في عام 1999 أبرمت إحدى شركات إسرائيل الأمنية الخاصة -وهي "مير سكيورتي"- عقدا مع الشرطة الإسرائيلية لإنشاء نموذج المدينة الآمنة، حيث نصبت نحو ألف كاميرا للرصد والمراقبة في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، ليصبح النموذج أيقونة دولية.

فبعد سلسلة الهجمات الإرهابية التي ضربت العاصمة البريطانية لندن عام 2007، شرعت الحكومة في محاكاة نموذج إسرائيل للمدينة الآمنة في كافة أنحاء البلاد، فلا يكاد يخلو شارع أو محطة قطاع أو محل تجاري من كاميرا ترصد وتراقب المارة على مدار الساعة، وسريعا انتشر النموذج في مئات المدن حول العالم.

وبحسب تقرير صادر لهيئة الخصوصية الدولية -وهي مجموعة رقابية تهتم بالمراقبة الحكومية- في أغسطس/آب 2017، فإن هناك 27 شركة مراقبة إسرائيلية تقدم خدماتها للحكومة، وتعد هذه أعلى نسبة شركات مراقبة إلى عدد السكان في العالم.

وتسعى إسرائيل للترويج لهذه الشركات عبر المؤتمرات التي تعقدها بصورة دورية، ولا تشكل هذه الشركات رادفا معلوماتيا واستخباراتيا فحسب لإسرائيل، بل إنها تشكل أحد روافد الاقتصاد الإسرائيلي؛ فهي تصدر برامج بقيمة خمسة مليارات دولار سنويا، بنسبة 5% من قيمة الصادرات الإسرائيلية.

حلقة (2018/4/15) من برنامج "تحقيق خاص" تسلط الضوء على طبيعة عمل الشركات الأمنية الإسرائيلية، والتدريبات العسكرية التي يتلقاها العاملون في هذه الشركات, إضافة إلى مناطق انتشارها في الدول العربية.

خدمات أمنية
وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية كشفت في تقرير لها صدر بتاريخ 2008/11/14 عن أن الشركات الأمنية الإسرائيلية قامت بأنشطة أمنية واسعة النطاق في بعض الدول الخليجية، وصلت قيمتها لعشرات ملايين الدولارات.

وشملت هذه الأنشطة -وفقا للصحيفة- تقديم إرشادات بشأن تفعيل أنظمة أسلحة متطورة، والتزود بالعتاد الاستخباري، وتدريب الجنود المحليين على حماية الحدود، وإحباط عمليات احتجاز الرهائن أو الانقلابات أو محاولات احتلال الأهداف الإستراتيجية كالمنشآت النفطية.

ضابط الشاباك السابق ليئور أكرمن أكد للجزيرة أن هذا التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية موجود منذ سنوات طويلة، سواء عبر شركات خاصة أو عبر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، لافتا إلى أن الشركات الإسرائيلية تقدم خدمات في مجالات أمنية متعددة، بدءا من توفير حماية الشخصيات أو حماية رجال الأعمال، إضافة إلى حماية المؤسسات كالمصانع والمؤسسات الحكومية.

أما محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "يدعوت أحرونوت" رونين بيرجمان فأشار إلى أن الأمر تطور إلى تعاون استخباراتي بين إسرائيل وعدة دول في الشرق الأوسط، مشددا على أن جزءا كبيرا من النجاحات التي تنسب لجهاز الموساد في السنوات 15 الأخيرة من اغتيالات وعمليات تفجير وعمليات تصفية وكافة أنواع المهام نتجت عن التعاون الأمني بين إسرائيل ودول عربية.

تدريب الكوادر
ومع مرور الوقت، لم تقتصر الخدمات الإسرائيلية على بيع برامج التجسس للحكومات العربية أو حماية الشركات الإسرائيلية لبعض المؤسسات والأهداف الإستراتيجية؛ فقد حرصت العديد من الدول العربية كمصر والإمارات والسعودية والأردن وإقليم كردستان العراق على إرسال طلاب وضباط مخابرات للتدرب في الأكاديمية الأمنية الإسرائيلية للحماية، لا سيما في مجالات الهاكر وحماية الشخصيات والحدود ومحاربة الإرهاب.

وأقر نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق جوزيف إدريان بوجود تعاون أمني رسمي بين إسرائيل ودول عربية، من بينها السعودية، قائلا "يمكن أن نسمي هذا التعاون التحالف صامت، ولا يعني ذلك أننا تحالفنا بشكل مفتوح، ولكن هناك تعاونا وتنسيقا وتفاهما في عدة مجالات أمنية، من بينها مكافحة الإرهاب".

الوحدة 8200
ومع تنامي دور الشركات الأمنية الإسرائيلية، يبرز دور الوحدة 8200، وهي وحدة الاستخبارات الإسرائيلية المسؤولة عن التجسس الإلكتروني وفك الشفرة وقيادة الحرب الإلكترونية في الجيش الإسرائيلي، حيث يوظف ضباط تلك الوحدة خبراتهم بعد انتهاء خدمتهم العسكرية في تأسيس شركات خاصة بهم أو تولي مناصب عليا في شركات أمن خاصة، لا سيما تلك العاملة في مجالات المراقبة والتنصت، والكثير منهم لا تنقطع صلاتهم بالوحدة، وفق ما أكدته رئيسة هيئة الخصوصية الدولية لارا لاراروك.

وتكمن الخطورة -وفقا لخبراء أمن- في أن الشركات الإسرائيلية التي تبيع برامج الحماية والتجسس على الاتصالات للدول العربية، تكون قادرة تقنيا على التجسس والحصول على تلك المعلومات بشكل مباشر.

الخبير في الأمن القومي الإسرائيلي فادي نحاس أكد أن التعاون مع تلك الشركات خطر كبير على الأمن القومي العربي، لأن الدول التي تشتري هذه الخدمات لا تأخذ بعين الاعتبار، أو لا تهتم، أن هذه الشركات تقوم باختراق أمني لمؤسساتها.

وشدد على أن هذه الشركات -بدون شك- باب مهم لاختراق الأمن القومي في الدول العربية، التي لا تبنى على مفهوم المؤسسات الأمنية، وإنما تبنى على مفهوم شركات خاصة تخدم مصلحة النظام.