيل كوتانبير: من أجل المال.

سامي كليب: هل تعلمين كم حصل؟

إيزابيل كوتانبير: فهو قبض أكثر من 50 مليون دولار، دفعتها المملكة العربية السعودية بناء على طلب من الأميركيين.

علاقة كارلوس بالمنظمات الفلسطينية والقضايا العربية

سامي كليب: يعني حين أقرأ بعض الرسائل الواردة والتي نجدها أمامنا والتي كتبها بيده كارلوس، نلاحظ دائماً أنه لا يزال يتبادل رسائل مع قادة عرب مناضلين، بينهم جورج حبش، والآن ينشر في الواقع رسالة بعد اغتيال ابن أحمد جبريل في لبنان، هل لا يزال متمسكاً بهذه القضايا العربية والفلسطينية والإسلامية إذا صح التعبير؟

إيزابيل كوتانبير: يعرفهم كلهم، فهو كان أمضى الكثير من الوقت مع عدد من المسؤولين والشخصيات، وهم يبعثون إليه برسائل تضامن، لكن الرسائل محدودة، وهنا أشير مرة أخرى إلى أن فرنسا تعامل كارلوس بطريقة فظيعة، ولا يمكن تصورها، فهو معزول تماماً في زنزانته منذ سبعة أعوام ونصف، ومقطوع عن أي اتصال خارجي، باستثناء محاميته أي أنا، هو يتعرض لتعذيب نفسي حقيقي غير إنساني، بالطبع إنه يتابع الأحداث وما يدور في العالم، وله قدرة كبيرة على التحليل، ويفهم ما بين السطور.

سامي كليب: يحرص كارلوس على ملء وقته الصعب والطويل بالقراءة والكتابة، يكتب لرفاقه القدامى، ويكتب للمناضلين وضد إسرائيل، وهذه مثلاً رسالة خصَّ بها قناة (الجزيرة) من سجنه الفرنسي حول الفلسطينيين.

كارلوس: إلى القناة المخلصة (الجزيرة) إن الانقضاض الإسرائيلي الأخير على الضفة الغربية والمجازر التي ارتكبت في غزة تبرهن مرة جديدة كم أنه من الحماقة التعويل على ما يسمى مسار السلام، والذي يسيطر عليه العدو ويقيد عبره اليد والقدم، وحين سمعت في السابع والعشرين من شهر أغسطس/ آب عام 2001 باغتيال أبو علي مصطفى، كتبت رسالة للحكيم جورج حبش، وفيها بعض الإجراءات التي يمكن أن تدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، أليس من الممكن لدول أوبك وإيران أن تقدم لمصر والأردن وموريتانيا الدعم الذي يقدمها لها الغرب، يجب وقف شراء السلاح الغالي من دول حلف شمال الأطلسي، لأن ذلك عقيم، نظراً لأن إسرائيل تحصل على أفضل منه مجاناً واستبدال ذلك بسلاح أكثر مهارة وأقل تكلفة من روسيا والصين والتي لم تعد تطرح مشكلة أيديولوجية منذ تفكك المنظومة الاشتراكية قبل أكثر من عشر سنوات، وعلى قوات حلف شمال الأطلسي الجلاء عن الأراضي العربية والمسلمة، كما ينبغي التيقظ إلى الاعتداءات القادمة على كل من العراق وإيران ولبنان وسوريا، ثم إنه من الضروري أن يتوقف استخدام النفط والغاز من قبل الأعداء ليصبح وسيلة اقتصادية وسياسية للتحرير، وفي هذا الصدد يشرح البروفيسور صادق بلعيد (عميد كلية العلوم القضائية في تونس) هذا الجانب بشكل جيد في مقاله "فلسطين ساعة الحقيقة" الذي نشرته مجلة (L’ Alite’s) التونسية في الحادي عشر من نيسان/ أبريل عام 2002، أما بالنسبة للإرهاب فإن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هما الإرهابيين الأولين في التاريخ، إن العمليات الاستشهادية هي القنابل الأكثر إيلاماً في الثورة وهي التي تزرع البلبلة في صفوف العدو وإن الخونة وحدهم هم الذين يسيئون لشهدائنا، ويمكن النظر في هذا الصدد إلى ما كتبته في رسالتي التي نشرت مجلة "تايم" مقتطفات منها في الثالث عشر من نيسان/ أبريل عام 2002، ومن منطلق كوني السجين الأقدم بين سجناء الحرب لتحرير فلسطين، يمكنني أن أؤكد بثقة كبيرة أن الفدائيين والمجاهدين الحقيقيين مقبلون على النصر الأكيد، ولن تذهب تضحياتنا هباء. الله أكبر

كارلوس سجن (لاسونتيه) مايو عام 2002.

