- الأسرى ومعاناتهم خلف الأسوار
- شوق إلى الحرية

- فرحة عارمة في صفوف الأسرى المحررين

- الأسرى المحررون في عالم متغير

- هواجس الاعتقال ومخاوفه


[نص مكتوب]

أحمد أبو السكر
محمود مشلاوي
أنور ياسين
تحسين الحلبي
تريز هلسة
أحمد أبو هدبة

700 ألف عربي أوقفوا في سجون إسرائيل منذ عام 1967، بعضهم استشهد في السجن، بعضهم لا يزال يقبع في السجون، وآخرون خرجوا أو تم تحريرهم، هذه بعض حكايا من تم تحريره.

أحمد أبو السكر/ فلسطيني يقيم في الضفة الغربية، أمضى 27 عاما في سجون الاحتلال، من عام 1976- 2003، نفّذ عملية الثلاجة، التي أدّت لمقتل 13 إسرائيليا، وجرح 28 آخرين.

أحمد أبو هدبة/ فلسطيني يقيم في سوريا، أمضى 16 عاما في سجون الاحتلال، من عام  1959إلى عام 1985، تم أسره خلال عملية استطلاع للمقاومة.

صالح أبو لبن/ فلسطيني يقيم في الضفة الغربية، أمضى 15 عاما في سجون الاحتلال، من عام 1970، إلى عام 1985، تم أسره خلال عملية استطلاع للمقاومة.

تحسين الحلبي/ فلسطيني يقيم في سوريا، أمضى 12 عاما في سجون الاحتلال، من عام 1967 إلى عام 1979 ، تم أسره خلال عملية استطلاع للمقاومة.

تريز هلسة/ أردنية تقيم في عمان/الأردن، أمضت 12 عاما في سجون الاحتلال، من عام 1972 إلى عام 1984، تم أسرها بعد مشاركتها في عملية خطف الطائرة سابينا.

أنور ياسين/ لبناني يقيم في لبنان، أمضى 17 عاما في سجون الاحتلال، من عام 1987، إلى 2004، تم أسره بعد إصابته في عملية للمقاومة اللبنانية.

محمود مشلاوي/ فلسطيني يقيم في لبنان، أمضى 10 أعوام في سجون الاحتلال، من عام 1970، إلى عام 1985، تم أسره بعد إصابته في عملية للمقاومة.

الأسرى ومعاناتهم خلف الأسوار

أحمد أبو هدبة: في مصطلح اصطلحوا عليه الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية اللي هو أزمة الحرية، ليس هناك أقسى من الأسر، وهي أقسى وسيلة أعتقد اخترعها الإنسان لتعذيب أخيه الإنسان، الإسرائيليون يتعاملون مع هذا الخيار كبديل لتحويلك من إنسان فاعل، نشط، لديك أحاسيس وموقف من الحياة تجاه القضايا المطروحة على شعبك وعلى الواقع اللي بتعيش فيه، إلى مجرد كائن حيّ يرمى في زاوية مهملة من هذا التاريخ، هو مجرد يعيش حياته كبيأكل ويقضي حاجاته فقط، لما بكون واحد محكوم مدى الحياة زائد سنوات عديدة فما بعدّش أيام، بده يرتب أموره على إنه لغاية ما الله سبحانه وتعالى إنه يهوّن عليه، فالإنسان، أنا بقول لك إنه حياة السجن عبارة عن حياة روتينية يوميا، لا يختلف السبت عن الأحد، أو الجمعة عن الاثنين أو الثلاثاء عن الأربعاء، كلها أيام زي بعضها البعض، فإذا الإنسان ما قتل هذا الروتين أنا بقول لك إياها بصراحة الروتين يقتل الإنسان، بحبسك في هالغرفة، عشرين واحد وليل نهار وجهك في وجهه، شو عندك بتخرفه بخمس، عشر أيام بعدين بتصير تكرره، إذا ظل إيقاع الحياة في السجن على هذا الحال سرعان ما تكتشف نفسك ولا أنت لا شيء ومنهار.

تحسين الحلبي: لقينا حالنا بحالة من التحدي مع كثافة شروط وظروف السجن القاسي اللي فرضتها علينا إدارة السجون بهذاك الوقت، فصرنا نقول لأ، ما بدنا نخلي السجن يعيشنا، إحنا بدنا نعيش السجن.

تيريز هلسة: لما نكون نطالب بحق إلنا، مثلا نطالب بكتاب، أو بقلم أو بورقة، لما يتصادروا، أصعب اشي بكون لما يسكروا علينا الأبواب، ويطلعوا بنت ويضربوها قدامك، وأنت مش قادر تعمل اشي.

أحمد أبو السكر: يعني بتذكر إضراب اثنين وعشرين يوم بجنيد، سجن جنيد، بعد اثنين وعشرين يوم أجا مدير دائرة السجون بسأل الضابط اللي كان مسؤول عنا، يعني مدير السجن، اسمه أبو سلطان، بالطبع قال له أبو سلطان ليش الشباب مضربين؟ يعني بدنا نعرف شو السبب؟ قال له لأنه الشباب بطالبوا بزيادة شمس يعني بدهم يشوفوا شمس أكثر من هيك، فبعد اثنين وعشرين يوم، إحنا كنا نأخذ الصبح ساعة، وبعد الظهر ساعة، يعني ساعتين باليوم، هلأ قال له الشباب بدهم زيادة شمس، كان جواب مدير دائرة السجون إنه له يا أبو سلطان يعني غابت عليك الشغلة، أرسم في كل غرفة صورة شمس من الجهة الشرقية للغرفة فالشباب بشوفوا الشمس يوميا.

