أطفال، شيوخ، نساء.. فلسطينيون استخدمهم الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه المتكررعلى قطاع غزة دروعا بشرية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية. ومع ذلك ظلت سلطات الاحتلال تزعم وتروج في إعلامها أن المقاومة الفلسطينية هي من تستخدم المدنيين الفلسطينيين لحماية جنودها ورجالها.

فقد استخدم جنود الاحتلال أحمد أبو ريدة -وهو طالب مدرسة يبلغ من العمر 17 عاما- درعا بشريا خلال عدوان غزة الذي بدأ في 8/7/2014، وأجبروه على السير أمامهم والتقدم في مناطق يشكون بوجود أنفاق فيها، وسط تهديد بإطلاق النار عليه في حال قام بأي حركة لا تروق لهم.

رمضان قديح استخدمه جيش الاحتلال درعا بشريا خلال عدوان غزة (الجزيرة)

رايقة أبو عويضة (75 عاما) لم يشفع لها سنها واستخدمت هي الأخرى درعا بشريا خلال الهجوم عل مدينة رفح صيف 2014، وهو نفس حال المعلمة نزيهة النجار والمزارع خليل النجار.

ويروي التاجر رمضان قديح لحلقة (8/7/2015) من برنامج "فلسطين تحت المجهر"، كيف أن جنود الاحتلال أطلقوا النار على الوالد بعد اقتحامهم المنزل، ثم أجبروه رفقة سبعة رجال آخرين على الوقوف أمام النوافذ وهم مقيدين وعيونهم مغمضة، لمدة سبع إلى تسع ساعات، حيث استخدموهم دروعا بشرية لحمايتهم من أي إطلاق نار يأتي من جهة المقاومة الفلسطينية.        

ويكشف مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في غزة، رامي عبده، أن أول حالة من جريمة استخدام الفلسطينيين دروعا بشرية كانت خلال فترة الهجوم على بلدة خزاعة، حيث أثبتت تقارير أن جنود الاحتلال استخدموا أسرة كاملة درعا بشريا بعد قتلهم شيخا مسنا.

ويقر نيف غوردون، وهو أكاديمي إسرائيلي وباحث متخصص في حقوق الإنسان، بأن إسرائيل قامت بتحويل جميع المدنيين الفلسطينيين إلى دروع بشرية، ويدلل على كلامه بكون 70% من ضحايا العدوان على غزة من المدنيين.

ويشير الأكاديمي الإسرائيلي إلى أن إسرائيل تملك أسلحة دقيقة، لكن عملياتها لا تميز بين المدنيين والعسكريين، ويكشف أن تقارير وصلته عن العدوانين السابقين على غزة تفيد بأن جنود إسرائيل قاموا باعتقال فلسطينيين واستخدموهم دروعا بشرية لحمايتهم أثناء الدخول إلى منازل ومناطق يشكون بوجود مقاومين فلسطينيين فيها.

ترويج إسرائيلي
ويؤكد غوردون أن الجيش الإسرائيلي أطلق حملة إعلامية منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الجدل عن مسؤولية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن قتل المدنيين الفلسطينيين، وقدم المقاومة الفلسطينية على أنها منظمة وحشية وهمجية تستخدم أطفالها ونساءها وشيوخها لحماية نفسها.

المخرج أشرف المشهراوي أثناء تصوير حلقة "الدروع البشرية" (الجزيرة)

يذكر أن حلقة "فلسطين تحت المجهر" أشارت إلى أن إسرائيل استخدمت سابقا آلاف الفلسطينيين دروعا بشرية، خصوصا خلال الانتفاضة الثانية، في الأعوام 2000 إلى 2005، وحتى استخدامها بالتوثيق عام 2013 الأسير الفلسطيني محمد ربيع في أبو ديس بالضفة الغربية، وهي الصور التي أثبتت استمرار استخدام إسرائيل الفلسطينيين دروعا بشرية.

وبحسب غوردون، فإن أول حالة لاستخدام الفلسطينيين دروعا بشرية كانت من قبل الجيش البريطاني، وذلك خلال فترة الانتداب البريطاني، ثم خفت الحديث عن جريمة الدروع البشرية حتى فترة الانتفاضة الثانية.  

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في 10/11/2005 عن مسؤولي الدفاع، أن الجيش الإسرائيلي استخدم الدروع البشرية 1200 مرة خلال السنوات الخمس الماضية.

وبحسب الصحيفة ذاتها، استشهد شاب فلسطيني (18 عاما) في هذه الاستخدامات عام 2002.

