مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

أحمد سلمتيان: نائب أصفهان السابق

تاريخ الحلقة:

10/01/2003

- تعرُّف سلمتيان على الخوميني وحقيقة تأثره به
- حقيقة العلاقات الأميركية برجال الدين في إيران

- علاقة الخوميني بالثورة الإسلامية الفعلية في إيران

- دور عبد الناصر في الإعداد للثورة الإسلامية في إيران

- حقيقة الدعم الإيراني للثورة الفلسطينية عن طريق الملك الحسن الثاني

- حقيقة العلاقات الليبية بإيران

- العلاقات الإيرانية العراقية

سامي كليب: لو قُيض لضيفنا اليوم أن يبقى في إيران لكان أصبح من كبار قادتها، لكن حين بدأت الثورة الإسلامية تأكل أبناءها هرب إلى فرنسا مع الرئيس الأول في خلال الثورة (أبو الحسن بني صدر) وهو يعرف الكثير من الملفات التي لم يتحدث عنها سابقاً، هذه هي المرة الأولى التي قرر فيها الحديث إلى تلفزة عالمية أو عربية، سيحدثنا عن ثورة إيران، عن علاقة الإمام الخوميني بالثورة، عن الحرب العراقية-الإيرانية، عن علاقة ليبيا بإيران، ولكن أيضاً عما حصل بين شاه إيران والملك الحسن الثاني بشأن دعم الفلسطينيين، ضيفنا اليوم هو نائب أصفهان السابق (أحمد سلميتان). السلام عليكم.

أحمد سلمتيان: عليكم السلام. اتفضل.

سامي كليب: من الشبيبة اليسارية الطامحة لتغيير السلطة إلى كلية الحقوق فالتعرف إلى الإمام الخوميني دون التأثر الكبير به في البداية مروراً بالتعاطف الكبير بجمال عبد الناصر والقضية الفلسطينية، عرفت سيرة أحمد سلمتيان محطات كثيرة تنوعت بين السجن والتظاهر والاعتقال، قبل أن يصبح نائباً عن أصفهان، ولكن منذ متى أنت في فرنسا، ولماذا لجأت إليها؟

أحمد سلمتيان: منذ شهر أيلول/سبتمبر من عام 81 اضطررت إلى اللجوء إلى فرنسا، لأنني كنت مهدداً في إيران فقد تعرضت مرتين لمحاولة اغتيال عندما كنت نائباً. وبعد عزل الرئيس بني صدر وتزايد أعمال القمع وجدت نفسي مرغماً على اللجوء إلى فرنسا

سامي كليب: طبعاً السيد أحمد سلمتيان كان لك دور كبير في أصفهان تحديداً حيث انتُخبت نائباً عن المدينة، وقد قامت المخرجة اللبنانية (جوستين صعب) بتصوير فيلم عن المعركة الانتخابية والحملة الانتخابية، هل يمكن فقط أن نتوقف قليلاً لنشاهد الصور سوياً؟

أحمد سلمتيان: نعم، بالفعل إنه فيلم يحكي عن مسيرة تحقيق المثل السياسية الوهمية أحياناً، هذه المشاهد هي من حملتي الانتخابية في بازار أصفهان، لقد اجتزنا كل البازار

سامي كليب: ولكن لا نشاهد معك رجال دين هنا سيد سلمتيان.

أحمد سلمتيان: لا، لقد زرنا أماكن عديدة في البازار، منها: المحلات التجارية ومسجد البازار الكبير، وسوف نعود لذلك لاحقاً.

سامي كليب: يعني هل كان رجال الدين يؤيدونك آنذاك أيضاً؟

أحمد سلمتيان: هذا يتوقف على أشياء كثيرة، كان هناك من يساندني، بينهم أحد أكبر رجال الدين.

سامي كليب: نشاهدك تصلي أيضاً في.. هذا مسجد أصفهان؟

أحمد سلمتيان: هنا نرى مسجد البازار الكبير في أصفهان.

سامي كليب: على ذكر..

أحمد سلمتيان: وهنا أبدو خلال إلقاء خطاب داخل المسجد.

سامي كليب: على ذكر البازار هل لعب أهل البازار من البداية دوراً في الثورة الإسلامية مع الخوميني؟

أحمد سلمتيان: لعب البازار دوراً مهماً جداً جداً في الثورة الإيرانية وحتى في انتخابي باعتباري أنا أيضاً ابن أحد تجار البازار.

تعرُّف سلمتيان على الخوميني وحقيقة تأثره به

سامي كليب: كنت تدرس الفلسفة في إيران، وكان الإمام الخوميني إماماً أقرب إلى الصوفية في الواقع من الأفكار الأخرى، كيف تعرفت إليه؟ وكيف تأثرت به في البداية فكرياً وفلسفياً ودينياً؟

أحمد سلمتيان: عندما سمعت اسم آية الله الخوميني لأول مرة كان ذلك بعيداً عن السياسة، كنت طالباً في أحد المعاهد الحديثة وفي الوقت ذاته كنت أدرس الفلسفة الإسلامية في المعاهد القرآنية، وسمعنا حينها عن معلم كبير في قم يدرس الأسفار وهو كتاب مهم في الفلسفة، وبما أنني أدرس الفلسفة، فقد وددت أن أتابع هذا الدرس، وبما أن (آية الله بروجدي) كان قد منع الخوميني من إلقاء محاضراته بشكل علني، فقد اضطر هذا الأخير إلى إعطاء دروس خاصة مساء كل يوم أربعاء في قرية صغيرة قريبة من قم تدعى (جنكارا) وهناك التقيت بالخوميني لأول مرة.