محمود مشلاوي: إحنا كنا خارجين على الفورة، فورة، فورة، بفتحوا البواب بخرجوا الكل، فكان هنالك في إلنا زميل اسمه محمود دنهش، وكان محمود دنهش ضرير، أصيب في معركة وانطفأت عيناه يعني ما عادش يشوف، فأجا الحارس قال له بدك تضب البرج تبعك قبل ما تظهر، كان كل واحد يضب البرج اللي هو عبارة عن البطانيات ويخرج للفورة، محمود دنهش ما كانش مزبط كفاية البرج تبعه، كانوا كلهم وتركوه، هو مش شايف، قاله ماشي، قال له لأ بدك تضب برجك، قال له إذا ما بتضب برجك تظل لك هون، فجيت أنا عليه قلت له ماشي حاله برجه، قال لأ بده يضب برجه، أنا كنت بهديك اللحظة يعني إذا بدك انفعلت يعني فرحت أنا بقفا أيدي وطارقه، طرقته كف بقفا أيدي، ارتمى على ظهره وطال صفارته بلّش يصفر وصار استنفار بالسجن، على أثر هذا الموضوع، يعني إحنا ما عنا شي نخسره بهذا المعنى، عنا استعداد للمجابهة بأقصى الحدود، ما عنا شي نخسره، محكومين مدى الحياة، أقل واحد فينا محكوم مؤبد واحد.

تحسين الحلبي: معظمنا إحنا لما انسجنا شباب، مراهقين، لكن كنا أميين سياسيين، ما حدا فينا كان بفهم إشي بالسياسة.

أحمد أبو هدبة: سوى بعض الأشخاص اللي كان عندهم انتماء حزبي، اللي كان منتمي للشيوعيين، للبعثيين، للإخوان، للتحريريين، هدول اللي هجروا أحزابهم وانتموا للتنظيمات الفلسطينية، قوميين عرب، وما إلى ذلك، هدول كانوا بفهموا سياسة، فبالتالي هالتجربة سحبها وطبقها عنا، وبالتالي كشف للناس مدى أهمية المعرفة اللي بإمكانها تؤثر على صمود الشخص.

أنور ياسين: أنا دخلت عمري ثمانية عشر سنة إلى المعتقل، كان في ناس بالسجن ثمانية عشر عمرهم ثمانية عشر سنة بالسجن، يعني كان عمرهم بالسجن قد ما عمري لما دخلت، ورغم هيك، رغم هذه الفترة الزمنية الطويلة كنت بتشوف قمة الحيوية، وقمة النشاط، والشباب وهيك، وأول من وجهني لهذا الشيء أحد الكبار بداخل السجون الصهيونية، أحد الرموز للحركة الوطنية، اللي هو الشهيد عمر القاسم، كان بقلّ لي أول ما قعدنا أول قعدة أنا بدي زورك المكان الأنسب إلك، رحت أنا وإياه على المكتبة، المكتبة اللي تجمعت بفضل جهود وتضحيات كثير كبيرة، جمعت كتاب، ونصف كتاب، وانقسم كتاب ليدخل أكتر من مرة حتى يتجمع بداخل السجن، ويصير في مكتبة، تجمعت تقريبا ما بين ثلاث آلاف وخمسمائة كتاب لأربعة آلاف كتاب، مواد متنوعة، فقال لي هذه الكتب ما تفكرها فقط ورق ومكتوب فيها معلومات أو كلمات، هذه كتب مجبول ثمنها بالدم.

أحمد أبو هدبة: كان فترة اللي بمسكوا معاه أنبوبة قلم، زنزانة أسبوع، مكاتيب، يجيبوا لنا المكتوب كل شهر، تكتبه، تسلم القلم، أنبوبة القلم وكل إشي، فبالتالي فكرنا في نهاية 1971، إنه نعمل إضراب، وشو المطالب، إنهم إدخال كتب، الصليب تعاطف معنا، الصحيح، تعاطف معانا قال خليكوا على المطلب هذا وأنا بدعمكم، يعني حققنا المطالب وصاروا يفوتوا لنا في كتب، أيضا الإدارة بتفكر، أدخلت كمية كبيرة من كتب السيد قطب والكتب الدينية، وأدخلت كمية مقابلة من كتب الماركسية.

محمد الجيلاني/ أمضى 10 أعوام في سجون الاحتلال: حتى يكون ممكن أنت تتطرف، فالواقع الفلسطيني أدرك المسألة هاي، وكان إنه الفلسطينيين الشيوعيين والإسلاميين درسوا الكتب المشتركة مع بعض، خلقوا حالة نضالية رائعة جدا من خلال التراكم الفكري.

محمود مشلاوي: بصراحة، إحنا كنا نجد متعة بطريقة ما تخيل إحنا في سجن مغلق لسنوات، فنجد متعة ربما بعض الأحيان، في مناهضة هذا، وفي مصارعة ذاك، ونميل في بعض الأحيان كما يقال، شر البلية ما يضحك.

