فيروز عرفة وخديجة زريقي ولطيفة يونس ورينا ريجيف ومادلين فعنونو خمس نساء يجمعهن أمر واحد وهو أنهن ولدن في العام 1948، عام النكبة الفلسطينية، لكن حياتهن وأحلامهن تختلف، خاصة بالنسبة للإسرائيليتين اللتين تتنعمان بنعيم الفلسطينيات.

ولدت فيروز يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 1948، لجأت عائلتها بعد النكبة من يافا إلى قطاع غزة، وتميزت طفولتها بالصعاب والمعاناة، حيث الفقر والجوع والحرمان من كل شيء.

لطيفة يوسف فلسطينية تتذكر بمرارة يوم مولدها (الجزيرة)

في المقابل، تميزت طفولة رينا الإسرائيلية التي ولدت يوم 15 مايو/أيار 1948 بالسعادة والفرح، فقد أهداها والدها الذي كان ضابطا بالجيش الروسي دمية، وأهدتها "دولتها الوليدة" التعليم المجاني هي وأطفال جيلها.

لم تهنأ فيروز لا بطفولتها ولا شبابها، فالاحتلال الإسرائيلي جعلها تلتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1968، ودخلت بسبب عملها النضالي سجون الاحتلال التي وصفتها بالرهيبة جدا.

وهو نفس مصير لطيفة التي لجأت عائلتها بعد النكبة من أسدود إلى خان يونس، فقد غادرت رام الله بعد أن أصبحت ملاحقة أمنيا وانتقلت هي وأولادها للعيش مصر.

تقول لطيفة إنها تشعر بالمرارة والأسى، وهي المشاعر التي تطغى عليها يوم عيد ميلادها "كلما يكبر عمرك يكبر معه الاحتلال، وتزيد المأساة". وتخشى من المجهول "الاحتلال مواكب لعمري.. هل سأستمر هنا أم أذهب لبلد آخر..".

هذه السيدة ترفض الاحتفال بعيد ميلادها لأنه يذكرها بيوم النكبة، لكنها ترضخ تحت إصرار أولادها للاحتفال. 

خديجة زريقي فلسطينية عاشت الحرمان منذ طفولتها (الجزيرة)

خديجة أيضا التي لجأت عائلتها بعد النكبة من مسكة إلى نابلس، كانت هي وأسرتها ضحية النكبة والاحتلال، فقد لازمتها المعاناة منذ أن هُجِّرت، ورغم كبرها لا تزال مجروحة على أرضها وقريتها التي ضاعت، وتقول: بلدنا هو الذهب، والوطن لا يقدر بأي ثمن.. المال يرجع أما الأرض فلا ترجع.

تلك السيدة كذلك لا تحبذ ذكرى مولدها "لأنني جئت إلى الدنيا يوم النكبة".

مرارة
وبينما تشعر فيروز ولطيفة وخديجة بمرارة البعد عن البلدات والقرى التي ولدن فيها تعيش رينا (وهي من أصول أوكرانية) ومادلين حياة طبيعية وسعيدة مع عائلتيهما ومحيطهما، وتقول الأخيرة إنها لا تستطيع أن تبتعد عن المكان الذي ترعرعت فيه، القدس وهوائها.

ولا تعرف مادلين حق العودة -كما تقول- وتدعو في المقابل لطيفة إلى القبول بالأمر الواقع، وهو نفس كلام رينا التي تؤمن بأن وجود الفلسطينيين في المخيمات ليس بسبب إسرائيل، ولكنها تتساءل "لا أعرف لماذا لا يعيش الشعب الفلسطيني في مبان أكثر إنسانية؟".

رينا ريجيف إسرائيلية عاشت طفولة سعيدة (الجزيرة)

لكن فيروز ترد على السيدتين الإسرائيليتين "هل تقف الإسرائيلية مع نفسها أمام المرآة وتتساءل عن جذورها ومن أين جاءت؟".

وتضيف لطيفة "المرأة الإسرائيلية جاءت لبلدي وأخذت مكاني، وهي تعيش اليوم حياة سوية، أما أنا فاقتلعت من أرضي غصبا عني، وحياتي وتفاعلي مع الناس ليسا طبيعيين.. والسبب هو التهجير والنكبة وقيام دولة على حسابنا".

وبالنسبة للطيفة فإن هجرة الفلسطينيين مستمرة منذ النكبة.