بعد وفاة بروجدي سعينا كمنظمة سياسية لكسب تأييد من قبل رجال الدين، وبعد أسبوع من وفاة بروجدي توجهنا إلى مدينة قم، وذلك بهدف البحث بين المرجعيات الدينية عن الأنسب منها، أي عن أكثرها اهتماماً بالسياسة واعتراضاً على حكم الشاه، الحق أن الطلبة وأن قسماً كبيراً من رجال السياسة كانوا على اقتناع تام بضرورة إشراك رجال الدين في الصراع ضد ديكتاتورية الشاه، وإلا فإننا لن نكون أقوياء، وبالتالي فسيسهل على أجهزة الأمن التابعة للشاه القضاء علينا، وهنا علينا أن نذكِّر أن تلك الفترة توافق انتخاب الرئيس الأميركي (كيندي) وبداية الانتقادات أيضاً تجاه سياسة الشاه، وأيضاً عن مطالبته بإجراء إصلاحات سياسية في بلاده، لم نكن نتحدث بعد عن حقوق الإنسان طبعاً.

سامي كليب: ولكن.. نعم، ولكن سيد أحمد سلمتيان بالنسبة للحديث عن الأميركيين آنذاك، في كل المذكرات التي قرأناها فيما بعد، وتحديداً مثلاً مذكرات (سايروس فانس) نلاحظ أن الانتقادات لم تكن موجهة ضد الشاه لتغيير السلطة في إيران وإنما من أجل تصحيح بعض المسار حتى أن البعض كان يخشى مثلاً من حركة شيوعية أو يسارية عارمة في إيران، وطُرح آنذاك لدى الأميركيين -في الولايات المتحدة الأميركية- احتمال انقلاب عسكري على أن تتغير السلطة في إيران لتصبح سلطة أكثر دستورية.. ملكية دستورية أو أن تقوم حكومة مع الشاه أو بلا الشاه، ولكن أن يبقى الوضع على ما عليه، يعني لم يكن الموقف الأميركي معارضاً للشاه وسلطة الشاه وإنما خائفاً على سقوطه؟

أحمد سلمتيان: هذا صحيح، ولكن الشاه كان يفكر بشكل آخر، لا ننس أنه غادر البلاد عام 53، وأنه عاد إليها بناء على رغبة من الولايات المتحدة الأميركية ومن إنجلترا، ونذكر هنا بأن الشاه كان كل صباح يطلع على تقارير عن مواقف السفارتين الأميركية والبريطانية من سياسته، بدل الإطلاع على تقارير البوليس السري حول وضع المجتمع الإيراني فالشاه كان يخشى إلى أبعد حد غضب واشنطن، بالواقع كان الشاه يتأثر كثيراً بموقف واشنطن، وبما يرد من الولايات المتحدة الأميركية.

حقيقة العلاقات الأميركية برجال الدين في إيران

سامي كليب: ولكن تحديداً سيد أحمد سلمتيان، في الحديث عن علاقة رجال الدين بالولايات المتحدة الأميركية آنذاك ورجال الدين بالسلطة في إيران، سوف أقرأ لك مقطعاً من كتاب "خيارات صعبة" مذكرات (سايروس فانس) يقول: "كان بعض الجنرالات يعتقدون أن عداء العسكريين والزعماء الدينيين للشيوعية يمكن أن يمنحهم أرضاً مشتركة مع رجال الدين، وكانت تقارير تصل إلى الإدارة الأميركية آنذاك وتفيد بأن الجنرالات -جنرالات إيران طبعاً- يريدون الاتصال بالخوميني مباشرة لنقنعه بما يمنح باختيار فرصة.. بأن يمنح باختيار فرصة لإقرار النظام بعد رحيل الشاه"، إذن يمكن القول أن الأميركيين أيضاً اتصلوا بمحيط الإمام الخوميني، وتحديداً برجال الدين الفاعلين آنذاك منذ تلك الفترة، هل كانت هذه الاتصالات في تلك الفترة التي تتحدث عنها تحديداً أم جاءت لاحقاً؟

أحمد سلمتيان: لا، حينذاك لم يعِ الأميركيون أهمية رجال الدين وأهمية دورهم في إيران، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الدبلوماسية البريطانية والدبلوماسية الأميركية بشأن الأوضاع في إيران، فمنذ قرون أولت الدبلوماسية البريطانية أهمية بالغة للأوساط الدينية ولعلاقاتها معاً، سواء في إيران أو في العراق، الأميركيون لم يكونوا يشعرون بأنهم معنيون بهذا الوضع، فقد أدركوا فقط في السبعينات أن بإمكانهم أن يقاوموا الشيوعية من خلال التحالف مع رجال الدين في البلاد المسلمة كإيران مثلاً، ومن جهته كان آية الله الخوميني يسعى للبروز كأهم مرجعية دينية في البلاد، المعادلة إذن كانت في ذلك الوقت التالية: الأميركيون أدركوا متأخرين أهمية رجال الدين، والخوميني كان يبحث عن دور ريادي.

سامي كليب: إذن.. إذن معركة لم تكن معركة ضد الشاه، ولكن معركة على المرجعية الدينية في إيران؟

أحمد سلمتيان: بالضبط.. بالضبط، آية الله الخوميني هو الوحيد الذي أدرك جيداً أن الحصان الرابح في هذا السباق هو كسب تأييد الشارع، وأن الشرعية تُستمد من رفض الإيرانيين ومن معارضتهم لسياسة الشاه..

