- ظاهرة الهجرة العكسية في الأرجنتين
- أسباب
زيادة ظاهرة الهجرة العكسية
- تجارب
الهجرة والعودة للوطن

 

تيمور الأعصر: في العام 1498 يتم اكتشاف الأميركتين على يد الأسباني كريستوفر كولومبس لتعلن أسبانيا اكتشاف العالم الجديد، بعد اكتشافات كولومبس بدأت بعثات الاستكشاف مع بدايات القرن السادس عشر، في العام 1816 تم إعلان استقلال الأرجنتين عن أسبانيا لتتحول الأرجنتين من مستعمرة إلى دولة، منذ لحظة الاستقلال ما بين 1816 إلى 1900 بدأت رحلة متخبطة لبناء دولة مستقلة مع توافد القليل من المهاجرين، ثم بداية من العام 1900 وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأ توافد المهاجرين من شتى بقاع الأرض بداية من القارة الأوروبية وحتى الشرق الأقصى.

ظاهرة الهجرة العكسية في الأرجنتين

تيمور الأعصر: هنا في ميناء ماديرو بالعاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس وعلى هذا الرصيف تحديدا خطت طلائع المهاجرين القادمين من شتى بقاع الأرض إلى الأرجنتين أولى خطواتهم، اليوم وحتى بعد أن أصبح هذا الميناء منشأة عسكرية لا يزال الماضي يعيش في أرجاء المكان، فندق المهاجرين المطل على ميناء ماديرو شيدته الحكومة في بداية القرن العشرين إدراكا منها لأهمية حركة الهجرة في بناء الدولة وتشجيعا لها وكمحطة لتنظيم استقبال المهاجرين الوافدين إلى الأرجنتين عبر ذلك الميناء الهام في تلك الفترة، هكذا كانوا يأكلون، مئات من المهاجرين جلوس على تلك الموائد الخشبية جنبا إلى جنب لا يهم من أي بلد آتوا أو إلى أي دين ينتمون، هنا أصبح الفرنسي والإيطالي والأسباني أرجنتينيا، تلك الحجرات أوت الكثير من المهاجرين من شتى الأجناس وقد كانت مسكنا لهم حتى يتم تسجيلهم والكشف عليهم طبيا وحتى تتاح لهم الفرصة للعثور على العمل والسكن في الوطن الجديد، ترك الزمن بصماته على المكان وبعد أن كان مركزا للأحداث لم يبق له إلا جدران وتاريخ يحكي بداية الرحلة.. رحلة البحث عن حياة أفضل، الأرجنتين اليوم بلاد المهاجرين منذ الثمانينيات وحتى الآن اتسمت بنسبة عالية من الهجرة العكسية أي الهجرة للخارج، فالكثير من أهل البلاد أوروبيو الأصل يبنون أمالا ويبذلون جهودا للهجرة لبلادهم الأصلية التي تركها أجدادهم للمجيء للعالم الجديد.

ميجيل ستراتاكيس - أرجنتيني من أصل يوناني: اسمي ميجيل ستراتاكيس، أرجنتيني الجنسية من بيرسو وأعمل في التجارة، لقد تربيت ولا زالت أعيش تبعا للعادات اليونانية منذ الصغر، كانت اللغتان اللتان كنت أتحدث بهما هما اليونانية والأسبانية، كان أمرا طبيعيا أن أتكلم اللغتين، أود الذهاب للعيش في اليونان ليس فقط بسبب الوضع الاقتصادي الذي تعيشه الأرجنتين اليوم لكن أيضا لأنني أعتبر نفسي يونانيا، أشعر بأنني يوناني أكثر من أرجنتيني بسبب العادات التي ربوني عليها، فأنا أرثوذكسي، أتحدث اللغة اليونانية ولقد تربيت حسب هذه العادات وأيضا الأطباق اليونانية واللغة.. كل شيئا كل هذا ساعد في تكويني.

