بين تخطيط إسرائيلي وواقع جغرافي عمقته السياسة، يتكرس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتتمزق أوصال الوطن الواحد.

تعمل السلطات الإسرائيلية جاهدة على تكريس الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتمزيق أوصال الوطن الواحد، وهو الواقع الذي تعكسه حالة المواطن الفلسطيني محمد الحجران الذي يعيش مأساة القضية بكل تفاصيلها.

فمحمد يحمل هوية الضفة الغربية، بينما زوجته كوكب وأولاده يحملون هوية قطاع غزة، وتمنع سلطات الاحتلال عائلته من الانضمام إليه في الضفة، لتنقسم أسرة هذا المواطن وتتشتت داخل الوطن الواحد.

يقول محمد إن الاحتلال لا يكفيه الحصار والظلم الذي يمارسه على الإنسان الفلسطيني، فيقوم بتفريق الأسر والمدن الفلسطينية عن بعضها، حتى إنه هو شخصا اضطر من أجل الذهاب إلى غزة من الضفة إلى المرور بالأردن ومصر.

فرق تسد
وبحسب الأكاديمي والمحلل السياسي نشأت الأطقش، فإن الاحتلال يعتمد سياسة تقضي بخلق أجواء مختلفة وثقافة مختلفة بين الضفة والقطاع، في إطار مخطط لإقامة هويتين مختلفتين في المنطقتين.

ويضيف لحلقة 10/6/2015 من برنامج "فلسطين تحت المجهر" أن هدف الاحتلال خلق مدن مفصولة جغرافيا وثقافيا، وكانتونات معزولة حتى تتخلص من الكتل السكانية الفلسطينية".

من جهتها، تقول الصحفية الإسرائيلية والباحثة في الشؤون الفلسطينية عميرة هاس إنه في الوقت الذي كان العالم يريد حل الدولتين، كانت إسرائيل تعمل على تكريس الانفصال بين الضفة والقطاع، حيث عملت على فصل غزة بالكامل. وأشارت إلى تصريحات سابقة لمسؤولين إسرائيليين بشأن رغبتهم في رمي غزة في البحر، لكن القيادة الفلسطينية -حسب رأيها- لم تنتبه إلى ما كانت تقوم به إسرائيل في هذا الصدد.

العدوان يوحدهم
وتحدث الأطقش عن لجوء سلطات الاحتلال إلى إقامة الحواجز لإعاقة التواصل بين الضفة والقطاع، مشيرا إلى أنها اعتمدت الفصل بين الفلسطينيين حتى داخل السجون.

وبرأي المتحدث، فإن الانقسام الذي وقع داخل الصف الفلسطيني عام 2007 عمق تقطيع الأوصال بين الفلسطينيين داخل الوطن الواحد، رغم تأكيده أن الانقسام الجغرافي والفجوة الثقافية كانت موجودة حتى قبل هذا التاريخ.

تجدر الإشارة إلى أن حكومة الوحدة التي شكلت عام 2014 عانت هي الأخرى من مأساة الفصل بين القطاع والضفة، وهو ما أشار إليه وزير الأشغال العامة والإسكان في حكومة الوفاق الفلسطينية مفيد الحساينة الذي استبعد قيام دولة فلسطينية في ظل الأوضاع الراهنة.

ولكن رغم محاولات إسرائيل للفصل بين الفلسطينيين من أبناء الوطن الواحد جغرافيا وثقافيا واجتماعيا، فإن عدوانها المتكرر على غزة خلال السنوات الأخيرة أظهر مدى الترابط بين سكان الضفة والقطاع ووحد بينهم.

قصتي مع حلقة " مقطع الأوصال" شخصية جدا وخاصة جدا. بعد رحلة طويلة وشاقة ومتواصلة من قطاع غزة مروراً بمعبر رفح إلى مطار القاهرة، ومنها الى دبي، رحلة استغرقت أكثر من 50 ساعة متواصلة، وبمجرد وصولي إلى دبي لم أهتم بأخذ قسط من الراحة بقدر اهتمامي بتجهيز نفسي والتوجه فورا إلى عشاء عمل يضم بعض العاملين في حقل الإنتاج الإعلامي، كنت حريصا جدا على حضور هذا اللقاء لهدف مختلف تماما عن الآخرين. فلأول مرة سألتقي زميلا أعمل معه بشكل يومي منذ عشر سنوات!

بمجرد وصولي عانقني صديقي طارق بقوة، وقال: أخيراً التقينا، كنت أظنك أقصر قامة مما أنت عليه، ثم التفت إلى الحضور الذي جمع جنسيات متعددة وخاطبهم بالإنجليزية، أشرف من قطاع غزة وأنا من الضفة الغربية ونعمل معا منذ أكثر من عشر سنوات وهذه المرة الأولى التي نلتقي بها وجها لوجه!

