بشار معمر ناشط فلسطيني كرّس حياته للدفاع عن سكان قرية قريوت في الضفة الغربية المحتلة من الاعتداءات المستمرة لجنود الاحتلال والمستوطنين. والقرية التي يبلغ عدد سكانها قرابة ثلاثة آلاف، تمثل نموذجا للقرى الفلسطينية التي تتعرض لمخططات التهويد وفق سياسة إسرائيلية ممنهجة ترمي لإبعاد الفلسطيني عن أرضه.

بشار يقول لحلقة (30/3/2016) من برنامج "فلسطين تحت المجهر"، إنه لا يملك أراضي في قرية قريوت، لكنه يدافع عنها لأن "كل شبر من فلسطين هو أرضي". وهو يستعمل كاميرته لتوثيق اعتداءات الإسرائيليين، وكذلك حصانه الذي يطوف به يوميا على أرجاء القرية لحماية أهلها من اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال، ولإشعار هؤلاء أن الفلسطيني موجود على أرضه.

تعرض هذا الناشط الفلسطيني للضرب والاعتقال من طرف جنود الاحتلال، لكنه بقي وفيا لقضية شعبه، كما يشير إلى ذلك منذر قريوتي، وهو رسام القرية الذي كرّس هو الآخر ريشته للدفاع عن الأرض الفلسطينية، ويتمنى "أن يصبح كل الشعب الفلسطيني ملثّمًا وينزل إلى الشارع".

وعن مخططات الاحتلال، يؤكد الناشط أن الإسرائيليين يسعون لمحو تاريخ قريوت من خلال العمل على تحويل خربة سيلوان التاريخية إلى مركز سياحي كبير ومنطقة ترفيهية لاستقطاب السياح الأجانب والمستوطنين الإسرائيليين، وهو مشروع لا يملك أهالي القرية القوة الكافية لمواجهته.

وبحسب الناشط، فقد زعم اليهود أن خربة سيلوان هي عاصمة إسرائيل الثانية، وهي مزاعم غير صحيحة طبعا.

اجتثاث
محمد أبو نجم، وهو مزارع من قرية قريوت، تحدث بحسرة شديدة عن الحال التي وصلت إليها القرية، ويستذكر كيف كانت كل العائلة تشترك في العمل اليومي بالأرض، وكيف غيّر الاحتلال هذا الوضع، حيث لم يعد يملك الفلسطيني حتى حرية الذهاب إلى أرضه التي هي مصدر الرزق الوحيد للناس.

 عرس فلسطيني في مواجهة الاحتلال (الجزيرة)

أبو النجم يصف ما يحدث لهم بالنكبة وبالحرب النفسية المستمرة، حيث لا يأمن الفلسطيني على أرضه وبيته، ويقول إن الاحتلال لا يريد لا الشجر ولا الإنسان، وإنما اجتثاث الفلسطيني من أرضه لأنها حياته وعنوانه الرئيسي.

والواقع نفسه ترويه المزارعة صديقة حروش التي تقول إن اليهود استولوا على كل شيء يملكه الفلسطيني، وأيضا المزارع محمد ذكي من خربة صرة في قرية قريوت الذي يشدد على ضرورة صمود الفلسطيني على أرضه حتى لا يستولي عليها اليهود.

من جهتها، المزارعة نوال عامر تشتكي من ممارسات المستوطنين، لكنها رغم ذلك تؤكد عدم خوفها من الاحتلال، وتقول "لو خفت لاستولى اليهود على أرضي"، فرغم مضايقات المستوطنين المستمرة لها، فإنها تصر على الذهاب يوميا لأرضها والعناية بها.

يذكر أن إسرائيل احتلت قرية قريوت عام 1967، وبدأ الاستيطان الصهيوني يسيطر على أراضيها منذ عام 1978، وتقدر مساحة القرية بعشرين ألف دونم، 14 ألفا منها تقع ضمن المناطق "ج" طبقا لاتفاقية أوسلو، والتي يمنع الفلسطيني من العمل أو البناء أو التوسع فيها، وهي بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، أما المساحة التي يستطيع أهالي القرية البناء والتوسع فيها فتشكل 360 دونما فقط.

