بدموع وحزن كبير تحدث أهالي أسرى فلسطينيين -من أمهات وآباء وزوجات وأبناء من قطاع غزة والضفة الغربية- عن معاناتهم الشديدة لفراق شخص من العائلة بسبب اعتقاله من طرف الاحتلال والزج به في السجن لسنوات طويلة.

روى هؤلاء الأهالي لحلقة (13/4/2016) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" لحظاتهم مع انتظار لا ينتهي من أجل رؤية عزيز عليهم، وهي لحظات جلبت لبعضهم أمراضا وهموما.

فائزة أبو القمبز -والدة الأسير ماجد أبو القمبز الذي اعتقل عام 2006- تكفلت بتربية أحفادها بعد انفصال ابنها الأسير عن زوجته، وتقول إنها مهما قدمت لهم من حنان فإنهم محرمون من حضن والديهم.

ونفس المعاناة تعيشها والدة ضياء ومحمد الآغا اللذين اعتقلا عامي 1999 و2003، وفي البداية اعتقل زوجها وهي أم لثلاثة أطفال وحامل، ثم جاء دور أبنائها، وتقول إنها بلغت من العمر 64 ولم تعد تستطع التحمل والصبر، ورغم أن محمد أفرج عنه فإن قلبها لا يزال معلقا بضياء.

أما زوجة الأسير رامي عنبر (اعتقل عام 2002) فبعد أن سمح لها بزيارته لأول مرة بعد اعتقاله بست سنوات، وعندما ذهبت لزيارته لم تتعرف عليه ولم يتعرف عليها، ولم يكن أمامها سوى البكاء في مثل هذه اللحظة الصعبة عليهما.

وما يزيد معاناة هذه العائلة هو أن ابنتهما ريم (12 عاما) لم تعرف والدها الأسير سوى من خلال الصور.

سعدية البسيوني وزوجها عبد الرؤوف المنيراوي هما والدا الأسير محمد البسيوني الذي اعتقل عام 2006 يعيشان الانتظار في عزلة عن العالم الخارجي منذ اعتقال محمد، وهو ما سبب لهما الأمراض. وتقول هذه الوالدة إن قلبها يتمزق عندما ترى شبابا في عمر ابنها.

ونفس الظروف والمعاناة يعيشها أهالي الأسرى الفلسطينيين، مثل إبراهيم وحلا الهمص، وهما ابنا علاء الهمص الذي اعتقل عام 2009، وفوزية المنيراوي والدة الأسير عصام المنيراوي الذي اعتقل عام 2006، وأيضا أم الأسير محمد الحشاش التي من شدة حزنها على ابنها أصابها شلل وسجنت في غرفتها أكثر من 15 عاما بعد أن كانت تزوره ما يقارب هذه المدة.

 فرحة الأم بخروج ولدها من الأسر (الجزيرة)

قصص ومعاناة
كما تعيش نفس المعاناة خديجة سلامة والدة الأسير حسن سلامة الذي اعتقل عام 1996، وخطيبته غفران زمل من الضفة الغربية والتي تكشف عن أنها عرفت خطيبها من الصور فقط، وكذلك الحال بالنسبة لأم الأسير يسري المصري الذي اعتقل عام 2003، وهو مصاب بمرض بالسرطان، حيث تتوجع هذه المرأة لحال ابنها وتدعو الله سبحانه وتعالى أن تحضنه ويموت بين يديها.

وكذلك قصة الأسير المحرر عمر الغول الذي وقع بالأسر وابنه في الثالثة من عمره، والتقى مع ابنه لأول مرة في السجن عندما أصبح في سن 18، ويصف بمرارة لحظة خروجه وبقاء ابنه مسجونا.

أما الأسير المحرر مصطفى المسلماني -الذي أبعد إلى قطاع غزة منذ عام 2011- فقصته لا تقل معاناة وألما، حيث إنه يعيش بعيدا عن عائلته ولم ير أبناءه يكبرون ويصبحون شبابا.

ويروي هذا الرجل قصته مع ابنته وسام التي اقتطعت بعض شعيراتها وأعطتها له عندما كان في المحكمة لكي يحتفظ بها ذكرى منها.

يقول مصطفى وهو يجهش بالبكاء إنه كره حياة البعد عن أبنائه وعائلته، ويريد الاجتماع بهم.

وهناك قصص أخرى مؤلمة يعيشها أهالي الأسرى الفلسطينيين الذين يقضون سنوات طويلة في سجون الاحتلال وسط ظروف صعبة جدا. 

الزمن المفقود، حياة دون إيقاع، وجع يؤسس لحالة من الضياع والفجاج تصيب الأسير وعائلته من لحظة الاعتقال حتى ما بعد الموت.

فالاحتلال الإسرائيلي بقوانينه القمعية -التي تنعدم فيها الإنسانية- ركز جوهر أهدافه على معاقبة الفلسطيني بالحرمان وتجميد الزمن، وقتل العلاقة بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، وإغراق الطرفين في غياهب العزلة.

فالأسير الفلسطيني لا يرى طفلا ولا يسمع صوت أنثى، يعيش بين أربعة جدران لا تصلها أشعة الشمس، وعائلته تعيش الانتظار والنقص.

