شيعت قرية بيت ساحور أواخر عام 1988 شهداءها الذين سقطوا بنيران جنود الاحتلال الإسرائيلي. ورفض سكان القرية دفع الضرائب للسلطات الإسرائيلية التي حاصرت القرية مدة أربعين يوما لإجبار المواطنين على الدفع.

ووجد الفلسطينيون أنفسهم مجبرين على حمل بطاقة هوية تجعل لكل فرد منهم ملفا أمنيا، ومن يرفض حمل هذه الهوية يعرض نفسه للاعتقال، وقام سكان قرية بيت ساحور برمي هذه البطاقة فيما يبدو عصيانا مدنيا.

وصادر الجيش الإسرائيلي كل الرموز الوطنية مثل الأعلام الفلسطينية، وقتل ناشطا فلسطينيا بتهمة رفع العلم الفلسطيني، وأمر أهله بدفنه ليلا، ولكن مواطني القرية خالفوا هذه التعليمات ونظموا جنازة رمزية لدفن الشهيد.

واستخدم الجيش الإسرائيلي سياسة إغلاق الجامعات الفلسطينية كعقاب جماعي، وتعمد فعل ذلك قبل وقت الامتحانات حتى يضيع السنة الدراسية على الطلاب.

سرقة الأعضاء
وقالت الناشطة إبان الانتفاضة تغريد جمعة إن الفلسطينيين استخدموا وسائل بديلة للتعليم عوضا عن المدارس والجامعات المغلقة، حيث استخدموا مراكز مغلقة بعيدة عن أعين الاحتلال لتعليم الطلاب بدلا عن تلك التي أغلقها الجيش الإسرائيلي.

من جهته، أوضح الموظف ببلدية رفح خالد جمعة أن العام 1990 شهد عمليات سرقة لأعضاء أجساد الشهداء قام بها الجيش الإسرائيلي، حيث يتم تسليم جثامين الشهداء مشوهه لأهاليهم، وأمرهم بدفنها فورا.

وأضاف جمعة أن الفن والأناشيد الجهادية لعبت دورا في تمجيد الشهداء ورفع سيرتهم ونضالهم بعد استشهادهم فداء للوطن، وقال إنهم استخدموا مضمونا شعريا غير مباشر في البداية، وقصائد لشعراء معروفين ومشهورين، ولكنهم عادوا بعد ذلك للتغني بأناشيد تحمل الأسماء الشخصية للشهداء.

وتوضح الحلقة أن أناشيد المقاومة تلونت بألوان كل الفصائل المشاركة في المقاومة ضد المحتل الإسرائيلي، فشاركت فرقة اليرموك الإسلامية عام 1988 بالأناشيد المخصصة لإلهاب حماس الانتفاضة، إضافة إلى فرق أخرى اعتمدت الرقص الشعبي والموال والدبكة وسائل للتحميس والحث على المقاومة.

التعذيب الممنهج
وعقب السنوات الثلاث الأولى من عمر الانتفاضة سجنت إسرائيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، في حين رفض بعض المطاردين تسليم أنفسهم لسلطات الاحتلال فاستخدم العملاء لتعقبهم وجمع المعلومات عنهم.

واستخدمت إسرائيل أقسى وسائل التعذيب ضد المعتقلين في السجون، حيث أوضح الناشط السابق والأسير المحرر مؤيد عبد الصمد -الذي قضى 26 عاما في السجون بتهمة استهداف جنود إسرائيليين- أن التعذيب كان ممنهجا في السجون، ويتعرض المعتقلون لأبشع أنواعه بهدف إجبارهم على الاعتراف أو انتزاع معلومات منهم.

وأضاف عبد الصمد أن الأسرى كانوا يفلحون -رغم التشدد الإسرائيلي- في تهريب رسائل من داخل السجون بوسائل خاصة وطرق لم يكتشفها الإسرائيليون.

وقتل مسلحو الانتفاضة قرابة 800 فلسطيني بتهمة التعاون مع إسرائيل، وكشفت تقارير أن حوالي 40% من هؤلاء الفلسطينيين كانت لهم رواتب ثابتة من الحكومة الإسرائيلية أو من منظمات متعاونة معها، وأقر عميل المخابرات الإسرائيلية عبد القادر رجوب أنه تعاون معها بشكل احترافي.