جورج ستراتاكيس - أرجنتيني من أصل يوناني: أنا جورج ستراتاكيس والد ميجيل والدي كانوا يونانيين وأنا أرجنتيني، لقدت وُلدت وعشت كل حياتي هنا في بيرسو، فأنا أرجنتيني وأشعر بأنني أرجنتيني ولكن قلبي هناك، أريد أن أذهب إلى اليونان وقد ذهبت منذ وقت قصير في العام 2002 وقد سعدت جدا بزيارتي هذه فقد التقيت بعائلتي وأبناء أعمامي وبنات عماتي ولم أشعر بغربة هناك قط، على العكس من هذا فكنت أشعر كما لو أنني كنت في منزلي، هذا لأن آباءنا قد ربونا على هذا.. أفضل شيء أن يربي الشخص أولاده على نفس الطريقة التي تربى عليها، فأنا من أم وأب يونانيين، أنا يوناني مولود في مكان آخر غير اليونان ولكنني أيضا أرجنتيني وُلدت هنا ونشأت هنا ودرست هنا، كما أنني وجدت هنا فرصة للعمل، ميجيل يطالب بذلك بصوت عال.. إنه يريد الذهاب إلى اليونان وهذا أراه شيئا جيدا ولكن عليه ألا ينسى أبناءه هنا.. فالفرد أحيانا يضحى بأشياء من أجل العائلة، الأمر الذي يؤلمني هو عائلته فإن الأبناء يحتاجون إلى وجود الأب والأم معا.

ميجيل ستراتاكيس: أحد الأمور التي جعلتني أريد الذهاب إلى اليونان هي أنه بالرغم من أن اليونان ليست متقدمة جدا اقتصاديا ولكنها أفضل من الأرجنتين، فسبب من الأسباب التي تدفعني للذهاب هو أنني أريد تأمين مستقبل أولادي، فأنا لا أريد أن ينقصهم شيء.

جورج ستراتاكيس: هنا في الأرجنتين البلد تتقدم ولكن كل الناس لا يتقدمون، فالبلد تتقدم بدون ديون والأمر هنا على ما يرام ولكن الناس لا يتقدمون بنفس الشكل الذي تتقدم به البلاد، العيش هنا بالنسبة للناس صعب جدا خاصة في هذه المنطقة.

ميجيل ستراتاكيس: إنني أفكر بالذهاب وليست لدي أي مخاوف من أن يحدث لي أي مكروه هناك، سوف أذهب.. سوف أذهب بدون خوف، مجال عملي هو المعلوماتية وقد قمت ببحث عن حالة هذا المجال في اليونان فالمعلوماتية في اليونان ليست متقدمة مثل ما هي عليه في باقي الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة أو حتى الأرجنتين، فأنا أعلم أنه سوف يكون لي مستقبل هناك، أنا أعلم أنه من الممكن أن أبني مستقبلي هناك لذلك فسوف أغامر في هذا الأمر، لقد مرت ثلاثة سنوات فأستطيع الذهاب لتحقيق هدفي الآن لأنه كان علي أن أبدأ من الصفر بعد الانفصال عن زوجتي، فقد أخذت فقط حقيبة ملابسي وكان علي أن أساسا من جديد لأدخر نقودا وأذهب إلى هناك، حياة أفضل هي حياة أكثر تنظيما، فأنا هنا لدي محال تجارية تعمل لأربع وعشرين ساعة في اليوم وأنا أعمل فيها كل يوم من 15 إلى 18 ساعة، فأنا أعمل يوميا بمعدل لا يقل عن العشر ساعات في اليوم ولهذا فإن البحث عن حياة أكثر تنظيما يعني بالنسبة لي أن أعمل لعدد ساعات معينة براتب محدد.

تيمور الأعصر: ميجيل ستراتاكيس له ثلاثة أعوام يجمع المال من أجل تحقيق حلم الرحيل إلى حياة أفضل وإلى بلد له هو الوطن ولكن البعد عن أطفاله ليس بالثمن القليل، بعد الحديث مع ميجيل ظهرت لنا أبعاد وجوانب أخرى للموضوع فقررنا أن نقابل مختصا في ظاهرة الهجرة قبل أن نستمر في بحثنا، فرانشسكو ماتوتسي خبير في شؤون الهجرة قابلناه ليوضح لنا أبعاد تلك الظاهرة بشكل أعمق.



