ميساء، رائد، آية، هدى، أشرف وغيرهم.. فلسطينيون من قطاع غزة، يجمعهم شيء واحد وهو أنهم ينتمون لعالم الصم.. هم كغيرهم من الناس يحسون ويحبون ويتألمون، ويعيشون معاناة القطاع من عدوان وحصار. كما أن لهؤلاء أحلامهم الخاصة التي عبر بعضهم عنها لحلقة 22/7/2015 "المعادة" من برنامج "فلسطين تحت المجهر"، وكان أبرزها تطلعهم إلى المساواة مع الذين يتكلمون ويسمعون.

لا يختلف الشخص الأصم عن ذلك الذي يتكلم ويسمع، فهو أيضا يشتغل ويبني أسرة ويربي أولاده ويمنحهم الرعاية والحب والحنان. بل إن الأصم -حسب كبير الصم في غزة هاشم غزال- يملك قدرات عالية في التخطيط والتصميم، وصاحب أفكار وإبداع وتركيزه يكون على الفن والتطريز.

فكونه لا يتكلم ولا يسمع، لم يمنع علاء النحال من رفح من العمل سائق أجرة وإعالة بناته الأربع وولده وهو يحمد الله على هذه النعمة، إضافة إلى أنه يمارس هواية أخرى تتمثل في تعليم التمثيل والفكاهة والمسرح لمن ينتمون لمجتمع الصم.

في جمعية الأمل لتأهيل المعاقين برفح يقوم علاء بتمثيل أحد المشاهد، ويتساءل قائلا "لماذا العالم صامت؟.. مشاكل كبيرة". 

إيمان الرنتيسي وشقيقها خضر، هما الأخريان يعتمدان على نفسيهما ويشتغلان، فالأولى كوافيرة (حلاقة) والثاني داعية للصم، ورغم أن إيمان تقول إنها قوية من الداخل وقادرة هي وأمثالها على القيام بأعمال كثيرة كالخياطة والتطريز والمسرح، فقد عبرت عن تذمرها بسبب ما قالت إنها مضايقات الناس للصم في الشارع.

ويعد محمود المقيد من مخيم جباليا نموذجا حيا للشخص الأصم، فهو فنان تشكيلي يمتهن هذا الفن منذ كان في الرابعة من عمره، يتصور الناس الذين من حوله كشجرة جميلة فيقوم برسمها، كما يكشف هو نفسه لحلقة "أقوى من الكلام". ويضيف أنه يتمنى أن يصبح رساما كبيرا في فلسطين.

لكن محمود يشتكي صعوبة الحياة بالنسبة للصم، ويتحدث عن معاناته الخاصة وكيف أنه يذهب للصلاة كل يوم جمعة، لكنه لا يفهم أي شيء مما يقوله الخطيب لأنه أصم.

وتتنوع أنماط الحياة في عالم الصم، فهدى شاهين (مدرسة) وزوجها أشرف الموظف في وزارة المالية بغزة كانت بداية حياتهما صعبة جدا، لكنهما صبرا وتحملا ورزقا بأبناء يتقاسمان مشقة تربيتهما.

video

أما نورا أبو عودة من خان يونس ورائد الترك فارتبطا بعد قصة حب جمعتهما.

يلتقي الصم في عالمهم الخاص ويتبادلون الحديث بلغة الإشارات حول أوضاعهم ومستقبلهم، في أحد التجمعات يحث هاشم غزال نظراءه على ضرورة المطالبة بحقوقهم ويركز على مسألة قانون خاص بالصم، كما يدعو الحكومة لمساعدتهم. ويقول أيضا إن الصم مظلومون في كل العالم وهم بحاجة لمساعدة العالم.

أحلام وهوايات
وللصم أحلامهم الخاصة بهم، فهذه الطالبة ميساء عمر التي احتفلت مع صديقاتها بعيد ميلادها تتمنى أن تكمل في المرحلة القادمة دراستها الجامعية، وهي نفس أحلام صديقتيها وزميلتيها ربا شراب وروان غزال اللتين تمنيتا أن تتمكن الطالبات الصم من دخول الجامعة وأن يكن متساويات مع الطلبة الذين يسمعون ويتكلمون.

كما أن للصم هوايات يمارسونها، فآية عمر من مخيم جباليا (عشر سنوات) تحب الدبكة والراب ولا تشعر بالراحة إلا وهي في المدرسة بين نظرائها الصم. هذه الطفلة تصرخ قائلة إنها مخنوقة وإنها تريد أن تنفجر. كما يحب الطالب وليد حمد من بيت حانون الراب والدبكة الشعبية، ويقول إنه يتقن رقصة الراب وعنده أفكار مميزة وقوية، ويوجه رسالته للعالم بأن يدعموا الصم.

حرب غزة
عايش الصم كغيرهم من سكان القطاع العدوان الإسرائيلي الأخير، فقد شعروا بالقصف وشملهم الدمار، وسقطت منهم شهيدة بعد تدمير بيتها، قالت إيمان الرنتيسي إنها كانت صديقتها المقربة وكانت تشتغل فنانة تشكيلية في نادي الصم. 

