الإضراب عن الطعام بشكل فردي أو جماعي، أو" معركة الأمعاء الخاوية"، هو سلاح يلجأ إليه الأسرى الفلسطينيون للتنديد بالإجرام والإهانة التي يتعرضون لها في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي.

الأسرى المحررون أيمن الشراونة وهناء شلبي وسامر العيساوي يستعرضون في حلقة 15/4/2015 من برنامج "فلسطين تحت المجهر" تجربتهم داخل المعتقلات، وكيف أن السجان الإسرائيلي كان يقوم بممارسات غير إنسانية مع المعتقلين الفلسطينيين مثل الضرب ونزع ملابس الأسير لإهانته.

video

تظهر تجربة الشراونة -الذي أعاد تمثيل واقع الأسرى طبقا لتجربته في الأسر- أن الاحتلال يقوم بممارسة قمع جماعي وفردي للمعتقلين، وإهانتهم من خلال نزع ملابس الأسير ونقله إلى زنازين تفتقد لأدنى شروط الحياة.

التفتيش العاري
وتقول هناء إن الأسير يدخل زنزانة مظلمة وباردة، لا مقومات للحياة فيها نهائيا، كما يربط بقيود "كالبشات" تكون حسب التهمة والحكم الصادر بحقه.

وبمرارة تتحدث هناء عن تجربتها مع التفتيش العاري، وتقول إن الإسرائيليين نزعوا عنها ملابسها وهي مقيدة وأصبحت عارية تماما أمام سبعة جنود ومجندة، وفي هذه اللحظة قررت هناء الدخول في إضراب عن الطعام.

تصف هناء التفتيش العاري بالقول "إنه صعب جدا على الأسير الفلسطيني، إنه أسلوب المحتل لإذلال الفلسطيني الشامخ الرافع رأسه".

وبحسب جميل الخطيب -محام متخصص في الدفاع عن الأسرى داخل سجون الاحتلال- فإن النصوص الدولية تمنع التفتيش العاري. 

ويقول الشراونة -في حلقة برنامج "فلسطين تحت المجهر- إن إضراب الأسرى بأمعائهم الخاوية هو ورقتهم الأخيرة لإيقاف الإجرام الإسرائيلي ضدهم.

إضراب جماعي
منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، خاض الأسرى الفلسطينيون معارك الإضراب عن الطعام بشكل متكرر احتجاجا على أوضاعهم السيئة داخل سجون الاحتلال، بعضها فشل وبعضها نجح. مع العلم أن وسيلة الإضراب عن الطعام عالميا كسلاح فعال ضد السجان ضمن معارك التحرر ورفع الظلم.

هناء مثال للأسيرة الشجاعة (الجزيرة)

وكان الشراونة ضمن الأسرى الذين خاضوا إضرابا جماعيا عن الطعام في أغسطس/آب 2004، بعد أن زادت أوضاعهم سوءا داخل السجون الإسرائيلية، لكن بعد 19 يوما من الإضراب المتواصل لم ينجح الأسرى الفلسطينيون في تحقيق مطالبهم.

ومع ازدياد الأوضاع سوءا داخل السجون، قرر الأسرى في أبريل/نيسان 2012 خوض إضراب جماعي عن الطعام مرة أخرى، وكان الشراونة أحد المشاركين فيه، ورفعت مطالبهم لسلطات السجون، وكان أهمها: إنهاء العزل الانفرادي للأسرى المعزولين والسماح للأهالي في غزة بزيارة ذويهم داخل السجون، وكذلك وقف سياسة التفتيش العاري وتحسين الظروف المعيشية للأسرى داخل السجون.

وبعد 28 يوما من الإضراب نجح الأسرى هذه المرة في تحقيق مطالبهم، ووصف الشراونة ذلك بأنه كان انتصارا. 

في أبريل/نيسان 2014 بدأ الأسرى المحكومون إداريا إضرابا جماعيا عن الطعام، سمي بـ"مي وملح"، وذلك لتحقيق مطالبهم وهي إنهاء الاعتقال الإداري دون تهمة محددة وبحجة الملف السري.

إضراب فردي
وأدى نجاح الإضراب الجماعي إلى دخول بعض الأسرى في إضراب فردي عن الطعام، منهم الأسير خضر عدنان الذي شجع العديد من الأسرى على خوض التجربة نفسها، مثل الشراونة والعيساوي، الأسيرين المحررين اللذين قررا الإضراب عن الطعام بعد أن أعاد الاحتلال اعتقالهما.

هناء -بدورها- خاضت تجربة الإضراب عن الطعام بشكل فردي، وتقول هي نفسها إنها تعرضت لعزل انفرادي كاد يفقدها عقلها وتعرضت كذلك لضغوط نفسية لثنيها عن قرارها، وإنها ما كانت تظن أنها ستخرج حية من المعتقل.

بعد 44 يوما من الإضراب، تدهورت حالة هناء الصحية بشكل حاد، وتحدثت تقارير طبية وقتها أنها قد تفقد حياتها في أي لحظة، لكن سلطات الاحتلال أذعنت لمطالب هناء وتم أطلاق سراحها.