أسباب زيادة ظاهرة الهجرة العكسية

فرانشسكو ماتوتسي - مستشار هجرة وجنسية: في الأرجنتين تقريبا حوالي 70% من الناس هم من أصل إيطالي وأسباني والباقي من أصل أوروبي وفيها أيضا الذين ينحدرون من أصل أيرلندي وفرنسي وبولندي ومنهم اليهود والمسيحيون، كذلك السويسريون والألمان واليونانيون وهم أهم الجاليات في الأرجنتين، بعدهم تأتي الأصول العربية وهم من أهم الجاليات من سوريا ولبنان ثم الأتراك ومن بعدهم السكان الأصليين وقليلون هم الذين بقوا، أول موجة من الهجرة كانت منذ العام 1860 عندما فتحوا الأرجنتين للعالم حيث أتى إليها أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر، أما بخصوص الهجرة من الأرجنتين للخارج فسنجد أنه بصورة أساسية أكثرهم كان من الأحفاد أو أبناء الأحفاد للأوروبيين وللإيطاليين أيضا الذين كانوا يبحثون عن الجنسية الأوروبية حتى يستطيعوا إيجاد العمل أو الدراسة في إحدى الدول الخمسة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومنذ عام 1970 ثم مع إنشاء الاتحاد الأوروبي أدرك الناس إنهم إن كانوا يملكون جواز سفر أوروبي فسوف يسمح لهم بالعمل فيما يريدونه من البلاد الإثنى عشر الأوروبية وذلك بنفس حقوق المواطن الذي يولد في أوروبا وهذا هو الدافع لأكبر للناس لكي يهتموا باستعادة جنسية الأجداد، حاليا القنصليات الإيطالية منهكة بالطلبات وهي قد أوقفت استقبال الطلبات منذ أربعة أعوام، لكنك تجد أناسا كثيرين في كل القنصليات يبحثون عن أصول أجدادهم حتى يحاولوا الحصول على الجنسية الأوروبية، خاصة بعد أزمة عام 2000 كان هناك حوالي مائة ألف مواطن يطالبون بالجنسية وهم من كل أنحاء الأرجنتين ولم يحن دورهم بعد.

تيمور الأعصر: كل هؤلاء أتوا لبدء أو لمتابعة إجراءات الحصول على الجنسية الإيطالية، منهم من يريد الهجرة ومنهم من يريد أن يترك جميع الخيارات متاحة أمام أبنائه بعد سنين صعاب هنا في الأرجنتين.