بدأت البحث ربيع عام 2014 عن حلقة لبرنامج "فلسطين تحت المجهر" حول الأنفاق والحصار، وكان الترتيب أن أبدأ التصوير منتصف يوليو/تموز عام 2014، لكن العدوان الإسرائيلي على غزة بدأ في 8/7/2014.

في نفس اليوم تواصل معي فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر" من الدوحة للاطمئنان علي وعلى الفريق، وكان النقاش واضحا، وقف كل شيء لإنتاج حلقة "أنفاق وحصار" والبدء في التفكير في تطوير الحلقة باتجاه تغطية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ونتائجه.

فبدأت التفكير في هذا الاتجاه، وخلال العدوان، لفت نظري أحد عناوين الصحف الإسرائيلية، الذي كان مضمونه "أن المسلحين الفلسطينيين يختبئون خلف المدنيين في غزة"، ثم تكرار هذا العنوان في الصحف الإسرائيلية في الأيام اللاحقة دون وجود صور أو دلائل من أرض الواقع، وبدأ الخطاب وكأنه يهدف إلى تعزيز وتكريس صورة معينة للرأي العام محورها أن كل المدنيين الفلسطينيين هم دروع بشرية للمقاومة للفلسطينية.

لم أستطع أن أفهم هذه العناوين، فأنا فلسطيني ولدت ونشأت في قطاع غزة، ومخرج مع فريقي، نحن على الأرض شهود عيان تغطي عدسات كاميراتنا قصفا هائلا جل ضحاياه من المدنيين العزل.

فخلال العدوان على غزة اعتدنا على تصوير وتوثيق ما يحدث بدقة وبحذر، وأن يصبح عملنا مكثفا أكثر فور حصول هدنة، حيث كنا نسارع إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها في وقت القصف المشدد لنصلها ونوثق ما حدث بها، حتى كانت الهدنة التي أعقبت اجتياح قرية خزاعة، حيث سارعنا بالذهاب إلى هناك لتوثيق ما حدث فكانت المفاجأة: أفراد من عائلة النجار وقديح وأبو ريدة، تم استخدامهم من قبل الجنود الإسرائيليين دروعا بشرية.

ولم يكن الأمر يقتصر على حالة أو اثنتين بل حالات عديدة استخدم فيها الجيش الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية لحماية جنوده خلال عملياته.

وهنا نبهنا شبكة الجزيرة إلى إمكانية أن تتطور الحلقة من داخل قطاع غزة باتجاه موضوع "الدروع البشرية" فكان الرد التحريري قاطعا وسريعا "توكلوا على الله"، فالموضوع لا يحتمل التأخير، وبدأنا العمل خلال العدوان وبعيده مباشرة.

بحثنا أكثر، لنجد المزيد من القصص المؤلمة، منها: مسنة فلسطينية تبلغ من العمر 75 عاما، تم استخدامها درعا بشريا ولم يشفع لها وهن جسدها وتقدم عمرها.

بدأنا بتجميع الشهادات، ومراجعة المنشورات الإسرائيلية، فوجدنا أنفسنا أمام كم هائل ومنظم من الدعاية الإسرائيلية في تقديم وتكريس مفهوم أن كل الفلسطينيين المدنيين في غزة هم رهائن وظيفتهم حماية المسلحين كما صورتها آلة الدعاية الإسرائيلية، بينما الأمر على أرض الواقع كان على النقيض تماما، فما وثقناه هو استخدام الجنود الإسرائيليين للمدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية.

بل تعدى الأمر ذلك، فاتخذت إسرائيل بجنودها كل التجمعات السكنية الفلسطينية دروعا بشرية تحمي سياستها العدوانية على الأرض وأمام الرأي العام.

كان نتاج أشهر من العمل المكثف على هذا الوثائقي هو أن تمكنا من جمع شهادات لنماذج متعددة ممن استخدمهم الجيش الإسرائيلي دروعاً بشرية، وتحليل هذه النماذج وفقاً للقانون الدولي، من خلال محللين من الصف الأول في هذه القضية فلسطينيين وإسرائيليين، لنخرج بما يثبت تهمة استخدام المدنيين دروعاً بشرية من قبل الجيش الإسرائيلي، وهذه جريمة حرب، بينما تتهم إسرائيل المقاومة الفلسطينية باستخدام المدنيين في غزة دروعاً بشرية.

هذه مساهمتنا كصناع للفلم الوثائقي بما يشكل وثيقة عبر شهود عيان تدين الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جريمة حرب، ونأمل أن تستخدمها المؤسسات الدولية للتحقيق والتعريف بما يرتكب من ظلم على أرض فلسطين.