يعتبر تاريخ نكبة فلسطين عملة ذات وجهين مختلفين تماما. يصفه الفلسطيني بأنه يوم ضياع الأرض، وبداية تاريخ التشرد واللجوء ونصب الخيام. بينما يعتبره الإسرائيلي يوماً عظيماً يؤرخ لحلم قيام "دولة إسرائيل" على أرض فلسطين. وانطلاقا من حجم المفارقة الهائلة هذه، جاءت فكرة الفيلم بالنظر إلى عمق المعاني المتناقضة التي يمثلها اليوم ذاته لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، كل على حده.

 ويبقى السؤال القانوني والإنساني: كيف يحق أن يُطرد الشعب الفلسطيني وتُصادر مقدّراته وأرضه أمام صمت العالم وتجاهله، ليسكن آخرون بيوته في مدنه وقراه حيث يبنون حياتهم على أنقاض شعب آخر كائن هناك؟

 انطلاقا من هذا السؤال تطورت فكرة الفيلم وتعمقت أكثر حين اكتشفنا حجم المفارقة الهائل: عندما تقارن حياة سيدات فلسطينيات ولدن عام النكبة مع أخريات يهوديات ولدن في العام ذاته، ما الذي  ستستخلصه؟

النتيجة أن كليهما، أي المرأة الفلسطينية والإسرائيلية، يعيشان حياتهما اليومية وهنَّ على ما هنَّ عليه الآن كثمرة لذلك اليوم الذي يؤرخ لولادتهن، أي يوم النكبة. الأولى، تحتفل بعيد ميلادها بكاء وحسرة على ضياع بلدها وتشرد عائلتها وشعبها.

أما الثانية فتحتفي بعيد ميلادها مصادفا لاحتفال دولتها ب"الاستقلال" ولم "شتات اليهود" - على أرض فلسطين- تنفيذاً لقرارات دولة الانتداب بإنشاء وطن قومي لليهود مدعوما من عصبة الأمم فمنظمة الأمم المتحدة بعدها.

لقد اشتغلنا على هذا الفيلم لمدة قاربت السنتين، بين تطوير الفكرة والبحث والتصوير. استغرقنا الكثير من الوقت للوصول إلى الشخصيات، حيث يصادف تاريخ ولادتها ذكرى النكبة، لنحقق شرط تغيير المصير الشخصي والعام على أثر ذلك التاريخ المؤلم لشعب كائن والمبهج لوافد جديد.

ولم يكن من السهل الخوض في كل هذا الكم من المشاعر الفياضة ونحن نطلع على قصص النساء الفلسطينيات اللائي، وإن مررن بكافة أنواع الانتهاكات لحقوقهن وانسانيتهن، لا يزلن ينبضن بالحب وبالحياة ولا يزلن متعلقات بالأمل وبالمستقبل!

 قابلنا المرأة التي اعتقلت وعذّبت وصودرت رسائلها الشخصية وصورها وذكرياتها، والمرأة التي اعتقل أولادها أمام عينيها وحرمت فرصة اللقاء والاجتماع بهم، كما المرأة التي فٌرِّقت عن عائلتها ولوحقت أمنياً لأسباب لا معنى لها، بكل ما يمثله ذلك من انتهاك لحقوقها كإنسانة كفلتها القوانين والأعراف الدولية.

كمخرج لهذا العمل، أستطيع القول الآن أن الفيلم أضاف لي الكثير. فالعمل مع النساء يختلف دوما عن العمل مع الرجال. المرأة تضفي على حياتنا الكثير من المعاني المتعلقة بالوجود والحياة، ناهيك عن الشحنات العاطفية والطاقة التي تبثها في المحيط حولنا.

لقد كانت الشخصيات الفلسطينية غاية في التأثير من خلال العمق الوجداني الذي تحمله تواريخ ميلادهن من جهة ومن خلال المصير المأساوي الذي طبع تجاربهن في الحياة من جهة أخرى. في جعبة كل سيدة منهن  الكثير من الحكايات، وكان أكثر ما ينتابني عند تواجدي مع النساء الإسرائيليات شعور ممتزج بتساؤل مؤرق: لِمَ يحق لهن أن يكن هنا على حساب النساء الفلسطينيات؟

 الآن، وبعد أن انتهينا من الفيلم نأمل أن يتمعن الجميع في هذه المفارقة بعد المشاهدة: كيف لامرأة أن تنزع حق امرأة أخرى في العيش بأمان وحرية؟ كيف لابن امرأة إسرائيلية أن يعتقل ابن امرأة فلسطينية كيفما شاء وأنّى شاء؟ كيف لامرأة أن تخطف الأضواء من امرأة أخرى وكلاهما أمهات؟ كيف لها أن تفعل ذلك وكلاهما عشتار وأفروديت؟

المخرج: عايد نبعة