رغم ما تزعمه من كونها دولة ديمقراطية، تعيش إسرائيل من الداخل على وقع صراع مستمر بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وتمييز ضد العرب والمهاجرين القادمين من أثيوبيا، وفشل في تطبيق خطة "بوتقة الصهر" التي آمن بها المؤسسون من أمثال ديفيد بن غوريون وغولدا مائيير. 

وبحسب ما كشفت عنه حلقة (25/3/2015) من برنامج فلسطين تحت المجهر، فإنه يوجد تناقضات عميقة داخل المجتمع اليهودي، فمن جهة تشجع السلطات اليهود في مختلف بقاع العالم على المجيء إلى إسرائيل، ومن جهة أخرى تمارس ضد بعضهم التمييز والعنصرية، بحيث لا يعامل الشخص القادم من بلد عربي كالعراق والمغرب وتونس، مثلما يعامل ذلك القادم من بولندا وروسيا وغيرهما.

وبينما يعتبر اليهود الغربيون أن تأسيس "دولة إسرائيل" انبنى على زرع دولة أوروبية خالصة بمنطقة الشرق الأوسط، يرى اليهود الشرقيون أن حلم "أرض الميعاد" يسع جميع من يعتقدون بالدين اليهودي.

يهود من أصول عربية (الجزيرة)

أمير حتسروني البولندي الأصل يعتبر أن إسرائيل دولة أوروبية، وأن اليهود الشرقيين هم مجرد مهاجرين إليها، الأمر الذي يرفضه يهودا عالوش ووالدته دافورا من أصول تونسية.  

ويشير الحاخام حاييم امسالم، وهو يهودي من أصول جزائرية إلى أن اليهود الشرقيين يعانون منذ مجيئهم إلى إسرائيل من صعوبات اقتصادية وثقافية، وأنهم يدفعون إلى نسيان ثقافتهم وهويتهم الأصلية والتشبع بالثقافة اليهودية.

ويقول إن بن غوريون، وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي (1948 ـ 1953) أراد جلب اليهود جميعا من دول العالم وتصميم طراز واحد لهم في بوتقة ثقافة غربية، ولكن هذا الأمر فشل فشلا ذريعا.

ومما قاله بن غوريون " لا نريد للإسرائيليين أن يصبحوا عربا.. من واجبنا أن نحارب روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات، وأن نحافظ على أصالة القيم اليهودية كما تبلورت في الشتات".

ولكي تندمج في المجتمع الإسرائيلي ويتم قبولها بداخله، تناست الشابة أور سيتوف، من أصول عراقية كونها عربية وسارت -كما تؤكد هي لبرنامج " فلسطين تحت لمجهر"- على خطى اليهود الغربيين، وتقول إن الناس يصنفون إلى طبقات في المجتمع الإسرائيلي.

ويتحدث بروفيسور يهودا شينهاف من أصول عراقية عن التمييز الذي يحدث، بقوله إن اليهود الشرقيين يتم اسكانهم في الضواحي، واليهود الغربيين في المناطق الراقية في تل أبيب. ويضيف أن تحدث الشخص عن نفسه كعربي داخل ما يطلق عليها إسرائيل الصهيونة ، هو بمثابة انتحار حقيقي.

غير أن المتحدث يشير إلى أن اليهود الشرقيين باتوا يتبنون مواقف متطرفة إزاء الفلسطينيين، لأنهم تحت سطوة الإيديولوجية الصهيونية التي قال إنها تكره العرب.

وأصيب يهودا -بحسب ما يكشف هو نفسه- بصدمة كبيرة خلال مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 ، وكان تلك المجزرة سببا في التبرأ من صهيونيته.

التمييز يطال العرب والأفارقة (الجزيرة)

تمييز بالحضانات
وبحسب د. كاريت عميت، وهي يهودية من أصول مغربية، فهناك 2% فقط من اليهود الذين يتحدثون اللغة العربية بإسرائيل.