مأساة إنسانية يعيشها الأسير الفلسطيني (الجزيرة)

أما الشراونة، فقد استعاد حريته بعد 261 يوما من الإضراب عن الطعام، بعد صفقة استجابت فيها سلطات الاحتلال لمطالبه.

العيساوي -الذي يقول إن شعاره للإضراب كان "الحرية للقدس شهيدا أم حيا"- قضى عشر سنوات في سجون الاحتلال، خاض أطول إضراب عن الطعام في سجون الاحتلال في تاريخ الأسرى الفلسطينيين، وهو يقبع اليوم في السجن مجددا بعد اعتقاله مرة أخرى في 23 يونيو/حزيران 2014.

ضغوط معنوية ونفسية
يتعرض الأسرى المضربون لضغوط معنوية ونفسية، ويقول الشراونة إنهم يدخلون على الأسير وهو في الحمام لإذلاله وإهانته. بينما يلخص فؤاد الخفش -باحث في قضايا الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي- الحالة النفسية للأسرى في مشهد عبد الله البرغوثي الذي قال إنه تعرض للعزل الانفرادي وحرم من زيارة ذويه عشر سنوات متواصلة، وسمحت له المحكمة العليا الإسرائيلية بأن يلتقي طفلته لكن دون صوت.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الحالة الصحية للمضربين عن الطعام تمر بعدة مراحل، منها شعور المضرب بوخز الجوع وتشنجات المعدة، والدوار والخمول والإحساس بالبرد والقشعريرة، وقد يصبح الوقوف صعبا أو مستحيلا، وفقدان الوزن، وبالتدريج يتحلل الجسم حتى الموت.

في 17 مارس/آذار 2013، وصل الأسير المحرر أيمن الشراونة الى قطاع غزة منهيا إضرابه عن الطعام والذي استمر 261 يوما، ليحصل بعدها على حريته من سجون الاحتلال الإسرائيلي.

درجت العادة عند فريق عملنا أن نوثق التجارب الإنسانية وبعض الأحداث المهمة من حولنا قدر الإمكان، لكن انشغالنا في تلك الفترة بإنهاء بعض الأفلام التي بين أيدينا جعلنا أقل تحمسا للذهاب الى أيمن ولقاءه وتوثيق تجربته.

بعد قرابة شهر ذهب زميلي محمد الصواف لتوثيق تجربة أيمن الشراونة، ورغم مضي شهر كامل على خروجه، إلا أن علامات الإعياء الشديد كانت ظاهرة عليه، إضافة إلى عدم قدرته على تحريك أذرعه أو المشي إلا بصعوبة بالغة بطريقة ملفتة للانتباه، لكن لم تكن هذه المفاجأة بقدر ما كانت في التفاصيل المؤلمة التي فاجأنا بها والتي كان يسردها كواقع يومي من حياة أسير معروفة للكل وكأننا نعلم بهذا الكم المريع من المعلومات الصادمة والغير معروفة بهذا النحو لنا.

بعد المقابلة، شعرنا بالألم الكبير من عدم الإدراك الكافي لهذه المعلومات عن واقع الأسرى الذي لا يطاق داخل السجون، وكان السؤال هل نحن وحدنا من يجهل هذه المعلومات الصادمة!

المفاجأة أن جميع من سألناه من حولنا كان يمتلك فقط الصورة العامة دون إدراك التفاصيل والتي هي أهم بكثير من عموميات القضية. فالجميع يتحدث عن قضية الأسرى بطريقة مكررة وبصور أرشيفية تستخدم نفسها في كل مناسبة متعلقة بنقاش هذه القضية، فأدركت أننا كاعلاميين وصانعي أفلام لم نبذل أي جهد حقيقي في نقل ما يحدث، و ما يثير الحرج أكثر هو أننا كنا فقط بحاجة الى الاستماع الجيد لاصحاب هذه التجربة ونقلها كما هي و من دون استخدام أي عبارت تثير العاطفة، لان تفاصيل هذه التجربة بشكلها المجرد كفيلة بإحداث هزة عنيفة لأي انسان يدركها.

لذا كان من الطبيعي أن تبدأ رحلتي مع فريقي الرائع في إصرار لصناعة فيلم وثائقي وظيفته فقط نقل هذه الحقائق، ومن هنا كان التحدي الحقيقي كيف سنصنع فيلما بطريقة تجعل المشاهد يعي ويدرك هذه التفاصيل المؤلمة.

 لا أبالغ إذا قلت أني كنت أفكر في كيفية صنع ذلك خلال يقظتي، ومن ثم أشاهد أفكار يقظتي صورا في أحلامي و أنا نائم (وإن كانت أحلاما صعبة و قاسية) لقرابة أكثر من شهر على هذا الحال، الى أن أنهيت تصوري لانجاز هذا الوثائقي بطريقة مختلفة.