شكلت سلسلة من الأحداث الشعلة التي أطلقت الانتفاضة الأولى (١٩٨٧-١٩٩٣)  للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي. وشارك في المقاومة الشعبية رجال ونساء من كافة الأعمار، فخرجت مسيرات جماهيرية ضخمة، وواجه المتظاهرون الجنود بالحجارة، ونـُظمت حملات المقاطعة والعصيان المدني، مما أسهم في فضح الاحتلال الإسرائيلي أمام الرأي العام الدولي.

لعبت الأحزاب السياسية دوراً مركزياً في توجيه الانتفاضة، لكن القسم الأكبر من الزخم كان شعبياً بامتياز، إذ وضع الفلسطينيون أنفسهم نساء ورجالاً وأطفالاً على المحك مع المحتل الإسرائيلي لاسترجاع أرضهم وحقهم المسلوب.

عام ١٩٨٨ كنتُ صحفية مبتدئة، وقضيت ليالي طويلة أجمع وأوثق صور الأشعة لضحايا سياسة كسر العظام الإسرائيلية. وشريكي في إنتاج الفيلم، جورج عازر، قام بالتقاط آلاف الصور في فلسطين على مدار السنتين الأوليين من الانتفاضة، لتصبح فيما بعد بوصلة الفيلم والإطار الذي روينا من خلاله حكايات الناس العاديين الذين نسيت قصصهم مع الزمن.

من أكثر المواقف تأثيراً خلال إعدادنا للفيلم كانت تلك اللحظات التي جمعتنا مع الأشخاص الذين كان جورج قد التقط صورهم في الانتفاضة. معظمهم لم يكن قد اطلع على هذه الصور، ولم يدرك أنه جزء من أرشيف الانتفاضة إلى أن قابلناه. لكن العديد منهم رفض الظهور في الفيلم وسرد دوره في المقاومة قبل ثلاثين عاماً، خوفا من أن يتعرض للملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فالاحتلال الإسرائيلي ما زال جاثما على فلسطين.

لم تتوقف سياسات السلب والقتل والاعتقال الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفي حين أن الوضع في غزة ليس أقل سوءاً جراء الحصار المفروض على القطاع، إلا أن غياب السيطرة العسكرية الإسرائيلية مكنت ضيوفنا الفلسطينيين في قطاع غزة من الحديث للكاميرا بحرية أكبر.

وكان من الذين شاركونا قصصهم وذاكرتهم، أم علاء مطر من قرية بيتا في الضفة الغربية، ويعتبرها الفلسطينيون رمزاً للبطولة خلال الانتفاضة، عندما رفعت العلم الفلسطيني عالياً عام ١٩٨٨. أما عزيزة ضاهر من مخيم جباليا في قطاع غزة، فكانت في المستشفى الذي استقبل أوائل الشهداء والجرحى في ديسمبر/كانون الأول ١٩٨٧. كما قابلنا أم الشهيدة سحر الجرمي -أول شهيدة في الضفة الغربية في الانتفاضة- فكان لها حصة في الفيلم. فالشهيدة سحر حية في صورها التي زينت زوايا منزل عائلتها.

أبهرتني قصص عائلات الشهداء الذين قابلتهم بعد ثلاثين عاماً، وهم بعضٌ من ألفي شهيد وشهيدة خلال الانتفاضة الأولى. في بعض الحالات، كنا نعثر على ذوي الشهيد، لكننا نتفاجأ بأنه ليس لديهم أي صور لفقيدهم. أحياناً، كنا نجد صورة واحدة فقط للشهيد، فقمنا بنسخها على الفور كي تكتمل القصة.

صورة انتصار العطار ابنة دير البلح التي استشهدت في ساحة مدرستها وعمرها سبعة عشر عاماً، برصاصة في الظهر أطلقها مستوطن إسرائيلي، قبل أسابيع من اندلاع الانتفاضة عام 1987، ستبقى بعد هذه الحلقات من برنامج فلسطين تحت المجهر محفورة في أذهاننا للأبد، إلى جانب العديد من قصص الذين قتلوا بدم بارد، وآخرين ضحوا بحياتهم من أجل استرجاع حقوقهم وأرضهم المغتصبة، لهم أهدي هذا العمل "حكايات من انتفاضة الحجارة" بجزأيه.

 المخرجة: مريم شاهين