ضمن مساعيها المتكررة لتهويد المسجد الأقصى الشريف والسيطرة عليه طرحت إسرائيل منتصف عام 2012 مسودة قانون داخل أروقة الكنيست (البرلمان) لتقسيم المسجد مكانيا وزمانيا بين المسلمين واليهود، وهي الخطة التي يعتقد الفلسطينيون أن تطبيقها بدأ بالفعل مع الاقتحامات التي يقوم بها المستوطنون تحت رعاية الحكومة الإسرائيلية.

وبدأ الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ خطته في فترة ما بعد اتفاق أوسلو من خلال عزل كل القدس عن الضفة الغربية، وإقامته الجدار العازل والحواجز التي تمنع دخول المقدسيين وفلسطيني الداخل من الوصول إلى الأقصى الشريف.

وتقضي المسودة الإسرائيلية -التي أعيد طرحها في الكنيست الإسرائيلي عام 2013، لكن النواب العرب تصدوا لها بشدة- بتخصيص وقت محدد للمسلمين للصلاة في الأقصى، ووقت محدد أيضا لليهود ليقوموا بصلواتهم وطقوسهم، أي بنفس الطريقة التي فرضها الاحتلال في المسجد الإبراهيمي بالخليل، والتي انتهت بسيطرة اليهود على 60% من المكان، والمسلمين على 40%.

video


رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني الشيخ رائد صلاح يقول لحلقة (16/9/2015 ) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" إن الاحتلال كان يطمح لاقتحام المسجد الأقصى، ثم بعد عام 2000 بدأت أفكار مبرمجة ومساع لتحويل هذا الاقتحام إلى إطار التقسيم الزماني والمكاني، والهدف هو تهيئة الأجواء لبناء الهيكل اليهودي المزعوم مكان قبة الصخرة المشرفة.

ويضيف الشيخ أن المستوطنين هم أداة لتنفيذ الاقتحامات، لأن من يقرر هو رأس هرم الاحتلال الإسرائيلي، مشيرا إلى أن مهندس العمليات الأولى لاقتحام الأقصى -التي استمرت لشهور خلت- هو الحاخام يهودا غليك الذي يرأس خطة بناء الهيكل (المزعوم) مكان قبة الصخرة، والذي دأب على تنظيم زيارات للمستوطنين اليهود تحت حماية الجيش وعيون الشرطة الإسرائيلية.

وبحسب المحامي خالد زبارقة -وهو مدير مؤسسة القدس للتنمية- فإن التقسيم الزماني والمكاني هو مصطلح يهودي يؤكد أن للمسلمين واليهود نفس الحقوق في المكان، أي أن الاحتلال يحاول بالغصب أن ينسب له حقا غير موجود أصلا.  

لا حق لليهود
ويشدد كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية سابقا على أن اليهود ليس لهم الحق في المسجد الأقصى، لكنهم يحاولون أداء صلواتهم الدينية فيه، واستشهد بما جاء على لسان أحد وزراء حكومة بنيامين نتنياهو من أن هذه السنة ستكون سنة اليهود في المسجد الأقصى.

غير أن الحلم اليهودي يبقى بعيد المنال بحسب الباحث المختص في شؤون القدس والأقصى زياد الحسن الذي يقول إن الاحتلال يسعى إلى إيجاد موطئ قدم له في الأقصى، في حين يؤكد الخطيب أن مشروع التقسيم الزماني والمكاني للأقصى في انتظار ظرف قد يكون إقليميا أو محليا.

وتقول المرابطة في الأقصى خديجة خويص: إن المسجد الأقصى يحتضر وإن خطة التقسيم الزماني والمكاني مطبقة فعليا.

ولم تكتف إسرائيل باعتداءاتها على المسجد الأقصى، فقد طالبت في مذكرة بالكنيست عام 2014 بأن تنزع الوصاية الهاشمية عن القدس، لكن وزير الأوقاف الأردني الدكتور هايل داود شدد لحلقة "فلسطين تحت المجهر" على أن القانون الدولي يعطي الأردن هذا الحق، والاحتلال لا يمكنه تغيير الوضع القانون والإداري للأراضي المقدسة.  

يذكر أن ساحات المسجد الأقصى شهدت هذه الأيام اقتحامات واسعة من قبل عشرات عناصر الشرطة الإسرائيلية للمسجد استخدمت خلالها الرصاص المطاطي وقنابل الغاز والصوت.

أن يُعهد إليك بإنجاز عمل متعلق بالمسجد الأقصى كفيل لوحده باستنفار كافة الكوامن الذهنية لأي مخرج وأي فريق عمل لإدراكهم قيمة المقصد، فعلى الرغم من صراحة الصورة الناطقة في باحات المسجد بالواقع المعيش هناك تقع على الفيلم -من خلال الكلمة والمعالجة الموضوعية والسياق الفني- مهمة نقل المشاهد إلى حالة الوعي بحقيقة ما يحدث في الوقت الراهن مع تجنب الظهور بمظهر الحكاية المكررة.   

