مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

جاك لانغكساد: رئيس أركان الجيوش الفرنسية سابقاً

تاريخ الحلقة:

06/12/2002

- علاقة لانغكساد بالعراق
- غزو العراق للكويت بين الوقوع في الفخ الأميركي وتوسيع قاعدته البحرية

- الدور الفرنسي في محاولات حل الأزمة العراقية الكويتية سلميا

- خلفيات استعداد فرنسا لحرب الخليج الثانية

- الأهداف الحقيقية لأميركا من وراء حرب الخليج الثانية

- مدى حقيقة خشية الغرب من الجيش العراقي

- أسباب سرعة انهزام الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية

سامي كليب: أسئلة كثيرة لا تزال تطرحها حرب الخليج التي أخرجت القوات العراقية من الكويت، هل فعلاً نصبت الولايات المتحدة الأميركية فخاً للرئيس العراقي صدام حسين أم أنه أخطأ بغزوه جاره الكويتي؟ ولكن السؤال الأساسي حول المعركة العسكرية، كيف جرت؟ كيف انهزم الجيش العراقي سريعاً؟ وهل كان بإمكان الرئيس صدام حسين التأثير على القوات العسكرية الغربية؟ هل كان الغرب يخشى الجيش العراقي؟ أسئلة سنطرحها اليوم على ضيفنا في (زيارة خاصة) الأميرال جاك لانغكساد، الذي كان رئيس أركان الجيوش الفرنسية إلى جانب الرئيس الراحل (فرانسوا ميتران).

من البحر إلى الجو فالأرض لم يترك الأميرال الفرنسي جاك لانغكساد مجالاً عسكرياً إلا وشغله، وهو إذ بدأ حياته العسكرية في البحر عام 53، فقد ردته مياه الخليج إلى قصر الإليزيه بنجوم أكثر ليصبح قائداً للجيوش الفرنسية عام 91، ومن على أزمة إيران تعرف بعمق على فرانسوا ميتران ومن إيران والخليج والعراق خلع لانغكساد بزَّته العسكرية وأصبح سفيراً في تونس.

وكما في الخليج ولبنان، حيث قاد عملية إخراج العماد ميشيل عون إلى فرنسا كان لانغكساد حديث الصحافة الفرنسية ومادة لرسوم الكاريكاتير فيها، وقد عرف بعمق الوطن العربي وتأثر بثقافته الحاضرة جداً في منزله الباريسي، ولكن الأميرال لانغكساد، ماذا عن أول اتصال لك مع العراق؟

علاقة لانغكساد بالعراق

جاك لانغكساد: رحلتي الأولى لم تكن إلى بغداد، بل إلى البصرة، حيث أمضيت أسابيع عدة، وأذكر في ذلك الوقت أن فندق (شط العرب) كان في حالة متردية جداً كباقي الفنادق التي يعود إنشاؤها إلى فترة الوجود البريطاني، وهناك التقيت بقيادة قوات البحرية العراقية ووضعنا برنامجاً للتعاون البحري المشترك بين بلدينا، في مرحلة ثانية أجرينا مفاوضات على مستوى رفيع في بغداد ولم ننته إلى تطبيق هذا البرنامج ولكنني استفدت كثيراً من هذه اللقاءات وتعرفت على العراق والعراقيين وتحديداً العسكريين، وتعرفت على طرق عملهم

سامي كليب: أول لقاءات لك مع العراقيين وفق ما وصفت في كتابك أنهم كانوا يكرهون الجيران وكانوا حازمين في موقفهم من الجار الخليجي، ويعتبرون أن الدول الخليجية هي مجرد دول غنية ولها ثروات نفطية، وفق ما تقول في كتابك أن العراقيين كانوا في أولى اللقاءات معك كانوا أشخاص صعبي المراس ويكرهون الجوار الخليجي، ويعتبرون أن الجوار هي مجرد ثروات نفطية فقط، كيف وجدت العراقيين في أولى الاتصالات؟

جاك لانغكساد: كان هناك انطباعان أساسيان في ذلك الوقت. أولهما: أن الخصم هو إيران، وهذا ما يعتبره العراقيون تهديداً حقيقياً لهم، ولذلك دعموا قواتهم العسكرية، وخلال عملنا مع العراقيين لاحظنا أنهم يركزون على الخطر القادم من.. من الشرق.

أما الانطباع الثاني فهو: رغبة العراق في لعب دور الزعامة في العالم العربي، ويبدو ذلك من خلال الخرائط التي كان يعلقها القادة العراقيون في مكاتبهم وفيها يبدو العالم العربي موحداً وبلون واحد هو اللون الأخضر، لقد لقيت هذه الرغبة إعجاب فرنسا وتحديداً من بعض المسؤولين فيها ممن يرون أن الاشتراكية العربية التي يقودها حزب البعث العراقي قادرة على جمع شمل وطن عربي منفتح على الغرب.

سامي كليب: هل الرئيس ميتران كان يفكر بذلك أيضاً؟

جاك لانغكساد: أعتقد أن هذه الفكرة كانت تراود الرئيس ميتران بشكل أو بآخر، ولكنه كان يكره صدام حسين.