تحسين الحلبي: في سجّان اسمه ألفرد، ألفرد يعني كان سجّان بسجن عسقلان، كان قاسي للغاية، يعني مرة كان يضرب لمجرد إنه، أو يعتدي على الأسرى داخل غرفة الأسر، وإحنا محكومين يعني مش بالتحقيق، بس إنه أنا أجا على بالي أضربك، عند ما صار هاجس براسي هذا ألفرد، يوم قلت له: يا سجّان ألفرد ممكن، نخاطبه سُهير، سُهير يعني سجّان، ممكن إذا بتسمح، أجا على الشباك، قال لي: شو بدك، قلت له: أنا بدي أقول لّك شغلة يا ألفرد، بتعرف أنت بشوفك أنت بتيجي على السجن، كل أربعة وعشرين ساعة بتقعد هون، وأربعة وعشرين ساعة بتغيب وبترجع لنا ثالث يوم، قال إيه، شو يعني؟ قال هيك دوامي شو يعني، قلت له هذا بتعرف شو يعني؟ إنه إذا أنا قعدت عشرين سنة هون، أنت بتكون قاعد معي عشرة، قام صفن في هيك هو، قال إيه هو، وإذا قعدت معك عشرة ما أنا بأخذ فلوس، قلت له أنت قاعد معي عشرة في السجن، وأنا عم بأكل وبشرب وقاعد، شو بدي بالفلوس، أنا شو بعمل بالفلوس، ما أنت قاعد معي بالسجن عشر سنين، قام قال لهم طلعوا لي إياه من الغرفة، فوتوه على الزنزانة يومين ورجعوه.

شوق إلى الحرية

أنور ياسين: موضوع الحرية يعني مش موضوع مادي كان فقط، يعني هي فكرة فلسفية مش مسألة يعني، أحيانا إذا أنت عندك شيء روتيني عايشه ممكن تكون زهقان منه، بس تنحرم منه بتشعر قديش حاجتك إله، أنا مسكت الباب هذه سبعة عشر سنة أنا ما مسكتها، ما فتحت باب، أنت يوميا يمكن بتفتح الباب وبتسكره بتمسك المسكة بتسكرها بزهق يمكن، إنك تدعس على تراب، قديش ممكن الواحد منا يوميا يمشي على تراب وما يكون شاعر قديش أهمية هذه الدعسة، بكون فاقد إلها، فهو ربي إنه هيك عادي بدعس على التراب، بدعس على عشب، بسلّم على حدا، يعني سلام، يمكن لقاء هلأ، يعني هذه التفاصيل الصغيرة مجموعة وآلاف غيرها أنت اللي محروم منها، وكانت شيء تقليدي عندك، بتنزل بقالب هذه الفكرة الفلسفية عن الحرية.

محمود مشلاوي: لما كنت في السجن أحلم ببيت جميل على البحر، كنت أحلم إنه أمارس الكتابة، كنت أشتاق إلى الأخضر، والملوّن والأحمر، كنت لما ألاقي صورة بالسجن لهيك منظر طبيعي، كنت أحتفظ فيه وأخبيه ودائما أتفرج عليه.

أنور ياسين: كانت عم بصلنا خلال المراسلة مع الأهل، كانت يعني شوي عم يعطيه الصورة العامة الأساسية، بس ولكن هي العناوين القليلة هاي، بس التفاصيل الكثيرة كانت طبعا في حالة اختلاف كبير، الأهل يمكن يشوفوني بعدني أنور ابن الثمانية عشر سنة اللي تركتهم، لأنه أنا كمان ضليتني لفترة طويلة، ما صدق إنه هدول أهلي اللي كانت صورتهم بالذاكرة صورتهم مثلما تركتهم، يمكن لـ 1995 يعني لبعد ثماني سنوات من اعتقالي لما سمح لنا أو قدرنا ننتزع من السجّان إنه نحضر كاسيتات فيديو حتى نشوف حركتهم للأهل، فبدأت شوي تأخذ ذاكرة جديدة إنه إحنا صارت أهلنا هيك.

[شريط مسجل]

التلفزيون الإسرائيلي عام 1985: كانت عملية تبادل الأسرى قد بدأت حين أقلعت ثلاث طائرات تابعة لسلاح الجو، من القاعدة الجويّة في مطار بن غوريون الدولي، بحوالي الساعة السابعة صباحا متوجهة إلى مطار جنيف، وعلى متنها ثلاثمئة وخمسة وسبعون مخربا كانوا قد نقلوا إلى القاعدة الجوية بواسطة خمسة عشر سيارة باص وسط إجراءات أمنية مشددة.

والدة أنور ياسين/ تلفزيون الجديد 2004: شعوري بالفرحة كبير، والأكبر هلأ بس يصل أنور، لضمه لقلبي ولروحي وأبوسه، وأقول له أهلا وسهلا، من بعد سبعة عشر سنة غياب الشمس رجعت، والعتم راح، ورح انسَ كل الهموم اللي قضيتها ساعة اللي بده يوصل أنور.

فرحة عارمة في صفوف الأسرى المحررين

أنور ياسين: التبليغ صار الميداني تبع إدارة السجون إنه جهّز أغراضك، فمجرد هذه الفكرة صارت غريبة، إنه أنت تحررت، يعني خرجت من الزنزانة وفي أربعين زنزانة بالقسم اللي أنا فيه، فلفّيت سلمت على معظم الزنازين سلام من الخارج، وكنت صرت أقول له للشرطي افتح مثلا هاي الزنزانة ويفتحها وأدخل عليها، فبتشعر الاختلاف النوعي، فبدأ الاختلاف النوعي في تعاطي الإدارة معك لأنك طالع غصبن عنهم.

