أحلامهم تتراوح بين السير على الرجلين وأداء فريضة العمرة والتوظيف وزيارة القدس.. إنهم أطفال من فلسطين، من الضفة الغربية وقطاع غزة، يعانون من الإعاقة التي جعلتهم فئة لها ظروفها الخاصة، زادها سوءا الاحتلال واعتداءاته المتكررة.

حلقة (2/12/2015) من برنامج "فلسطين تحت المجهر" سلطت الضوء على معاناة هؤلاء الذين ولدوا إما بـ"نقص أوكسجين" أثناء الولادة فأصبحوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإما وقعوا تحت قصف الاحتلال الإسرائيلي.

لا تملك حنين أبو عياش، خريجة سكرتاريا وتجميل في الخليل، حلما مستحيلا، فكل حلمها هو أن تحصل على وظيفة في مجال تخصصها،  تقول إنها تقدمت بطلبات عديدة دون جدوى، "حلمي أن أحقق ذاتي وأكون مثل البنات العاديات". ترى حنين أن المجتمع لا يسمح لأمثالها بالحلم.

خلال الولادة فقدت حنين كمية الأوكسجين المناسبة، مما أدى لإصابتها بفقدان التوازن، مما جعلها تواجه صعوبة في الحركة وأداء مختلف الأعمال.

أما طالب الفنون الجميلة زياد ذيب، فقد شكل العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008 تحولا دراميا في حياته، بعد أن أصاب صاروخ بيت عائلته، مما أدى إلى استشهاد 11 فردا من ذويه وإصابة آخرين، وكان نصيبه رجلين مبتورتين عوضتهما أطراف صناعية.

زياد يحب البحر كثيرا ويحب تصوير الأشياء الجميلة في غزة، ويحلم أن يقيم معرضا خاصا به يوصل من خلاله ما بداخله بشأن غزة وفلسطين عموما، لكنه مع ذلك يحلم بالسفر "لأن غزة غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، وحتى بيتي غير مهيأ". ويحلم بزيارة القدس، لكن الاحتلال الإسرائيلي يمنعه.

أما محمد سعدة، وهو بائع في الخليل، فلم تمنعه إعاقته من العمل والاعتماد على نفسه في قضاء بعض حوائجه، وفي تعلم الأحرف والقرآن الكريم واللغة الإنجليزية. وقد شارك هذا الشاب في الاحتفالية التي أقيمت بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاة الزعيم ياسر عرفات. حلم سعدة هو أن يتمكن يوما من أداء العمرة.

منى زايد، طالبة مصابة بشلل نصفي تحب الدراسة وتتمنى أن تكمل دراستها وتصبح مدرسة لغة عربية. كما تحب البحر، وتحلم بالوقوف على شاطئ غزة، بينما يحلم أنس أبو حالوب أن يسبح برجليه مثل باقي الناس في بحر غزة.

كما يعاني إدريس عواد وعبد الرحمن أبو رواح أيضا من مشاكل بسبب الإعاقة، وهم أيضا لهم أحلامهم البسيطة التي تتمثل في المشي ولعب كرة القدم مع أقرانهم.

وُلدت فكرة الفيلم الوثائقي "بدون أوكسجين"، الذي يتحدث عن حياة الأطفال ذوي الإعاقة بفلسطين، انطلاقا من إحساس شخصي واهتمام بهذه القضية الإنسانية.

كانت نشأتي في الانتفاضة الأولى و بدأت بالنضوج السريع مع الانتفاضة الثانية، ورافق هذا النضوج شعوري بالعجز، في الكثير من الأحيان، تجاه ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.

قررت البحث في قضايا جعلها الوضع العام "شكلية" وغير مهمة في أجواء الموت المتكرر حد الملل، فكان "بدون أوكسجين".

لم أكن أعتقد في فترات طفولتي التي وسمتني بالخرس منذ ولادتي لغاية سن الست سنوات ، ولم أكن أتصوّر أن لتلك الحالة التي عشتها أي أهمية ، ولم أتحدث عنها يوما. لكن خلال عملي بفيلم (بدون اكسجين) كحلقة لبرنامج "فلسطين تحت المجهر" في شبكة الجزيرة، اكتشفت أني لا  أزال أعاني من آثار نظرة المجتمع إلي خلال تلك الفترة، وما ميزها من عدم قدرتي حينها على الاندماج مع الأطفال من  أبناء جيلي في المؤسسة التعليمية، أو ن أكون طفلا  طبيعيّا  بنظر المجتمع، لهاذا انعزلت  حمايةً لنفسي .

 طوال عملية البحث استرجعت تلك  الذكريات  في لقاءاتي بأطفال من ذوي الإعاقة، ذوي الحاجات الخاصة، كانوا يمتنعون أغلب الوقت عن الحديث. تمكنت من إقناعهم أن الطفل يجب  يُعامل كإنسان  لا كمعاق، فتغيرت وجهة نظرهم حول مشاركتهم بالفيلم، ووافقوا على الظهور كما هم. هذا التجاوب ساعدني بشكل شخصي فبدأت أتعامل  معهم كأبطال وهم  كذلك.

التعامل معهم كأبطال جعلهم ينطلقون بخيالهم ويبوحون بأحلامهم رغم يقينهم انها مستحيلة التحقق، أو شبه مستحيلة في  أفضل الأحوال، وكان ظهورهم أمام الكاميرا طبيعيا وتلقائيا.

هكذا عرفت أن كل ذاكرة إنسان، وليس كل إنسان ذاكرة، لما نترك في النفس من أثر عندما نتعامل مع الروح لا المظهر.

خلال البحث عن الحالات ومن منطلق  إدراكي لحقيقة الوضع الذي يعيشه مجتمع ذوي الإعاقة أو ذوي الحاجات الخاصة، تأكد لدي أننا لسنا ملائكة في فلسطين وأننا نقسوا كثيرا على بعضنا البعض، خصوصا مع ذوي الإعاقة حيث لا زلنا ننظر إليهم نظرة دونية. هكذا كان  الآباء، في أحيان كثيرة، يرفضون ظهور أبنائهم أمام الكاميرا في سبيل  إخفاء القدر الذي حل بهم خوفا على "السالمين" من افراد العائلة من نظرة المجتمع إلى الأسرة التي تضم شخصا معاقا.

 علمتني هذه التجربة أن لا أكون متذمرا من الأطفال الذين ألتقيتهم لأنهم "يوقظون الأمل" فينا، كما تعلمت منهم أن الحلم  أكبر من حياتنا .

استغرق الاشتغال على فيلم "بدون أوكسجين" سنتين في البداية فكرة وبحثا/ لعدم توفر ميزانية ولعدم اهتمام الناس بأولوية مثل هذه المواضيع التي يعتبرونها بعيدة عن الحرب المباشرة مع إسرائيل، لكن تبني فريق برنامج "فلسطين تحت المجهر" في قناة الجزيرة الإخبارية للمشروع حوله من مجرد حلم إلى حقيقة  اليوم.

أملي أن يساهم بث الفيلم وعرضه عبر منصات مختلفة في دفع  المجتمع والحكومة الفلسطينيين إلى الاعتراف بحجم بالمأساة التي يعيشها المعاق الفلسطيني على أمل  حشد رأي عام جماهيري في هذا الاتجاه، وإسقاط هذا الأمر عربيا وليس فلسطينيا فقط.

المخرج: رمزي مقدسي