وتتجسد صور التمييز والعنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي في حضانات الأطفال، حيث يعزل اليهود السود عن سواهم من البيض، وفي المستشفيات حيث يتم إتلاف تبرعات الدم الآتية من ذوي البشرة السمراء.

ويؤكد شلومو مولا، وهو يهودي من أصل أثيوبي أنه كان يعتقد بمجيئه إلى إسرائيل أن يجد مساواة حقيقية بين الناس، لكن الواقع لم يكن كذلك، فهناك تمييز ضد الأثيوبي الذي يرفض الإسرائيلي حتى السكن إلى جاوره داخل عمارة.

ومن جهتها، تقر نيتوا بسادرة من أصل روسي بغياب العدالة الاجتماعية في إسرائيل، وتخلص إلى أن " بوتقة الصهر" فشلت فشلا ذريعا.

حلقة برنامج "فلسطين تحت المجهر" وعنوانها "أكذوبة الانصهار" هو تجربة جديدة قمنا بخوضها لنتحدث ونزيل الستار على موضوع في غاية الأهمية يتعلق بالتصدعات والعنصرية والتمييز القائم في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

فالعنصرية بين الشرقيين والغربيين في المجتمع الاسرائيلي ولدت مع ولادة دولة إسرائيل ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

الحديث عن هذا الموضوع لم يكن سهلاً بتاتًا، خصوصًا أن جميع الضيوف كانوا من اليهود، شرقيين وغربيين، وكان صعبا إقناعهم بالحديث أمام الكاميرا بشكل مريح وصريح. لذلك استغرق منا البحث فترة طويلة للوصول إلى الشخصيات المناسبة الممثلة لجميع أطياف اليهود في إسرائيل، واستطعنا في النهاية إيجاد شخصيات متنوعة، متدينة وعلمانية، برز من خلال حديثها حجم التصدع والتوتر القائمين في المجتمع الإسرائيلي.

في العادة، لا يتطرق الإعلام الإسرائيلي  لموضوع التصدعات والعنصرية في المجتمع الإسرائيلي إذ انه يحاول دائمًا إعطاء صورة عن إسرائيل إيجابية ومثالية وديمقراطية  يحظى فيها الشعب اليهودي بنفس الحقوق.

 لكنّ الحقيقة مغايرة، والفيلم يسلط الضوء عليها ليثبتها من خلال الشخصيات والمضامين، كما لخص الجوهر أحد ضيوف الفيلم، داني رايسفيلد: "تعاني دولتنا من مشكلة في هويتها.. نحن نعيش في دولة قبائل. المجتمع الإسرائيلي مجتمع متصدع، فعليا، فيه الكثير من الطوائف والملل والكثير جداً من المصالح المتضاربة، الشيء الوحيد الذي يمكن اعتباره  إسرائيليا والذي يوحد الشعب هنا هو الجيش، وإلا لقتلوا بعضهم بعضاً".

هذا الفيلم يمثّل بالنسبة لي قفزة نوعيّة ومهمة. فقد اعتدت دائمًا على الحديث عن القضية الفلسطينية وتوثيق الهمّ الفلسطيني ومعاناته مع الاحتلال. لكن الأمر اختلف هذه المرة، حيث اقتصر الحديث وسلط الضوء على المجتمع الإسرائيلي ومركباته المختلفة وحدها.

أعتقد أن هناك ضرورة للحديث عن هذه المواضيع، فمن حق المشاهد العربي، أينما كان، التعرّف وإدراك الوضع القائم في اسرائيل. وبما أن الإعلام الإسرائيلي بقي صامتاً طيلة هذه السنين، فمن حقنا وواجبنا نحن المخرجون والصحفيون الفلسطينيون التطرق لمثل هذه المواضيع وعرضها على المشاهد.

استفدت كثيراً من هذه التجربة، وأعتقد أن الحلقة تقدم معلومات لا يستطيع المشاهد العربي الوصول إليها وحده. ويعود الفضل للطاقم الرائع الذي عمل معي، ولشركة الإنتاج "الأرز" التي وفّرت لنا جميع ما احتجنا إليه لإنجاح الفيلم.  

المخرج الفلسطيني: عصام بلان