سامي كليب: في علاقة الاستخبارات الأميركية برجال الدين ننتقل إلى علاقة هذه الاستخبارات برجال الإمام الخوميني هنا في باريس حين كان يعيش لفترة أشهر قليلة على الأراضي الفرنسية، ويتحدث في الواقع بعض الأميركيين، ومنهم سايروس فانس عن علاقة مباشرة لمحيط الإمام الخوميني مثلاً في كتابه.. في كتاب المذكرات يقول: إنه حصلت قناة.. أو فتحت قناة مع عضو في حاشية الخوميني اجتمع به أحد الرجال الأميركيين، وكان هذا العضو هو رئيس القسم السياسي في السفارة في باريس (إبراهيم يزدي) ما هي حقيقة هذه الاتصالات المباشرة وحقيقة طلب الأميركيين من الرئيس الفرنسي (فاليري جيسكار دي ستان) تأخير ذهاب الخوميني.. الإمام الخوميني إلى إيران؟

أحمد سلمتيان: حصلت كل هذه الاتصالات والتطورات خلال الأسابيع الأخيرة قبل عودة آية الله الخوميني إلى إيران..

سامي كليب: هل حصلت هذه الاتصالات؟

أحمد سلمتيان: بالطبع.. بالطبع، كان للسيد إبراهيم يزدي اتصالات مع باريس، أما بالنسبة لآية الله باهشتي، وآية الله مطهري، فقد أجريا اتصالات داخل إيران مع التيارات التي تمثل أميركا، لم تفاجئ الثورة الإيرانية الأميركيين فحسب، بل أيضاً الخوميني والشاه وغيرهما من الأطراف الإيرانية أيضاً.

سامي كليب: سنعود إلى ذلك، ولكن هل حصلت اتصالات إذن مباشرة مع محيط..؟

أحمد سلمتيان: حصلت الثورة في شباط/ فبراير، وعاد الخوميني إلى إيران في آب/ أغسطس، أما أنا فقد بقيت هنا حتى شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، وأذكر هنا أن حتى ذلك التاريخ كان إبراهيم يزدي يقوم باتصالات، كما أنه لم يكن يُخفى على أحد أن مختلف السفارات كانت تسعى إلى أقامة علاقات مع مختلف أطراف المعارضة في إيران كل السفارات..

علاقة الخوميني بالثورة الإسلامية الفعلية في إيران

سامي كليب: تقول في حديثك عن الإمام الخوميني، تقول: أنه هو أيضاً قد فوجئ بالثورة وهنا نعود إلى السؤال الأصلي حول علاقة الخوميني بالثورة الفعلية، هل هو الذي أحدث الثورة الإسلامية في إيران أم أنه تلقف هذه الثورة وتولى زعامتها؟

أحمد سلمتيان: لا أعتقد أبداً أن الخوميني ظن للحظة واحدة أنه سيعود إلى إيران بعد خمسة أشهر من إقامته في باريس، حتى أنه كان يعتزم الذهاب إلى كشمير الشيعية أو إلى أي بلد آخر، كما أنه قرر في وقت ما أن يشتري منزلاً في باريس ليعيش فيه، كان هناك محور اختلاف هام بين الخوميني القادم لتوه من النجف وقسم من المثقفين الإيرانيين الذين يعيشون في باريس، إذ كانوا على اقتناع بأن عهد الشاه قد ولَّى وانتهى في حين بدا الخوميني غير مقتنع بذلك تماماً، وعندما عدت في شهر نوفمبر تشرين الثاني إلى إيران بصحبة الدكتور (سنجبي) المسؤول عن الجبهة الوطنية، كان الكل يعتقد أننا مهددان، لكننا كنا على اقتناع بأن مسيرة التغيير قد بدأت وأنه فور عودتنا أدركنا أن دولة الشاه قد اضمحلت ولم يبق منها شيء.

ولعل الخوميني قد أدرك آنذاك ما لم يدركه بعض رجال السياسة الإيرانيين وهو أن إيران تشهد تحولاً تاريخياً وأن الزعامة لن تكون إلا لمن كان الأسرع من غيره لنيلها.

دور عبد الناصر في الإعداد للثورة الإسلامية في إيران

سامي كليب: هل أنتم كطلاب إيرانيين في تلك الفترة تأثرتم بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر؟

أحمد سلمتيان: عندما أوقفني رجال السافاك للمرة الأولى، وجدوا عندي ثلاث صور، واحدة كانت لجمال عبد الناصر وواحدة لجميلة بوحريد الجزائرية.. وواحدة الأخيرة لـ(باتريس لومومبا) وخلال التحقيق اعتدى عليَّ المحقق بالضرب قائلاً: أيها الغبي لما لا تحمل معك صورة (لمارلين مونرو) أو (مارلو بروندو) ولكنني أنا كنت طالباً، وكان ردي أن هؤلاء هم مثلنا الأعلى في ذلك الوقت.

قبل الثورة العراقية كان جمال عبد الناصر الشخصية الوحيدة التي تمثل لنا استمراراً لشخصية الدكتور مصدق في أنحاء العالم العربي، وفي إيران كنا نعتبر عبد الناصر بمثابة مصدق، ولكن بزي عسكري.