سامي كليب: هناك أيضاً الكثير من الكتب حول كارلوس، هل قرأتي كل هذه الكتب؟

إيزابيل كوتانبير: هذا الذي تجده على الطاولة الآن هو قسم من الكتب الكثيرة، وعندي أكثر منها في المنزل، وقد قرأتها جميعاً ولكن كما تعلم، فهي كلها تستند إلى قصة واحدة معروفة عن كارلوس ومكررة بأشكال مختلفة، قادمة من مصدر واحد وهو مصدر مزيف وخاطئ، وتبنى ذلك الكثير من الكتاب في العالم، فخذ مثلاً هذا الكتاب، ففيه الكثير من الأكاذيب المستندة إلى تقرير مزيف من قبل استخبارات أوروبا الشرقية، والاستخبارات تعمل دائماً من منطلق الإثارة وخاصة تلك التي كانت منضوية تحت لواء حلف وارسو، وفي هذا الكتاب جزء من التقرير الذي وزَّعته السلطات السودانية، وهذه معلومات مزيفة هي الأخرى.

سامي كليب: لماذا هو نفسه لم يكتب مذكراته، وهل تشجعيه في هذا الطريق؟ ألا ينبغي أن يكتب ما الذي عاشه مثلاً؟

إيزابيل كوتانبير: جوابي هو التالي: لقد كتبها فعلاً عام 1992 وسينشرها يوماً ما، لا أعرف أين ولا متى.

أبرز القضايا الموجهة ضد كارلوس

سامي كليب: فقط تذكير بأبرز القضايا التي بسببها اختطف ويحاكم اليوم.

إيزابيل كوتانبير: جوابي إنه لا يوجد شيء واضح ضده، وبراءته ليست محور شك فالتهم الموجهة إليه تعود إلى أحداث جرت منذ حوالي عشرين عاماً، ومنذ عشرين عاماً وهم يبحثون عن أدلة ضده، ولا يجدونها، ولو أنهم وجدوا دليلاً واحداً جدياً أو شبه جدي، لكانوا استخدموه ضده في محاكمته، هذا أولاً. ثم أنه متهم بعمليات وقعت في فرنسا في خلال عامي 1982 و83، الأولى ضد قطار اسمه (لوكابيتال Le Capitale) وكان من المفترض أن يستقله (جاك شيراك)، والثانية وقعت حيث كان الإسرائيليون يقصفون بعلبك في لبنان، وقعت عملية أخرى ضد قطار في مارسيليا وتبين أن بعض تلك العمليات تحمل توقيع جماعات مسلحة إسبانية، وكان ثمة من يعمل أيضاً لصالح الحكومة الإسبانية وقد تبين أن آخرين يعملون لصالح الحكومة الفرنسية لقتل ناشطي الباسك الانفصاليين، وقد بلَّغ الانفصاليون آنذاك عن وجود قنبلتين في محطة وقطار مارسيليا، وذلك بُغية الضغط على الحكومة الفرنسية لإطلاق سراح ناشطي الباسك، وكان من المفترض كما ذكرت منذ قليل أن يسافر شيراك في القطار الأول، وحتى اليوم لا نعرف كيف قرر عدم ركوب القطار الذي كان يسافر فيه في كل مرة، وهنا أيضاً يرفض القاضي (بروجير) أن يستمع إلى شيء، فهو يفضل السفر إلى رومانيا للبحث عن إثباتات وأدلة، وفيما يتعلق (بسانشير) كانت تلك الملفات قد أُقفلت ونُسبت إلى مجهول بعد مرور ثماني سنوات على التحقيق وكانوا طوال كل تلك المدة يبحثون عن دليل ولم يجدوه، فلماذا ذُكر اسمه إذن؟ ببساطة لأنه حين تم توقيف مجدلينا كوب وزميلها (برونو) نشرت الصحافة الفرنسية رسالة قيل أن كارلوس صاحبها ويطالب فيها بالإفراج عن الناشطين، ولكن هذه الرسالة غير موجودة في أي من الملفات، وقد ذُكرت في تحقيقٍ قضائي استمر حتى العام 1990، وأُقفل الملف بعدها، واليوم كل شيء مُختلق ووجود كارلوس في السجن لا يُغيِّر الواقع، نحن بصدد محاكمة رجل فقط لأنه موجود، وهناك أيضاً ملف آخر لم يقفل حتى اليوم ويتعلق بتفجير مقر مجلة "الوطن العربي" في آذار، أو بالأحرى في نيسان من العام 1982، وأعطيك مثلاً حول عدم صحة ما ورد في ملف هذه القضية، ذلك أن الشخص الذي كان يحرس المبنى، وهو متخصص بالمراقبة قدم شهادته الأولية قائلاً للمحققين إن سيارة توقفت أمام المجلة يقودها رجل ذو ملامح عربية، أما في التحقيق فيزعمون أنه يدعى (أنجش) وهو ألماني أشقر الشعر، وذو عينين زرقاوين ويقولون بعدها أنه هو السائق وهذا ما يبين عبثية التحقيق.

