ناقشت الحلقة الثانية من (ثمن أوسلو) ضمن برنامج "فلسطين تحت المجهر" التي بثت بتاريخ 12/9/2013 دور مؤسسة "فافو" التي مهدت الطريق إلى أوسلو، ووثيقة سارسبورغ السرية ومفاوضات واشنطن العلنية، متناولة الأخطاء القاتلة في المفاوضات، وواقع فلسطين بعد مرور عشرين عاما على التوقيع.

وأوضحت الحلقة أن البحث الذي أعدته مؤسسة الأبحاث "فافو" النرويجية أوائل التسعينيات وعنوانه "المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس العربية مسحٌ للظروف الحياتية"، كان غطاء للإعداد للمفاوضات السرية المباشرة بين منظمة التحرير وإسرائيل.

وأبان البرنامج أن على بعد مائة كيلومتر من العاصمة أوسلو وفي قلب الريف النرويجي وبالقرب من الحدود السويدية اجتمع إسرائيليان وثلاثة فلسطينيين وأربعة نرويجيين، ثلاث مرات على مدى الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1993 مما سينتج عنه لاحقاً اتفاقية غيرت وجه الشرق الأوسط.

وتكررت جولات المفاوضات السرية هنا في سارسبورغ قرب أوسلو بواقع يومين كل شهر بينما علقت المفاوضات العلنية في واشنطن، وفي فبراير ومارس وأبريل من عام 1993 تم تجهيز وثيقة سارسبورغ وقدمت المسودة الأصلية لاتفاقية أوسلو إلى وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر الذي كان متحمساً جداً لها، وتابع بالتوازي مفاوضات أوسلو وواشنطن، وحينها أدرك الإسرائيليون أنّ مفاوضات واشنطن لن تحقق أهدافهم بعد مرور ثمانية عشرة شهراً على انطلاقها.

كان أبرز ما نصت عليه وثيقة إعلان المبادئ هو أن هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تشكيل سلطة فلسطينية ذاتية لمرحلة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات
أخطاء
وفي إشارة للأخطاء القاتلة كشفت الحلقة أن أول لقاء لأوري سافير مع الوفد الفلسطيني أكد على ثلاثة شروط للتفاوض أولاً: لا للتفاوض على القدس أو اللاجئين، ثانياً: لا إشراف للأمم المتحدة ولا تحكيم دولياً، ثالثاً: استمرار المفاوضات العلنية في واشنطن بالتوازي مع المفاوضات السرية. ووافق الفلسطينيون.

وبحلول أوائل يوليو تموز عام 1993 عرضت وثيقة إعلان المبادئ المعدلة محددةً صلاحيات الحكم الذاتي وأنه لن يشمل المستوطنات أو المناطق العسكرية أو القدس وأنّ إسرائيل ستبقى مسؤولة عن أمن إسرائيل وحماية المستوطنين.

وكان أبرز ما نصت عليه وثيقة إعلان المبادئ هو أن هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تشكيل سلطة فلسطينية ذاتية لمرحلة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات تبدأ حال الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، ويعاد انتشار القوات الإسرائيلية خارج المناطق المأهولة بالسكان بينما تبدأ مفاوضات الوضع النهائي في السنة الثالثة في حين تواصل إسرائيل تحمل مسؤولية الأمن الخارجي وأمن المستوطنات وأمن الإسرائيليين العام.

ومن تسلسل الأحداث يتضح أن حدود إسرائيل ظلت منذ عام 1948 إلى اليوم حدودا مرنة وفق الفرص المتاحة، فمن جهة تنسحب من لبنان وغزة أحاديا وتبني الجدار الذي يبتلع أراضي من الضفة الغربية وكأنها ستنغلق على نفسها، ومن جهة أخرى يتمدد الاستيطان خلف هذا الجدار ليرسّخ استمرار احتلال ما تبقى من أرض فلسطين.