سامي كليب: يعني أنا طبعاً طرحت سؤال عن الرئيس جمال عبد الناصر لمعرفة العلاقة معه، ولكن أيضاً لي سؤال آخر يتعلق بدور الرئيس جمال عبد الناصر في الإعداد للثورة الإسلامية في إيران، لماذا؟ لأننا قرأنا في الواقع مثلاً في الكتب التي وضعها فتحي الديب، وكان مكلَّفاً آنذاك من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بالاتصال بالثورات الأخرى في المنطقة، أيضاً الكاتب العربي المصري الكبير محمد حسنين هيكل تحدث عن علاقة ثورة إيران بالثورة المصرية، هل كنتم على علم آنذاك بأن الرئيس جمال عبد الناصر قد احتضن جزءاً من الذين سيصبحون فيما بعد الثوار الإسلاميين في إيران، ودرَّب رجال الثورة الإسلامية؟

أحمد سلمتيان: آنذاك لم يكن من السهل كسب تأييد الشباب الإيراني للقضايا العربية، وبالتالي لم يكن هناك من عمل مشترك أو من تنسيق عضوي حتى عام 63 أو 64، ففي هذا الوقت بالذات جرت أولى الانتصارات بين مصر ومنظمات الجبهة الوطنية في الخارج، ولكنها كانت اتصالات هامشية فقط، ومع نهاية عام 64 وبداية عام 65 زار العديد من ممثلي الطلبة الإيرانيين مصر أكثر..

سامي كليب: بالضبط في العام 64.

أحمد سلمتيان: وزرنا كذلك الجزائر، وكنت أحد هؤلاء الطلبة، وفي الوقت ذاته كانت هناك اتصالات مع بلدان عربية أخرى، ولكنها ظلت هامشية من دون أثر حقيقي، أما الذين بقوا في مصر فقد التقينا بهم بعد ذلك بدءاً من سنة 66 في صور وفي صيدا مع موسى الصدر، مثل (شمران) الذي أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع، ولكن بالحقيقة لا إدارة عبد الناصر كانت مستعدة لتعريض علاقاتها بالشاه للخطر، ولا المعارضة الإيرانية كانت مستعدة في ذلك الوقت لاستخدام السلاح ضد الشاه، أي في ثورة مسلحة.

حقيقة الدعم الإيراني للثورة الفلسطينية عن طريق الملك الحسن الثاني

سامي كليب: أنت شخصياً كان لك اتصالات مباشرة مع الفلسطينيين ابتداءً من العام 64، أولاً: أود أن تحدثنا عن هذه الاتصالات، ولكن أيضاً هناك رواية أود أن تؤكدها لنا، إذا كانت مؤكدة لديك عن اتصال حصل بين شاه إيران وبين الملك الحسن الثاني -آنذاك- بالنسبة تحديداً لدعم الثورة الفلسطينية وتحديداً الرئيس ياسر عرفات، ما هي حقيقة هذه الاتصالات؟

أحمد سلمتيان: بلغني قبل الثورة أن علاقة ما كانت تجمع بين بعض معاوني ياسر عرفات والحكم في إيران، لقد علمت بذلك عن طريق أشخاص مقربين من الإمام موسى الصدر في لبنان، لقد استقبلت ياسر عرفات في إيران عندما كنت كاتباً للدولة للشؤون الخارجية إبان الثورة، وكان همي آنذاك هو معرفة ما إذا كان بالفعل هناك علاقات قائمة بين إيران والفلسطينيين، وبعد البحث عثرت على الوثائق التي تثبت ذلك، فمنذ عام 66 أو 67 أرسل الملك الحسن الثاني مبعوثاً إلى شاه إيران يطلب منه أن يدفع مبلغاً شهرياً يحدده بنفسه بهدف المشاركة، والعبارة هنا لملك المغرب، إذاً المشاركة في مسعى يتعلق بقضية ما، فأرسل الشاه بدوره مبعوثاً للاستفسار، وبعد الزيارة قدم المبعوث تقريره فأرسل نسخة منه إلى الخارجية، وهي النسخة التي اطلعت عليها، وفيها وصف لأحوال الفلسطينيين وظروف معيشتهم، وحينذاك كانت منظمة فتح بصدد التشكيل، وقد طلبت من الشاه المساعدة، فخصص لها مائة ألف دولار أميركي شهرياً كمساعدات إذن لمنظمة فتح، وكانت هذه الأموال ترسل مباشرة إلى المملكة المغربية التي ترسلها بدورها إلى أصحابها، وكان الشاه يتسلم كل ثلاثة أشهر وصلاً موقعاً من ياسر عرفات شخصياً.

سامي كليب: واستمر الأمر طويلاً؟

أحمد سلمتيان: لم تتوقف هذه المساعدة حتى نهاية عهد الشاه..

سامي كليب [مقاطعاً]: لكن طيب كيف.. كيف يمكن، ولكن السؤال هنا السيد أحمد سلمتيان، حُكي الكثير آنذاك عن علاقات مباشرة بين شاه إيران وبين إسرائيل، وكان هناك تأثير أميركي مباشر على الشاه، كيف يمكن لشاه إيران أن يساعد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وثورة.. حركة فتح في الواقع والعمليات العسكرية إذا كان على علاقة بالأطراف الأخرى؟