أحمد أبو السكر: حقيقة كان يعني أنا كنت نايم، نبهني أحد الإخوة اللي هو توفيق عبد الله، قال لي قُم، قلت له إيش في؟ قال لي صاحي؟ قلت له والله صاحي، قال لي مصحصح؟ قلت له: والله أنا قبرت أمي وأبوي، يعني ما ضل إشي أخاف عليه، قال لي لا مش لهذه الدرجة يعني بس في أخبار بتتردد وجابوها بالعبري وبالعربي، والمحطات التلفزيونية إنه تم الاتفاق على إطلاق سراحك، فأنا بالطبع كان جوابي بالعبري  إيش تيوت يعني بدون مهاترات وبدون كلام فارغ يعني، فهلأ إحنا بين آه وبين لأ حقيقة ما نمناش، يعني تمّينا للصبح وإحنا نحلل بالموضوع يعني هل صحيح ولا كذب، لأنه الواحد مش واثق يعني، لأنه عدة عمليات تبادل والواحد ما يطلق سراحي. 

محمود مشلاوي: في لحظة إطلاق سراحنا بتذكر أحدهم ما كنت أعرفه كثير لكن أجا لعندي وأنا استغربت ليش اختارني أنا بالذات، كان اسمه محمود عواركة من العريش، قال لي بتمنى يا محمود ما تنسانا، بتمنى..

صالح أبو لبن: بحكوا لي الناس وقت إيش ولدت، تاريخ ميلادك؟ فبقول لهم 20/5، يعني مش آه، أنا مواليد 24/3/1953، بقول لهم 20/5/1985 لأنه حقيقة يوم ميلادي كان إلي، وعشت اللحظة بجمالياتها كلها، خمسة عشر سنة من الضغط والتشكيك والتشويه، والتشهير، ومخاطبتك بأنه أنت مخرّب وإلك رقم، بتبطل بلحظة، في هذه اللحظة، أنت مش مخرّب أنت مناضل، أنت مش رقم، أنت إنسان إلك حضورك.

أحمد أبو السكر: هلأ مشينا، أول ما وجهّت على رام الله، بالطبع رام الله متغيرة، عمارات ومش شيء بسيط يعني، سبعة وعشرين سنة يعني كان عدد سكانها سبعة عشر ألفا، رام الله والبيرة، لما طلعت يعني مئة وستين، مائة وسبعين ألف نسمة، مائة وثمانين ألف نسمة، عمارات عشرين طابق وخمسة عشر طابقا، وثمانية عشر طابقا، لغاية ما وصلنا للمقاطعة كان أبو عمار ينتظر فيّ يعني، دخلنا عند أبو عمار، قام بدو يبوّس، كالعادة يعني أبو عمار ما أنت عارفه الله يرحمه، بقوله استنى طوّل بالك، قال لي شو؟ قلت له بستني عشرين بوسة في بيروت أكلت عليهم سبعة وعشرين سنة، هلأ إذا بتبوسني بوسة وحدة بموت قبل ما أصل المنارة، فرط على حاله من الضحك.

[فاصل إعلاني]

[شريط مسجل]

تعليق صوتي: وبهذا الوقت الأسرى عم ينزلوا من سلم الطائرة، وعم بلوحوا بأيديهم لعودتهم بالسلامة، وللنصر الكبير.

أنور ياسين: وبتمنى دائما إنه نكون بهيك الصف العظيم بهذا الدعم، بهذه المقاومة، بهذه المشروعية في نضالنا ضد الظلم، ضد القهر، ضد الاحتلال.

أنور ياسين: اليوم الأول اللي وصلنا فيه، وصلنا الخميس ما نمت، طبعا كان البيت مليان للساعات الأولى من الفجر، بعدما تعبوا الكل ليروحوا يناموا فبقيت أنا وأخي الكبير، قلت له بدي أشوف أول منظر للشمس بعد ست آلاف يوم أنا محروم منها، بدون أسلاك شائكة، بدون قضبان، بدون حديد، قعدنا على البرندة الشرقية عنّا في البيت بالرميلة بدأ يشقشق الضوء، بدت تطلع الخيوط الأولى للضوء، إلى أن بدأت تشرق الشمس، يعني بلّش شعاع الشمس يوصل إلنا، كانت لحظة استثنائية دا لهذا الشعور الغريب.

محمود مشلاوي: أنا فتت السجن ثمانية عشرة سنة، خرجت ثمانية وعشرين سنة، عم بواجه العالم من جديد بطريقة مختلفة عالم بختلف بطريقة كبيرة، أنا غريب عنه، أهلي، أصدقائي، الناس اللي إجو، فكان كل واحد مصدر توتر كبير يعني، وأنا فعلا بأكد لك ما دقت النوم، أسبوع أو عشر أيام، فعلا ما دقت النوم، حالة توتر دائم.

أنور ياسين: لأنه أنا كنت راجع على عالم اجتماعي، حتى على العالم الأسرة تبعتي، دخيل بعدني، عم بتعرف حتى على، يعني كان الأهل عندهم سبع أحفاد، رجعت عندهم ثمانية وعشرين حفيد.

أحمد أبو السكر: أنا تركت أصغر واحد في الولاد كان عمره سنتين، لما أنا طلعت من السجن كان عمر ابنه خمس سنوات، فيعني شيء مش بسيط يعني، يعني إشي مؤلم ومفرح في نفس الوقت، إنه على الأقل أنت مؤلم لأنه ما شفتهمش وهم صغار، ومفرح على الأقل لأنك شفت أحفادك.

أنور ياسين: بشعر حالي إنه لأ في شيء لازم أقوم أعمله يعني، لأنه أنا نهم لكل شيء، نهم لأستعيد ذاكرة الأماكن، يعني مش بس الناس كانت بالنسبة إلي، يعني في الأماكن اللي كنت أنا موجود فيها إلها ذاكرة من أيام عمل المقاومة، من أيام يمكن الورشانات، من أيام الطفولة، كلها كنت أحرص إنه بدي أعود شوفها من جديد، بدي قوم انسج العلاقة من أول وجديد معهم، شوف كيف صاروا، يعني شط البحر، على النهر، على الوديان، على الشجر، كنت ما خلي يضيع لحظة كنت في هذا النهم لأعود أربط، أعمل هذه العلاقة مع الأماكن.