سامي كليب: يعني مع الإشارة أنه لم يلتق مطلقاً بالرئيس صدام حسين.

جاك لانغكساد: لا، لم يتلق الرئيس ميتران بصدام حسين بالمرة، ولم يكن يرغب بذلك.

سامي كليب: هل تعتقد أن إسرائيل لعبت دوراً في هذا الشعور.. بعث هذا الشعور لدى الرئيس ميتران ضد الرئيس صدام حسين؟

جاك لانغكساد: لا، لا أعتقد ذلك وأرى أن الرئيس ميتران كان يحتكم إلى تحاليله الشخصية، كما كانت له مصادر خاصة للمعلومات، شخصياً لم أره متأثراً بالمواقف الإسرائيلية.

سامي كليب: أود أن أسألك هنا كيف أن فرنسا ساعدت العراق حين اجتاح إيران أو قسماً من إيران ووقفت ضده وقامت بحرب ضده حين اجتاح جاره الكويتي؟

جاك لانغكساد: فرنسا لم تساند إطلاقاً الحرب التي شنها العراق على إيران، رأينا منذ بداية الحرب أن النظام العراقي كان بصدد ارتكاب خطأ فادح في هذا الإطار..

سامي كليب: لكنها ساعدته جداً.

جاك لانغكساد: أجل ساعدته، ولكن كان ذلك عندما لاحظت فرنسا أن العراق كان مهدداً كبلد، إذن الهدف كان منع هزيمة عراقية وليس مساعدة العراق على هزم إيران، هناك فارق بين الموقفين، فرنسا كانت ومازالت تعلق أهمية كبرى على التوازن الاستراتيجي في المنطقة هذا التوازن الاستراتيجي لا يتحقق إلا بوجود عراق قوي ومستقر، هذه هي النظرة الفرنسية..

سامي كليب: أسلم معك بالنسبة للتوازن الإقليمي، ولكن لو كانت إيران آنذاك مهددة فعلاً من قبل العراق، هل كنتم ستقفون إلى جانبها؟

جاك لانغكساد: آنذاك كان الوضع مختلفاً تماماً مع إيران، لأن النظام الإيراني كان خطيراً للغاية.

غزو العراق للكويت بين الوقوع في الفخ الأميركي وتوسيع قاعدته البحرية

سامي كليب: في تحليلك لموقف العراق من الكويت ولاجتياحه للإمارة تقول إنه لم يقع في الفخ الأميركي وإنه أراد توسيع قاعدته البحرية والحصول على مبالغ أكبر من المال من الجار الكويتي، عَلامَ تبني هذا التحليل؟

جاك لانغكساد: لا أعتقد أن في الأمر فخاً أميركي، لا أعتقد ذلك، من الجائز أن يكون صدم حسين قد أخطأ فعلاً في تفسير أقوال وتصريحات السفيرة الأميركية، الأميركيون يعلمون أن في فتح طريق الكويت أمام العراق توجد مخاطرة كبيرة، خصوصاً وأنهم لم يتخذوا أي إجراءات عسكرية وقائية أن دفع العراقيين إلى اجتياح الكويت من دون احتياطات كافية فيه مخاطرة كبيرة لا أعتقد ذلك، ومع أنني لا أملك معلومات تثبت صحة ما أقول غير أن التحليل الموضوعي وخبرتي مع القادة الأميركيين يدفعانني إلى نفي الطرح القائل بوجود مؤامرة أميركية، نظراً لما يحمله تشجيع صدام حسين على مهاجمة الكويت من مخاطرة، خلال الأيام الأولى لاجتياح الكويت خشيت كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وكذلك بريطانيا، من توسع رقعة الهجوم العراقي ليشمل جزءاً من أراضي المملكة العربية السعودية، ولمَ لا؟ ليصل إلى حد بلوغ البقاع المقدسة، لم يكن بالإمكان منع ذلك، إذن كان الأميركيون يدركون بالفعل هذا الأمر جيداً، وإذا لم يكن هناك أي فخ، هذا ما أعتقده.. أعتقد أن الاستراتيجيين الأميركيين كانوا يعون ذلك.

سامي كليب: حين نقرأ ما كتبه (كولن باول) في كتابه -وكان آنذاك طبعاً المسؤول العسكري الأول- نشعر أن الأميركيين كانوا يشعرون بأن صدام حسين سوف يجتاح الكويت أو على الأقل سوف يقوم بعمل عسكري واستعدوا لذلك على الأقل قبل عشرة أشهر، هل أعلموكم بذلك آنذاك، وألا تعتقد أنهم كانوا يحضرون لهذه المعركة؟