وعند اكتمال بناء جدار الفصل العنصري ستكون إسرائيل قد استحوذت على حوالي نصف أراضي الضفة الغربية التي تشكل أصلا خمس مساحة فلسطين التاريخية ويستوطنها اليوم أكثر من 300 ألف مستوطن إسرائيلي عدا حوالي مائتي ألف مستوطن في القدس الشرقية.

روان الضامن

غزة، زرتها آخر مرة منذ 15 عاما، عام 1999، كنت أصور لمهمة طلابية أثناء دراسة البكالوريوس في جامعة بيرزيت بفلسطين، كان آخر صيف قبل انقضاء عمر اتفاقية أوسلو كما جاء في نصها، فقد ولدت لتموت بعد خمس سنوات بعد أن تحقق أهداف مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي الفلسطيني.

بالطبع سلكنا الطريق الوحيد من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، العابر لـ "إسرائيل" لأن الوحدة التي ذكرت في اتفاق أوسلو بين جزأين احتلا عام 1967 لم يكن لها تطبيق على الأرض أو في نص الاتفاقية، كان وما زال عليك  كفلسطيني أن تأخذ إذنا عسكريا من إسرائيل لتغادر حدود الضفة الغربية، وتدخل إسرائيل، وتأخذ إذنا عسكريا إسرائيليا لتغادر إسرائيل وتدخل قطاع غزة، عبر معبر عسكري إسرائيلي أمني دقيق (إيرتز). اليوم، حتى هذا الإذن العسكري الإسرائيلي ممنوع.

روان الضامن

كانت الرحلة كافية لتذكرك أن نص اتفاق أوسلو لا يسمح بطريقة آمنة كريمة للانتقال من الضفة إلى غزة أو العكس، فممنوع على طلاب غزة الدراسة في جامعات الضفة الغربية منذ عام 1991 مع مؤتمر مدريد للسلام. كانت الرحلة كافية لترى كل الإنشاءات في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا تهدأ ليلا ولا نهارا، وأن دولة إسرائيل استغلت تلك السنوات من 1993 إلى 1999 لتضاعف المستوطنات والمستوطنين ثلاث مرات، كانت تسابق الزمن لتكسب الوقت، لأن الوقت هو المعركة الحقيقية، وأن نص اتفاق أوسلو يحفظ لإسرائيل التحكم بالحدود وحماية المستوطنين والإسرائيليين بين المستوطنات، دون أي نص يحمي الفلسطينيين حتى داخل منازلهم، خاصة أن ستين بالمائة من أرض الضفة الغربية أصبحت عسكرية إسرائيلية كاحتياط أرض لتمدد المستوطنات. 

أذكر أعوام "أوسلو" الأولى (إن جاز التعبير)، تأمل الفلسطينيون برموز علم فلسطين ومؤسسات تحمل لافتات أنها فلسطينية، وأموال المانحين. لكن الفلسطينيين لم يحظوا بأدنى قدر حتى من الحكم الذاتي، فلا الكهرباء ولا الماء ولا الكلأ ولا الاتصال ولا التصدير ولا الاستيراد ولا التوسع على الأرض ولا التواصل مع البحر ولا السماء من حق الفلسطينيين في نص أوسلو أو في تطبيقها. فالفلسطيني وفق نص اتفاقية أوسلو هم فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يمتون بأي صلة لملايين فلسطينيي القدس والداخل الفلسطيني والشتات، وكأن هؤلاء شعب وأولئك شعب آخر.