سامي كليب: ولكن حين تشيرين إلى كل ذلك، لماذا لم تستطيعوا حتى اليوم إثبات براءته؟ هل فعلاً أن الجسم القضائي الفرنسي مغلق إلى هذه الدرجة ولا يسمح بتبرئة شخص مثلاً إن كان بريئاً؟

إيزابيل كوتانبير: المسألة ليست في إظهار براءة كارلوس، وإنما على المدَّعي أن يوفِّر أدلة تؤكد وجود الجريمة، وحتى الآن كل الدلائل مفبركة، وبما أننا عالقون في قصص خيالية مع الاستخبارات أقول بصراحة أن ثمة أناس رشوا آخرين، واختلقوا أدلة لإبقائه سجيناً، وكل هذا تم تحت ضغط أميركي، والولايات المتحدة الأميركية هي العدو الأول لكارلوس.

النقاط المشتركة بين كوتانبير وكارلوس وقبولها الزواج منه

سامي كليب: إذن ما هي النقاط المشتركة.. ما هي النقاط المشتركة بينك وبين كارلوس غير السيجار، يعني لماذا أحببتيه؟ وكيف قبلتي أن تتزوجي منه؟

إيزابيل كوتانبير: القاسم المشترك الأول هو الحب طبعاً، هو يقول لي دائماً أننا خُلقنا الواحد للآخر، ويظن أنه ربما كان علينا أن نلتقي قبل ذلك بكثير.

سامي كليب: ما.. ما الذي أحببتي بكارلوس؟ هل أحببتي شخصيته المناضلة شخصيته المغامرة، شخصيته الإرهابية على المستوى العالمي كما يُوصف هنا في فرنسا، ما الذي.. ما الذي دفعكِ باتجاهه؟

إيزابيل كوتانبير: كل ما ذكرته سطحي بعض الشيء مقارنة بمفهومي للحب بين شخصين لا يمكنني تقبُّل فكرة الجنون والمغامرة، وأنا أحب أشياء كثيرة عنده.

أولاً: أنه شخص شجاع وذكي، وهذا يعرفه الجميع، وهو دافئ وحميم للغاية، وهذا ما أقوله دوماً وما يؤكده كل من التقى به من محامين أو موظفين في قصر العدل، ممن ذُهلوا بذكائه ودهائه، فهو شخص يهتم بأمور الناس ويحبهم.

سامي كليب: تشكلين أنتِ اليوم سيدة كوتانبير نوع من الجسر بين كارلوس والمشاهدين، يعني وعادةً حين يلتقي حبيبان بشكل عادي يتحدثان غالباً عن المستقبل، عمَّ تتحدثين مع كارلوس تحديداً خصوصاً أن هذا المستقبل الآن مغلق بسبب القضايا القضائية هنا في فرنسا؟

إيزابيل كوتانبير: لن أبقى زوجة سجين طوال حياتي، ونحن نتكلم عن المستقبل، وعندما يخرج سوف يعمل في السياسة، ولن يبقى مختبئاً أو متخفياً، هو يريد العودة إلى فنزويلا للعمل في السياسة، وكما تعرف فبإمكان الحكومة الفنزويلية المساعدة في الإفراج عنه إذا تدخلت، لأن توقيفه غير شرعي، وهو قال لي عدة مرات أنه لن يبقى طوال حياته في السجن، وربما يُقتل إذا خرج، وقال لي أيضاً مرة أخرى: إنني لو لم أكن زوجته فسوف أصبح على الأقل أرملته، هذا ليس مفرحاً، ولكننا نخطِّط للمستقبل، مشروعه يقضي بمتابعة النضال، وهذا ما يفعله في زنزانته في فرنسا وما سيفعله حين يخرج.