جاك لانغكساد: أنا شخصياً لم أشعر طوال العام 90 بأي محاولة أميركية لأخذ الحذر من العراق، أو لجذب الانتباه إلى الوضع في العراق، إلا أن النظام العراقي كان يثير اهتمامي الخاص من خلال التصريحات التي كان يدلي بها قادة هذا النظام، التدابير التي كانوا يتخذونها أيضاً كانت تلفت الانتباه، ولم تبدو على الأميركيين بوادر القلق تجاه ذلك كل ما قامت به القيادة العسكرية الأميركية الموجودة في منطقة الخليج هو إعداد خطط للرد في حال وقوع اشتباكات عسكرية، كل القيادات تفعل ذلك، وأذكر أنني اطلعت على بعض هذه الخطط التي تتنبأ باحتمال اجتياح إيراني للعراق والكويت معاً، وهذا الاحتمال كان وارداً أيضاً في التحاليل الفرنسية، إذن كل هذا كان من قبيل العمل العسكري الروتيني ولكن الأميركيون لم يتوقعوا حدوث الهجوم العراقي -حسب رأيي- والدليل على ذلك هو حالة عدم الاستعداد لدى القيادة الأميركية، وغياب أي استراتيجية للرد، لذا أعتقد أنهم لم يتوقعوا الهجوم.

سامي كليب: هل لديك أمثلة واقعية حول هذا النقص من قبل الأميركيين؟

جاك لانغكساد: أذكر مثلاً أن الولايات المتحدة الأميركية لم تقم بأبحاث معمقة حول نظام الدفاع الجوي العراقي، وطلبت مساعدتنا باعتبار أننا ساعدنا العراقيين في هذا الشأن، هذا الطلب جاء بعد اجتياح الكويت.

سامي كليب: تتحدث طبعاً عن التوازن في المنطقة، ولكن العراق خرج من حرب مع إيران، خرج قوياً عسكرياً. هل كان من المقبول لدى الدول الغربية أن يبقى قوياً، ألا تعتقد أن الحرب كانت تهدف أيضاً إلى إضعافه عسكرياً؟

جاك لانغكساد: عند نهاية الحرب مع إيران كان العراق قد اكتسب قوة عسكرية وخبرة حربية قتالية كبيرة، ولكن في الوقت ذاته كان يعيش وضعاً صعباً على المستويين الاقتصادي والمالي، الدَيْن الخارجي كان كبيراً ومرتفعاً جداً، وأذكر أننا بدأنا نشعر خلال العام 90 بأن النظام العراقي يتبع سياسة ذات توجهات خاطئة لعل هذا ما دفعني شخصياً للتفكير في صيف ذلك العام بإعداد ملف في هذا الشأن للرئيس الراحل فرانسوا ميتران بهدف إعادة النظر في السياسة الفرنسية تجاه العراق، لكنني لم أتمكن من إعداد هذا الملف في الوقت المناسب وباغتني الهجوم العراقي على الكويت.

سامي كليب: صدام حسين يجتاح إذن الكويت كيف كانت ردة فعلكم الأولى.. ردة فعلك الشخصية وردة فعل الرئيس فرانسوا ميتران؟

جاك لانغكساد: ميتران أُصيب بقلق شديد، وأدرك أن صدام حسين لن يتوقف عن الهجوم على الكويت

سامي كليب: إذن فكر باجتياح المملكة العربية السعودية إذن، خاف من هذا الاجتياح متيران.

الدور الفرنسي في محاولات حل الأزمة العراقية الكويتية سلمياً

جاك لانغكساد: كان يشعر فعلاً بأن خطراً كبيراً يهدد المملكة العربية السعودية وفي الوقت ذاته عبر لي عن عزم عن التحرك منذ بداية الهجوم، وكذلك الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، التي لم تكن لها قوة عسكرية كافية على الأرض، الكل كان يعلم ذلك، من ناحيتي الشخصية كنت أدرك هذا الأمر جيداً وأعلمت الرئيس أننا نحتاج إلى بضعة أيام حتى نتمكن من إرسال القوة الكافية إلى هناك، ولكن كيف ستتطور الأمور خلال هذا الأيام هذا هو السؤال الذي كان يقلقنا، تحديداً كنا نخشى أن تتطور الأمور إلى أبعد من ذلك في مواجهة هذا الأمر كان الهدف الرئيسي لميتران هو العودة إلى الشرعية الدولية كان يرى أن على فرنسا أن تلعب دوراً ما في منطقة الشرق الأوسط، ولكن من دون أن يعترض على دور الولايات المتحدة الأميركية هناك، إذن باختصار كان يريد العودة إلى الشرعية الدولية، مع عدم الاعتراض على دور الولايات المتحدة الأميركية، ولكن أيضاً مع الاحتفاظ بدور لفرنسا تلعبه في المنطقة، لم يكن يعترض على الدور الأميركي، ولكن كان على فرنسا أيضاً أن تقوم بدور وأن تكون حاضرة في هذه المنطقة من العالم، خصوصاً أنها دعمت العملين السياسي والعسكري.

سامي كليب: ألاحظ أنك في الكتاب أكثر جرأة، تقول في الكتاب أن ميتران لم يكن يريد أن يتصرف الأميركيون وحدهم في المنطقة.

