"أنا كنت لاجئا بعدما كنت لاجئا" هذا ما قاله أحد سكان مخيم اليرموك في دمشق، تعبيرا عن الظروف الصعبة للاجئين الفلسطينيين، حيث تعرضوا للقصف والحصار والتجويع، ما أجبرهم على مواصلة رحلة اللجوء إلى دول أخرى من العالم.

عدد من سكان المخيم رووا لحلقة (11/5/2016) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" قصصا ومآسي تعرضوا لها داخل مخيم اليرموك الذي أنشيء عام 1956 في ضواحي العاصمة السورية، وفرض عليه النظام السوري حصارا "جزئيا" تحول إلى حصار "كلي" عام 2013، لتستمر رحلة الحصار بعد أن دخله تنظيم الدولة الإسلامية عام 2015.  

إبراهيم العلي من سكان المخيم (1969-2015) غادر والداه فلسطين في عمر مبكرة، وولد ودرس ونشأ وتزوج في المخيم، لكنه خرج منه. يقول إن والدته شهدت نكبة عام 1948 ونكبة اليرموك، لكنها ترى أن نكبة المخيم كانت أشد وطأة.

استوعب المخيم كل الهجرات الفلسطينية -وفق العلي- كما لجأ إليه بداية الأزمة السورية أناس من درعا وحمص وريف دمشق وغيرها من المناطق السورية.

16 ديسمبر/ كانون الأول 2012 قصفت طائرات النظام السوري مسجد عبد القادر الحسيني داخل مخيم اليرموك، ما تسبب في سقوط عشرات القتلى. وفي صباح اليوم التالي بدأ نزوح أكثر من 80% من سكان المخيم، في مشهد شبيه بنكبة عام 1948.

الباحث والصحفي الفلسطيني ياسر علي يؤكد أنه بعد ضرب مسجد عبد القادر الحسيني الذي كان يأوي بداخله أيضا نازحين سوريين، وُجه إنذار لأهل المخيم بالخروج منه بحجة أنه سيتعرض لهجوم.    

مشهد الخروج الجماعي من مخيم اليرموك، وصفه بحسرة من تحدثوا لحلقة "فلسطين تحت المجهر" ومنهم  إبراهيم العلي الذي يقول إنه لن ينسى ذلك المشهد، وخاصة ذلك الوالد الذي فقد ابنته حنين بين الجموع وظل ينادي عليها ويبكي.

من جهتها، تحدثت الطفلة حنين العلي بحسرة عن مشهد النزوح من المخيم، ووصفته بالموقف البشع، حيث كان الناس يلقون نظرة أخيرة وهم يخرجون، وبأنها تركت روحها وقلبها هناك. ونفس الشيء أشار إليه سليم شنار من سكان المخيم (1963-2012) بقوله إن الناس لم يعلموا إلى أين يذهبون في تلك اللحظة.    

رئيس الهيئة الفلسطينية في المعارضة السورية أيمن أبو هاشم تساءل من جهته عن ما إذا كان خروج الفلسطينيين من المخيم  بفعل قصف النظام السوري أو الخوف من الاشتباكات، أم كان هناك "طابور خامس يعمل في المخيم لتهريب الناس وتشجيعهم على النزوح".

عائلة من مخيم اليرموك (الجزيرة)

حصار وتجويع 
وتحدث سكان المخيم أيضا عن الحصار والتجويع الذي تعرضوا له من طرف النظام السوري وتنظيم الدولة، وتقول فضيلة عباس (1978-2015) إنها لم تجد ما تطعم به طفلها. بينما يؤكد أحمد حسين من مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا أن سكان المخيم كانوا لا يجدون سوى شربة توابل، وكانوا يعيشون على أعشاب وحشائش بعضها سامة تسببت في حالات وفاة.  

ويقول طارق حمود الذي عمل في المخيم (2005-2011) إن الحصار ولّد مشاكل اجتماعية وجنائية، ويروي قصة اللاجئة الفلسطينية التي لم تتحمل بسبب الضغط النفسي الواقع عليها صرخات طفلها الجائع، فانهالت عليه ضربا حتى فارق الحياة. ويقول إن هناك تفاصيل من المعاناة لم ينقلها الإعلام.