أحمد أبو هدبة: طبعا إحنا وقتها لا كان في تلفزيون ولا كان الراديو يعني، في قرية فلاحية في بيت المختار إذا في راديو إشي كبير، فخرجنا، كل هذه الأشياء متوفرة، السيارات متوفرة، شفنا إنه إذا مثلا واحد في هذا التنظيم عنده سيارة إشي كبير.

تيريز هلسة: زميل إلي اشترى تلفزيون، فقال لي تيريز عندي تلفزيون وأنت قاعدة على الكرسي بتغيري، بتحطي أي محطة بدك إياها، قلت له وأنت قاعد على الكرسي؟ قال آه، قلت له لأ بدي أجي أشوفها، في زميل ثاني قال وأنا بدي أجي أشوف، رحنا قعدنا ورجعنا، وقعدنا نلعب، ما كنّاش نعرف اسمه، طلع اسمه ريموت كنترول، ونلعب فيه ونغيّر وشو نضحك، وشوف كيف غيّر، وشوف كيف غيّر، طبعا باختصار قعدنا تقريبا ست ساعات نلعب، وبعدين شفنا الفيديو، الفيديو كان إشي غريب عجيب، عرس صار قبل سنة، أنت إسه بتشوفه، وبتقدر تشوفه كيف ما بدك، يعني بتقدر توقفه بتقدر تشغله، خرّبنا الفيديو عشان نتعرف على هاي التكنولوجيا، برضه ما تعرفنا عليها، في شغلة ثانية كثير كانت واضحة، الباب الكهربائي، لما كنت واقفة الباب الكهربائي كان يفتح، يا ربي ليش فتح؟ كيف فتح؟ أنا ما فتحته، مين فتحه؟ فضلّيت أدخل من الباب الكهربائي وأطلع، أدخل وأطلع، يا أنا يا هو يعني، أنا تعاملي مع التكنولوجيا كان كثير صعب، كثير صعب.

تحسين الحلبي: إنه وإحنا يعني محررين من الأسر يعني شاعرين بنشوة، لكن الحياة بتفرض حالها، فلما انفرضت علينا الحياة، إيه، النومة تغيرت علينا، طيب إحنا تعودنا اثنا عشرة سنة ننام على إسفنجه اثنين سم واحد سم، على بطانية، إيه شو هاد؟ تخت رفاس، صرنا نعيش عليه مثل الأطفال.

تيريز هلسة: بحب أروح على الملاهي، بس كنت كثير أخاف حدا يشوفني، شو بلعب وبضحك وبصيّح، يعني إيه، إذا ممكن عند غيري مش موجودة يمكن عند غيري بطلع على الملاهي، بروح وبيجي، وبعمل، لأ أنا عندي كانت موجودة، ويمكن لليوم موجودة.

صالح أبو لبن: الناس حطتك في مكان، أنت شخصية عامة، الشخصية العامة في أشياء ممنوع تساويها، ممنوع يعني تحب كباقي البشر، أو تراهق كباقي البشر، ممنوع إنه، يعني في حاجات لازم تساويها ضمن مقاييس ومعايير، فمالك أنت، أنت بطل أسطوري، لا يا عمي أنا زي الناس.

تيريز هلسة: هم بتعاملوا مع المناضل كشيء مؤلّه، لأ المناضل إنسان، المناضل كثير إنسان، ويمكن إنسان حساس أكثر من غيره، بنطلع من السجن، الكل بفكر إنه هذا المناضل فيش فيه خطأ، ما بغلط، يا عمي والله بنغلط، بنصير نستحي نغلط.

محمود مشلاوي: أجا صهري قلت له جيب لي أفلام، كنت أحب كثير التصوير، حاب أصور كل شيء، مشتاق للمشاهد، مشتاق للناس، للطبيعة، كنت مشتاق جدا فأول شيء عملته قلت له جيب لي كاميرا، وجاب لي كاميرا، دائما أقلّه جيب لي أفلام، زهقته، دفّعته كثير حق أفلام، أنا ما كنت أعي قيمة المال، ما كان يعني لي شيء، ما بيعني لي شيء، ما بعرف إنه أرهقته يمكن وقتها.

الأسرى المحررون في عالم متغير

تحسين الحلبي: طيب إحنا، اثنا عشر سنة أنا مثلا ما شفت الفلوس، ولا بعرف شو هي الفلوس، في واقع بالحياة، كان بالسجن ييجيك الأكل، كيف ما هو يا بدك توكله يا تزته، بده ييجيك الشاي كيف ما هو، الأربع سجائر دخان، كيف ما كان، ما في إلا نوعين دخان طيب أنت قدام الحياة والتنوع هاد، والفواكه الكثيرة والقعدات الحلوة، في جيبتنا في فلوس، يعني أهلنا، غير أهلنا، منظماتنا، إلى آخره، يعني أعطتنا فلوس، هلأ حاطين في جيبتنا فلوس، كنا صدقا نصرف الفلوس، بدون وعي. 

تيريز هلسة: في السجن كان عنّا لباس موحّد، يعني ما فيش حدا بلبس غير عن الثاني، كله لباس موحّد، هذا من إدارة السجن نفسها، لما طلعنا برة ما صدفنا مشكلة إنه بدنا نلبس عشان نطلع، يعني في عنا البلوزة والبنطلون نحطهم ونطلع، شو ما كان يكون يعني، يعني ما بتنتبه للباس، مثلا المراية ما بتطلّع عليها، المراي إشي ثانوي، إشي مش موجود.

