سياسة تجهيل يتبعها الاحتلال الإسرائيلي في بيت المقدس مكرا وقهرا، لسلب الجيل الجديد حقه في التعليم حتى المرحلة الجامعية، للخروج بنشء غير متعلم وجاهل ثقافيا وعلميا يسهل تخليه عن هويته وجذوره.

وتبين حلقة "تجهيل القدس" -المعادة- التي استطلعت آراء الخبراء والمسؤولين في مجال التعليم بالقدس، كيف تفضي هذه السياسة بدورها إلى أمر ثانٍ ألا وهو تركيبة ديمغرافية تتكون من أقلية عربية غير متعلمة وطاعنة في السن، لاضطرار من يبقى في قيد التعليم من الشباب للهجرة خارج القدس -وربما إلى الأبد- لمواصلة دراسته الجامعية.

النظام التعليمي
أدركت إسرائيل -منذ استيلائها على الضفة الغربية في يونيو/حزيران 1967- أهمية إخضاع النظام التعليمي الفلسطيني لقبضة سلطات الاحتلال بغية تسهيل السيطرة على كامل الأرض، ولقمع الجيل الجديد الذي يعد الشريان النابض للشعب الذي أسماه ديفد بن غوريون -أول رئيس وزراء إسرائيلي- "الصغار"، حيث غيّرت إسرائيل المناهج العربية بما يتلاءم ومتطلبات الاحتلال، وأدخلت شهادة "البجروت" عوضا عن شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) غير المعترف بها في الجامعات العبرية، ليتبع ذلك بعدم اعترافها بشهادة جامعة القدس (العربية).

وحتى الطلاب الفلسطينيون الذين يختارون "البجروت" طموحا في دخول إحدى الجامعات العبرية ويضطرون لحفظ وثيقة الاستقلال الإسرائيلية عن ظهر قلب، تلك الوثيقة التي تعبث بالتاريخ الفلسطيني، لا يستطيعون دراسة بعض التخصصات في الجامعات الإسرائيلية، كهندسة الجينات في كلية الطب مثلا، ناهيك عن منعهم من دراسة الطيران، فهذه تخصصات "محظورة".

القمع الثقافي
يبدأ القمع الثقافي من الصف الأول الابتدائي بعدم توفير مقاعد دراسية كافية، وإن توافر المقعد فغالبا ما يكون في مكان بعيد عن مقر السكن لندرة المدارس أصلا، ثم تكون معاناة أخرى عند الحواجز التي يسمونها "أمنية".

أما الكتب المدرسية -التي أقرت بعد "معاهدة أوسلو"- فقد نقحها متخصصون من إسرائيل والولايات المتحدة، وحذف منها الكثير من النصوص والرسوم والصور، فأضحت بعض صفحات المناهج إما بيضاء أو مشوهة، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر حذف العلم الفلسطيني من سارية يضمها طفل وطفلة، فباتت الصورة بعد حذف العلم كأن الطفلين يتشاجران على مجرد عصا!

أما المعلمون الفلسطينيون فيخضعون لمراقبة صارمة في كل ما يعلمونه لطلابهم، ويتم استدعاء كل معلم أو معلمة إلى مقر الأجهزة الأمنية إن تجرأ على تعريف الطلبة "بالنكبة".

لكن لا يبدو أن ذلك سيفت من عزيمة المعلمين الفلسطينيين، فتهريب الكتب غير المعدلة يقع على عاتقهم، ليذكرنا ذلك بعهود استبداد القيصرية الروسية إبان احتلالها بولندا.

مهربو الكتب الفلسطينيون يهربون كتب المناهج غير المشوهة حتى يعلموا طلبتهم شيئا عن فلسطين وتاريخها، وكثيرا عن العربية وجمالها، وكذلك حتى يبينوا أن الطفلة والطفل في كتاب القراءة لا يتشاجران على عصا، بل يرفعان راية، ليفندا مقولة بن غوريون بأنه وإن "مات الكبار" "فالصغار" لا ينسون.

المخرجة: بهية نمور

لا أنكر مطلقا أني لم أتحمس في البداية لفكرة الفيلم، وكنت أظن أنه سيكون بما يحوي من مضمون حشوا معلوماتيا فحسب، إلى أن أدركت وأنا أطالع المادة البحثية الأولية أنني أمام حرب حقيقية مفرداتها مبنى المدرسة والقلم والكتاب والحلم. نعم في كل تلك العناصر يحارب الإسرائيلي الفلسطيني ليصنع إنسانا جاهلا وجيلا جاهلا في القدس المحاربة حتى في التعليم!

لم أقاوم البدء بأحلام الطلاب في الصف الأول وطموحاتهم المستقبلية، ومن أحلامهم التي انطلقت أتابعها من الذي يحلم بأن يكون طبيب أو مدرسا أو طيارا، بدأت مشوار الفيلم لأتابع ظروف التعليم هناك بالقدس الخاضع بمعظمه للسلطة الإسرائيلية التي تتحكم بالمدارس العمومية وكذا المدارس الخاصة التي تشكل النسبة الأقل في القدس.

تتبعت حياة  الطلاب الدراسية من داخل الصف الذي لا يتسع للطلبة، ومن داخل المدرسة حيث تقفز الطالبات من فوق المقاعد لتدخل الصف، سرت معهم في رحلتهم اليومية التي لا تخلو من المرور بالحواجز العسكرية التي لا تتورع عن تفتيش الحقائب المدرسية حيث لا يشفع لابن السنوات الست عمره إن هو نسي إحضار شهادة ميلاده كل يوم ليستطيع المرور من الحاجز الإسرائيلي!

التضييق لا يعني الطالب وحده بل يتجاوزه إلى كتابه ومنهاجه الدراسي أيضا، فكانت رحلة تحدي جديدة مع مدرس يهرب الكتب عبر الحواجز ليتمكن زملاؤه من تدريس المنهاج الوطني الفلسطيني لا المحتل الإسرائيلي المفروض عليهم!

تابعت أحلام الطلبة التي تتحطم على صخرة الاعتراف الإسرائيلي بالجامعات الفلسطينية وعلى صخرة سوق العمل الذي لا يقبل بالشهادة الفلسطينية دليل تفوق ونجاح، فيضطر الفلسطيني الساعي وراء أحلامه إما أن يقدم لامتحان "البجروت" الإسرائيلي ليدرس في الجامعات العبرية أو أن يسافر خارجا لتحقيق طموحاته بعيدا عن القدس، وهو ما يسعى له الاحتلال المستهدف لتفريغ المدينة من أهلها.

تلك إجابات الطلبة واعتقاداتهم حين نصادفهم ونناقشهم على مقاعد الثانوية، وقد باتت الأحلام سرابا بفعل الممارسات الإسرائيلية التي تتعمد عن سبق إصرار وتخطيط  تجهيل أبناء القدس الشريف !

فيلم (تجهيل القدس) في نظري  يستحق المشاهدة لأهمية موضوعه أولا وللجرعة الإنسانية العالية التي مكنتنا معايشة أطفالنا في القدس باعتبارهم جيل المستقبل من تضمينها إياه ثانيا.

 

النص الكامل للحلقة