أحمد سلمتيان: نعم، كانت تلك سياسة الملك الحسن الثاني، إذ كان لا يتوانى عن استثمار المال في مواضيع مختلفة وبوجوه عدة، وينتظر الهبات، ولقد سعى إلى إقناع الشاه بالقيام بالعمل ذاته، فلم يكن لدى الشاه أي مانع بشرط أن يدور كل ذلك في كنف السرية، وأنا لا أستبعد أن يكون الشاه قد تلقَّى أرباحاً من وراء ذلك، ونذكر هنا بحادثة اختطاف وزراء النفط في دول منظمة الأوبك في فيينا، نحن نعلم الآن أن (كارلوس) مع معاونيه من منفذي عملية الخطف كانوا ينوون إعدام اثنين من هؤلاء الوزراء، أحدهما وزير النفط الإيراني، ولقد كشفت المنشورات والكتب التي صدرت فيما بعد أن أمراً قد صدر عن الإدارة الفلسطينية يطلب الإبقاء على حياة الوزير الإيراني (أموزجار)، وذلك خلال التفاوض مع الخاطفين بشأن مصير الوزراء، وقد تدخل الملك الحسن الثاني مباشرة أيضاً طالباً الإبقاء على حياة الوزير الإيراني وإيجاد مخرج ملائم للأزمة، لقد كان هذا التدخل حازماً في إنقاذ حياة الوزير المذكور.

سامي كليب: اسمح لي دائماً بالمقاطعة لأن طبعاً الوقت قصير، ونحاول أن نلم بكل المواضيع، علاقتك المباشرة بالفلسطينيين، بمن كانت؟ وهل كانت جزءاً من علاقة للطلاب الإيرانيين الذين يسعون -آنذاك- كانوا يسعون -آنذاك- لقلب شاه إيران، هل كان هذا هو السبب للاتصال بالفلسطينيين؟

أحمد سلمتيان: عندما غادرت إيران لأول مرة عام 64 زرت فلسطين التي لم تكن محتلة بعد، وتحديداً زرت القدس وطولكرم اللتين كانتا تنتميان إلى الأردن قبل الاحتلال عام 67، كنت آنذاك أتقن اللغة العربية وأتكلمها، وفي يوم ما التقيت بشابين فلسطينيين، علمت فيما بعد أن أحدهما كان يُدعى أبو غزالة، وصار مأذن.. مأذن أبو غزالة، وصار فيما بعد أحد أشهر الشهداء الفلسطينيين، ثم التقيت فيما بعد بأحد أشقائه وبشخص آخر يدعى عيسى حمود فتح، وهو من أبطال معركة الكرامة، آنذاك لم تكن حركة فتح قد أُنشئت بعد، ولكن هؤلاء الشبان قد بدءوا بالنضال، وبما أني كنت معارضاً لنظام الحكم في إيران، فقد حدثتهم عن مصدق، كما حدثوني عن قضيتهم، وأمضينا وقتاً طويلاً معاً حتى نبهوني بالقول إلى أن الشرطة الأردنية كانت تلاحقني، ولذلك وجدت نفسي مرغماً على السفر إلى بيروت ومنها إلى باريس، وعندما كنت طالباً في باريس تعرفت بعد سنة أو سنة ونصف من وصولي على فلسطيني يُدرس العربية في الجزائر، وقد اتضح لي فيما بعد أنه يُدعى محمود الهمشري، وهو أول ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس حيث اُغتيل فيما بعد، ومن خلال هذه اللقاءات والاتصالات نشأت في عامي 66 و67 الحاجة لدى قسم من المعارضة الإيرانية إلى اللجوء إلى الفلسطينيين بقصد تدريب الجماعات المسلَّحة الإيرانية، وكان ذلك طبعاً تحت تأثير حركة (كاسترو) و(جيفارا)، وتنامي الحركات المسلحة في العالم، ومن جهة أخرى فقد زرت سوريا والأردن، والتقيت بأبو إياد، وهو الذي كان يشرف آنذاك على العمل العسكري والتدريب إلى جانب ياسر عرفات، ياسر عرفات الذي التقيت به شخصياً كذلك، وقد وضعنا معاً استراتيجية لاستقبال ناشطين إيرانيين في مخيمات تدريب في إطار منظمات في الداخل من أجل تدريبهم في القواعد الفلسطينية، طبعاً التدريب على حمل السلاح وعلى استخدام هذا السلاح. هذا الاتفاق حصل بالواقع بيني وبين القياديين الفلسطينيين المذكورين.

سامي كليب: أين بالضبط؟

أحمد سلمتيان: كان ذلك في عام 67، أما المواقع الأولى التي استقبل فيها الفلسطينيون مجموعات إيرانية، فقد كانت داخل قواعد موجودة في قرية صغيرة غير بعيدة عن دمشق، تُدعى الهامة، وفي موقع آخر يُدعى ميسلون، ويوجد هذان الموقعان على الطريق الرابطة بين دمشق وبيروت عند نقطة الفصل مع الطريق المؤدية خلف هضبة الجولان، خلال سنوات عدة تلقَّت مجموعات إيرانية مختلفة تدريبات داخل هذا الموقع، بعد عام 68 وخلال سنتين 70 و71 توطدت العلاقة بين الخوميني والإمام موسى الصدر، وبسبب وجود خلافات بين الفلسطينيين وحركة المحرومين بزعامة الصدر فإن الخوميني اقترب أكثر فأكثر من الصدر.

سامي كليب: هل آنذاك سيد أحمد سلمتيان قاتل الإيرانيون إلى جانب حركة المحرومين في لبنان؟

أحمد سلمتيان: كانت هناك بعض العناصر منذ عام 66، ومنهم مثلاً شمران، الذي أصبح فيما بعد أستاذاً في معهد التقنيات الذي أنشأه الإمام موسى الصدر في جنوب لبنان، كما التحقت أيضاً مجموعات إيرانية أخرى بمعسكرات التدريب الفلسطينية في سنتي 75، 76.