سامي كليب: حتى أنه ترك نوع من الوصية أو رسالة كتب فيها ما يريد في حال قُتل أو توفِّي.

إيزابيل كوتانبير: هو الذي قال ذلك أثناء إضرابه عن المأكل والمشرب، جرى ذلك حين شارف على الموت، فقال أنه يتمنى أن يقتل أميركي أو يهودي في العالم، كلما أمضى يوماً جديداً في السجن، واليوم مضى أكثر من ثلاثة آلاف يوم على سجنه في ظروف قاسية نسبة لما يتعرض إليه من معاملة سيئة وغير لائقة ببلد حضاري.

سامي كليب: مثلاً؟

إيزابيل كوتانبير: مثلاً زنزانته لا تتعدى سبعة أمتار مربَّعة، وحُرَّاسُه ممنوعون من التكلُّم معه، وكل هذه المعاملة غير الإنسانية جعلته يشعر بأنه مُستَفز، ودفعته للإضراب عن المأكل والمشرب، قام بإضراب كامل أي دون تناول الحد الأدنى خلافاً لما يفعل عادةً الذين يضربون عن الطعام، وأنا كنت ضد هذا التدمير الذاتي، والذي يترك آثاراً سيئة للغاية فيما بعد.

سامي كليب: هل هو السجين الوحيد السجين السياسي -رغم أننا لم نعد نستطيع قول سجين سياسي في فرنسا- الذي يعيش في هذه الظروف الصعبة في السجن؟

إيزابيل كوتانبير: نعم، هو السجين الوحيد الذي سُجن انفرادياً طوال هذه الفترة وعلى نحو متواصل.

سامي كليب: وجورج إبراهيم عبد الله؟

إيزابيل كاتابنير: جورج إبراهيم عبد الله خرج من السجن الانفرادي، وهنا أنتهز الفرصة لأناشد الجميع بالإفراج عن جورج، والذي سُجن بناءً على طلب من الأميركيين والإسرائيليين عام 1984، أي منذ 18 عاماً، وهذا غير مقبول أبداً. أناشد الناس التحرك لإطلاق سراح هذا السجين السياسي.

سامي كليب: إلى من تشيرين، هل مثلاً للسلطات اللُبنانية؟

إيزابيل كوتانبير: الحكومة اللبنانية لِمَ لا، فعلاقة رئيسها ممتازة مع الرئيس (جاك شيراك)، ولابد من التحرك لأجل هؤلاء المساجين السياسيين، فليس مقبولاً أن تُبقي فرنسا على رهائن بناءً على طلب أميركي هم في كل الأحوال رهائن.

الملاحقات والضغوط التي تواجهها إيزابيل كوتانبير

سامي كليب: أعتقد أنكِ المحامية الفرنسية الوحيدة التي لوحقت في القضاء الفرنسي من قبل وزير الداخلية وهي تمارس مهامها؟

إيزابيل كوتانبير: لوحقت من قبل وزير الداخلية وليس وزير العدل، لأني نشرت بياناً في قضية أعتبرها فضيحة هي قضية الجلبي التي لوحق فيها مائتان وثمانون مسلماً، لماذا أقول مسلماً؟ لأنهم بكل بساطة كانوا مسلمين، على كل حال هكذا قدموا في خلال القضية التي رُفعت ضدهم، والقضايا الشاملة بهذا الشكل أمر مرفوض.

وقفت ضد ذلك ووجَّهت الاتهام للقاضي، ولم يلاحقني وزير العدل، بينما قام وزير الداخلية بملاحقتي لأني استشهدت بتصريح لوزير الداخلية السابق (شارل باسكوا) يقول فيها: إن الشرطة تتمتع بالحرية الكاملة في سبيل وقف الإرهاب، فلوحقت وحُوكمت لأني وجهت اتهاماً إلى الشرطة الوطنية.

