حققت القضية الفلسطينية تعاطفا متناميا في الدول الغربية خاصة بريطانيا، وذلك بسبب جهود وحملات يقوم بها مناصرون يؤمنون بأن الفلسطيني القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي يحرم من إنسانيته ومن حقوقه في الحرية والعيش في سلم وأمن.

وبدأت قصة التعاطف مع الفلسطينيين بتشييد كنيسة "ساينت جيمس" في قلب العاصمة البريطانية لندن مجسما يحاكي جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، حيث أرادت الكنيسة عبر هذه الخطوة أن تعبر عن رفضها هذا الجدار، وأيضا تحريض المجتمع البريطاني على التحرك ضده، لتتوالى التحركات المناوئة للاحتلال الإسرائيلي من خلال احتجاجات وحملات مقاطعة للسلع الإسرائيلية.
حملات وتحركات مناوئة لإسرائيل ببريطانيا (الجزيرة)

غير أن هذه التحركات أثارت استنفار المجموعات الداعمة لإسرائيل لتحدث مواجهات بينها وبين أنصار فلسطين في العديد من الميادين تفاوتت فيها القدرات وتعددت الوسائل، وهو ما سلطت عليه الضوء حلقة (6/5/2015) من برنامج "فلسطين تحت المجهر".

ورغم تحرك جماعات الضغط الإسرائيلية ضد جدار الفصل العنصري في لندن فإن أنصار القضية الفلسطينية استمروا في تحركاتهم بحسب ما يؤكد من تحدثوا للحلقة، ومنهم الباحث والأكاديمي الفلسطيني عزام التميمي الذي قال إن الهدف هو الوصول إلى كافة شرائح المجتمع في بريطانيا.

وكللت التحركات بإنشاء حملة التضامن من أجل فلسطين عام 1982 التي هدفت إلى دعم الفلسطينيين والضغط على الحكومة البريطانية لتبني موقفها في هذا الاتجاه مثلما قالت مديرة حملة التضامن من أجل فلسطين بلندن سارة كولبورن.

وقامت حملة التضامن بالاحتجاجات المؤيدة للقضية الفلسطينية، وبالضغط على الشركات البريطانية التي تستثمر في المستوطنات الإسرائيلية، حيث نظمت بمدينة برايتون (جنوب شرق إنجلترا) على سبيل المثال حملة مقاطعة لإسرائيل، وحصلت مواجهات في 2012 بين أنصار فلسطين وأنصار إسرائيل بعد أن قام أحد المتاجر ببيع سلع المستوطنات.

وبحسب بن آدمز -وهو عضو حملة التضامن من أجل فلسطين- فقد أدت الاحتجاجات في برايتون إلى غلق ذلك المتجر بعد أن تراكمت عليه الديون.

مقاطعة
وكانت وزيرة  الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني قد تعرضت للمطاردة في بريطانيا عام 2008 من طرف أنصار القضية الفلسطينية، لكن اللوبي الإسرائيلي نجح في الخروج من المأزق، ومُنحت ليفني حصانة دبلوماسية.   

الشيخ رائد صلاح انتصر للقضية الفلسطينية بلندن (الجزيرة)

ولم تقتصر مقاطعة إسرائيل على الجانبين الاقتصادي والسياسي، بل امتدت إلى الجانب الأكاديمي من خلال مقاطعة الجامعات والمؤسسات الإسرائيلية، وهو ما فعله عالم الكونيات البريطاني ستيفن هوكينغ الذي انسحب عام 2013 من مؤتمر إسرائيلي، وقالت جامعة كمبردج وقتها إنه فعل ذلك في إطار مقاطعة من قبل بعض الأكاديميين البريطانيين احتجاجا على احتلال إسرائيل الضفة الغربية.

وحققت القضية الفلسطينية في بريطانيا انتصارا إضافيا بعد أن كسب رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني الشيخ رائد صلاح  معركته القضائية مع وزارة الداخلية البريطانية عام 2011 التي اتهمته بأنه يدعو للكراهية، وبمعاداة السامية.

ونوهت الحلقة بموقف عضوة مجلس اللوردات البريطاني جيني تونغ التي دعت عام 2014 إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها "بشكل غير مشروع" منذ عام 1967، وهو الموقف الذي تعرضت بعده لضغوط من اللوبي الإسرائيلي.  