جاك لانغكساد: فرانسوا ميتران كان يعتبر أن العودة إلى الشرعية الدولية لن يتحقق إلا بجهود المجتمع الدولي وليس فقط من خلال عمل عسكري أميركي، بمساعدة فرنسية طبعاً أو بغير مساعدة فرنسا، بما معناه أن الأمم المتحدة هي من يقرر ما يجب فعله، بديهي أن تتدخل الولايات المتحدة الأميركية في هذا الشأن، ولكن ليس لها أن تقوم بذلك بمعزلٍ عن باقي الدول ومن دون شرعية الأمم المتحدة، هذا هو رأي ميتران.

سامي كليب: كانوا يشككون قليلاً بالموقف الفرنسي.

جاك لانعكساد: ساورتهم بعض الشكوك لاحقاً، لأنهم شعروا بإمكانية حدوث خلاف على مستوى القيادة السياسية الفرنسية وتحديداً بين رئيس الدولة ووزير الدفاع، ولكن خلال الأزمة لم يكن لديهم أدنى شك بهذا الأمر.

سامي كليب: بعد ذلك ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية، ذهبت لتقابل (سكوت كروفت) (المسؤول العسكري في البيت الأبيض)، ولكن علم الرئيس (جورج بوش) أنك هناك ودعاك للعشاء أثناء العشاء حصل اللقاء بين طارق عزيز و(جيمس بيكر)، وذاك اللقاء الشهير والذي فشل فيما بعد، هل.. أود أولاً أن تخبرنا ماذا.. ماذا جرى في العشاء وهل كان يشعر الرئيس بوش أن صدام حسين سيتراجع فعلاً؟

جاك لانغكساد: حدثني الرئيس عن قلقه وعن أسفه بشأن فشل الاجتماع فعلاً لقد أحسست بأسفه هذا، وبالإضافة إلى انشغاله بمسألة الحصول على موافقة الكونجرس الأميركي للقيام بعمليات عسكرية ضد القوات العراقية، كان الرئيس في الوقت ذاته قلقاً وكان يشعر بخيبة أمل كبيرة.

سامي كليب: ماذا كان يقول لك؟

جاك لانغكساد: كان يرجو أن يدرك العراقيون أنها فرصتهم الوحيدة للخروج من الأزمة بشكل مُرضٍ.

سامي كليب: يبدو أنه حدثك عن الانتماء المسيحي لطارق عزيز، وقال لك أنه ربما يؤمن بالسلام أكثر من غيره؟

جاك لانغكساد: أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية وغيرها كانت ترى فعلاً في طارق عزيز القيادي المعتدل لأنه مسيحي، ولكن هذا الانطباع خاطئ حسب رأيه، صحيح أنه كان رجلاً لطيفاً ومهذباً ولكنه أيضاً ذو طباع متصلبة وقاسية، أي اعتقاد مغاير كان من قبيل الخطأ.

سامي كليب: لماذا الرئيس ميتران -إذا كان فعلاً أراد حلاً سياسياً آنذاك- ترك الأميركيين، وطلب من الخارجية الفرنسية أن تترك الأميركيين تبحث عن حل.. يبحثون عن حل؟

جاك لانغكساد: العلاقات بين البيت الأبيض وقصر الإليزيه كانت طيبة في ذلك الوقت، وكان تقدير الرئيس فرانسوا ميتران هو عدم التدخل بالمبادرة الأميركية المتمثلة في عقد اجتماع في جنيف بين جيمس بيكر وطارق عزيز، على الأقل، حتى لا يبدو كمن يضع العراقيل أمام هذه الخطوة ذلك أن المبادرة في تلك الفترة بالذات كانت بيد الأميركيين، هذه كانت هي تعليمات الرئيس الفرنسي، ولكن بعد فشل هذه المبادرة وابتداءً من التاسع من كانون الثاني/يناير سمح الرئيس للدبلوماسية الفرنسية بالتحرك من هنا جاءت مبادرة الرابع عشر من (Janvier) يناير، ومع أنه كان متأكداً من فشلها فقد أراد أن يثبت للرأي العام الدولي أننا اجتهدنا كثيراً في مشروع حل دبلوماسي.

سامي كليب: هل كانت لديكم فكرة واضحة تماماً حول السلاح والتسليح العراقي؟

جاك لانغكساد: كنا نعلم جيداً حجم القوات العراقية وقدراتها التقنية، كما كنا نعتقد من جهة أخرى أن قيادة أركان الجيش العراقي قد اكتسبت قدرة كبيرة على إدارة العمليات من خلال الحرب الطويلة ضد الإيرانيين، هذا الأمر حدا بنا وبالأميركيين تحديداً إلى المبالغة في تقدير القدرة العسكرية العراقية، الكل كان يتحدث آنذاك عن رابع قوة عسكرية في العالم، هذا صحيح نظرياً، لكن من خلال الممارسة تبيَّن أن الجيش العراقي لم يكن بالمستوى المنتظر وتحديداً على المستوى التكنولوجي.

خلفيات استعداد فرنسا لحرب الخليج الثانية

سامي كليب: اتخذتم قرار الحرب وبدأت الاستعدادات للذهاب والقتال سوف نواصل هذا الحديث في الخارج لو سمحت.

