في 12 أغسطس/آب عام 1976 سقط مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في بيروت، بعد 52 يوما من الهجوم المتواصل وشهور من الحصار الذي فرضته قوى الجبهة اللبنانية (مليشيات مسيحية يمينية).

كان مخيم تلك الزعتر أحد المخيمات الفلسطينية في بيروت الشرقية، التي شكلت عائقا أمام تحقيق الفصل بين المنطقة الشرقية المسيحية، والمنطقة الغربية الخاضعة للحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فبدأت أنظار الأحزاب المسيحية تتجه نحو إزالته من مناطقهم.

في المقابل بدأت الفصائل الفلسطينية في تحصين المخيم وإدخال الأسلحة بهدف حمايته من القوات المسيحية، وفقا لرواية مريد الدجاني مدير مكتب مفوض جهاز الأمن والمعلومات في حركة فتح.

حلقة (2018/2/18) من برنامج "تحقيق خاص" سلطت الضوء على المجزرة التي شهدها مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والتي تمثل واحدة من أسوأ صفحات الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 واستمرت 15 عاما.

إرهاصات الحرب
في مايو/أيار عام 1973 بدأت المواجهات بين الطرفين وقام الجيش اللبناني بقصف عدد من المخيمات الفلسطينية ومقرات منظمة التحرير، ما أثار حفيظة الدول العربية التي مارست ضغطا على الرئيس اللبناني سليمان فرنجية، الذي أبلغ بدوره قادة الأحزاب المسيحية اللبنانية أن الدولة لم تعد قادرة على حمايتهم وأن عليهم حماية أنفسهم فشكلت تلك الأحزاب قواتها العسكرية.

لكن إرهاصات نكبة مخيم تل الزعتر بدأت مطلع عام 1976، حيث نشبت خلافات بين المليشيات المسيحية وكتائب الفدائيين الفلسطينيين، وخلال هذه الفترة حصلت اشتباكات ومعارك بين الجانبين، وكانت ذات طابع ديني، ولجأ آلاف المسلمين اللبنانيين إلى مخيم تل الزعتر وانضموا للفلسطينيين.

ويشير الباحث والمؤرخ السياسي صقر أبو فخر إلى أن اعتراف الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطيني، وتحالفها مع الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط رسخ قواعدها في لبنان وأقلق الأحزاب المسيحية.

وفي 13 أبريل/نيسان 1975 جرت محاولة لاغتيال زعيم حزب الكتائب بيار الجميل واتهم بها الفلسطينيون، وقتل على إثرها 27 فلسطينيا من مخيم تل الزعتر في حادثة البوستة عين الرمانة الشهيرة التي اتهم بها حزب الكتائب وكانت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب الأهلية.

ويرى الوزير السابق عن حزب الكتائب سجعان قزي أن حادثة البوستة عين الرمانة كانت مفتعلة بهدف الإيقاع بين منظمة التحرير الفلسطينية وحزب الكتائب.

نكبة المخيم
وفي أواخر يونيو/حزيران 1976، بدأت القوات اللبنانية والمليشيات المارونية حصار مخيم تل الزعتر وقطعت عنه المياه والكهرباء والطعام، واستمر الحصار الخانق 52 يوما، وخلال هذه الفترة قُصف المخيم بـ55 ألف قذيفة، ومُنعت هيئات الإغاثة من دخوله.

وخلال فترة الحصار حاولت حركة فتح وحزب الكتائب اللبنانية الدخول في مفاوضات لحل أزمة المخيم، لكن دخول الجيش السوري إلى لبنان بدعوى حماية المسيحيين قلب معادلة الصراع في لبنان وأجهض تلك المفاوضات، حيث شارك الجيش السوري في محاصرة المخيم.

تحول النظام السوري من مناصر للفلسطينيين وكمال جنبلاط إلى داعم للكتائب المسيحية وجاء ذلك بناء على اتفاق سوري إسرائيلي برعاية أميركية، لتقسيم لبنان إلى مناطق نفوذ لسوريا وأخرى لإسرائيل، حسبما أكد مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيتمار رابينوفيتش.

ولم يكتف النظام السوري بمحاصرة المخيم بل شارك بقصفه بدعوى خرق التنظيمات الفلسطينية لوقف إطلاق النار، لكن جنودا سابقين في الجيش السوري كشفوا للجزيرة أنهم نقلوا من وحداتهم العسكرية للقتال في لبنان تحت لواء فصائل فلسطينية موالية لسوريا منها كتائب الصاعقة التي شاركت في تسليم المخيم للقوات اللبنانية.

وبعد أن تمكنت القوات المحاصرة من القضاء على المقاتلين المتحصنين بالمخيم اقتحمته في 12 أغسطس/آب 1976، وارتكبت مجزرة فظيعة بحق المدنيين، ووجهت الرصاص الحي إلى صدور النساء والأطفال وكبار السن وبقرت بطون الحوامل، ثم باشرت الجرافات إزالة المخيم، وتوزع الناجون لاحقا على مخيمات فلسطينية أخرى في لبنان.