حقيقة العلاقات الليبية بإيران

سامي كليب: حين كنت سكرتيراً لوزارة الخارجية، وطُرح موضوع الإمام موسى الصدر في لبنان، هل تابعتم هذه القضية بشكل مباشر؟ وهل حاولتم معرفة ما الذي حصل في ليبيا آنذاك؟

أحمد سلمتيان: منذ الأيام الأولى للثورة الإيرانية سببت قضية الإمام موسى الصدر إشكالاً كبيراً لنظام الثورة، وتحديداً لوزارة الخارجية الإيرانية، ولنذكر أن قسماً كبيراً من أعوان آية الله الخوميني كانت له علاقات جيدة مع ليبيا، والحق أن العقيد القذافي كان أول الشخصيات التي رغبت في زيارة إيران بُعيد الثورة، ومن موقعي في وزارة الخارجية آنذاك طلبت من أحمد ابن الخوميني أن يستفسر من والده عمَّا إذا كان يوافق على طلب العقيد الليبي، خصوصاً أن وزير الخارجية والوزير الأول لم يبديا أي معارضة، فرد آية الله الخوميني بالقول: لا، لن يزور القذافي إيران قبل أن يعطينا التوضيحات اللازمة بشأن مصير الإمام موسى الصدر، وبعد ذلك تلقيت برقية تفيد أن طائرة تابعة لشركة (أليطاليا) سوف تقلع من طرابلس الغرب باتجاه إيران، وعلى متنها أربعة وسبعون راكباً يمثلون البعثات الليبية التي تعتزم تقديم تهانيها إلى الشعب الإيراني، وحتى نتجنب المفاجآت مثلما حدث مع ياسر عرفات الذي أتى إلى إيران من دون أن يطلب تأشيرة دخول، طلبنا قائمة بأسماء ركاب الطائرة، وبمقارنة القائمة التي أُرسلت إلينا ببيانات شركة (أليطاليا) التي اتصلنا بها، وتبين أن 15 راكباً لم يكونوا على القائمة، وعندما طلبنا معرفة هوية هؤلاء، رفضوا الإفصاح عن أسمائهم لأسباب أمنية، وهنا ساورتنا الشكوك بشأن وجود العقيد القذافي، وبناء على ذلك قررت بمعية نائب الوزير الأول، وإدارة شؤون الطيران المدني إعلام أليطاليا أننا سوف نغلق حدودنا الجوية أمام هذه الطائرة، وبالفعل عادت الطائرة أدراجها، وعلمنا فيما بعد أن القذافي كان بالفعل على متنها، وبالتالي رفض الخوميني على الرغم موافقة ابنه زيارة القذافي إلى..

سامي كليب: هل.. هل كانت لديكم معلومات في وزارة الخارجية الإيرانية أن ليبيا هي فعلاً التي خطفت الإمام موسى الصدر؟

أحمد سلمتيان: نعلم أن الإمام موسى الصدر اختفى في ليبيا، ولكننا لا نعلم ماذا حصل له. أرسل القذافي وزيره الأول آنذاك وكان في استقباله ابن آية الله منتظري، مما سبَّب خلافاً بينه وبين آية الله الخوميني، الذي لم يشأ أن يتم استقبال المبعوث الليبي، وعندما حضر هذا الأخير إلى إيران أصر على مقابلة الخوميني، غير أن طلبه قوبل بالرفض التام، وقد حضرت اجتماعاً ضم السفير الليبي والوزير الأول وابن الخوميني، إضافة إلى شخصياتٍ أخرى، وخلال الاجتماع كان الوزير الأول (خلخلي) صريحاً بالقول قولوا لنا ماذا حلَّ بموسى الصدر؟ لن يؤثر ذلك على العلاقة بين بلدينا، هل أرسلتموه إلى أهل الفنادق فتوقف قلبه عن العمل ومات. الوزير الأول الليبي..

سامي كليب: ذلك هو عبد السلام جلَّول.

أحمد سلمتيان: عبد السلام جلول، معك حق، عندها قال عبد السلام جلول ضاحكاً نعم، بإمكانكم أن تطرحوا المسألة على هذا النحو، وهنا التفتُّ إلى أحمد الخوميني وقلت له على حدة: أنا لا أحتمل أن أسمع مثل هذا الكلام، هذا اعتراف الوزير الأول بمقتل موسى الصدر، وغادرنا الاجتماع، ومنذ الغد غادر عبد السلام جلول إيران قبل انتهاء الزيارة المقررة. وعليه يمكن القول أنه حصلت لدينا قناعة بأن موسى الصدر قد مات بالفعل في ليبيا.

أما الظروف التي رافقت عملية احتجازه والتطورات اللاحقة فتبقى محل روايات مختلفة.

سامي كليب: هو واحد في الواقع من الاحتمالات، يعني لا يمكن التأكيد أو الجزم 100%، خصوصاً أن الليبيين قالوا أنه أنتقل فيما بعد إلى إيطاليا في طائرة، واختفى هناك، القضية لم تتوضح بعد. لا يمكن الجزم 100% حول هذا الموضوع.

