خالد حمد وفؤاد جابر، الأول كان صحفيا يوثق بكاميرته جرائم الاحتلال في قطاع غزة خلال حرب 2014، والثاني كان مسعفا يسارع إلى مساعدة ضحايا تلك الحرب، وشاء القدر أن يستشهدا معا في قصف إسرائيلي على حي الشجاعية في 20/7/2014.

 مسعفون يعملون تحت القصف في غزة (الجزيرة)

حلقة (27/4/2016) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" ومن خلال قصة خالد وفؤاد سلطت الضوء على جرائم الاحتلال التي لا تستثني صحفيا ولا مسعفا ولا طفلا ولا شيخا، ونقلت صور وشهادات أهالي الشهيدين وأصدقائهما.

بحسب والدته بشرى حمد، فقد كان خالد يحب التصوير منذ طفولته، وعندما جلب له والده كاميرا من نوع "سوني" من الحج كان يصحبها معه حتى وهو ذاهب إلى المدرسة، وكان يلتقط بها أدق التفاصيل.  

وكما يقول والده رياض، فقد كان خالد يردد دائما إنه يريد أن يصبح مصورا، وعندما كبر حقق حلمه، وراح يلتقط ويوثق بكاميرته مختلف الأحداث التي عاشها قطاع غزة المحاصر، خاصة جرائم الاحتلال خلال حرب 2014.

أما المسعف فؤاد فاختار -كما تؤكد زوجته لينا جابر- أن يساعد الناس ويقف معهم، وبحسب والده زهير جابر فقد كانت حياته كلها إسعاف، وكان يصرّ على النزول إلى أرض المعركة من أجل مساعدة الضحايا.        

الكاميرا سلاح لتوثيق جرائم آلة الحرب الإسرائيلية (الجزيرة)

وكان الصحفي خالد استشهد بقصف صاروخي إسرائيلي عند الساعة السادسة من صباح يوم الأحد 20/7/2014 وسجلت كاميرته لحظة استشهاده، وبعده مباشرة استشهد المسعف فؤاد بقصف صاروخي إسرائيلي ثان، وثقته كاميرا الشهيد خالد.

واستشهد الاثنان في شارع البلتاجي بالشجاعية، عندما تعرضت سيارة الإسعاف التي كانت تقلهما رفقة الدكتور ضياء أبو الحسن لقصف إسرائيلي وهم يؤدون مهمتهم في إغاثة أبناء حي الشجاعية الذين عاشوا يومها تحت وقع اعتداءات إسرائيل.

وسجلت الكاميرا بالصوت والصورة حوارا للصحفي والمسعف والدكتور قبل أن يدوي انفجار صاروخ مباشر على مكان تواجد الثلاثة، سقطت الكاميرا على إثره من يدي خالد لتوثق دماءه التي سالت على إحدى يديه.

ومن الأحداث التي وثقتها كاميرا الشهيد خالد قبل استشهاده انتشال عائلة حية من تحت الأنقاض في حي الشجاعية عند الساعة الواحدة والنصف ليلا، ونزوح الناس من حي الشجاعية، ولحظة دخول الطواقم الطبية حي الشجاعية.

 من جنازة المسعف فؤاد الذي استشهد ومعه المصور الصحفي خالد (الجزيرة)

ولم يكن خالد وفؤاد وحدهما المستهدفين من قبل الاحتلال، فقد استشهد المصور الصحفي رامي ريان أيضا في حي الشجاعية في غزة في 30/7/2014، وأصيب بدوره المصور حامد الشوبكي.

سياسة ممنهجة 
ويؤكد مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي الصوراني أن الاحتلال الإسرائيلي في سياسة ممنهجة ومقصودة يستهدف على مدار سنوات عديدة الصحفيين ورجال الإسعاف وسيارات الإسعاف.

من جهته، يؤكد المسعف في الخدمات الطبية فارس عفانة أن حرب 2014 اختلفت كليا عن الحروب الإسرائيلية السابقة، حيث كانت قوات الاحتلال تتعامل مع سيارة الإسعاف كأنها ذبابة، فقد أطلقت قذائف مدفعية على سيارات الإسعاف مباشرة في حي الشجاعية مثلا في 30/7/2014، وهو ما تسبب في إصابة المسعف في الخدمات الطبية أكرم العاوور.

