حين جاء الانتدابان البريطاني والفرنسي وضعا عام 1920 الحدود بين فلسطين ولبنان رغما عن إرادة أبناء المنطقة.

كانت فلسطين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي جاذبة لكثير من اللبنانيين والسوريين الذين عملوا في إذاعتها وصحافتها ومؤسساتها الاقتصادية، وكانت مدينتا حيفا ويافا بشكل خاص قد شهدتا ازدهارا اقتصاديا وعلميا وثقافيا كبيرا بسبب وجود ميناء في كل منهما.

وسبق ذلك الانتقال من لبنان للسكن في فلسطين الذي يعود للقرن الـ17، حيث هاجرت مجموعة من الفلاحين المسيحيين اللبنانيين إلى محيط مدينة الناصرة، بعد أن سمح أمير قضاء الشوف فخر الدين الثاني ببناء دير هناك، واستمر توافد اللبنانيين إلى فلسطين حتى أثناء الانتداب الفرنسي.

لكن المشهد تبدل تماما مع وقوع النكبة الفلسطينية عام 1948، حيث هاجر الفلسطينيون مثقفون وعمال وفلاحون بسبب المجازر المروعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية إلى لبنان، كما هاجر معهم اللبنانيون الذين احتضنتهم فلسطين وأمنت لهم مساحات للتطوير والتعبير والإبداع، وأصبح في لبنان أكثر من مئة ألف فلسطيني، وسكن أغلبهم في مخيمات.

وكان القطاع الاقتصادي اللبناني المستفيد الكبير من هذا النزوح، فقد تدفقت مع اللاجئين أموال الأغنياء الفلسطينيين واللبنانيين العائدين، وتم ضخها في الاقتصاد اللبناني، وبذلك ورث لبنان مكانة فلسطين الاقتصادية.

حلقة (2016/9/23) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" تناولت دور الفلسطينيين في بناء لبنان الحديث، والشرخ الذي أحدثته الحرب الأهلية في علاقتهم مع لبنان.

أدوار مختلفة
ولم تكن الأموال الفائدة الوحيدة للاقتصاد اللبناني من لجوء الفلسطينيين، حيث شكل الحرفيين المهرة رادفا مهما لقطاعات متنوعة، كما أسهم الفلاحون في تنمية الزراعة في عدد من المناطق.

كما استقطبت الصحف والإذاعات اللبنانية المبدعين الفلسطينيين الذين أسهموا في صناعة الحياة الثقافية والفنية في لبنان، خاصة حليم الرومي الذي عمل في الإذاعة اللبنانية، كما أسهم في اكتشاف فيروز ووديع الصافي.

ولم يقتصر الدور الفلسطيني عند هذا الحد، حيث لعب الفلسطينيون دورا مهما في تطوير مجال البحوث والدراسات العلمية، لا سيما أنيس الصايغ رئيس مركز الدراسات الفلسطينية، الذي حاولت إسرائيل اغتياله عبر مظروف مفخخ.

وفي أحداث 1958 انحاز الفلسطينيون إلى طرف لبناني ضد آخر، فقد وقفوا إلى جانب الجمهورية العربية المتحدة في مواجهة حلف بغداد الذي كان رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون أحد أركانه، وفي عام 1969 شرّع اتفاق القاهرة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان للانطلاق منه لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، وبعد أحداث أيلول الأسود في الأردن كان الانتقال الكامل لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان.

لكن وجود منظمة التحرير أصبح محور جدل حاد بين اللبنانيين، حيث نظر اللبنانيون للوجود الفلسطيني من زاوية انقساماتهم السياسية والطائفية وصنفوا منظمة التحرير من خلال القراءة المذهبية، وازداد الانزعاج لدى بعض الطوائف المسيحية اليمينية من العمل الفلسطيني الناشط سياسيا وعسكريا، لتنطلق شرارة الحرب الأهلية بمذبحة عين الرمانة ضد اللاجئين الفلسطينيين.

وارتكبت مختلف الأطراف والأحزاب أخطاء خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كما تجذر العداء للفلسطينيين عند جزء من اللبنانيين نتيجة خطاب تحريضي روجت له ماكينة إعلامية، قبل أن يحتل الجيش الإسرائيلي بيروت ويجبر منظمة التحرير على الخروج من لبنان، ومنذ ذلك الوقت يدفع الفلسطينيون في لبنان ثمن هذه الحرب.