عديدة كانت الأفلام التي تناولت المسجد الأقصى المبارك من زوايا متنوعة، لذا كان لزاما البحث عن خصوصية لهذا الفيلم، وكان هذا النقاش مع فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر" في شبكة الجزيرة، فقررنا أن نخوض سريعا في هذه الحلقة في المراحل التاريخية التي مر منها المسجد الأقصى وصولا إلى مشروع التقسيم الزماني والمكاني للمسجد كقانون مقترح في الكنيست الإسرائيلي ما زالت مسودته قيد الدراسة في الأروقة السياسية الإسرائيلية العام الجاري، لكنه مطبق فعليا على الأرض بالتنفيذ الجماعي أو الفردي للمستوطنين المقتحمين للمسجد في أوقات محددة وبتعاون من الشرطة الإسرائيلية بإغلاق المسجد في وجوه المسلمين في ذات الوقت.

انطلقنا في بحثنا لمعرفة حقيقة الأمر وتفاصيله، وكان السؤال: هل هناك بالفعل تقسيم زماني ومكاني للمسجد الأقصى، أم هي مجرد إرهاصات لمشروع مستقبلي بعيد المنال حاليا؟ كانت نقطة البداية من الوقوف على مسودة مقترح مشروع التقسيم الزماني الذي تقدم به النائب الدكتور إرييه إلداد للكنيست الإسرائيلي، فقمنا بدراسته وتفصيل نقاطه ومواده قبل أن  نتوجه بكاميراتنا إلى باحات المسجد الأقصى المبارك، وعلى أبوابه نحاول رصد مظاهر تطبيقاته.

وكانت المفاجأة أن أغلبية مواد القانون طبقت باستثناء تلك المتعلقة بأيام الأعياد وباللباس الديني المفروض. استغرقت مراقبة آلية تطبيق القانون على الأرض عدة أشهر كنا نتابع ونسجل خلالها كافة التحركات الإسرائيلية باتجاه تطبيق التقسيم الزماني على المسجد الأقصى المبارك في مختلف المناسبات والأوقات، والنتيجة: اقتحامات إسرائيلية متكررة مقابل إغلاق المسجد أمام المسلمين في ذات الوقت على الرغم من عدم مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع القانون بعد.

علمنا حينها أن المعالجة الفنية للفيلم يجب أن تصوغ هذه الرسالة المهمة بسلاسة وبأقوى طريقة ممكنة بحيث يسهل على المشاهدين بمختلف مستويات وعيهم بقضية التقسيم الزماني أن يدركوا خطورة الوضع الراهن في المسجد الأقصى. عدنا بالمشاهد إلى جذور الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى بالنظر إلى دورها الفاعل في التمهيد للتقسيم الزماني.

ومن ثم انتقلنا إلى المهمة الثانية وهي ربط أثر التقسيم الزماني على التقسيم المكاني للمسجد الأقصى، فكلاهما منفذ للآخر إذ إن احتلال الزمان حتما يحجز مكان ذلك الزمان رهينا لمحتله، وكانت شهادات المرابطين والمرابطات المتصدين لمشروع التقسيم الزماني وتحليلات الخبراء من الجانب الفلسطيني كفيلة بإيضاح هذا المعنى وتبيانه.

واقع الأقصى
وحتى نصل بالمشاهد إلى الصورة الواقعية الأكمل التي تهدد مستقبل المسجد الأقصى في إطار التقسيم الزماني سلطنا الضوء على واقع المسجد الإبراهيمي في الخليل اليوم، وسقنا الدليل الحي على الشاشة بأن تقسيم المسجد الأقصى زمانيا ليس فكرة وليدة اللحظة في الذهنية السياسية والدينية الإسرائيلية، بل هو أمر واقع سبق أن جربوه في الخليل وطبقوه فبات الحرم الإبراهيمي بين أيديهم، والصورة المؤلمة التي تحدث بها واقع الحال في المسجد الإبراهيمي هي الشاهد الأقوى كلمة وأصدق تعبيرا في التحذير مما ينتظر المسجد الأقصى المبارك.

تصب قيمة هذه التجربة الوثائقية التي خرجت في النهاية بثا على شكل حلقة "فلسطين تحت المجهر" بشكل تسليط الضوء على مستقبل قريب للمسجد الأقصى يتهدده بانتهاك هو الأشد في تاريخه، والذي يمكن أن يقع في أي لحظة، حيث لا يزال الأمر مطروحا أمام الكنيست الإسرائيلي سياسيا على الرغم من أن تدابيره مطبقة فعليا، والهدف هو التأثير في قرار المسؤولين المؤتمنين على المسجد الأقصى وتوعية الشعوب في اتجاه تكوين رأي عام متنبه للمؤامرة وضاغط في اتجاه مواجهتها، لكن قبل فوات الأوان.

المخرج يحيى حسين