لا شك أن كلماته أعقبها سيل من النقاش والاستغراب؛ كيف لا يستطيع اثنان من نفس البلد أن يزورا بعضهما البعض أو يلتقيا ولو لمرة واحدة! بل زاد استغرابهم أن طارق الذي يسكن رام الله لم يستطع زيارة غزة فحسب، بل لم يستطع كذلك زيارة أهل زوجته في مدينة القدس التي تبعد عنه أقل من ربع ساعة بسبب حرمان الاحتلال له من الحصول على تصريح تنقل!.

بعد ثلاثة أيام ودعت طارق بحرارة في المطار ليعود هو إلى عمان ومنها إلى الضفة الغربية في فلسطين، وأعود أنا إلى القاهرة ومنها الى قطاع غزة في فلسطين، وكلنا أمل أن نستطيع مرة أخرى اللقاء في أحد مدن هذا العالم خارج فلسطين، لأنه من المستحيل أن نرى بعضنا داخل الوطن الممزق.

لا أتذكر مرة سافرت بها دون أن أخوض هذا الشرح الطويل، كيف أن من يسكن غزة لا يستطيع الوصول إلى الضفة الغربية رغم أن كلا المنطقتين جزء من فلسطين التاريخية، وكيف أن الطريقة الوحيدة لأن نرى بعضنا البعض هو اللقاء خارج فلسطين.

قررت أن أصنع فيلما يحكي هذه المأساة، وأن يصبح أداتي في الشرح عن هذا الموضوع الذي يثير الاستغراب، فمن اليوم، بعد "فلسطين تحت المجهر" - مقطع الأوصال- كل من سيأسلني سأطلب منه مشاهدة الفيلم، فربما وفر هذا علي بعض عناء تكرار القصة، ويساعد "من هم مثلي" من ضحايا الوطن المقطع في شرح مأساتهم عن طريق هذا الفيلم.

لا شك أن ضحايا الوطن المقطع أوصاله مئات الآلاف، والفكرة لأي صانع أفلام هي مغرية لأن قصصها كثيرة، لكن الصدمة أنه لا أحد يرغب في التصوير خوفاً من بطش المحتل وملاحقته أو منعه من السفر، ليس هذا فحسب؛ بل زاد من الطين بلة أني أنهيت مبكرا تصويري في غزة، و كما هو متوقع، لم توافق سلطات الاحتلال على منحنا تصاريح للانتقال إلى الضفة الغربية التي تبعد أقل من ساعة بالسيارة من مكان سكني في غزة، فاستعنت بزملاء لي لإنجاز تصوير الضفة، وبقي العائق كيف يرسلون المواد المصورة من الضفة الى غزة، و استغرق الأمر أكثر من ثلاثة أشهر لترتيب ذلك! فأصبح الفيلم أيضا ضحية من ضحايا تقطيع أوصال الوطن.

ربما قصتي مع صديقي طارق من الضفة الغربية قصة بسيطة أمام تلك القصص الصعبة نتيجة واقع الفصل بين المنطقتين، فهناك أسر ممزقة، وأمهات لم تستطع رؤية أبنائها لسنوات طوال، وطلاب فقدوا حقهم في الدراسة في جامعات وطنهم، والكثير من القصص التي تفجع القلوب، فسياسة الفصل التي وثقناها خلال هذا الفيلم، سياسة إسرائيلية مدروسة جيداً منذ اللحظات الأولى للتفكير في إنشاء دولة إسرائيل، وهو ما يغيب عن كثيرين.

 فمن خلال الفيلم ستشاهد كيف تلاعبت إسرائيل حتى في خريطة التقسيم التي صدرت عن الأمم المتحدة لتصنع خريطة جديدة مختلفة تماما عن تلك التي صدرت، لتصنع منطقتين مختلفتين وتفصلهما، فلا يكون هناك أمل في قيام كيان فلسطيني واحد، وعندما احتلت المنطقتين بعد 19 عام من إنشاء إسرائيل (في احتلال عام 1967)، قاموا بمزيد من الاجراءات التي صنعت من غزة والضفة كيانين مختلفين سياسيا واجتماعياً و ثقافياً و تعليميا، حتى السجون لم تسلم من ذلك، فجعلت أسرى غزة مفصولين عن أسرى الضفة الغربية، مما فاقم مآسي الفصل وعُقده.

بعد ذلك نشاهد كيف كرست إسرائيل فصلها لقطاع غزة وجعله سجنا كبيرا محاصرا ومفصولا، ونجحت إلى حد كبير، وبدأت الآن في تطبيق نفس النموذج في الضفة الغربية، فعمدت إلى تقسيم الضفة الغربية إلى " كنتونات" ومناطق منفصلة لتصنع من كل منطقة نموذج يحاكي واقع غزة لكن مع وقف التنفيذ، ولتصبح الخارطة وطنا ممزقا لا يستطيع أبناؤه التنقل داخله من جزء الى آخر.

يكشف الفيلم صورة واقع أليم ومستقبل قاسي إذا ما استمر المشروع الصهيوني الممنهج في سياسته العنصرية تجاه هذه المنطقة.

المخرج الفلسطيني أشرف مشهراوي