سيسيليا باريرا - أرجنتينية من أصل إسباني: أجدادي أتوا وهم من برشلونة، وصلوا في العام 1951 أو 1950 تقريبا وقد وصلوا مع ولدين والدي واسمه مارسيلو وعمي، والدي كان عمره خمسة عشر عاما تقريبا وعمي ثلاثة عشر عاما وكان لهما أخ أصغر أيضا إنريكي عمره ثلاثة أعوام تقريبا، كان إنريكي صغيرا جدا، إذاً هنا بقي أجدادي ووالدي تزوجا فيما بعد، لقد تعرف على والدتي وتزوجها وولدت أختي ثم ولدت أنا، هذا هو باختصار شديد ما جرى في تلك السنوات الطويلة، هذه هي الجذور، جدي قد توفي الآن ووالدي قد توفي والموجودة الآن والتي هي عادت إلى برشلونة ولكن صدفة هي أختي التي سافرت مع زوجها وثلاثة أولاد وذلك من أجل وظيفة صهري فبالصدفة وجد عملا في برشلونة، أختي عادت إلى جذورها ولكن كل ذلك جاء مصادفة وكان من الممكن أن يعمل صهري في أي مكان آخر، هذا أمر فريد للغاية جاء عمله في أسبانيا والأكثر من ذلك في برشلونة بالتحديد، كان من الممكن أن يكون في جامايكا أو أي مكان آخر والآن يعيشان هناك من نيسان / أبريل ولقد اعتادا على ذلك، في البداية ذهب زوج أختي ولكن وضعه كان صعبا لوجوده هناك وحيدا وبسبب سن أولادهما، كان من الصعب على أختي تربيتهم بمفردها، لذا قرروا جميعا الذهاب وكانوا دائما يريدون الذهاب، لست أعرف إذا أرادوا الهجرة بشكل خاص إلى أسبانيا علما بأن أوضاعهم كانت صعبة في البيت خاصة وضع صهري لأن أختي لم تعمل أبدا، كانت ربة منزل ولم تعمل أبدا خارج البيت، فلديهما طفلان صغيران هما مراهقان الآن، دائما ما آلمته فكرة الذهاب ففي بعض الأحيان كان عاطلا عن العمل ويعاني كثيرا من أجل الحصول على عمل وقد كانت فكرة إرساء الجذور في مكان آخر موجودة دائما لديهم، أنا وأختي أردنا دائما الحصول على الجنسية وعرفنا أنه يجب أن نكون أسبانيتين من خلال الأوراق الثبوتية أرجنتينية وأسبانية، لا أعرف لماذا لم نفعل هذا من قبل؟ من الممكن أن يكون ذلك بسبب صعوبة المعاملات وقد فكرنا بهذا الشيء بعد الانهيار الاقتصادي بالتحديد في العام 2001، أعتقد أنه في هذا الوقت بدأنا العمل للحصول على الجنسية، فقد بدأت الأوضاع بالتدهور في البلاد ووضع المصارف وبدأت لعبة الروليت للرئاسة يذهب الأول ويأتي بعده الآخر، كان هذا زمنا بشعا للغاية، في هذا الوقت بدأنا المحاولة وكانت هناك حشود طويلة جدا أمام السفارة وعند موظفي القنصلية في المكان الذي تقدم فيه الطلبات حشود فظيعة والناس فيها يبقون من اليوم لليوم التالي، كان الأمر جنونا جنونا، إذا أردت الحصول على الجنسية لمجرد إحساسي بوجوب ذلك كما قلت لك سابقا ولكن لن أذهب لأن حياتي موجودة هنا، فأنا أملك كل شيء هنا والآن أمي موجودة هنا، صحيح أن أختي قد ذهبت ولكن على الأقل طالما أمي مازالت على قيد الحياة سأظل موجودة هنا وفيما بعد سنرى عندما لن تكون موجودة وبما أن أختي هناك أعتقد أنني قد أذهب.. لا أعرف، لا أعرف، مع وجود الإنترنت.. لا أستطيع الكلام، إنه لأمر غريب، موضوع الإنترنت يجعلك على اتصال ولكنه اتصال غريب، اتصال بين المسافات، إنه غريب، نفس الشيء بالمقارنة مع أجدادي عندما جاؤوا كانوا يكتبون رسالة ويستغرق وصولها أشهرا لا أعرف المدة التي تستغرقها وصول الرسالة والآن شيء غريب فهم يتنزهون ويلتقطون الصور ويستطيعون إرسال الصور فورا، فالمرء تكون لديه فكرة عما يقومون به في نفس الوقت، الاتصال سريع وفوري، لكن حسنا هذا هو البعد، هذا هو البعد، الحياة الأفضل.. من الصعب تعريف الحياة الأفضل، أول ما يخطر ببال المرء هو موضوع النقود وامتلاك أفضل نوعية من الحياة وجني أفضل دخل والعيش الأحسن، فمع امتلاك مال أكثر تستطيع أن تعطي حياة أفضل للأبناء وتعليما أفضل وهذا ما هو موجود هنا في أوروبا وما هو ليس متوفرا هنا أن تأخذ القطار فتكون في بلد آخر وتتعرف على ثقافة أخرى، التعلم ليس من الكتاب لا لكن من المشاهدة ومن التجربة ومن الذي يعيشه المرء فعلا وهذا ما يفعلونه هناك، هنا الإنسان لا يأخذ شيئا لا تأخذ القطار وحتى إنه لا يوجد هنا شيء اسمه القطار من أجل السفر إلى مكان بعيد.. لا يوجد، من يدري؟ لا أعرف ولكن الآن الواضح أمامي أنني لن أذهب الآن، لن أذهب، لن أذهب بسبب والدتي، لن أذهب بسبب عمتي، لن أذهب بسبب المنزل، بسبب الحياة التي كونتها هنا، لا أملك الرغبة بترك الأشياء التي حققتها، يجب أن أكون كما أنا الآن.

تيمور الأعصر: الهجرة لا تغير حياة من يرحل فحسب ولكن أيضا حياة من يبقى، فليس من يغادر فقط يحرقه ألم الفراق بل من يتركهم ورائه يحترقون ربما أكثر، سيسيليا وبرغم صغر سنها إلا أن رحيل أختها ترك آثاره عليها وعلى ملامح وجهها.

[فاصل إعلاني]