سامي كليب: أنت في المحاكم أيضاً الفرنسية قلتِ أكثر من مرة، في الواقع وضعتِ إسرائيل في قفص الاتهام، وحين تحدثتي في إحدى المرات عن (بن جوريون) قلتِ أنه هو الذي ارتكب مجازر دير ياسين، هل إذن تشاركين كارلوس القضايا السياسية؟ وهل لذلك أنتِ ملاحقة أو على الأقل تتعرضين للضغوط في فرنسا؟

إيزابيل كوتابنير: الأكيد هو أن الحركات الصهيونية وقفت وراء ملاحقتي، وقد اتهموني بالدفاع عن الإرهابيين، وأود أن أشدِّد هنا على التحالف بين الحكام الأميركيين والإسرائيليين الذين يمارسون خرق كل القوانين منذ تأسيس دولة إسرائيل وحتى اليوم، ولا يلتزمون حتى باتفاقية جنيف، ويدِّمرون المنازل، ويرتكبون المجازر، وكل ما يُحكى عن اتفاقيات سلام هو بالتالي هراء.

سامي كليب: هل يحاولون منعكِ من أن تبقي محاميته بعد الزواج منه؟

إيزابيل كوتابنير: نعم، حاولوا ذلك، سوف نرى، ولكني لن أستسلم أبداً.

سامي كليب: حين يُعرَّف كارلوس في السجن يُقال إنه ثوري وشيوعي ولكن أيضاً مسلم، لأنه طبعاً اعتنق الإسلام.

أولاً: ألا يوجد تناقض بين أن يكون شيوعياً ومسلماً، ثم هل ستقبلين أن تتزوجي على الطريقة المسلمة الإسلامية؟

إيزابيل كوتانبير: أولاً: ليس من الضروري أن تكون ملحداً لكي تكون شيوعياً، ولا يوجد بند يمنعك من أن تكون مؤمناً، ومن جانبي يمكنني الإبقاء على ديني، ولكن لِمَ لا، يمكنني أن أتزوج وفق الإسلام، فالوسائل العالمية تروِّج لصورة خاطئة عن الإسلام في فرنسا، والإسلام ليس ديناً رجعياً، بل إنه دين أعمق بكثير مما يقال عنه.

سامي كليب: حين تتحدثين معه عما يجري في العالم حالياً، وتحديداً حول الشرق الأوسط، هل لا يزال يدافع عن هذه القضايا الفلسطينية وهل لا يزال مثلاً مقتنعاً بالأفكار التي دافع عنها والاقتراب من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجورج حبش؟

إيزابيل كوتانبير: أكثر من أي وقت مضى، لقد أثبتت الأحداث أنه كان على حق، وأنه لا توجد إمكانيةٌ للحوار، ثم أنه حتى إذا اعترف التاريخ بشرعية ياسر عرفات، ولكن هذا الأخير كلما وقَّع على اتفاقية تبيَّن لاحقاً أنها كارثة، وربما تحرير الأراضي سيكون على أيدي الناشطين المسلمين.

سامي كليب: نعرف أنه في هكذا نوع من السجن.. السجين بحاجة لشراء أشياء كثيرة في الواقع أكان لغسل الثياب أم لمشاهدة التلفزة وما إلى ذلك، هل تساعديه كزوجته حالياً؟ وهل لديه مصادر مالية يستطيع العيش في السجن؟

إيزابيل كوتانبير: لا أخفي عليك إن وضعه صعب، ففي البداية كانت عائلته تساعده، ثم أن المحامين كلفوهم كثيراً في البداية، عائلته ليست ثرية أبداً خلافاً لما كُتب في الصحف، لا أقول أنهم فقراء، ولكنهم أنفقوا كل المال في المحاكمة الأولى، ولم يعد بإمكانهم الآن تقديم أية مساعدة.