كان ملفتا للاهتمام تشابه ظروف وعناصر تجربة الإضراب للطعام التي مر بها الأسرى الفلسطينيون وتلك التي خاضها نظرائهم في العالم، وكانت أهم رسالة للمشاركين في كل تلك التجارب هو محاولة لفت الأنظار إلى أن هناك ظلماً شديداً يقع بهؤلاء الأسرى داخل أقبية السجون، ومن هنا اخترنا أن تكون التجربة الإيرلندية في الإضراب عن الطعام حاضرة خلال هذا الفيلم لتوثق مع التجربة الفلسطينية أحد أهم أشكال التضحية الانسانية لدفع الظلم الواقع بالانسان بأمعاء خاوية تواجه أدوات البطش والقهر والظلم.

بعد دراسة تفاصيل تجربة أيمن الشروانة وهناء شلبي وسامر العيساوي الذين منحونا وقتاً كبيرا لتزويدنا بتفاصيل تجربتهم، اتفقنا مع أيمن الشروانة على اعادة تمثيل تجربته تماما كما مر بها، لتكون الصور هي شهادة حية ومصدر معلومات لإخبار المشاهد بتلك التفاصيل وتسهيل إدراكه لها، لذا بذلنا اهتماما مضاعفا في دقة المعلومات المصورة للحفاظ على واقعية كل ما سيتم تصويره ليكون متطابقا مع ما يحدث داخل السجون حتى في التفاصيل الصغيرة والدقيقة. ومن هنا كان الأنسب أن يتم تصوير هذه المشاهد في سجن حقيقي استخدمه الاحتلال، وكان الخيار الوحيد هو سجن غزة المركزي المشهور بالسرايا والذي استخدمه الاحتلال الإسرائيلي في اعتقال الفلسطينيين لمدة 27 عاما وشهد عدة اضرابات عن الطعام.

لكن اختيار هذا السجن في غزة وضعنا أمام تحدي جديد، حيث ان الإحتلال قام بقصف هذا السجن وتدميره بشكل كبير، ولم يتبقى الا جزء بسيط من زنازينه والتي كانت بحاجة الى اعادة بناء وترميم لإعادتها كما كانت زمن الاحتلال، والتحدي هو الحصول على مواد البناء اللازمة والتي يمنع الاحتلال وصولها الى قطاع غزة منذ حصاره المشدد لها عام 2007.

بصعوبة بالغة نجحنا في تأمين ما يلزم لاعادة الترميم ، و بدأنا مع أيمن بزيارة المكان بعد ترميمه للاستعداد لبدء تصوير مشاهد إعادة التمثيل ، وكان من أصعب هذه المشاهد: مشهد إعادة تمثيل عملية التفتيش العاري ، فقمنا بإيجاد ممثل بديل لتنفيذ هذه المشاهد، وخلال مراجعتي مع أيمن الشراونة من تفاصيل المشاهد للتأكد أن ما سنقوم باعادة تمثيله مطابق بكل تفاصيله لتجربته داخل السجن ، أبلغته ان هناك ممثل يشبهه سيقوم بمشاهد اعادة تمثيل التفتيش العاري (حيث يتم تجريد الأسير تماما من ملابسه)، فسألني لماذا ممثل بديل.

ثم سألني: هل تعتقد أن من قام بالتضحية بحياته من أجل كرامته و كرامة الأسرى سيبخل باعادة تمثيل ما حدث معه حقا من أجل وقف معاناة إخوانه  الذين يتعرضون يوميا الى هذا الكم من المهانة داخل المعتقلات الإسرائيلية، وهل تعتقد أن أي ممثل سيستطيع إعادة تمثيل المشهد كما كان يحدث معي ، أنا جاهز لهذه التضحية بالرغم من صعوبتها نفسيا علي.

 لقد كان أيمن مذهلا بحرصه الشديد على نقل معاناته و معاناة شركائه الأسرى داخل المعتقلات الإسرائيلية ، قام بإغلاق محله التجاري و بقي طوال فترة التصوير المرهقة متطوعا كي يساهم بكل جهده في نقل هذه المعاناة ، كنت أراقبه خلال التصوير ، و أشاهد كم الألم في بعض المشاهد على وجه ، و أحيانا دمعاته اللاإرادية، كان قاسيا جدا عليه استعادة هذه الذكريات المؤلمة لكنه تجاوز ألمه من أجل نفس رسالة اضرابه عن الطعام و هو جعل العالم أن يدرك أن ظلما شديدا يقع بالبشر هنا.

أشعر أنى ومشاهدي هذا الفيلم مدينين لكل ضيوف هذا الفيلم بشكر عميق لجرأتهم الكبيرة للحديث عن معاناتهم وللمعلومات التي أحيانا يصعب الحديث عنها في مجتمع شرقي يميل الى إخفاء ما يظن أنه يجرح كرامته، لكن مقدار الظلم الشديد جعلهم يمتلكون الجرأة الكبيرة لتجاوز تلك القواعد وفضح تلك الممارسات بحقهم أملاً في وقفها من أحرار العالم ومنظومات صنع القرار.

مخرج الفيلم: أشرف مشهراوي