تجارب الهجرة والعودة للوطن

فرانشسكو ماتوتسي: أعتقد أن هناك ظاهرتين.. ظاهرة ثقافية ولغوية والثانية هي لإيجاد فرص العمل حيث إن أسبانيا هي سوق مفتوحة وتبحث عن أصحاب الخبرات الأكثر تخصصا، أريد أن أقول إن غالبية الأرجنتينيين الذين سافروا 99% منهم يحملون الشهادة الثانوية ومنهم كثيرون بدون شهادة جامعية والعديد منهم كانوا قد أكملوا الدراسة وبذلك فكل الناس مصنفون تبعا لدرجة تعليمهم وقليلون من أوائل الأفواج الذين هاجروا كانوا متعلمين والكثير منهم كانوا غير متعلمين أو وصلوا إلى المرحلة الخامسة وهناك أناس كثيرون عادوا مثل حالتي إلى الأرجنتين وهناك أيضا آخرون بقوا هناك، كانت الظاهرة أنه في أوائل الثمانينيات وتحديدا في العام 1980 و1983 بدأ الشباب يغتنمون تلك الفرصة وبالجنسية استطاعوا الدراسة والعمل في أوروبا، في كل عام يهاجر بعض الناس وفى كل أزمة يتجمع عدد كبير من الناس الذين يهاجرون لأن الناس ليس لديهم مستقبل هنا والمصانع تغلق أبوابها وتتضاعف الأزمة الاقتصادية ومعها تزداد الهجرة أكثر.

تيمور الأعصر: سيرخيو.. حالة مثالية لتجربة الهجرة، فهو ذو عائلة متعلم وصاحب خبرة مهنية، خاض تجربة هجرة ناجحة ولكنه قرر العودة ليبدأ من حيث انتهى، تأثر بالتجربة وبعد تحليل عميق توصل إلى نتائج حاسمة.

سيرخيو كريسكولو: عندما رحلنا في آب / أغسطس عام 1999 وكان الموعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول / أكتوبر ومنعم لا يزال هو الرئيس في عامه العاشر، كان الأمر غريبا لأنه كان هناك بل لم يكن هناك أمل في العام 1999 مع المرشحين في هذا الوقت، بعض الناس كان لديها أمل لكن كنا قد مررنا بأعوام من الاضمحلال السياسي، لذلك لم أكن متفائلا بما سيحدث، كنت أعمل في مجال الصحافة وكذلك باولا وكانوا يغلقون المجلات طوال الوقت في الأرجنتين وأحيانا بعضها تُفتح، شهدت إغلاق الكثير من المجلات وكنت قد سئمت ذلك، كنت مستاء أيضا ليس فقط من المؤسسات الصحفية بل من الصحافة بحد ذاتها.

[مقاطع من فيلم "الخارج"]

سيرخيو كريسكولو: وبعدها بدأت باقي الأشياء في التراكم، الوضع السياسي وعدم الرضا عن مهنتنا لذلك قررنا أننا إذا كنا سنترك بيونس آيرس فسنذهب إلى مكان آخر مختلف، في البداية كنا نكتب للصحف الأرجنتينية وكانت لدينا شقة أجرناها وبما أن سعر صرف الدولار كان يساوي البيسو الواحد فتدبرنا أمرنا، على الأقل كان لدينا راتب شهري، تمكنت من الكتابة للصحف هنا وكتبت قليلا لمجلة إسبانية وقامت زوجتي بالعمل في التصوير، تدبرنا أمرنا وتمكنا من العيش وكانت احتياجات ابننا الصغير لا تزال محدودة، استطعنا بهذا أن نعيش بشكل جيد، لكن المشكلة كانت تدهور الوضع الاقتصادي لأن الراتب فقد قيمته في ذلك الحين فكان علينا ترتيب أمورنا من جديد وصرف بعض المال الذي ادخرناه، عندما رحلنا من هنا كنا نبحث عن حياة أفضل وعن مستقبل أفضل، لا أفهم فكرة حتمية العيش في البلد الذي وُلدت فيه، لماذا حتم علي العيش هنا؟ يوجد العديد من البلاد في العالم، مائة وثمانين أو مائة وخمسين.. لا أعلم، لماذا لا يمكنني اختيار المكان الذي أريد قضاء باقي حياتي بسعادة فيه؟ لماذا يجب عليَّ العيش للأبد مع العديد من الأشياء التي لم تكن تعجبني ولا زالت لا تعجبني في الأرجنتين؟ توجد أشياء أخرى أحبها.

فرانشسكو ماتوتسي: للحصول على قرض لشراء بيت في أوروبا فإنك تدفع فائدة قدرها 5% عن كل عام حتى تشتري بيتا وهي قروض باليورو والناس يتقاضون أجورا باليورو وهنا يُعطون قروضا بالدولار بينما الناس يأخذون أجورا بالبيسو وهناك أيضا مساعدات للمتقاعدين تتيح لهم عيشا كريما، أما هنا فالمتقاعدون عادة لا يحصلون على العلاج مثلا وهذا ما يهم الناس فهم يبحثون عن حياة جيدة والحياة الجيدة تعني حياة كريمة للشخص نفسه ولأولاده.