ولا يمتون بأي صلة لعمقهم العربي، ولا تستند اتفاقية سلامهم إلى القانون الدولي وشرعية العالم بأي شكل. وليس هناك في نص الاتفاق أي مسؤولية تاريخية تقع على عاتق إسرائيل عما حدث لهم من نكبة، ولا ذكر للانتداب البريطاني أو أي سياق وقع فيه الاحتلال والاستعمار. لأن إسرائيل جيشا وأحزابا سياسية (مهما اختلفت أسماؤها) تستند لمشروع صهيوني مستمر يرى أن كل فلسطين التاريخية أرض لإسرائيل، وأن كل الفلسطينيين هم أدنى من البشر، وأن كل الخير أن يختفوا عن وجه الأرض، ولعل الاختلاف بين الإسرائيليين هو في طريقة الاختفاء، تطهير عرقي مباشر تجرّب فيه الأسلحة القاتلة المتطورة كما يحصل اليوم في قطاع غزة، وكما حصل عام 1948، أو تطهير عرقي بطيء كما يحصل منذ عام 1949 إلى اليوم، ودموية الاختفاء بالدم والحديد والنار، أو بالترغيب وفتح باب الهجرة والابتسامات، وإن لم يختف البقية الباقية من الفلسطينيين فعليهم أن يخنقوا في أقل مساحة من الجغرافيا. 

حين بدأت البحث لإعداد "ثمن أوسلو"، اعتقدت أن المهمة سهلة لأن الأمر تم منذ عشرين عاما حيث وسائل الإعلام والتوثيق متاحة، ولكنني اكتشفت مع الغوص في البحث في الكتب والصحف والوثائق والأرشيف الإسرائيلي والفلسطيني المبعثر والنرويجي والأميركي، والتصوير في أوسلو الثلجية البعيدة، أن التحدي لا يقل عن تحدي إخراج سلسلة النكبة وأصحاب البلاد الوثائقيتين، لأن محاضر نقاشات مفاوضات أوسلو السرية على مدى تسعة أشهر لم تحفظ عمدا في أي مكان، وكتب التاريخ التي ناقشت المفاوضات وما قبلها أميركيا وأوروبيا وعربيا شوهت الحقائق وقدمت كمّا لا نهائيا من الأخطاء عمدا وعرضا، وأن كل الأطراف المشاركة لها مصلحة في تقديم القصة لتبدو هي الطرف الذي قدم "تنازلات" و"كان الضحية".

واكتشفت بالتدريج -وعلى مدى أشهر- أن مسؤولية مخرج فيلم وثائقي عن اتفاق أوسلو أن يكون مؤرخا أولا ثم مخرجا، وحاولت بكل جهدي أن أخلص للعمل، وبث على جزأين على قناتي الجزيرة الإخبارية والجزيرة الدولية (الناطقة بالإنجليزية). أذكر عرض العمل في لندن في مؤتمر مشترك لجامعة أكستر ومركز العودة في ذكرى أوسلو العشرين في سبتمبر/أيلول 2013، ولن أنسى في عيون المؤرخين المتخصصين الدهشة من معلومات الفيلم، لأن ما جاء على لسان الضيوف والأرشيف كان جديدا لم يذكر في أي كتاب أو فيلم وثائقي من قبل.

العمل الوثائقي، وقد كرست حياتي له منذ أكثر من عشر سنوات، ليس عملا فرديا، رغم أن لكل فيلم صاحبا واحدا، له بصمته الخاصة، لكنه عمل جماعي يسهم فيه المصور والمنتج والمونتير والموسيقي و... ومهما صغر أو كبر حجم الفريق، وصغرت أو كبرت مساهمة كل فرد منهم، فإنه دونهم جميعا، ودون دعم العائلة والأصدقاء لجنون عملية إخراج فيلم وثائقي، فإنه لن نشاهد على شاشاتنا أعمالا تبدو فنية، لكن عمقها بحثي إنساني سياسي، تسهم في الإضاءة على السؤال الأهم: لماذا استهدفت فلسطين بالاستعمار الاحتلالي الإحلالي وسط العالم العربي المثخن بالجراح اليوم، وكيف يمكن أن نسهم في رفع الظلم؟ وكيف استخدم سلاح "العملية السلمية" لتقوية طرف محتل على حساب طرف آخر تحت الاحتلال؟