جاك لانغكساد: نعم.. تفضل.

سامي كليب: أميرال لانغكساد، أنت إذن كنت رئيس أركان الجيوش الفرنسية إلى جانب الرئيس فرانسوا ميتران في خلال حرب الخليج، أود أن تخبرنا كيف قررتما قرار الحرب وتاريخ ويوم الحرب مع الأميركيين، هل فعلاً هم الوحيدون الذين قرروا اليوم والتاريخ؟

جاك لانغكساد: تم تحديد تاريخ انطلاق العمليات العسكرية عندما تم التصويت على قرار أممي يسمح بذلك في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 90 ووقع الاختيار على الخامس عشر من كانون الثاني/يناير، وهو في الحقيقة اقتراح من ميتران، ويوفق بين الطرح الأميركي من جهة والذي يقترح تقليص هذه المدة وطروحات أخرى تقترح عكس ذلك، حتى تاريخ الخامس من يناير واصلت فرنسا الجهود الدبلوماسية على رغم أن ميتران لم يكن مقتنعاً بنجاح هذه الجهود، ولكن تابعناها.

سامي كليب: أميرال لانغكساد، هل القرار بالنسبة لفرانسوا ميتران كان صعباً في دخول الحرب؟

جاك لانغكساد: في الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر اتخذت فرنسا هذا القرار الصعب، وذلك بعدما استولى العراقيون على مقر إقامة سفير فرنسا في الكويت واحتجزوا بعض الفرنسيين كرهائن لبضع ساعات، بعد مضي أيام قليلة على هذه الحادثة قرر ميتران الاستعداد عسكرياً لتكون فرنسا جاهزة في حال نشوب الحرب، إذن القرار النهائي اتخذ في الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر تحديداً.

سامي كليب: في البداية الرئيس فرانسوا ميتران رفض نشر قوات برية في المملكة العربية السعودية وأراد أن تبقى القوات فقط في الكويت أو أن تكون العمليات فقط في الكويت. لماذا؟

جاك لانغكساد: كان الرئيس فرانسوا ميتران يرى أن علينا أن نستنفذ الحلول الدبلوماسية، وذلك حتى تاريخ الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، كان يفضل عدم تدخل فرنسا مباشرة في المملكة العربية السعودية مع قوات التحالف، حتى تحتفظ بهامش من الحرية يمكنها من التحرك الدبلوماسي، في الوقت ذاته استغل هذه الفترة لتهيئة الرأي العام الفرنسي للمرحلة التالية، لأنه كان يعلم جيداً أن الحرب في الأفق، بعد إنهاء كل الاستعدادات العسكرية وإرسال الطائرات إلى المملكة العربية السعودية وقبل بداية شهر كانون الثاني/ يناير عام 91 طلب منيِّ رئيس الجمهورية الذهاب إلى واشنطن بهدف إعلان الجنرال كولن باول بطلب فرنسا عدم إرسال الطائرات الفرنسية في عمليات إلى خارج الكويت، وذلك نزولاً عند رغبة (جون بيير جوفانمو) وزير الدفاع الفرنسي في ذلك الوقت، طبعاً أزعج هذا الطلب الجنرال باول، ولكنني توصلت إلى إقناعه بأن هذا الطلب يعود أساساً إلى ظروف السياسة الداخلية في فرنسا، وينتهي بمجرد زوال أسبابه بالفعل قامت الطائرات الفرنسية في البداية بعمليات في إطار التحالف، الأمر اقتصر على الكويت حينها.

سامي كليب: بعد ذلك طلبتم من الأميركيين أن يحددوا لكم بعض الأهداف داخل العراق.

جاك لانغكساد: لقد بدت المواقف التي اتخذناها غير مقبولة، ولم يفهم شركاؤنا في التحالف حقيقة هذا الموقف، لهذا طلبت من الأميركيين أن يحددوا لنا أهدافاً داخل العراق، وهذا ما تم فعلاً بعد موافقة الرئيس، مما أدى إلى استقالة الوزير (جون بيير جوفانمو) كما تذكرون.

سامي كليب: أنت كنت في الطرف الذي يريد الحرب واتهمت أنك كنت أميركياً هل كان الفريق المحيط بميتران كله متجانس آنذاك أم أنه كان منقسماً، وهل كان الذين يريدون الحرب أكثر من الذين يرفضونها؟

جاك لانغكساد: كلفني الرئيس بالعلاقات مع البيت الأبيض ومع البنتاجون حول المسائل العسكرية، من الطبيعي إذن أن أكون أنا من يتحدث عن هذا التعاون، ومن يعمل من أجله في قصر الإليزيه-قصر الرئاسة الفرنسية.

في الوقت ذاته كنت أشعر بشيء من العزلة، لأن قسماً كبيراً من مستشاري الرئيس كانوا مترددين بشأن التدخل العسكري الفرنسي.

