ثورة شعبية على المحتل الإسرائيلي، شارك فيها أكثر من نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، ليقع 120 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح وأسير.. هي انتفاضة الحجارة التي بدأت عام 1987 وسخر المحتل ثمانين ألف جندي لكبحها، واستخدم فيها كل أنواع التنكيل ومنها تكسير العظام وتفجير البيوت.

أدى الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع عام 1967 إلى التضييق على الفلسطينيين، من خلال إحكام السيطرة على تفاصيل حياتهم بالقوانين العسكرية، ومصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم، في مقابل بناء المستوطنات التي وصلت خلال السنوات العشر الأولى لاحتلال الضفة إلى 23 مستوطنة.

وحتى في الداخل الفلسطيني استمرت إسرائيل بمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر إسرائيلية.  

وبحسب الخبير الاقتصادي عادل سمارة، فقد ربط المواطن الفلسطيني تدريجيا بالكيان الصهيوني، وخلعت فكرة إنتاج الفلسطيني وارتباطه بأرضه، رغم أن الصراع هو على الأرض.

وأدت الممارسات الإسرائيلية إلى خروج فلسطينيي الداخل في مسيرات في نهاية مارس/آذار 1976 احتجاجا على مصادرة أراضيهم فيما عرف لاحقا بيوم الأرض، واستشهد خلال تلك المسيرات ستة فلسطينيين بنيران الجيش والشرطة الإسرائيلية. 

واستمرت المظاهرات عام 1976، وفي مايو/أيار في ذكرى النكبة من العام نفسه، تظاهر الفلسطينيون مجددا، واستمر الاحتلال في اغتيالهم، وكان من بينهم لينا النابلسي ابنة الخمسة عشر ربيعا.   

في أوائل الثمانينيات بدأت حركات سياسية تتشكل على غرار حركة الجهاد الإسلامي، ويقول القيادي في الحركة نافذ عزام إن تلك السنوات كانت صعبة بالنسبة للفلسطينيين، لأن الأمور كانت تتجه نحو المفاوضات والتسويات.

ثم جاء تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد استشهاد الناشطين في حركة الإخوان المسلمين صائب ذهب وجود سلمية في ديسمبر/كانون الأول 1986 برصاص الجيش الإسرائيلي في بير زيت.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة، فإن المقاومة التي كانت تتأسس في المساجد وفي النقابات وفي الجمعيات والمدارس، كانت حالة نضالية تؤسس لصحوة إسلامية هي التي ستشكل الحاضنة الشعبية للانتفاضة الأولى.

وقد استمر الشباب الفلسطيني في تلك الفترة في رشق الاحتلال بالحجارة، مما أدى إلى استشهاد 26 فلسطينيا بين 8 و31 ديسمبر/كانون الأول 1987.

تكسير العظام
وقد تحدث فلسطينيون عايشوا الانتفاضة الأولى لحلقة 10/12/2014، من بينهم الصحفي صفوت الكحلوت ابن مخيم جباليا الذي كان في الخامسة من عمره، وكذلك عزيزة ضاهر وحليمة جرمي التي استشهدت ابنتها سحر في مخيم بلاطا وهي لم تتجاوز 17 سنة.  

واسترجع الكحلوت ذكريات مقاومتهم للاحتلال وسقوط أول شهيد في الانتفاضة وهو حاتم السيسي.

أما وائل جودة من تل بلاطة بنابلس، فيروي ما تعرض له هو وابن عمه في 26 فبراير/شباط 1988، حيث قام جنود الاحتلال بتكسير عظامهما، وهو الحادث الذي نقلته شاشات العالم.

ويقول جودة الذي تم اعتقاله هو وابن عمه بعد تكسير عظامهما لبرنامج "فلسطين تحت المجهر"، إنه تفاجأ بجنود الاحتلال يضربونه، وإنه لم يفهم منهم سوى جملة "أنا ولدت لأقتل الفلسطينيين".

أمرام ميتزنا، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد -قائد الجبهة الوسطى- تحدث عن التحدي الذي كان يواجه جنود إسرائيل وكيفية التعامل معه.

واستخدمت إسرائيل أيضا سياسة تدمير منازل الفلسطينيين لكسر إرادتهم، حيث دمرت 240 منزلا خلال سنوات الانتفاضة الأولى الثلاث، وهي السياسة التي يؤكد أمرام ميتزنا، أنها استخدمت بشكل أكبر خلال الانتفاضة لردع الفلسطينيين الذين يقاومون.