كما تمت مصادرة آلاف الدونمات من أراضي القرية منذ السبعينيات لصالح بناء وتوسع المستوطنات الإسرائيلية حولها بهدف خنقها.  

يشار إلى أن حلقة "فلسطين تحت المجهر" تزامن بثها مع ذكرى "يوم الأرض"، التي تعود جذور أحداثها إلى فبراير/شباط 1976 عندما اتخذت الحكومة الإسرائيلية -التي كان يرأسها إسحق رابين ويشغل منصب وزير الأمن فيها شمعون بيريز- قرارا بمصادرة 21 ألف دونم من أراض يملكها مواطنون عرب في الجليل لإقامة عدة مدن يهودية في المنطقة التي تضم أغلبية سكانية عربية.

بدأت فكرة حلقة برنامج "فلسطين تحت المجهر" وعنوانها "قريوت على خط التماس"، من أول تواصل لي مع أشخاص حقيقيين صار الاستيطان يشكل التهديد الأساسي لحياتهم ووجودهم وبقائهم، وصارت مقاومته شغلهم الشاغل وهمهم اليومي، بما يعنيه ذلك من معاناة واعتداءات تبدأ من عنف لفظي وجسدي لتصل أحياناً لسجنهم أو إصابتهم أو حتى استشهادهم دفاعا عن الأرض الفلسطينية التي تتقلص مساحتها يوما عن يوم.

الأفلام الفلسطينية التي تعاملت مع موضوع الاستيطان في فلسطين كثيرة. ولكن خصوصية فيلم "قريوت على خط التماس" تكمن في إبرازه الاستيطان بوصفه منهجا سياسيا يتبناه الاحتلال بهدف الحصول على الأرض باعتبارها عنوان الوجود العربي في فلسطين.

من أهم الدوافع التي قادتني للتعامل مع موضوع الاستيطان وفق ذلك المنظور، معرفتي بما يعنيه فقدان الأرض للإنسان الفلسطيني، وتأثير ذلك على حياته اليومية وثقافته المرتبطة بالأرض والمواسم والطقوس من ناحية، وما يعنيه فقدانه لمهنة الزراعة التي تشكل أساس دخله وقوته لإعالة أسرته من ناحية أخرى.

أما على الصعيد السياسي، فالاستيطان خطوة من خطوات يستعملها الاحتلال لإبعاد الإنسان الفلسطيني عن أرضه ومنعه من الوصول إليها تحقيقا للفكرة الصهيونية الجوهرية والقديمة التي تدعي بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

كان الفيلم بالنسبة لي أيضاً محاولة لترجمة وعرض الأساليب التي تستعملها دولة الاحتلال في السيطرة على الأرض، وإبراز العمل الممنهج والدؤوب من قبل المستوطنين وقياداتهم -منذ قيام دولة إسرائيل حتى يومنا هذا- باستعمال الوسائل كلها لإخراج الفلسطيني من أرضه والسيطرة عليها من خلال سنّ القوانين واستعمال الدين والأساطير والعنف المسلط على الفلسطينيين من مؤسسات الاحتلال وجنوده ومستوطنيه.

ويعد هذا العمل، وهو من إنتاج شبكة الجزيرة، من صلب اهتمامي المستمر بالتفاصيل الصغيرة لحياة الإنسان بشكل عام، والإنسان الفلسطيني بشكل خاص، طيلة مسيرتي السينمائية التي حاولت خلالها التطرق للأماكن المنكوبة والحريات المسلوبة ومناصرة الحق والعدل وتوظيف السينما لفضح الممارسات غير الإنسانية ضد البشر في فلسطين والعالم.

بوصفي إنسانا وبوصفي فلسطينيا ثم مخرجا، اعتبر الاستيطان أعنف الحروب والاعتداءات الموجهة ضد الأرض والشجر، وضد الحجر والبشر. تلك الحرب التي لم تعرف لحظة واحدة للهدنة منذ قيام دولة إسرائيل حتى اليوم.

 المخرج: رشيد مشهراوي