صالح أبو لبن: هاي الحاضنة الأسرية والمجتمعية اللي أنا وجدت فيها كثير ساعدتني على التأقلم كثير كثير، فأنا لباسي هم توكلوا فيه إلى أن تعلمت كيف ألبس.

تيريز هلسة: لما طلعنا من السجن، كل إشي بختلف، حتى صباح الخير بتختلف، يعني بالسجن بتوقف صباح الخير يا بنات، هون مثلا بقول صباح الخير يا شباب، لأ المفترض إنه كيفك، شو أخبارك، إحنا ما عنا هاي الشغلة لأنه إحنا كل يوم بنشوف بعض، فعنا صباح الخير، تصبحوا على خير بس.

محمود مشلاوي: عالم السجن عالم خالي من النفاق، خالي من المراءاة، خالي من المصالح.

تيريز هلسة: إحنا ما بنكذب، في السجن بالفعل ما بنكذب، على إيش بدك تكذب؟ إنه حلّيت وظيفتك، ما أنا بدي أشوف الوظيفة، أو أنت بدك تشوف وظيفتي، فعمليا حليتها، أنا بكون كذابة، أنا مش حالاها، فأنا بتهيأ لي إنه معظم الأسرى صدموا من إنه ما في صدق في التعامل.

أنور ياسين: يعني للأسف إحنا بمجتمعاتنا كل حدا عنده عدة أقنعة، يعني بحطها ماسكات، بتعاطى مع حاله شيء، بداخل الدائرة الضيقة تبعته شيء، وأمام العالم، خارج الدائرة الأوسع كمان شيء ثاني، بالمعتقل قد ما يحاول الواحد يبقي الأقنعة، أنت عم تعيش الأربعة وعشرين على الأربعة وعشرين بالدائرة اللي هي موجودة حواليك، فهذا الشيء بتوصل لمرحلة بترجع للأصل، بصير الطبع هو الأساس، تسقط  كل الأقنعة.

محمد الجيلاني: تفاجأت بعد خروجي من السجن إنه الواقع المجتمعي يختلف كليا عن الواقع اللي تركته، الأخلاقيات الاجتماعية اللي كانت موجودة يعني انقلبت رأسا على عقب، يعني كيف يعني، على سبيل المثال، اكتشفت أنه الكذب صار فن، وإنه الطيبة صارت غباء وهبل أو شيء من الماضي، وإنه الإنسان ممكن ينصب على إنسان بعتبروها هذه فهلوة وشطارة، فتفاجأت في الأخلاقيات الموجودة.

تيريز هلسة: تقريبا معظم اللي دخلوا على المعتقل دخلوا صغار، فمشاعرهم بتكون صغيرة، فعقلهم بكبر بالقراءة، بالتجارب، بس مشاعرهم بتضلها نفس السن اللي دخل فيه، هاي المشاعر، يعني بضل عايش فيها، ما بنمّيها، ما فيش إشي ينمّيها، ما في، يعني أنت كنت تحب أبوك وأمك وإخوتك وأخواتك، تظل هاي مصاحباك في المعتقل، ما في إشي ينمي هذه المشاعر.

أنور ياسين: أنا عشت سنتين قبل الأسر، عشت سنتين في بيروت، خلال هاي الفترة يمكن الزمالة بالدراسة أو الاحتكاك الكبير في عالم المرأة كشاب وهيك، كان بخليني أمتلك الحد الأدنى من معرفة الآخر، من معرفة المرأة، ولكن جمدت هونيك الأمور، يعني هذه التجربة كانت الذاكرة اللي خلال وجودنا في السجن، وبحكيك بكل صراحة، إنه هذا المستوى حتى من المعرفة في المرأة هو كان الأعلى بالسجن، أنت عم تتحدث عن عدد كبير من الناس اللي دخلوا يمكن بهذا العمر، بس يمكن ظروف الحياة اللي كانوا عايشينها غير كافية إنهم يمتلكوا يمكن هذا المستوى من المعرفة.

أحمد أبو هدبة: قبل أن أعتقل لا أعرف غير أمي، فبالتالي تصوري عن المرأة هي كالأم، ليست هناك صورة رومانسية عن المرأة، بل صورة هذا المخلوق الغامض، أعرفه نظريا، بالقصص، قصص نجيب محفوظ، قصص الأدب الواقعي، المرأة، كيف ينظر المناضل في الأدب الروسي الواقعي للمرأة، كيف ينظر الرجل الغربي للمرأة، معرفتي معرفة نظرية، لم تكن عملية.

محمود مشلاوي: أنا لم أعرف الخوف في حياتي إلا عندما تزوجت.

تحسين الحلبي: يعني أنا بتذكر واحد حكا لي، قال لي يا زلمة أنا بعد سنة من الزواج هذا كان تقريبا بعد شي ثلاث سنوات من لما طلعنا، لسه أنا ما كنت متزوج، قال لي أنا قلت لها للمرة، إذا ما قدرت، ما قدرنا يعني ربنا يرزقنا بطفل، أنا بكون السبب فأنتِ الله معك، حرام أنا أحرمك يعني إنك تكوني أم، بكون أنا السبب واتركيني أنا مع سببي بتعايش مثلما تعايشت هالسنوات.

محمد الجيلاني: أنا حقيقة أول سنة تقريبا لم أستطع أن أتأقلم بشكل كلي مع الناس وتقريبا شبه أول سنة ضلّيت شبه منعزل وضلّيت محصور بواقع العائلة والأصدقاء المقربين إلي بس.

