أحلام التميمي شابة فلسطينية أبعدت عن وطنها وأسرتها منذ عام 2011، ضمن سياسة الإبعاد التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه، وهي السياسة التي انتقدها المقرر السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بفلسطين، جون دوغارد.

ويعرّف المقرر السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بفلسطين، الإبعاد بأنه "النقل الإجباري، الفردي أو الجماعي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة".

ويؤكد المسؤول الأممي أن اتفاقية جنيف الرابعة نصت بوضوح على أن نفي السكان وترحيلهم "محظور بشكل مطلق" ويضيف أنه "لا يحق لإسرائيل الجدال بأن الإبعاد يتم لدواع أمنية فذلك غير مقبول إطلاقا".   

تقول أحلام إن كيانها اهتز بالكامل عندما سمعت كلمة "إبعاد" إثر الإفراج عنها في إطار صفقة شاليط عام 2011، ورفضت هذه الشابة الفلسطينية ما تصفه بمرحلة جديدة من الانتظار، ولاسيما أنها كانت تعد هي ونزار التميمي -المبعد منذ عام 2012- لعقد قرانهما في عرس خاص ووطني برام الله.

وبموجب صفقة "وفاء الأحرار" يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 أفرجت إسرائيل عن 1050 أسيرا وأسيرة من سجونها مقابل الجندي جلعاد شاليط الذي أسرته المقاومة الفلسطينية عام 2006.

ولم تكن أحلام وحدها المبعدة من أرضها ووطنها، فهناك كثيرون كشفوا حكاياتهم لحلقة (29/1/2015) من برنامج "فلسطين تحت المجهر"، بينهم غازي السعدي المبعد منذ عام 1977، وتيسير صبيح المبعد منذ عام 2011 وممدوح الورديان (منذ عام 2002) ومصطفى حمايل (منذ عام 1988)، والدكتور نواف التكروري (منذ عام 1993)، ومحمد مهنا (منذ عام 2002).

ولكل من هؤلاء المبعدين قصص ومعاناة مع الإبعاد الذي يعده مهنا عقابا جماعيا للشعب الفلسطيني كله، بهدف إزالة الفلسطيني من أرضه حتى يحكم الاحتلال مكانه، مثلما يضيف صبيح.

صبيح ومهنا أبعدا إلى أثينا عاصمة اليونان، بعد حصار كنيسة المهد من طرف الاحتلال عام 2002، كما أبعد في نفس الحادث عبد الله داود الذي ذهب إلى موريتانيا لأن الدول الغربية رفضت استقباله.

وكانت السفار الإسرائيلية قد سبقت وصول الشابين الفلسطينيين إلى أثينا لتروج لأنهما إرهابيان وقتلة وأنهما يشكلان خطرا على أمن اليونان، لكنهما نجحا في أن يثبتا نفسيهما هناك.

ويقول صبيح إنه دخل كلية طب الأسنان بعد كفاح واشتغل ساعات طويلة. وبالنسبة لمهنا فهناك إبعاد عام 1948 وإبعاد 1967 ثم إبعاد 2002 .

وللدكتور التكروري حكاية أخرى مع الإبعاد، حيث كان ضمن مجموعة مرج الزهور في جنوب لبنان الذين قررت إسرائيل إبعادهم عام 1992، لكنهم صمدوا وقاموا بالمرابطة في مخيم العودة، ونجحوا في إيصال قضيتهم إلى الإعلام العالمي، مما دفع الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة معظمهم (383) في حين أبعد 17 آخرين بينهم التكروري.

منذ البدء، أدركنا أنَّ فيلما عن المُبعدين لن يكون بالأمر السهل، لأنهُ سيروي قصة من فقدوا الوطن مرتين. الأولى  حين احتُلَّ جهارًا نهارًا أمامهم، فاختاروا المقاومة طريقا لاسترداد ما سُلب. و نتيجة وفائهم للأرض، كان السجن أولى محطاتهم مع القضية قبل أن تلحقهم عقوبة "الإبعاد" كمرحلة ثانية من الفقدان.

الإبعاد هو السجن الأكبر الذي يذكره الناس بقشوره ويعرفه الفلسطينيّ جد المعرفة بآلامه وأشجانه. ومن خلال هذا الفيلم أردنا أن نرفع شبح النسيان الذي يلحق المبعدين، كما هو حال القضية الفلسطينية ككل، فأدرنا الكاميرا صوبهم تسرد قصصهم وحكاياهم.

حين توسعنا في تفاصيل حكايا المُبعدين، وجدنا كُل واحد منهم يحوي في داخله ألف قصة.  فكان لزاما علينا ملء هذه الثغرة التاريخية في الواقع الفلسطيني، وهو ما خلق تحديا جديدا أمامنا ممثلا في القدرة على سرد تفاصيل الألم الدقيقة، والإلمام بتفاصيل الأحداث التاريخية دون إسهاب أو انتقاص خلال زمن محدد هو مدة الفيلم، بالشكل الذي يسمح لهذه اللوحة الإنسانية بالتشكل غير منقوصة الألوان.

غدت الصورة وكأنها مقطوعة موسيقية بعزف متفرد أساسه الصدق المنبعث من عيون المعنيين دون تملق للكاميرا أو وجل من حضورها. كان لابد للوجع أن يُعلن هيمنته وأن تُخط به حروف وكلمات رسالة جماعية واضحة مفادها أن الإبعاد كرس الانتماء لفلسطين وزاده ترسخا وتجذرا، عكس ما سعت إسرائيل إلى تحقيقه من تبني تلك السياسة من إلغاء فلسطين في أعماق المبعدين. لقد غاب عن ذهنها أن فلسطين سكنت قلوب مُحبيها، وأن البُعد لن يزيدها إلا حضورا.

كثيرة كانت التفاصيل في الكواليس دون أن تلقى طريقها للظهور في الفيلم، على أهميتها، سعيا لجعل قضية الإبعاد القصة المركزية ودرء تشتيت انتباه المتفرج عنها. لكن تلك التفاصيل لن تمحى من ذاكرتي ومن ذاكرة فريق العمل، فقد شاركنا ضيوفنا الدمعات كالبسمات. فتحوا أمامنا دفاتر حياتهم وسمحوا لنا بالاطلاع على أدق التفاصيل التي حوتها ذاكرتهم وما يحملون من صور وذكريات حاولنا في الفيلم إنعاشها وإحياءها.

في بعض المقابلات، ينتابك شعور عال بالمسؤولية، يصير معه همك الأكبر أن تحيا أطول لِتَرُدّ لهم بَعضا مما سُلِب منهم ومنا حتى إن روحي أصبحت تخجل من أوجاعها بل تستصغرها في حضرة أوجاعهم!

الأمل أن يكون هذا العمل مساهمًا في استكمال مسيرة إثبات الجرائم الإسرائيلية المتكررة والمنتهكة للحقوق الدولية في حق الشعب الفلسطيني. وحتى لا يكون الصمت خيار الجميع كان فيلم "منسيون خارج الوطن!".

مخرجة العمل: بهية نمور