يعيشون في مخيمات تنتشر في ربوع لبنان في ظروف مأساوية، حيث يحرمون من الكثير من الحقوق الأساسية مثل بعض المهن والتملك. إنهم فلسطينيو لبنان الذين سلطت عليهم الضوء حلقة (4/11/2015) من برنامج "فلسطين تحت المجهر".

ويبلغ عدد المخيمات التي تعترف بها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بلبنان 12 مخيما، ويبلغ عدد ساكنيها وفق نفس الإحصائيات ما يقارب 490 ألف لاجئ يتوزعون أيضا في أكثر من خمسين تجمعا سكانيا لا تعترف به أونروا.

فرغم تفوق مصطفى شحادة في امتحان توظيف أجراه، فإن هويته الفلسطينية حالت دون تشغيله، وهو حال مهندس الكيمياء نزيه شايطة، من مخيم عين الحلوة والذي يعمل سائقا لسيارة عمومية (تاكسي) بشكل غير قانوني، فهو ممنوع من العمل مهندسا، لأن هذه المهنة على قائمة المهن الممنوعة على الفلسطيني.

قصة الطبيب عمر كنعان من مخيم نهر البارد تختصر معاناة الفلسطينيين بلبنان، فبعد أن حقق حلم والده بدراسة الطب في روسيا عاد إلى لبنان من أجل العمل، لكن القوانين وقفت حاجزا أمامه، ما اضطره -على غرار باقي زملائه- للاشتغال مع أطباء لبنانيين، لكن دون أن يكون له وجود على القوائم الرسمية، بمعنى أن الطبيب الفلسطيني لا يمكنه أن يفتح عيادة خاصة به، ولا يملك أي ضمان اجتماعي.

الباحث والصحفي الفلسطيني، ياسر علي، قال إن اللاجئ الفلسطيني في لبنان "محروم من التملك والعمل" ولذلك ارتفعت نسبة البطالة في المخيمات ووصلت إلى 23% بينما تبلغ في الضفة الغربية 6% وفي قطاع غزة 1%.

على الطرف الآخر، يقول المحامي اللبناني، أنطوان نصر الله، إن اللاجئ الفلسطيني يمنع من التملك في لبنان بهدف منع التوطين.

أما عائلة جمال زكريا فحكايتها مأساوية بامتياز، حيث إنها وبسبب ظروف اقتصادية دفعت مبلغا من المال لمواطن لبناني من أجل أن يسجل البيت باسمه ويتركه أمانة عنده لحين تحسن أوضاع العائلة الفلسطينية، لكن هذا الشخص تحايل على العائلة وطلب منها الخروج من البيت الذي عاشت فيه 27 سنة بحجة أنه أصبح ملكه.

تفتيش 
ويشير المدير الإقليمي لمركز العودة الفلسطيني، أحمد هويدي وهو من برج البراجنة، إلى أن الفلسطيني ممنوع أيضا من إدخال مواد البناء إلى المخيمات إلا بعد الحصول على إذن من الجيش اللبناني، ويروي أنه شخصيا تعرض للتفتيش والتحقيق لأنه كان يحمل معه كمية قليلة من التراب لتصليح مطبخ بيته.

ويتعرض اللاجئ الفلسطيني في لبنان -وفق من تحدثوا لحلقة "فلسطين تحت المجهر"- للتفتيش على الحواجز الأمنية ويسأل عن أوراقه الثبوتية، ومن لم يملكها يخضع للتحقيق وحتى السجن، كما وقع لأحمد رشدي الذي مكث يوما واحدا في السجن.

ويقول الباحث والصحفي الفلسطيني إن اللاجئ في لبنان يتعرض حتى للتحريض في بعض وسائل الإعلام اللبنانية.

كما ينظر البعض من اللبنانيين إلى المخيمات الفلسطينية -يضيف المتحدثون- على أنها وكر للإرهاب والتطرف، ويرى ياسر علي أن هناك "مؤامرة" دولية لإزاحة هذه المخيمات لأنها تمثل "الشاهد السياسي والإنساني على جريمة النكبة".

النظرة الأمنية البحتة بقيت تسيطر على العلاقة مع الوجود الفلسطيني بلبنان، حيث لا تزال غالبية المخيمات الفلسطينية ذات مدخل واحد محاطة بالأسلاك ونقاط التفتيش المقيدة للحركة.

يمنع اللاجئ الفلسطيني من إدخال مواد البناء أو الترميم إلى مخيمات الجنوب الخمسة، الرشيدية والبص والبرج الشمالي والمية ومية وعين الحلوة. ويعد إدخال تلك المواد إلى المخيمات الفلسطينية جريمة يعاقب عليها القانون.

فضبط اللاجئ وهو يحاول إدخال كيس من الإسمنت إلى المخيم يجر عليه مصادرة الكيس أولا ثم اعتقاله ثانيا في إحدى ثكنات الجيش حيث يتعرض للتحقيق ويسجل بحقه محضر يواجه على أثره عقوبة تصدرها وزارة العدل في الجمهورية اللبنانية بادعاء "الحق العام" وبتهمة "التهريب". والعقوبة دفع غرامة مالية تقدر بمئة ألف ليرة لبنانية أي ما يعادل 66 دولارا أميركيا.

يلجأ الفلسطيني إلى طرق غير مشروعة لإدخال مواد البناء ويدفع مقابلها أضعاف التكلفة المالية. هذا بفرض وجود مساحات إضافية للسكن بعد الاكتظاظ السكاني الخطير الذي يعيشه اللاجئون في المخيمات، حيث لا تزال المساحات على حالها منذ أكثر من 67 سنة، هي عمر نكبة فلسطين، رغم تضاعف أعداد اللاجئين أربعة أضعاف أو أكثر.

لعب الأطفال في المخيمات مختلف، فالركض يكون في دهاليزٍ لا تنتهي، والاختباء بين المنازل المتراصّة والأزقة المتقاطعة التي تزداد حُلكة بفعل البناء العمودي. والنتيجة أن 35% من الأطفال، المسجلين في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يعانون من أعراض قصور النظر.

هذا حاضر أطفال، في عمر الزهور، فأي مستقبل يترقبون وعيونهم شاخصة إلى أفق مغلق تراصت فيه الأبنية فمنعت عنهم النور ومعه إشراقة الحياة؟ لهذا السبب قررت وفريق العمل إنجاز حلقة "فلسطين تحت المجهر" تحت عنوان "الحقوق المهدورة" للإضاءة على واقع فلسطينيي لبنان.

لا يزال الفلسطينيون في لبنان يدفعون ثمن اللجوء، حتى اللحظة، من حقوقهم وحرياتهم المهدورة وبإجراءات قانونية تمنع عنهم ممارسة أكثر من 73 مهنة. كما أنهم ممنوعون من التملك خارج المخيمات، رغم ما يكفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صادقت عليه الدولة اللبنانية وأقرته.

وبهذا الشكل يضطر اللاجئ الفلسطيني، في كثير من الأحوال، إلى تسجيل بيته أو شركته باسم صديق أو قريب لبناني، والقصص متعددة حول حالات نصب فردية وضياع حقوق لم تذر شيئا لأصحاب الملك.

حجم التضييقات وإهدار الحقوق التي يعانيها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان لم تترك أمام الأجيال الشابة غير التفكير في طريق الهجرة سبيلا رغم كل ما يلفه من مخاطر وأهوال تبدو لهم أهون من العيش في المخيمات. وفي الانتظار آباء أنهكهم الزمن، يتمسكون بالأمل في تحقيق حلم  ضم الأبناء والأحفاد في وطن سرق منهم.

المخرجة: بهية نمور