وبحسب الصوراني، فإن الملفات والتحقيقات لم تفتح في الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة، وقال إن الجانب الفلسطيني قام بتوثيق تلك الجرائم وخياره سيكون التوجه نحو العدالة الدولية لإنصاف الفلسطينيين.

خلال الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 لم يكن أحد يتوقع كم سيستمر العدوان وعن ماذا سيسفر، ومع مرور الوقت، تأكد أن العدوان مستمر أياما طويلة، فانتابني شعور المقصر، مثل الطبيب الذي لم يذهب إلى عمله مقصرا في إسعاف المرضى، أو المقاتل الذي يملك بندقية  لكنه تخاذل في الذهاب إلى جبهة القتال لأداء الواجب.

كان الزميل المصور خالد حمد يعمل ضمن بحث تخرج عن الاستهداف في الحروب، وكنت مهتما بتوثيق قصة المسعفين خلال العدوان الإسرائيلي، وعملت وإياه سويا لصناعة ما كنا نهدف أن يكون "فلما وثائقيا"، وتابعنا قصة مسعف بحد ذاته هو "فؤاد جابر".

كانت الحرب قد بدأت وطال أمدها وكنا نتابع ونرصد عن كثب تحديات عمل المسعفين في ظل القصف المتواصل وحالة الاستهداف التي كانوا ضحية لها ومعها حيثيات الحرب  ومآلاتها.

يوم الأحد الموافق لـ 20 يوليو/تموز عام 2014، وفي أوج الحرب المتواصلة، فقدت  الاتصال بزميلي خالد، الذي كان في مهمة تصوير مع المسعف فؤاد جابر في حي الشجاعية، الذي شهدت يومها مجزرة في حق السكان المدنيين. مرت ساعات أربع من انقطاع الاتصال دون أية أخبار عن خالد وفؤاد.

وقتها  جاءني المسعفون  وبيدهم "كاميرا خالد"، فهمت فورا مصير "صاحب الكاميرا"، استشهاد خالد حمد وفؤاد الجابر وهما يمارسان عملهما من أجلنا جميعا.

استشهد صاحب الكاميرا، لكن الأخيرة لم تتكسر، فحملت معها صورا توثق للحظات الأخيرة من حياة خالد ورفيقه المسعف فؤاد قبل استشهادهما. كان واضحاً لدي أن خالد وثق أحداث ذلك اليوم منذ لحظات  القصف الأولى الذي كان استهدف المسعفين وسيارات الإسعاف. وما هي إلا دقائق حتى وجهت لخالد وزملائه قذيفة مباشرة أنتجت  مشهداً قاسياً ومؤثراً لا يضاهيه أي مشهد تخيلي درامي يمكن أن يوكل لمخرج مهما بلغ من الإبداع إنجازه. 

 وهكذا تدخل القدر لتغيير مسار الفيلم الأولي الذي سعينا أنا وخالد لإنتاجه ليتحول إلى فيلم يجمع حياة الصحفيين والمسعفين بعضا ببعض بدل الاقتصار على وجه واحد لتحديات العمل أثناء الحروب.

وتحول "خالد" من مشارك في "صناعة" الفلم إلى "قصة الفلم" وصارت  المهمة الملقاة على عاتقي أن أصنع فيلم يوثق يوميات مصور صحفي ومسعف طبي جمعهما قدر الحرب الإسرائيلية على غزة، لنقل معاناة الناس والتخفيف منها فدفعا حياتهما ثمنا لذلك.

وقد قضيت أكثر من عام وأنا أعمل على هذا الفيلم، وأقابل عائلات الشهيدين، وأوثق قصتهما من البداية، ووقع الاستشهاد على عائلتهما اليوم، وأزور قبرهما، وأمشي على خطى القصة لحظة بلحظة.

وكان دعم فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر" في الدوحة من الاقتناع بالفكرة من اللحظة الأولى إلى مصاحبتي في كل خطوات العمل والمونتاج، وملاحظاتهم التفصيلية، مما جود هذا العمل كثيرا، وكل من عمل في هذا العمل يهدي هذا الفلم لروح الشهيدين خالد وفؤاد.