سامي كليب: (إيبير فيدرين) الذي أصبح وزيراً للخارجية، وكان آنذاك أميناً عاماً للرئاسة كان مع أم ضد الحرب؟

جاك لانغكساد: لم يعترض على الحرب بشكل حاسم مثلما هو الشأن بالنسبة لجون بيير جوفانمو ولكنه كان يعتقد أن فرنسا لن تستفيد كثيراً من الانتماء إلى التحالف، لذا كان يعمل على تأخير إعلان المشاركة الفرنسية في الحرب هذا هو موقفه، قبل ذلك كان عليه أن يُعلم البرلمان، ثم اختار تاريخ السابع عشر لإعلام الحكومة، وفور عودتي من الولايات المتحدة الأميركية أعلمت الرئيس بأن الهجوم سيبدأ ليلة السادس عشر إلى السابع عشر، وبالتالي بتنا في وضع صعب، إذ لن يتسنى للقوات الفرنسية المشاركة طالما لم يجتمع البرلمان، إذن من جهتي حاولت مع (جون لوي بيانكو) إقناع الرئيس بتقديم موعد إعلام الحكومة، ولكنه رفض في البداية وأصر على يوم السابع عشر وفي الأثناء اتصل بي الجنرال (شوارسكوف) لتأكيد موعد الهجوم، ولم يوافق الرئيس على تقديم موعد إعلام الحكومة لـ 24 ساعة إلا بعد تدخل (رولان دي مان) وزير الخارجية وبعد إعلام الحكومة حدث شيء مُلفت إذا أنني رتبت مكالمة هاتفية بين الرئيسين فرانسوا ميتران وجورج بوش الأب الذين تناقشا لساعات طويلة قبل انطلاق العمليات واتفقنا على التعاون من أجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية.

الأهداف الحقيقية لأميركا من وراء حرب الخليج الثانية

سامي كليب: لنتحدث قليلاً عن الأهداف هل فعلاً الأميركيون أرادوا فقط إخراج العراقيين من الكويت أم ضرب الجيش العراقي وسحق مقدراته ومقوِّماته؟

جاك لانغكساد: وفق ملاحظاتي الشخصية وهذا ما أكدته الأحداث لاحقاً، كان الهدف بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وفرنسا تحرير الكويت والاكتفاء بذلك.

سامي كليب: في الواقع كولن باول يخبر في كتابه أن الإسرائيليين نصحوه بضرب منزل الرئيس العراقي صدام حسين بضرب عائلته وعشيقته -كانت للمرة الأولى التي أسمع بأن الرئيس العراقي لديه عشيقة- ألم يكن هدف الأميركيين قتل الرئيس العراقي؟

جاك لانغكساد: القانون الأميركي يمنع..

سامي كليب [مقاطعاً]: لا تخبرنا عن.. عن القوانين يعني، تعرف الأميركيين كيف يتصرفون.

جاك لانغكساد: لا أظن أن بالإمكان إصدار أمر من هذا القبيل في الولايات المتحدة الأميركية، أمر بقتل شخص ما.

سامي كليب: كانوا سيقتلون القذافي.

جاك لانغكساد: نعم، ولكننا نقوم بعمليات تستهدف أماكن إقامة معينة ومراكز قيادة، وإذا أسفر هذا عن سقوط ضحية فذلك قدر الشخص، لكننا لا نحدده هدفاً، هذا توضيح لابد منه.

سامي كليب: إذن إذا قتل الرئيس صدام حسين في خلال العملية، هذا غير مهم؟

جاك لانغكساد: طبعاً، فلا يمكن استهدافه شخصياً والقيام بغارة لقصد تصفية، هذا أمر مرفوض في القانون الأميركي وفي غيره من القوانين، نحن نضرب مراكز القيادة ولا يهمنا ما إذا كان الرئيس صدام حسين داخلها أو لا، كان هذا أيضاً شأن (سلوبودان ميلوسوفيتش).

مدى حقيقة خشية الغرب من الجيش العراقي

سامي كليب: أميرال لانغكساد، هل كنتم تخشون. الآن نتحدث في التاريخ هل كنتم تخشون جيش الرئيس صدام حسين، أكان من النواحي البيولوجية الكيميائية، أم من ناحية الجيش بحد ذاته يعني العدد والقدرة والقوة؟

جاك لانغكساد: القاعدة في الحرب هي المبالغة في تقدير القدرات العسكرية للخصم وهذا ما حدث مع العراق، نظرياً كان العراق قوة عسكرية هائلة هي الرابعة في العالم، وبالإضافة إلى هذا كان خارجاً لتوه من حرب طويلة مع إيران، معنى هذا أن القيادة العسكرية العراقية صارت تتمتع بقدرة كبيرة على إدارة الحرب لكن التجربة أثبتت أن الجيش العراقي لم يكن على هذا القدر من الخبرة، بل كان يشكو ضعفاً على المستويين التكنولوجي والنفسي أيضاً.