سيرخيو كريسكولو: لذلك ذهبنا للبحث عن شكل جديد للحياة، لم يكن هذا بدافع مادي مثل الكثير من الناس بعد عام 2001، كان الدفاع مختلفا.. العيش بهدوء أكثر والتمتع بالوقت بشكل أفضل وليس للعمل فقط، أخذت أتساءل عن ماهية الحياة الجيدة وتوصلت لاستنتاج حزين وهو أنه لا يوجد مكان مثالي وأن هذا يعتمد على الحالة النفسية لكل شخص، لكن لا يمكن أن تنتقل للعيش من مكان لآخر طوال الوقت، بعد أن تتوصل إلى أنه لا يوجد مكان مثالي وأن ذلك يعتمد على الحالة النفسية لكل شخص فلن تهتم لا للأمور الجيدة في بلد أو الأمور السيئة ببلد آخر، أتينا إلى هنا وحاولنا تحمل الأشياء السيئة في بيونس آيرس والتمتع بالجيدة، يوجد فيها أشياء جيدة، أنا ممتن لأنه بإمكاني الاختيار، يوجد عدد من الخيارات أكثر لكن بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي أشعر أنه على عاتقي مسؤولية فأنا شخص غير مسؤول إلى حد ما، أحيانا تسير الأمور على ما يرام وأحيانا أخرى لا، فأنا كما يقولون أقفز في حمام السباحة أحيانا يكون مليئا بالماء وأحيانا يكون فارغا وامتلاك دعامة اقتصادية يعطيك مساحة بعضة أشهر حتى تطرأ فرصة جديدة ويكون من الأسهل اتخاذ القرارات ويكون أيضا من الأسهل البحث عما نريده بهدوء أكثر، لذلك عندما رحلت كنت غاضبا جدا من بيونس آيرس، كنت غاضبا والرحيل عندما يكون المرء غاضبا هو أسهل، فهو كعلاقة زوجين من الأسهل أن تغضب وتثور وتنهي العلاقة على أن تجلس في إحدى الحانات للتحدث بهدوء قائلا من الأفضل أن ننفصل فلسنا على ما يرام، فقطع العلاقة بين الزوجين بطريقة ودية أصعب بكثير من الانفصال العنيف.

"
في الأرجنتين حتى الآن لا توجد هيئة للأرجنتينيين المهاجرين ولا يؤمنون الدعم لأي من المليون المهاجرين بخلاف إيطاليا، ففي إيطاليا توجد إدارة عامة في وزارة الخارجية متخصصة في الهجرة وتختص بشؤون الهجرة 
"
فرانشسكو ماتوتسي
فرانشسكو ماتوتسى: في الأرجنتين حتى الآن لا توجد هيئة للأرجنتيني المهاجر بخلاف إيطاليا، ففي إيطاليا توجد إدارة عامة في وزارة الخارجية متخصصة في الهجرة وتختص بشؤون الهجرة ولكن هنا حتى الآن لا يوجد ذلك وهم ليس لديهم علما بالأرجنتيني المهاجر ولا يؤمنون الدعم لأي من المليون مهاجر الذين تركوا البلاد ولا يعطونه أية أهمية، ففي العام 2000 ومع هبوط قيمة النقد فإن الدولار الواحد بات يساوي حوالي الثلاثة بيسو ونصف وعدد كبير من الناس ممن كانوا يضعون أموالهم في المصارف انتابهم الخوف فرأوا أنه من الأفضل أن يهاجروا ليجدوا حياة أفضل وكان الناس يهاجرون لأي بلد كان وفي السنوات العشر الأولى إلى الولايات المتحدة الأميركية والمقياس الحقيقي يعتمد على أشياء كثيرة، فالمناخ مثلا يتغير من بلد لآخر ولكن الناس يتعودون على الرفاهية وهذا كله مكلف هنا، الحياة اليومية والصراع ليحصلوا على ما هو متوفر في أوروبا مثل الرعاية الطبية الغالية جدا.