أحمد أبو هدبة: شعرت لفترة طويلة نسبيا كنت أشعر بالغربة تجاه العالم اللي ممكن نسميه العالم الخارجي.

محمود مشلاوي: كانوا رفاق السجن اللي كنت أشعر معهم بالانسجام الفكري والعقلي وإلى آخره أكثر من هيك بكثير من الناس اللي برة.

هواجس الاعتقال ومخاوفه

تحسين الحلبي: يعني أنا بدي أقول لك شغلة، أنه لما بتطلع أنت المصعد الكهربائي كيف بتشوف، يا زلمة كنت أطلع الطابق الخامس في بيروت لأنه مرة تعطل فيّ المصعد نتيجة الكهرباء وحسيت حالي بالزنزانة تبع سجن عسقلان، المصعد الكهربائي صغير كان يشبه الإكس تبع سجن عسقلان، الإكس كانوا بسموه الانفرادية لفرد واحد، وبابها حديد، مش تبع قضبان حديدية، مثل باب الأسانسير لما بسكر.

صالح أبو لبن: لو رحت على مطعم، والمطعم بكون فيه كثير مثلا طاولة بحيث إنه يكون جزء من القاعدين وجههم للحيط أو باتجاه، أنا ما بحبهاش بالمرة، أنا ببحث عن المكان اللي أكون قدام الفضاء، ووجهك على الحيط هذه بكرهها بطريقة مش طبيعية، وجهك على الحيط فيها الإهانة والإذلال والبهدلة، وفيها عدم الأمان، وجهك على الحيط بترجعك لأجواء السجن حتى لو كنت في مطعم وبعد خمسة وعشرين سنة، بديش وجهك على الحيط.

محمود مشلاوي: أنا أمضيت فترة طويلة بعد خروجي من السجن بكون في صالون، عند أختي مثلا شقيقتي في سوريا، فوقتها كنت امشي ذهابا وإيابا، هذه طريقة المشي تبع المساجين كنت أنا متعود عليها، ما بعرفش أقعد إذا ما مشيت كل يوم فترة هيك، للتأمل، فدوختنا أقعد، كنت لما آكل أحمل صحوني وأركض على المطبخ بدي أجلي الصحون، هيك تعودت.

تيريز هلسة: بالمناسبة أنا قلت إنه في أكل بالسجن، بس الأكل كان قليل، فكنا نحاول عشان ما نجوع نهرّب شقفة خبزة، نهرّب شقفة بندورة، يعني كنا نعمل، ومش أنا، أيام مش واحد لحاله، الكل، كلنا نجمع ونحط ونأكل، لما طلعت برة، وأكثر لما تجوزت، مثلا خلينا نقول عندي سكر خمسة كيلو بسرعة أقول لجوزي ما عنا سكر، ما عنا رز، كله بكون موجود خمسة كيلو أو بكون عشرة كيلو، ما عنا، ما عنا، ما عنا، جوزي بكون عارف إنه في عنا، بس عشان يهديني بجيب.

أحمد أبو السكر: لما أدخل على بيت ابني أو مرتي أو أي بيت أدخله أقعد أكثر من ربع ساعة، وبقول لهم السلام عليكم، يعني خلص بحب إنه ما أطولش بأي مكان، هاي عادة أنا بعتبرها سيئة بس لا حول ولا.

أحمد أبو هدبة: في البيت ما أحب اطفي الضوء، لأنه إحنا كل الزنازين دائما عتمة، يعني لما زوجتي تطفي الضوء، أقولها اضوي الضوء، بكفينا ستة عشر سنة في السجن.

تيريز هلسة: مثلا لما أكون نايمة، ولا يمكن حد من أهل بيتي ييجي يصحيني، يمسكني، بصحوني من بعيد لأنه إذا أي حدا بمسكني بضرب مباشرة، فيمكن هاي، هاي بعرفهاش، لأ كانوا يصحونا مفاتيح على باب حديد، مفاتيح حديد على الباب.

أحمد أبو هدبة: أنا لا يمكن يمر علي شهر إلا أحلم فقط في سجن عسقلان، ما في شهر يا بحلم إني بسجن عسقلان، يا في إضراب، يا أنا وشرطي، يا أنا في زنزانة، يا أنا بقرأ يا أنا بكتب، وأقسم لك ما في شهر إلا بحلم في سجن عسقلان، في كينونتي، في ذاتي، في تركيبتي سجن عسقلان.

تيريز هلسة: اللي قعدوا فترات طويلة في السجن كان مفترض يخضعوا لشغلات كثير، أول إشي لفحوصات طبية، تأهيل، لأنه خلينا نقول في كثير دخلوا صغار، مفترض على الأقل إنه حد بقعد معهم، مش طالبين، يعني إحنا مش طالبين أبصر شو اللي يعملوه، إحنا كل اللي طالبينه إنه كان، طبعا بهديك الفترة ما طلبناه، ما كنا نعرفه، إنه على الأقل حد يفهمنا شو هو هذا المجتمع؟

أنور ياسين: هي الأحلام بشكل عام صارت قليلة، يعني يمكن إنه أنت بتصير تعيش الواقع، ما بعرف، برياحة يمكن نوعا ما، بتنوع، بتبطل الأشياء أشياء محددة تكون مؤثرة وبالتالي تيجي لك بالحلم، بتيجي أحلام هيك عادية، يعني بطلت تيجيني، ويمكن كمان أنا حررت حالي من عقدة الماضي، تعاطيت مع الموضوع إنه إيه هذه حقبة أنا بدي أعيشها بس مش بآلامها، مش بمعاناتها، في نوع من التصالح مع الماضي، بالمشاكل اللي مريت فيها بالصعوبات اللي مريت فيها، بس بالمقابل ليش صار تصالح لأنه صرت عم أشوف إنه الفوائد كمان، كمان هي مؤثرة يعني مش فقط كلها مأساة وكلها ألم وكلها كذا، أنا صار في عندي شخصية معينة، قدرت أنتصر بمحطات متتالية تقريبا بداخل المعتقل، إن كان على السجّان أو على ظروف الأسر، طلعت بمستوى وعي، على الأقل إذا كان متزن الواحد بكون هذا نجاح.