يذكر أيضا أن عدة دول اعترفت عام 2014 بدولة فلسطين بينها فرنسا والسويد وإسبانيا، وفي بريطانيا بلغ عدد المؤيدين 274 وعدد المعارضين 12.

في هذه الحلقة "الحرب الخلفية" من برنامج "فلسطين تحت المجهر" مجموعات من الفلسطينيين والغربيين التقوا على الدفاع عن حق الفلسطينيين في وطن غير منقوص السيادة مقابل مجموعات أخرى تبرر لإسرائيل ما تقوم به من اعتداءات متكررة بحق الفلسطينيين وأرضهم.

حرب تديرها لوبيات موالية لإسرائيل من أجل إسكات صوت الفلسطينيين وأنصارهم في الشتات ومحاصرة تحركاتهم، بينما يصر أنصار فلسطين على استثمار كل مناسبة في كشف الممارسات الإسرائيلية والتحريض ضدها.

رصدت مع فريقي بعض جوانب هذه الحرب، وحاولنا تجسيدها في عمل وثائقي، وهكذا وعلى مدى نحو عامين تحلت خلالها كاميرا الفيلم بالصبر تم رصد مواجهات كان القضاء حلبتها، كما في قضية الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني الذي أصدرت الحكومة البريطانية قرارا بترحيله من بريطانيا بعد تحريك مؤسسة يهودية شكوى ضده.

ومواجهة أخرى دارت أقصى جنوب المملكة المتحدة على أبواب متجر "إيكو ستريم" الإسرائيلي وانتهت بإغلاقه، واشتباك آخر في أقصى شمال بريطانيا نشب على هامش حفل لأهم مؤسسات جمع التبرعات لصالح إسرائيل، وأخيرا وليس آخرا مواجهة متجددة في الجامعات البريطانية لمنع بعض أنصار فلسطين من الحديث في محاضرات وندوات.

ورغم أنني فلسطيني ومؤمن بعدالة قضيتي وحق شعبي في العيش بدولة فلسطينية غير منقوصة السيادة فإنني وأسرة الفيلم حاولنا على مدى أشهر طويلة إشراك أنصار إسرائيل في الفيلم على اعتبار أنه يرصد مواجهة بين طرفين، وفي محاولة لتقريب صورة هذه الحرب الساخنة للمشاهد طرقنا أبواب ست مؤسسات تمثلها وتدعمها إلا أنه لم تستجب منها إلا واحدة فقط.

اللافت بالنسبة لي في هذه المواجهة هو ما يملكه كلا الطرفين من إيمان كبير بقضيته واستبساله في إقناع المجتمع البريطاني بعدالتها من جهة، ومحاولة تسديد ضربة للخصم من حيث لا يحتسب، إضافة لاعتماد الجانبين على التواصل المباشر مع الجمهور وتقديم روايته له والنزول إلى الشارع والميدان للتأثير على الرأي العام، والاستفادة من كل الأدوات القانونية لكسب جولة النزال مع الطرف المقابل.

ولعل ما انتهى إليه المشهد في بريطانيا مع عام ٢٠١٥ وما رصدته في هذا الفيلم هو تفوق أنصار فلسطين على خصومهم في كسب الجمهور البريطاني، وتزايد أعداد المؤمنين بالقضية الفلسطينية بين النخب المثقفة، ولا أدل على ذلك -باعتقادي- من حجم المظاهرات اللافت وغير المسبوق إبان العدوان الإسرائيلي على غزة عام ٢٠١٤ والتي خرجت مساندة للفلسطينيين مقابل مظاهرات محدودة نسبيا نظمها أنصار إسرائيل.

في المقابل، فقد كان واضحا لي سيطرة كبيرة لأنصار إسرائيل في دوائر صنع القرار البريطاني خصوصا والأوروبي عموما، وإن كان تصويت البرلمانات البريطانية مؤخرا على الاعتراف بدولة فلسطينية يعد انتصارا جديدا يحققه أنصار فلسطين في الأوساط البرلمانية.

حاولت في هذا العمل أن أقرب للمشاهد العربي بعض ما يحصل في بريطانيا خصوصا، والغرب عموما، وإننا إن كنا نخسر أرضا مع ابتلاع إسرائيل مزيدا من الأراضي الفلسطينية فنحن نكسب في الغرب تعاطفا وفهما وعملا أعمق بكثير خلال العقد الأخير، ولذا يبقى الأمل معقودا على استمرار العمل الجاد على جميع المستويات وفي جميع الساحات.

 المخرج محمد الصعيدي