خوسيه ليبيرالاتو: عام 2001 بدأت الأزمة الأكثر قوة وكانت أصعب أزمة علينا، تلك الأزمة التي مرت بها الأرجنتين وكان من الصعب الحديث عن وظيفة أو الحصول على عمل وحين ذاك فكرت أنه من الجيد أن أحاول في إيطاليا وهكذا.. كان ذلك بمعاونة ابني وكانت ابنتي قد ذهبت بالفعل منذ وقت سابق، فقد قررت ذلك من قبل منذ ست سنوات، عام 2000 ذهبت للعيش في إيطاليا قبل الأزمة هناك أمر مهم أن عائلة أبي كلها تعيش في إيطاليا إنهم على وجه الخصوص يعيشون في بنييه ولومبارديا والبندقية، إنهم يعيشون هناك لذلك فقد وجدت ابنتي من يدعمها هناك، هنا بقي ابني وهو الصغير بين أبنائي ولكنها هي الصغيرة بين بناتي فهي تبلغ من العمر ثلاثين عاما وفى نهاية العام ستتم إحدى وثلاثين سنة وابني قد أتم الثلاثة والعشرين عاما مؤخرا قرر أن يقوم بتجربة في إسبانيا لمدة عام أو عامين مع زوجته.. حصل على عمل هناك وهما يعيشان هناك، لم أكن أبحث عن حياة أفضل.. كنت أبحث عن حياة لأن الطرق هنا كانت تنغلق، لا أحد يحب ترك مكانه وهذا المكان كان مكاني دوما بالطبع ألا هذه اللوحة وهي جديدة نسبيا ولكن باقي الأشياء كانت دوما هكذا كما ترونها الآن وقد تطلب هذا وقتا وجهدا.. تطلب الكثير وهكذا رغم أي عمل يقوم به الإنسان لذلك فقد ذهبت عن الحياة في مكان آخر، فهنا لم يكن هناك إمكانية لمواصلة العيش، لم أجد أمامي سبيلا، كنت متضايقا للغاية ومحبطا جدا، كنت أعيش هناك مع أبناء أعمامي لذا لم أكن في حاجة لأن أدفع إيجارا لولا ذلك لما كان الأمر مربحا لي.. لما استطعت جني المال لأن الإيجار غال جدا خاصة بالنسبة للشباب، فالمرء هناك يدفع إيجارا للشقة يدفع أربعمائة وخمسين يورو في شقة صغيرة في بلدة، الأمر سيئ.. هذا بالإضافة إلى المصاريف الأخرى من خدمات وغيرها لا أعلم كم كانوا يدفعون ولذلك فلم يكن ذلك بالشيء المثير للاهتمام بالنسبة لي.. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تجد الحنين حقا كنت أتذكر دائما أصدقائي وأنا هناك وأتصل بهم لأسالهم عن حالهم وكيف تسير الأمور وقد كانوا يحسدونني وأنا هناك في حين أنني كنت على العكس مما يظنون كنت أنا الذي أحسدهم لأنهم كانوا يعيشون هنا لأنهم استطاعوا بطريقة أو بأخرى تحمل العيش والبقاء هنا.

تيمور الأعصر: خوسيه ليبيرالاتو مهندس معماري أضفت مهنته على رؤيته للحياة بعض العصرية والعملية ولكن قلبه لا يزال يتوق إلى دفء العائلة وحب الأبناء وسواء أكانت آماله في رجوع أحد أبنائه على الأقل ستتحقق يوما إلا أنه قد يظل ينتظر هذا اليوم حتى آخر العمر.

فرانشسكو ماتوتسي: في الأرجنتين هناك أناس يتخرجون في بعض التخصصات بما يزيد عن الحاجة الفعلية، فتجد أطباء أكثر من السكان وأطباء نفسيين كذلك، التخصص لا ينقص هنا لذلك يسمح لهم بالسفر فلا يوجد في البلاد نقص في المتخصصين على العكس عليهم الحد من بعض التخصصات وعلي سبيل المثال الطب وعليهم تشجيع بعض التخصصات مثل الهندسة، فلا توجد اختصاصات في الهندسة ولا في التكنولوجيا ولا توجد منتجات جديدة، فحتى الآن ومنذ عشر سنوات لم أر منتجا جديدا يصدر من الأرجنتين، هناك أنشطة كثيرة ولكن ليست هناك نتائج ملموسة.