هل بالنسبة لهذه القضية فيما بعد هل أثَّرت على علاقتكم بليبيا، أم انتهى الموضوع عند هذا الحد؟

أحمد سلمتيان: لا يجب أن ننسى أن لآية الله الخوميني علاقات متينة مع موسى الصدر، فقد كان الصدر ضمن عددٍ قليل من الشخصيات الدينية في الخارج التي بقيت على اتصال بالخوميني خلال فترة منفاه، وخلال عزلته في العراق، لا بل أن موسى الصدر ساعد أيضاً الإمام الخوميني.

العلاقات الإيرانية العراقية

سامي كليب: نلاحظ أن العلاقات بين العراق، أو محاولات إقامة علاقة بين الرئيس صدام حسين وبين الإمام الخوميني تعود إلى العام 72 على الأقل، حين عرض آنذاك صدام حسين على رجال الخوميني تخصيص بعض ساعات الإذاعة من أجل إلقاء الخطب وتحريك الشارع إذا صح التعبير، وطبعاً كان ذاك.. كان آنذاك الرئيس العراقي يفكر أيضاً بالشاه وبالضغط على الشاه أكثر مما يفكر بقيام ثورة إسلامية، هل في خلال أحاديثك الخاصة مع الإمام الخوميني كنت تشعر بحقد شخصي أو بكره شخصي للرئيس صدام حسين؟

أحمد سلمتيان: زرت العراق عام 71 حين كنت خبيراً في شؤون النفط، للمشاركة في مؤتمر بعنوان "النفط كسلاح" ولكنني ذهبت لزيارة الخوميني أيضاً، والتقيت بالتالي بالمسؤولين العراقيين، أما المحطة الإذاعية التي ذكرتها أنت فقد طرح عليَّ المسؤولون فكرة استغلالها لمصلحة المعارضة الإيرانية، وعندما حدَّثت الخوميني بالأمر اختار السيد (دعائي) الذي أصبح أول سفير لإيران في العراق، اختاره للإشراف عليها، ولكن الحكومة العراقية ترى دائماً في المعارضة الإيرانية سلاحاً تستعمله في علاقاتها مع الشاه.

قبل سنة واحدة من الثورة الإيرانية بدأت بلاغات آية الله الخوميني تأخذ صدىً كبيراً، ونُظِّمت أولى المظاهرات الحاشدة في إيران، وبدأ النظام العراقي لاهتماماً للخوميني، ولكن كان ذلك بهدف احتوائه لا بهدف مساعدته.

سامي كليب: ولكن الإمام الخوميني كيف كان ينظر للرئيس العراقي صدام حسين؟ هل من خلال أحاديثك معه كنت تشعر أنه لا يوده، وأنه هناك نوع من الحقد إذا صح التعبير؟

أحمد سلمتيان: لم يكن آية الله الخوميني ينظر بعين الرضا إلى الخلاف الذي نشأ بين رجال الدين الشيعة والحكومة العراقية، ولكن لا يعني هذا أن الخوميني كان يُضمر الكره الخاص لصدام حسين، ولكن في النهاية أبعد صدام حسين الخوميني إلى الحدود مع الكويت، في محاولةٍ منه لتشديد الرقابة عليه، وهنا كان نظام صدام حاسماً مع الخوميني حين وضعه أمام خيارين، إما البقاء في العراق ولكن تحت المراقبة، وإما المغادرة، وكانت هذه أول مواجهة -حسب رأيي- بين الرجلين.

سامي كليب: هل.. هل صحيحة المعلومات -لو سمحت- حول علاقة الخوميني بالحرب مع إيران والعراق؟ تحديداً هل صحيحة المعلومات حول أن الخوميني لم يكن يعتقد أن الحرب ستقع حتى قبيل وقوعها رغم كل ما كان يقوله له كبار الضباط؟

أحمد سلمتيان: خلال الأسابيع التي تلت الثورة الإيرانية كنت في وزارة الخارجية، جاءني المسؤول العراقي نفسه الذي كان اقترح عليَّ استخدام المحطة الإذاعية كان من الشيعة العراقيين.

سامي كليب: هل تذكر اسمه؟

أحمد سلمتيان: أذكر أن اسمه كان المهدي، ولا أذكر عائلته، كان ابناً لملا كبير من النجف، على كلٍ جاءني إلى وزارة الخارجية إذن يحمل رسالة خاصة من صدام حسين، وكان قد التقى بالخوميني، وقال: إن صدام حسين مستعد لزيارة إيران، كذلك الشأن بالنسبة للقذافي، وأذكر هنا أن الخوميني قد تحوَّل خلال الأسابيع الأولى للثورة إلى قبلة لرؤساء الدول الذين سارعوا لملاقاته، لنيل رضاه.

نحن في وزارة الشؤون الخارجية لم نكن ضد زيارة صدام حسين إلى إيران، فقد نظَّمنا آنذاك زيارةً لوزير الخارجية التركي، ولنظيره الباكستاني إلى إيران، كما وضعنا حداً حينها لمعاهدة (سانتو)، ولكن أبقينا على معاهدة التعاون الاقتصادي، وفي وزارة الخارجية تحديداً حيث كنت أنا كاتب الدولة للشؤون السياسية لم نكن نرفض أن ينضم العراق إلى هذا التعاون الاقتصادي، في إطار المنظمة التي سُميت فيما بعد بـ(إكو) وضمَّت بلدان آسيا الوسطى، لقد أعطينا موافقتنا على ذلك، ولكن آية الله الخوميني رفض مشاركة العراق، لماذا؟ السبب في ذلك يعود إلى أنه كان يرى أن تداعيات الثورة الإيرانية سوف تؤثِّر في الأنظمة الملكية للدول الأخرى، وتؤدي إلى انهيارها، وسوف ينعكس ذلك بالدرجة الأولى على العراق. في كل مرة كنا نحذر فيها الخوميني من التهديدات العراقية كان يقول: ليس هناك من أي تهديد عراقي، بل هي دسائس من قبل الجيش الإيراني، والذي يسعى لقلب نظام الحكم، وهذا ما يشكل مصدر قلق للخوميني ولمعاونيه، وكل ما يخشاه هو أن يقوم الجيش بانقلاب، ولكن لا ننسى أن قضية الرهائن الأميركيين كانت في عزها في تلك الفترة، ولقد حاول بني صدر لفت نظر البرلمان والخوميني، وأنا كنت حاضراً في العديد من الاجتماعات، إلى احتمال إعطاء ضوء أخضر أميركي وشيك للعراق لمهاجمة إيران، ولكن الخوميني لم يعطِ أي أهمية لكل هذه التحذيرات.