سامي كليب: لماذا برأيك؟

جاك لانغكساد: لأنه كان بالإمكان السيطرة عليها سريعاً، وأدرك صدام حسين أن الطائرات العراقية مهددة بالتفجير مما حدا به إلى تهريبها إلى إيران، وبعد ما سيطرت القوات الجوية الحليفة على الأجواء العراقية تم القضاء على القوات العراقية تدريجياً، الضغط كان نسبياً كبير على القوات العراقية، وبعدما أطلق صدام حسين صواريخ سكود على إسرائيل وعلى العربية السعودية، صرنا نخشى استعماله للسلاح الكيماوي مما يشكل خطراً كبيراً، جميعنا يذكر الحرب الكيماوية خلال الحرب العالمية الأولى، وكذلك خلال الحرب العراقية الإيرانية، إن هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً وكذلك يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة وضخمة، من هذا المنطلق بدأنا بالتفكير بالرد المناسب في مثل هذه الحالة كنا ننوي تكثيف الغارات الجوية لمنع حدوث هذه الحرب، أي الحرب الكيماوية.

سامي كليب: لماذا لم يستخدم صدام حسين هذا النوع من الأسلحة؟

جاك لانغكساد: أظن بداية أن سلاحه الكيماوي الأهم كان تابعاً لسلاح الجو وبما أن الطيران العراقي قد أصبح عاجزاً تماماً، لم تبق أمام صدام حسين سوى المدفعية الأرضية، ولكن من الصعب استعمالها لمثل هذه الأغراض، مهما يكن من أمر، فمن غير الأكيد أنه كان يملك العدد الكافي من صواريخ سكود المجهزة برؤوس كيماوية.

سامي كليب: فيما يتعلق بصواريخ سكود التي أطلقها صدام حسين على إسرائيل، يقال أنها لم تكن فعالة جداً حسب ما يقول الأميركيون، وأنها كانت تطلق كيفما شاء.

جاك لانغكساد: الصواريخ.. صواريخ سكود التي كان يستعملها العراقيون كانت من دون فاعلية عسكرية، لأنها كانت تحمل رؤوساً تقليدية، لكن كان لها تأثير نفسي كبير على المواطنين، خصوصاً وأنه تردد أن صدام حسين سوف يجهزها برؤوس كيماوية، في الواقع كانت صواريخ غير متطورة وأطلقت عشوائياً على أحياء سكنية أو على قواعد عسكرية من دون فاعلية كبيرة.

أسباب سرعة انهزام الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية

سامي كليب: نوجه لك السؤال كاستراتيجي وعسكري، ما هي الأخطاء التي ارتكبها صدام حسين والجيش العراقي في تلك الحرب؟

جاك لانغكساد: بداية ومن منطلق استراتيجي وسياسي كان على صدم حسين أن ينسحب ولو جزئياً من الكويت ولو كان الأمر كذلك لتزعزع التحالف وحصلت انقسامات داخلية، ماذا كان سيحدث لو قرر صدام حسين الاحتفاظ فقط بجزء من حقوق النفط في شمال وفي جزيرة (بوبيان) هل تعلن عليه الحرب؟ لست متأكداً من ذلك بالمرة، إذن هذا هو الخطأ الذي ارتكبه صدام حسين حسب رأيي، يمكن القول أنه ارتكب منذ البداية خطأً أكبر عندما قرر أن يكتفي بالكويت وبعدم الذهاب إلى أبعد من ذلك، وإلا لأمكنه التفاوض حول شروط انسحابه، وبما أنه اكتفى بالكويت، فقد عجز أمام الدول المتحالفة ضده، بما أن الأميركيين وقوات التحالف كانت متماسكة في مواجهته.

سامي كليب: إذن سنواصل الحديث في مكان آخر لو سمحت في هذه الحديقة الجميلة.

إذن سؤالي أميرال لانغكساد، هل تعتقد أن صدام حسين أخطأ بعدم اجتياح السعودية، وأنه لو كان اجتاحها كان استطاع المفاوضة على الكويت والبقاء في الكويت؟

جاك لانغكساد: أعتقد أنه بعد اجتياح الكويت مباشرة كان بإمكان صدام حسين التوغل أكثر واحتلال جزء كبير من المملكة العربية السعودية، من دون أن يواجه مقاومة كبيرة، لأنه كان يستفيد حينها من عنصر المباغتة، طبعاً لو فعل ذلك لاختلف الأمر تماماً، ولأصبح من الصعب تكوين تحالف عسكري ضده، وبهذا كان باستطاعة صدام حسين التفاوض بشأن انسحاب جزئي بشكل أفضل وأسهل، ولكنه لم يفعل، هذه هي الوقائع.

سامي كليب: وهل كان الحلفاء سيقبلون بأن يبقى في الكويت؟

جاك لانغكساك: لا أعيد كتابة التاريخ، ولكن على كل حال كانت دول التحالف ستواجه وضعاً صعباً.

سامي كليب: لماذا برأيك لم يهاجم هو صدام حسين الحلفاء، ولماذا انتظر حتى يتشكل هذا التحالف الدولي؟

جاك لانغكساد: لقد أخطأ التقدير بشأن إصرار دول التحالف على عزمها بتحرير الكويت، كما استبعد أي تدخل عسكري من أجل ذلك، وبالتالي فإنه لم يستعد كما يجب للمواجهة، وبدل أن يقوم بمهاجمة قوى التحالف فور انتشارها في المنطقة بقي على اعتقاده بأنها لن تبادر إلى ضربه، علينا أن نذكر هنا أننا في ذلك الوقت لم نبلغ بعد مرحلة عاصفة الصحراء، وإن كنا بصدد حماية المملكة العربية السعودية.