كما اعتمد الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى على سياسة الاغتيال التي استهدفت خليل الوزير (أبو جهاد) فاغتالته خلية إسرائيلية اقتحمت منزله عام 1988 في العاصمة التونسية.

شكلت سلسلة من الأحداث الشعلة التي أطلقت الانتفاضة الأولى (١٩٨٧-١٩٩٣)  للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي. وشارك في المقاومة الشعبية رجال ونساء من كافة الأعمار، فخرجت مسيرات جماهيرية ضخمة، وواجه المتظاهرون الجنود بالحجارة، ونـُظمت حملات المقاطعة والعصيان المدني، ما أسهم في فضح الاحتلال الإسرائيلي أمام الرأي العام الدولي.

لعبت الأحزاب السياسية دوراً مركزياً في توجيه الانتفاضة، لكن القسم الأكبر من الزخم كان شعبياً بامتياز، إذ وضع الفلسطينيون أنفسهم نساء ورجالاً وأطفالاً على المحك مع المحتل الإسرائيلي لاسترجاع أرضهم وحقهم المسلوب.

عام ١٩٨٨ كنتُ صحفية مبتدئة، وقضيت ليالي طويلة أجمع وأوثق صور الأشعة لضحايا سياسة كسر العظام الإسرائيلية. وشريكي في إنتاج الفيلم، جورج عازر، قام بالتقاط آلاف الصور في فلسطين على مدار السنتين الأوليين من الانتفاضة، لتصبح فيما بعد بوصلة الفيلم والإطار الذي روينا من خلاله حكايات الناس العاديين الذين نسيت قصصهم مع الزمن.

من أكثر المواقف تأثيراً خلال إعدادنا للفيلم كانت تلك اللحظات التي جمعتنا مع الأشخاص الذين كان جورج قد التقط صورهم في الانتفاضة. معظمهم لم يكن قد اطلع على هذه الصور، ولم يدرك أنه جزء من أرشيف الانتفاضة إلى أن قابلناه. لكن العديد منهم رفض الظهور في الفيلم وسرد دوره في المقاومة قبل ثلاثين عاماً، خوفا من أن يتعرض للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فالاحتلال الإسرائيلي ما زال جاثما على فلسطين.

لم تتوقف سياسات السلب والقتل والاعتقال الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفي حين أن الوضع في غزة ليس أقل سوءاً جراء الحصار المفروض على القطاع، إلا أن غياب السيطرة العسكرية الإسرائيلية مكنت ضيوفنا الفلسطينيين في قطاع غزة من الحديث للكاميرا بحرية أكبر.

وكان من الذين شاركونا قصصهم وذاكرتهم، أم علاء مطر من قرية بيتا في الضفة الغربية، ويعتبرها الفلسطينيون رمزاً للبطولة خلال الانتفاضة، عندما رفعت العلم الفلسطيني عالياً عام ١٩٨٨. أما عزيزة ضاهر من مخيم جباليا في قطاع غزة، فكانت في المستشفى الذي استقبل أوائل الشهداء والجرحى في ديسمبر/كانون الأول ١٩٨٧. كما قابلنا أم الشهيدة سحر الجرمي -أول شهيدة في الضفة الغربية في الانتفاضة- فكان لها حصة في الفيلم. فالشهيدة سحر حية في صورها التي زينت زوايا منزل عائلتها.

أبهرتني قصص عائلات الشهداء الذين قابلتهم بعد ثلاثين عاماً، وهم بعضٌ من ألفي شهيد وشهيدة خلال الانتفاضة الأولى. في بعض الحالات، كنا نعثر على ذوي الشهيد، لكننا نتفاجأ بأنه ليس لديهم أي صور لفقيدهم. أحياناً، كنا نجد صورة واحدة فقط للشهيد، فقمنا بنسخها على الفور كي تكتمل القصة.

صورة انتصار العطار ابنة دير البلح التي استشهدت في ساحة مدرستها وعمرها سبعة عشر عاماً، برصاصة في الظهر أطلقها مستوطن إسرائيلي، قبل أسابيع من اندلاع الانتفاضة عام 1987، ستبقى بعد هذه الحلقات من برنامج فلسطين تحت المجهر محفورة في أذهاننا للأبد، إلى جانب العديد من قصص الذين قتلوا بدم بارد، وآخرين ضحوا بحياتهم من أجل استرجاع حقوقهم وأرضهم المغتصبة، لهم أهدي هذا العمل "حكايات من انتفاضة الحجارة" بجزأيه.

المخرجة: مريم شاهين