سامي كليب: هل كلَّف كثيراً الدفاع عنه؟

إيزابيل كوتانبير: عائلته أنفقت ما يقارب المليون دولار على ما أظن، ولكن عندما تسلمت القضية لم أقبض أي فلس، ولكن حين بدأت الدفاع عنه كان كل شيء قد انتهى ولم يبقَ أي شيء، واليوم حين أتحدث عن صعوبات مالية أعني أنه في هذا النوع من السجون عليك تحمُّل كل النفقات، وهذا يشمل حتى الطعام، وبالتالي فكل شهر عليَّ أن أجد الحد الأدنى ليتمكن على الأقل من غسل ثيابه. أنا أساعد قدر الإمكان، ولكني لا أملك ثروة، كما أني مسؤولة عن عدة مساجين سياسيين، وهذا كله يستغرق وقتاً طويلاً.

سامي كليب: في أي حالة نفسية يوجد حالياً كارلوس؟ هل استطاع تحمُّل وضع السجن والعيش في السجن والتكيُّف مع السجن؟

إيزابيل كوتانبير: مكافح ومليء بالحياة، ولكن السجن يستهلك الشجاعة والإرادة، من السهل أن ينهار الإنسان، ومن الصعب أن يصمد ويكافح، ولكنه مناضل.

سامي كليب: وكما تفعل السيدة كوتانبير مرتين على الأقل في الأسبوع وددنا أن نذهب معها اليوم إلى سجن لاسونتيه، حيث كارلوس ينتظرها ليتأكد من خلال عينيها البارقتين بأن ثمِّة حياة لا تزال مستمرة في الخارج.

فماذا عن السجن وعن السجناء الآخرين هنا سيدة كوتانبير؟

إيزابيل كوتانبير: كل السجناء الآخرين الذين أدافع عنهم هم سجناء عرب.

سامي كليب: كلهم عرب؟

إيزابيل كوتانبير: خصوصاً أنهم مسجونون لأنهم ناشطون إسلاميون أو من المناهضين للطغمة الجزائرية، وفرنسا أو لنقل بعض الفرنسيين الذين يخونون مصالح فرنسا يعتقدون أن هؤلاء يجب أن يكونوا في السجن، وهناك أيضاً أولئك الذين سُجنوا بذريعة أنهم ذهبوا يوماً إلى أفغانستان، والذين ليسوا متهمين بشيء هنا في فرنسا.

سامي كليب: أنتِ كمحامية فرنسية تدافعين عن قضايا عربية ومسلمة في الواقع هنا في فرنسا، هل هناك من دعم من قبل الدول العربية لكِ شخصياً كان قضائياً أم مالياً، أم شيء آخر من هذا القبيل؟

إيزابيل كوتانبير: أبداً لا أحد يساعدني، وهذه حالة بعض المسجونين الذين هجرتهم حكومتهم.

سامي كليب: لو أُطلق سراح كارلوس غداً أو بعد عام أو أكثر، ما هو أول مشروع تفكرون أو تفكران بأن تقوما به؟ وأين ستعيشان مثلاً؟

إيزابيل كوتانبير: المشروع واضح وقائم، سنذهب إلى فنزويلا، أنا سأستمر في ممارسة عملي كمحامية في فرنسا وبين البلدين.

سامي كليب: هل.. هل لديكِ أمل بأنه سيخرج يوماً ما قريباً ربما وتعيشين معه فعلاً؟

إيزابيل كوتانبير: منطقياً فهو كسجين سياسي أو رهينة يجب أن يُطلق سراحه، وأنا سألجأ إلى كل الوسائل القضائية لفرض احترام القانون، ويطلق سراحه بأمر من القضاء نفسه الذي خان مبادئه، أما الوسائل الأخرى فليست من صلاحياتي.

سامي كليب: هل ستذهبين لرؤيته؟

إيزابيل كوتانبير: نعم، سأذهب.

سامي كليب: ماذا ستقولين له؟

إيزابيل كوتانبير: سأقول له إني أمضيت وقتاً ممتعاً في الحديث إليك، وأقول أيضاً: إني مقتنعة بأنه لن يمضي حياته في الداخل.

سامي كليب: هي ذاهبة باتجاه السجن وكارلوس يحلُم بالاتجاه المعاكس، قد يخرج أو يبقى طيلة عمره، ولكن في الحالتين سيقول التاريخ يوماً إن أحد أبرز السجناء في العالم نجح مرَّة ثانية في أن يطلق قلبه من وراء القضبان صوب التي قبلت بأن تضع قلبها في السجن، أما الذين ناضل كارلوس لأجلهم فأين قلوبهم؟