سامي كليب: هل تعتقد أن صدام حسين والجيش العراقي كانوا قادرين على الصمود أكثر في وجه الحلفاء؟

جاك لانغكساد: أعتقد أن في بداية العمليات العسكرية كان بإمكان الطيران الحربي العراقي أن يهاجم القواعد العسكرية لدول التحالف ضده، ولكن صدام حسين فضَّل الانتظار، لم يقم بذلك، ولم تتحرك قواته البرية، وانتظرت بالمقابل هجوم قوى التحالف.

سامي كليب: في الثامن عشر من كانون الأول سقط أول صاروخ سكود على إسرائيل، هل ضغط الإسرائيليون للمشاركة في الحرب، وماذا فعلتم لوقف مشاركتهم في هذه الحرب؟ بمنعها منذ البداية.

جاك لانغكساد: كان هذا أساساً من عمل الأميركيين إذا استطاعت واشنطن إقناع إسرائيل بأنها ستحمي مصالحها وحملتها بالتالي على التراجع عن أي عمل عسكري. ومن أجل تطمين الإسرائيليين نشر الأميركيون قواعد صواريخ (باتريوت) لكي يقدموا للمواطنين الإسرائيليين الشعور بأنهم سيكونون بأمان وأن حمايتهم مؤمنة عملياً.

سامي كليب: هل وفق معلوماتكم آنذاك واتصالاتكم كانت بعض الدول كالكويت والمملكة العربية السعودية تريد مثلاً الاستمرار في الحرب والدفع للاستمرار في الحرب حتى إسقاط صدام حسين.

جاك لانغكساد: علينا أن نفرق بوضوح بين الكويت وباقي دول الجزيرة العربية، وبإمكاننا نتفهم موقف الكويت الذي عانى كثيراً وكان يرغب في أن نذهب إلى أبعد من ذلك.

سامي كليب: هذا طبعاً تحليل، ولكن على مستوى المعلومات هل طلب منكم الاستمرار بالحرب من قبل الكويت لإسقاط صدام حسين؟

جاك لانغكساد: ليس لدي معلومات تخص الكويت، ولا أعتقد أن الأمر كذلك بالنسبة للمملكة العربية السعودية أذكر أنه خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة من المعارك، وعندما طرح السؤال بشأن وقف القتال كان الاعتقاد سائداً في فرنسا بأن الأميركيين سوف يزحفون على البصرة أو إلى أبعد من ذلك، آنذاك أذكر أنني أبلغت -صراحة- الرئيس ميتران بالمعلومات التي تنفي صحة هذا الأمر، ومع ذلك اتصلت هاتفياً بشوارسكوف الذي أكد لي أن قرار وقف المعارك قد صدر، إذن لم يكن هناك أي ضغط حقيقي.

سامي كليب: ولكن أميرال لانغكساد، ألا تعتقد أن أحداً من فريق بوش الفريق العسكري لم يشأ فعلاً إسقاط صدام حسين والاستمرار في المعركة حتى النهاية خصوصاً أنه حُكي الكثير عن نية شوارسكوف في هذا الشأن؟

جاك لانغكساد: حسب اعتقادي لم يكن بلوغ البصرة أو بغداد هو الهدف الأساسي لشوارسكوف أو لكولن بأول أو لغيرهما، ولكن كان عليهم أن يعلموا ما إذا كان الحرب ستتواصل لمدة يوم أو يومين، بهدف القضاء نهائياً على وحدات الحرس الجمهوري، وهي القوة الحقيقة للنظام العراقي. وبعد نقاش طويل استقر الأمر أخيراً على عدم تدمير هذه القوة كلياً، لأنها تشكل الضمان الوحيد لاستقرار العراق.

سامي كليب: أميرال لانغكساد، الآن وبعد أن تركت وظيفتك العسكرية الرسمية ألا تشعر بالندم لكل الضحايا الذين سقطوا في العراق منذ الحرب وبعد الحرب؟

جاك لانغكساد: لا، لست متأسفاً لدخول هذه الحرب، لأنه كان لابد منها لإعادة الاستقرار الدولي للأسف، ولكن لدي تحفظاً كثير على العقوبات المفروضة على العراق في السنوات الأخيرة، إذ أن استمرارها حتى الآن يسيء كثيراً إلى الشعب العراقي، كما أنه يحقق عكس النتائج السياسية المنتظرة والمتوقعة من هذه العقوبات.

سامي كليب: الحصار لم يعد مفيداً طبعاً وهو أصلاً لم يكن مفيداً سوى لقتل شعب العراق، ولعل الأميرال لانغكساد يدرك قبل غيره أن أبرز أهداف الحرب هي تلك التي لم ولن تُعلن.