الطالب وليد حمد الذي استشهد أربعة من أفراد عائلته بعد تدمير منزله، أصبح يستيقظ من النوم مفزوعا. أما الطفلة آية فعبرت عن خوفها الشديد من القصف خاصة بعد إصابة والدها بجروح.

كأنهم خارج السياق، يعبرون هكذا في الهوامش، دون أن نبصرهم ونتحسس آلامهم، صببنا عليهم نظرة استعطاف، تخيلنا أننا أوصياء عليهم، حددنا مكانهم كيف يحلمون؟ كيف يفكرون؟ وكيف يتزاوجون؟

امتدت الفجوة بيننا، تركناهم يعيشون في دائرة مغلقة، زرعنا بيننا وبينهم غربة، هؤلاء المعذبون خلف صمتهم تجارب إبداعية إنسانية، تستحق أن ننتصر لها، وأن نسلط الضوء على معاناة أصحابها وشعورهم الأبدي بالعزلة والإقصاء.

أثناء زياراتي قبل سنتين لمدرسة مصطفى صادق الرافعي، التي أنشئت حديثا كأول مدرسة ثانوية للصم في قطاع غزة، لتنفيذ تنويه دعائي يتناول اعتماد لغة الإشارة في البنوك الفلسطينية، اقتربت منهم، فاكتشفت أنهم أسرة واحدة متحابة، جسد واحد، يعبرون عن أحاسيسهم بإيماءات بصرية تحكي الكثير. شعارهم: نسمع بأعيننا ونتكلم بأيدينا.

أثناء تصوير التنويه، شعرت بأن هؤلاء الناس يتدفقون مشاعر ويستحقون تسليط الضوء على حكاياتهم. وجالت في ذهني أسئلة كثيرة:

لماذا تقتصر علاقاتهم على علاقة بعضهم ببعض؟

كيف يعبرون عن مشاعرهم؟

كيف يتدبرون أمورهم أثناء انقطاع الكهرباء ليلا؟

ما مشاكلهم في الزواج والتعليم والعمل؟

كيف تتعامل الأم مع طفلها الحديث الولادة؟

لم يحرمون من التعليم الجامعي؟

كيف ينظرون للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟

بدأت عملية البحث ودراسة واقعهم لاختيار النماذج، فاكتشفت عالما جميلا وأناسا أقوياء معطائين، يعيشون حالة من التهميش ويوسمون بالضعف، تصادر حقوقهم، خاصة الفتيات، حيث لا يسمح لهن بالزواج من صم، كما يرفضهن الناطقون رفضا قاطعا، مع أنهن مبادرات وقادرات على بناء أسرة مميزة.

تجاوزت مرحلة البحث والدراسة أكثر من ستة أشهر، وخرجت بخلاصة أنهم لا يثقون في الناطقين، والسر في ذلك أننا لا نعيرهم أدنى اهتمام ونسعى لتعلم لغات العالم دون التفكير ولو  مرة، في تعلم لغتهم والتواصل معهم.

شعرت بشعورهم، تفهمت مأساتهم وبدأت بكتابة تصور مبدئي للفيلم يرفض الصورة الانهزامية التي تطاردهم وتقدمهم بما لا يليق بهم.

اعتمدت في السيناريو على اختيار البدء بتقديمهم على أنهم أناس يعيشون حياة طبيعية قبل أن أصارح المشاهد بأنهم صم وأرى كيف ستتغير نظرتهم للأمر قبل الدخول إلى عمق عالمهم الخاص.

ومن أجل أن يرى العمل النور، طرقت كل الأبواب. لكن محاولاتي باءت بالفشل. خشيت أن تموت الفكرة وأصابني الإحباط حتى تواصلت مع طاقم برنامج "فلسطين تحت المجهر" الذي أكد لي استعداده لإنتاج العمل. حينها شعرت بالغبطة والسعادة وعدت للصم أخبرهم أنني سأقوم بإخراج العمل لصالح شبكة الجزيرة وسأنقل أوضاعهم إلى العالم. واصلت التحري ودراسة الحالات بعمق وبشكل مكثف وأعددت القصة وتم بناء السيناريو.

تعمدت أن أشرك كل الصم من رفح حتى بيت حانون لأمنح العمل قوة وأعبر عن كل قضايا الصم.

مراحل العمل كانت ممتعة جدا، فقد كنا نكتشف كل يوم خصائص ومميزات هذه الشريحة المتفاعلة. لقد مكنتنا هذه التجربة من الكثير من المعارف حيث نفذ الفيلم، الذي غلبت عليه روح العمل الجماعي، بترو وبدقة وحرفية عالية. كان معي جيش من المخلصين سندا لتقديم الأفضل، فشكرا لكل الزملاء لمساهماتهم الطيبة في إنجاح هذا العمل الذي نتمنى أن يكون صوت الصم في فلسطين والعالم.

المخرج: مصطفى النبيه