يمنع المواطن الفلسطيني في مدينة القدس من البناء، وحين يفعل تكون الجرافة الإسرائيلية له بالمرصاد وتلاحقه الغرامات الثقيلة فيضطر لهدم بيته بيده، في مأساة إنسانية كبيرة.

ويؤكد مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد حموري لحلقة 5/11/2014 من برنامج "فلسطين تحت المجهر" أن المصادر الإسرائيلية تشير إلى أن هناك أكثر من عشرين ألف أمر هدم لمائتي منزل ومنشأة عام 2013.

من جانبه، يقول ديفد كوهين مستشار رئيس بلدية القدس إنه خلال السنوات الثلاث الماضية تم تنفيذ ثمانين عملية هدم في شرقي القدس، ويشير إلى أن أرقام الهدم منخفضة في غربي المدينة، وأن هناك ارتفاعا في عدد الرخص الممنوحة للسكان العرب.

ويطالب كوهين السكان العرب بالتوقف عن البناء غير المرخص بحجة أن هدف بلدية القدس هو بناء الأحياء بشكل منظم.

غير أن أحمد الصفدي -محام يعمل في مجال التنظيم والبناء- يشدد على أن سلطات الاحتلال تتحجج دائما بالاعتبار التنظيمي، لكن هدفها هو إبعاد الفلسطينيين عن مركز القدس، وأشار إلى أن ترخيص البناء يحتاج إلى وجود قطعة أرض، وفي حال وجودها يكون الفلسطيني مجبرا على إثبات ملكيته لها، وهنا تكون الإشكالية الكبيرة، وحتى لو تمكن -يضيف الصفدي- هذا المواطن من إثبات ملكيته لها تواجهه عراقيل بشأن مدى صلاحية هذه الأرض لمعايير البلدية.

وقد اضطر العديد من سكان القدس إلى هدم بيوتهم بأيديهم بأوامر من المحكمة الإسرائيلية، وهو حال داود سعيد الذي بنى بيته بتعب ومشقة، وباعت زوجته ذهبها وحليها كي تجهز وتعمر المنزل، لكنه اضطر إلى هدمه بيده ليبقى هو وأبناؤه السبعة دون مأوى.  

مع العلم أن بلدية القدس تفرض غرامة هدم قدرها 48 ألف شيكل على صاحب المنزل "المخالف" في حال لم يتكفل هو بهدمه، وهو ما يضطر أصحاب المنازل إلى هدم بيوتهم بأيديهم تفاديا لدفع الغرامة الثقيلة.

هدف الاحتلال
ورغم المأساة التي يمر بها سعيد، فإنه يعتبر أن القضية قضية وطن بأكمله، فلا أحد يمكنه ترك القدس والرحيل وهو ما يهدف إليه الاحتلال الإسرائيلي من وراء كل هذه الإجراءات والعراقيل.

ويعبر المواطن المقدسي عزام عفيفي عن الألم الذي يشعر به من يقدم على هدم بيته بيده، "عندما تهدم بيتك بيدك تشعر كأنك تهدم الحلم الذي بنيته، وتهدم شيئا ما بجسمك".

ويقول عفيفي إنه كان يملك بيتا من غرفتين في البلدة القديمة، وكان جميلا جدا، وأولاده كانوا يحبون السكن فيه لأنهم ولدوا وكبروا هناك.

سحر الشريف -مواطنة مقدسية تعيش هي الأخرى المأساة نفسها- حيث لاحقتها وأسرتها أوامر الهدم 17 عاما، لكنها لم تعد قادرة على التحمل بعد أن أنهكتها الغرامات المتتالية، وتقول إنها شعرت بأن حياتها تنتهي لما شرعوا في هدم البيت الذي بنوه واضطروا لهدمه بأوامر من الاحتلال.

ويصف مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الهدم الذاتي بأنه مأساة كبيرة جدا تترك آثارا على الأسرة والأطفال، لأن التشريد هو تشريد ذاتي.

جذبني تقرير إخباري مصور عن عائلة كانت تجلس أمام بيت مهدّم، ينظرون بصمت إلى بيتهم بكل حزن وألم: امرأة شاحبة الوجه عيناها تدمعان حرقةً وهي تعود بذكرياتها إلى الوراء، وزوج طاعن في العمر بوجه متجهم، كأن على رأسه الطير، ينظر إلى بيته الذي بناه بعد طول عناء ومشقة، وشابٌ يجلس عاجزا لا يحرك ساكنا، كجسد استنفذت قواه، وكأني أراه ينظر إلى صورة مستقبل قد ضاع بدءا من هذه اللحظة.

 صور ومآسي جرحت شعوري وأثارت شجوني وأفكاري، وبدأت أفكّر بأن أعدّ فيلما عن هذه العائلات التي تصرخ من أعماقها ألما وقهراً من هذا الواقع الجديد الذي حل بهم. لقد أمرهم الاحتلال الإسرائيلي أن يهدموا بيوتهم بأيديهم، والهدف أن يهدموا انتماءهم وتمسكهم بمدينتهم.

زاد اهتمامي بهذا الموضوع لمعرفتي واطلاعي على عمل بلدية القدس التي تكيل بمكيالين مع سكان المدينة نفسها. ففي شرق المدينة، حيث السكان العرب، هدم وحرمان وتشديد ومنع للبناء، وفي غربها، حيث السكان اليهود، نشاهد بناء  متواصلاً وعطاء مزهراً  وازدهارا عمرانيا.

ولأن القصة قصة صراع ومواجهة مباشرة تجمع هذه العائلات بالمحتل في قلب مدينتهم، قررنا إنتاج فيلم وثائقي يروي حكاية عائلات لم يسمع صوتها بشكل كافٍ في القرن الحادي والعشرين. بدأت رحلتنا بالبحث عن حالات مناسبة قابلة للتعاون معنا في سبيل إنتاج فيلم نتمكن من خلاله إيصال المعاناة والرسالة بصدق.

واجهتنا بعض الصعوبات الإنتاجية باعتبار مدينة القدس مدينة محاصرة لا يدخلها، تقريبا، سوى الأجانب من خارج فلسطين أو حملة الهوية المقدسية، وكذا صعوبة التنسيق مع الحالات (العائلات المختارة) كونها تعيش في ظروف صعبة للغاية، وفي حالة انهيار وضغط نفسيين،  نتيجة لما حلّ ببيوتها.

بدأنا التصوير وعايشنا العائلات وآلام أفرادها من استلام أوامر الهدم، ثم متابعة إجراء العملية نفسها  وما بعدها في معايشة متواصلة لمآل العائلات بعد انتهاء عملية هدم البيوت. استغرق فترة التصوير ما يقارب نصف العام، أعقبتها مرحلة بناء القصة والمونتاج لنكمل الفيلم بعد عام كامل من العمل.

كطاقم إنتاج، نعتبر هذا الفيلم تحديا كبيرا وفخرا لنا ، كونه يجسد رسالة صغيرة مرسلة من قلوب أطفال ونساء وشيوخ يموتون في اليوم ألف مرة معاناة من ظلم وجور جلادهم.

في النهاية، فيلم: "اهدم بيتك بيدك" ليس شعاراً عادياً أو كلاماً على الورق بل هو حروف كتبت تستعرض بالصورة والكلمة ألم وقهر وظلم تعيشه عائلات أجبرها المحتل الإسرائيلي على هدم بيوتها وأحلامها بأيديها.

 المخرج: رأفت أبو زيد