الواقع أن قضية الرهائن الأميركيين قد أصبحت أحد أهم رهانات السياسة الداخلية في إيران، ولم نكن نعلم وقتها أن اتصالات كانت جارية بين الجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية وبعض رجال الدين الإيرانيين، بهدف تأجيل إطلاق سراح الرهائن حتى نهاية ولاية الرئيس (جيمي كارتر) طبعاً كان هناك تنافس بين الأحزاب بهدف الاستئثار بفضل إطلاق الرهائن. كانت كل مساعينا تهدف إلى الانتهاء سريعاً من قضية الرهائن، لأننا كنا على اقتناع بأن ذلك سيضع حداً لاحتمال الهجوم العراقي. إنني صادق فيما أقول.

سامي كليب: في كتابك في الواقع، أو بالأحرى في كتاب أبو الحسن بني صدر (الرئيس الإيراني في السابق) وفي خلال الحوارات معه في صيف العام 81 بعد خروجكما مباشرة من إيران، تقول: إن الخوميني -بالحرف- إن الخوميني قد تخلَّى عن خطاب التنمية والتطور وتبنى خطاب الثورة ضد الله، كيف ذلك؟ هل الخوميني الذي مثَّل كل هذه الثورة الإسلامية وهذا المد الإسلامي في العالمين العربي والإسلامي كان ضد الله؟

أحمد سلمتيان: أجد نفسي مضطراً هنا لاستحضار جملة حفظتها في طفولتي من أحد أساتذتي، وهو رجل دين من أصفهان، ويحظى باحترام عام، كان يقول جملةً ويرددها للإمام علي: "آخر من يخرج من قلوب الصدِّيقين حب الجاه". حسب رأيي كان الإمام الخوميني نزيهاً على المستوى المالي، ولقد تمكنت شخصياً من ملاحظة ذلك أكثر من مرة خلال عامي 67، و68 عندما كان الخوميني في أمس الحاجة إلى المال.

سامي كليب: هل.. هل لديك مثال على ذلك؟

أحمد سلمتيان: عندما زرته في العراق عام 68 كان يمر بضائقة مالية كبيرة، حتى أنه لم يستطع أن يدفع مستحقات تلاميذه، ويبلغ عددهم حوالي الـ20، كانت كل المرجعيات الدينية في النجف قد قررت مقاطعة الخوميني، آنذاك كانت لي روابط عائلية بآية الله خوئي، فذهبت للقائه، كما ذهبت للقاء العديد من الأشخاص بهدف مساعدة الخوميني، لكنهم رفضوا جميعاً، وقالوا: ليتدبر أمره، من جهة أخرى كانت تجمعني قرابة بأحد التجار الكبار، وكان مصاباً بمرض السرطان، ويعلم أنه سوف يموت بعد بضعة أشهر، فذهبت معه إلى الخوميني ليعطيه من ماله، وهناك طلب هذا التاجر من الخوميني أن يمنحه امتيازاً دينياً، وهنا أذكر أن بإمكان أي ملا أن يتنازل عن البعض من امتيازاته الدينية للمتدينين الصادقين، ولكن الخوميني رفض طلب التاجر، واعتبره عملاً غير شرعي، على رغم أن المبلغ كان يقارب 10 ملايين ريال إيراني، وهو مبلغٌ ضخمٌ جداً في ذلك، أي حوالي عشرات الملايين من الفرنكات الفرنسية، أنا لقد أدهشني ذلك، الرجل بحاجة إلى المال، ولكنه لم يرضخ للضغوط، الحقيقة أن الخوميني لم يكن يرضخ للضغوط المادية، بل كان ورعاً وتقياً، لا أنسى أنه هو من أعد لي الشاي شخصياً يوم ذهبت مع زوجتي لزيارته بعد خروجه من المستشفى، نعم الخوميني شخصياً أعد لنا الشراب.

كان سيد إيران في ذلك الوقت، وعندما ألاحظ اليوم المظاهر التي يبدو عليها رؤساء الدول أدرك أن لا مجال لانتقاد الخوميني، ومع ذلك فإن الانتقاد الوحيد يتمثل في جملة للإمام علي: "آخر من يخرج من قلوب الصدِّيقين حب الجاه" الإمام الخوميني بدا متشبثاً بالسلطة، ومستعداً للتضحية بكل شيء من أجلها.

سامي كليب: وهكذا بين التأثر بشخص الخوميني ورفض ممارسته للسياسة آثر أحمد سلمتيان العيش في مكتبته الباريسية، والعودة بين الحين والآخر لأرشيف صور تجربة جيل لن يتكرر.