ووفق إحصاء لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، فقد قضى 184 من سكان المخيم نتيجة الحصار حتى نهاية عام 2015 من بينهم 21 طفلا. وبلغ عدد إجمالي ضحايا المخيم 1055 حتى أبريل/نيسان 2015، وذلك بين قصف وقنص وإعدام.  

ويعبر بعض من خرجوا من المخيم -مثل الشابة حنين ونالين- عن الذكريات في مخيم اليرموك وبأنه كان حضنا دافئا للفلسطينيين، وبأنه وطنهم الصغير، بينما يقول إبراهيم العلي إنه في غياب الحاضنة العربية بات للفلسطينيين خيارات محدودة منها الهجرة لأوروبا، وأصبح لدى المهاجر الفلسطيني قناعة بأن العودة لفلسطين تتحقق من أي بلد.  

وبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين بداية عام 2011 في مخيم اليرموك حوالي 145 ألف لاجئ.

عرفت الثورة في سوريا مآسي كثيرة، وكان لآلة الحرب ضحاياها من مدنيين دفعوا أرواحهم ثمنا لها، إلا أن ما شهده مخيم اليرموك من اشتباكات وحصار جزئي ثم كلٌي، يشكل وصمة عار على جبين الإنسانية. قضى أهالي المخيم من جراء الحرب والجوع ونقص المياه وقلة الرعاية الطبية، واكتفينا نحن والعالم الخارجي بالإدانة والاستنكار ليس إلا.

حاولنا من خلال هذا الفيلم، الذي شكل أولوية لدى فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر" في قناة الجزيرة الإخبارية، أن نروي قصة مخيم اليرموك من اللبنات الأولى للتأسيس، كما توقفنا عند أهم مراحل الحياة فيه وصولا إلى مرحلة الحصار، حيث نقلنا قصص أهالي المخيم الذين عاشوا الحصار بيومياته وتفاصيله. بقي منهم في المخيم من بقي وهاجر منهم من هاجر تاركا وراءه  جزءا مما يحمله من فلسطين في المخيم على أمل العودة يوما ما.

بدأنا رحلة التصوير من داخل المخيم حيث يعم الدمار والخراب كل ركن فيه، وانتقلنا إلى تركيا متتبعين أثر من هاجروا إليها، مثل الطالب محمد طه والمصور عمر عبد الله، ومنها عبرنا إلى أوروبا للقاء عائلة شنار التي هاجرت عبر البحر إلى السويد في مغامرة عايشوا معها الموت عن قرب وهم على قارب مهترئ تتلاطمه أمواج البحر الأبيض المتوسط، حيث يرقد المئات من اللاجئين الغرقى. 

وفي لبنان حيث هُجّر الفلسطيني من مخيم إلى مخيم آخر، نحكي قصة صلاح الشامي الذي شهد نكبة 1948، إذ هُجّر إلى لبنان أولا ثم إلى سوريا حيث عاش في اليرموك وتزوج وأنجب أولادا، قبل أن يضطر عام 2012 إلى العودة مجددا إلى مخيمات لبنان في نزوح أقرب إلى نكبة 1948.

حنين العلي ابنة الثانية عشرة، كانت من النازحين ولا تزال في انتظار لحظة العودة إلى مخيم اليرموك الذي تقول عنه: "اليرموك بلدي".

استغرق التصوير والإنتاج عاما كاملا، في ظروف صعبة وخطرة، واضطررنا للتوقف مع دخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى المخيم، قبل استئناف التصوير في ظروف أصعب بكثير.

ولا بد لي هنا أن أوجه تحية لشباب اليرموك على شجاعتهم وعطائهم ومنحهم الكثير من الجهد والعمل لإنتاج هذه الحلقة من برنامج "فلسطين تحت المجهر" بعنوان "مخيم اليرموك"، وكلهم أمل أن يوصلوا صوتهم وقصة معاناتهم إلى العالم. والتحية للأهالي الصابرين ولـ"أريج" الطفلة التي ما زالت تنتظر عودة أمها المعتقلة لدى جيش النظام السوري كي تهتم بها وبإخوتها الصغار الذين تركتهم عهدة لديها.

ختاما، هذا الفيلم صرخة من الأهالي المحاصرين الذين ما زالوا متشبثين بالحياة رغم كل مظاهر الحصار من جوع وذل ومواجهة للموت بشكل يومي، وما زالوا يبتدعون الطرق الكفيلة بمقاومته والبقاء على قيد الحياة.

المخرج: صلاح شعيب