كنا ونحن نرسم ملامح هذا العمل الوثائقي نغرق في بحر من الألم، نقرأ ملامح أناس عصرهم الحزن وخطف ما تبقى من أحلامهم وأغرقهم بالفراغ والانتظار، بحر من الوجع، موت مؤجل يحرك العاطفة والوجدان، وأبطال العمل أناس سرقت مساحات من أزمانهم ليحل محلها الفراغ والانتظار.

أطفالهم حرموا من قول كلمة "أبي"، نساؤهم يعشن خريفا أزليا، وغزت أمهاتهم الأمراض، فما بين جفاف الغربة وحنين الاشتياق عوائل تعيش الاحتضار، تغرق في غياهب الزمن المفقود.

هذا الواقع الفاجع المبكي صدمنا بشدة من اليوم الأول للقاء أهالي الأسرى الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والضفة الغربية المحتلة، فنحن أمام فلسطينيين يحملون جبلا من المعاناة والقهر والحرمان والجفاف، تغيب معاناتهم الفعلية من الخطابات الإعلامية المستهلكة، حيث كان التحدي أمامنا في أن نصنع فيلما عن شريحة حرقتها شاشات التلفزة وأصبحت الكاميرا بالنسبة لها مجرد تقليد يومي، ومع ذلك عليك أن تصنع فيلما بحرفية عالية وبأسلوب جديد يحكي قصتهم، ويوثق معاناتهم بواقعية.

كيف ستقنعهم بأن تلقائيتهم وبساطتهم تعبران عن قهرهم ومعاناتهم؟ وكيف ستقنع المشاهد العربي والعالمي بقضيتهم الإنسانية وبأنهم أناس يتألمون ويشعرون بالمرارة والحرمان؟ كيف ستكسر الجليد الذي سيطر على حياتهم؟ كيف ستجعلهم ينتصرون لمشاعرهم ويعبرون عنها بجرأة ويتحررون من القوالب التي فرضت عليهم؟ كيف ستقنعهم بأن هذا العمل سيستنهض مشاعرهم وسيغوص في أعماقهم لينقل دواخلهم للعالم بشفافية بعيدا عن الشعارات؟

وهنا كانت المعادلة، هل سيستجيبون لرؤيتك وهم نجوم يظهرون يوميا عبر الشاشات؟ وما هو الجديد الذي ستقدمه؟ كيف ستبتكر رؤية جديدة للعمل وأنت تعلم أن هناك حلقة مفقودة وهي أساس العمل، زيارتهم لذويهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض تصويرهم ومتابعتهم، فهو يرفض التصوير داخل السجون الإسرائيلية في زيارات الأهالي وفي أي وقت كان، كما أن الحصار المفروض على غزة والمنع المتكرر لأغلبية أفراد العمل للخروج إلى الضفة الغربية لمتابعة الشخصيات وضعانا أمام تحديات صعبة.

تحد
ولم يكن هذا التحدي الأول لي مع فريق العمل، مع فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر"، فقد أخرجت سابقا ضمن البرنامج حلقة "أقوى من الكلام" عن مجتمع الصم في قطاع غزة قبل وبعد العدوان الإسرائيلي عام 2014، وقد ترجمت الحلقة إلى أربع لغات وعرضت على الجزيرة الإخبارية والوثائقية والإنجليزية وشكلت جزءا من موقع "ريمكس فلسطين" التفاعلي.

وفي هذا العمل "الزمن المفقود" اخترنا مجموعة من النماذج ما بين أمهات وزوجات وأبناء وأسرى محررين تم إبعادهم إلى قطاع غزة، وبدأنا معا نقترب من بعضنا أكثر فأكثر إلى أن وصلنا لخلاصة مفادها أن الأسير وأسرته يعيشان حالة اغتراب وفجوات بين بعضهما بعضا.

فالأسرى يتوقف لديهم الزمن منذ لحظة الاعتقال، وكذلك يتوقف الزمن لدى أهالي الأسرى نتيجة الفراق والضغوط النفسية وتحملهم أوجاع ومسؤوليات الحياة التي فرضت عليهم واقعا خاصا جمد مشاعرهم وتحولت الشحنات العاطفية إلى مجرد انفعال لحظي، بعد ذلك أصابها جفاف وجمود قد لا ينهيه حتى خروج الأسير من السجن، ورغم فرحة الجميع فإن الفجوة التي يتركها هذا الفراغ في زمن العلاقة بين الطرفين تبقى كبيرة وقائمة لتحول حياة الطرفين إلى سجن كبير خارج الزمن والمكان.

اكتشفنا أن السجن لا يقضي فقط على ساكنه وإنما يحصر حياة أجيال متعاقبة من النساء والأطفال والشيوخ في مربع الانتظار، في حياة بطل جانب من مأساتها الأسير نفسه، لكن خلف الكواليس يتقاسمه البطولة حطام من تركهم وراءه.

أمهات وأطفال يعيشون النقص، يفيض حزنهم حتى يتحول لصمت مزمن، يذيب الأحاسيس ويقتلها، اجتهدنا خلال سنة كاملة في قراءة واقعهم، عايشنا تجربتهم، فرحنا وبكينا معهم، أرهقناهم رغم حرصنا على ألا نثقل عليهم، وأرهقتنا آلامهم وأحلامهم الصغيرة وأملهم في مجرد رؤية ولمس من يحبون فأتمنى أن يسامحونا، وأخيرا نشكر عائلات الأسرى الرائعين، ونتمنى أن يجسد هذا العمل صدق تجربتهم وينقل للعالم معاناتهم.

المخرج مصطفى النبيه