"
أعتقد أن هجرة العقول من الأرجنتين سببها أساسا الحالة الاقتصادية لأنه خلال فترة زمنية طويلة لم تكن هناك إمكانية للبحث العلمي
"
        أمايشا ديبينو
أمايشا ديبينو- عالمة بيولوجيا: أنا عالمة أحياء، حصلت على الدكتوراه هنا في هذا المعهد في الأرجنتين وبعد ذلك حصلت على الدكتوراه العليا في إيطاليا من المختبر الأوروبي لعلم الأحياء، جد جد والدي جاء إلى الأرجنتين في العام 1840 وكان حلوانيا وجاء مباشرة إلى الأرجنتين وبقي في بيونس آيرس، لم أحصل على جواز سفر إيطالي، أملك فقط جواز سفر أرجنتيني وذهبت إلى أوروبا كأرجنتينية بتأشيرة من أجل العمل هناك، ما حصل معي شائع جدا ففي مجال العلم يتنقلون ويجربون بلدانا ومختبرات ومعاهد أخرى من أجل معرفة ما الذي يحدث في الخارج ولذلك قررت الذهاب من أجل إتمام الدكتوراه العليا بتلك الفكرة.. فكرة معرفة كيف هو العلم في البلدان الأخرى ولكن دائما مع فكرة العودة، حسنا كان القرار أن أعود إلى البلاد لأن فيها منزلي ولم تكن هناك ضرورة وهنا لدي عملي ولا أحتاج للبحث عن عمل في الخارج مع العلم أن الأجور أفضل في الخارج ولأنني أعتقد بأنه من الممكن العمل في مجال العلم هنا وأحببت القيام بذلك هنا، أعتقد أن هجرة العقول من الأرجنتين سببها أساسا الحالة الاقتصادية لأنه خلال فترة زمنية طويلة لم تكن هناك إمكانية للبحث العلمي، في الأرجنتين يوجد ما يسمى بدروس الباحثين وهي جزء من المنظمة الوطنية للعلوم وخلال سنوات طويلة هذه الدروس كانت مقفلة، لا أحد جديد يستطيع الالتحاق بها والعمل كباحث من خلالها ولهذا السبب هاجر بعض الناس ولازالوا يهاجرون للبحث عن عمل لأنه لم يكن يوجد عمل للعلماء هنا، الآن الأمور تغيرت فدروس الباحثين أصبحت مفتوحة في هذه المنظمة وهناك إمكانيات عديدة وعلماء كثيرون يجدون فرصا للعمل، فيما يتعلق بمشكلة هجرة الأدمغة حاليا فالشباب يرحلون فور انتهاءهم من الدراسة الجامعية في عمر الخامسة والعشرين تقريبا، في هذا العمر يكون الشخص مهيأ ويذهب إلى بلد آخر للعمل وتكون لديه المؤهلات المناسبة، فمن الطبيعي أن يواجه ظروفا اقتصادية أفضل بكثير ويكون من السهل عليه كثيرا أن يؤمن حياة جيدة في هذا العمر وليست هجرة في سن متقدمة حين يكون التعلق بالوطن أكبر، لهذا السبب مثلا بعض الناس يبقون، أنه هدر للمال العام فعندما تهيأ الناس ويهاجرون إلى بلدان أخرى وبشكل خاص في حالتنا نحن فهناك أناس من بلدان أخرى يأتون متعلمين يأتون من أجل البحث.. أنه استثمار بدون مردود، أنا لا أستطيع أن أنتقد أحدا إذا حدد الحياة الأفضل له ذلك في الحصول على أجر جيد وتأمين يومي أفضل والوجود في بلد مختلف ولكن المشكلة على كل الأحوال موجودة في الأرجنتين وفي الحكومة الأرجنتينية إذ أنها لا تقدم ذلك للناس الذين يعيشوا فيها.

تيمور الأعصر: واقع الحياة في الأرجنتين سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني يدفع أبنائه إلى الهجرة، قد نشعر أنهم لا يرون أمامهم ألا ذلك الخيار إن حالفهم الحظ وكان الرحيل متاحا ولكن أمايشا جاءت بعكس ذلك تماما فالوطن والأحباب أولى والهروب ما هو إلا تخل عن وطن هو في أمس الحاجة إلى أبنائه، إن البلاد التي اجتذبت المهاجرين من أوروبا في بدايات القرن العشرين أمست في نهاية نفس القرن بلادا طاردة للسكان، فالنكبة الاقتصادية التي حلت بالأرجنتين كانت السبب الأساس لظاهرة الهجرة للخارج، لقد هاجر أكثر من مليون شخص من بلدهم الأرجنتين إلى أوروبا ومع تنوع وجهات النظر حول تجربة الهجرة فمازال البعض يعودون والبعض يهاجرون سواء بحثا عن حياة أفضل أو بحثا عن الأمان أو الدفء، البحث مستمر ونقطة والوصول غير معلومة حتى إشعار آخر.