أحمد أبو هدبة: أنا قرأت في السجن أكثر من ألف كتاب، لا أبالغ لك، اللغة العبرية، الثقافة الصهيونية، قرأتها من جذورها، يعني باللغة العبرية.

صالح أبو لبن: اللغة الإنجليزية قرأتها وأجدتها إجادة كاملة، اللغة العبرية خلصتها وأجدتها إجادة كاملة والآن أنا مدرّس لغة عبرية، بدأت باللغة الفرنسية ما لقيناش حدا يعلمنا.

[شريط مسجل]

تلفزيون الجديد/ أرشيف 2006: الزميل أنور ياسين يطلعنا على آخر المستجدات.

أنور ياسين/ أرشيف 2006: من قلب الضاحية الجنوبية ومن قرب مجمع سيد الشهداء الذي شهد أعنف وحشية صهيونية على هذه الضاحية.

أنور ياسين: هذا النجاح مش فقط مهني، مش نجاح صحفي بقدر ما هو نجاح إنه أنا عم بظهر على وسيلة إعلامية كانت ممنوعة في السجن علي، وأنا في المعتقل رغم كل المحاولات، وطلعت بعد هذه الفترة الزمنية اللي هم كانوا بحاولوا من خلالها يحطمونا ويخلونا نشعر بيأس وإحباط، طلعت لأواجه ما يمارسوه من وحشية بطائراتهم وببوارجهم بمدافعهم إلى آخره، لأغطي هذه الوحشية اللي هي منعت علي بداخل السجن، فالنجاح مش فقط بس مهني، النجاح هو في الرد، وأنا بعتبر يمكن إنه العدو، هذا العدو اللي كان بحاول يدفعنا ثمن نتيجة اعتقاله إلنا يدفعنا ثمن على اللي قمنا فيه، أنا بتقديري انزعاجه من ظهوري على الشاشة كتغطية لعدوانه كان أكبر بكثير من انزعاجه بخسارته في عملية اللي صارت مع كل خسائره الكبيرة وكير هذه العملية ونوعيتها.

تحسين الحلبي: مرة بحكي لي واحد طلع من الأسر من سجن عسقلان، كان محكوم عشر سنين، خلص العشر سنين وطلع، قال لي طلعت أنا على طولكرم، اسمه حسن قاسم بدران، قال لي: طلعت على طولكرم، هو من طولكرم، قال لي أول ما فكرت إني أنا أحقق الحلم اللي أنا قلت له لجورنو السجان داخل المعتقل، قلت له ليش أنت شو قلت له، أنا بعد ما شفته كانت مر شي عشرين سنة، قلت له: ليش أنت شو قلت له يا حسن؟ قال لي: أنا قلت له رح أطلع من السجن بعدما أقضي العشر سنين ورح أجيب أولاد ورح أسمي ولدي جيفارا وبكره بتشوف، قال لي يمكن بعدما طلعت من سجن عسقلان، بشي ست سبع سنين، إله أخ في سجن عسقلان اسمه جمال، بعدما طلع يعني من العشر سنين قال لي رحت أزور أخوي، ورحت، قال لي ما تصدق إني لقيت السجان جورنو، قال لي لو بدهم يحطوني بالسجن مرة ثانية بدي أركض على جورنو وأقول له جورنو أنا عندي ولد وهي صورته، حامل صورته معي أنا دائما من قد ما بحبه لابني، اسمه جيفارا مثلما قلت لك وأنا بسجن عسقلان رح أطلع وأجيب ولد وأسميه جيفارا وكمان يطلع فدائي، هياني جيت وقلت لك، قام قال لي بتعرف شو عمل جورنو، قال لي: منعني من زيارة أخوي جمال قاسم بدران ورجعني بدون ما أزوره ومنعوني من زيارة أخوي في سجن عسقلان شي ست أشهر.

أحمد أبو هدبة: أجمل ما في تجربة السجن هي معرفة الناس، عندما تكون موجود أنت وعشرين شخص في غرفة، وكل هذه الأشخاص كل واحد نفسية غير، وتفكير غير، يصبح لديك خبرة في معرفة البشر، عندما يتكلم أول كلمة باستطاعتك أن تشخص، فبالتالي يعني تجربة السجن فادتنا أيضا في أن نعرف الكثير من الكذابين الذين يتبوءون مناصب في الحركة الوطنية الفلسطينية وما أكثرهم.

أحمد أبو السكر: أنا حقيقة يعني بالنسبة لـ 27 سنة اللي قضيتها في السجن، أنا مش ندمان عليهم لأنه بقول يكفي احترام الناس إلي واحترامي للناس، أنا الحمد لله وين ما أروح حقيقة بلاقي صدر رحب، ومش يعني مجاملة لأ، ومش يعني من جيلي، لأ، شباب صغار يعني اللي بفتخر الواحد إنه تربوا على أيدينا بالسجون، يعني الواحد ما ندمان أبدا والله، إذا بندم الإنسان وأقولها بكل صراحة بندم على الأيام اللي إحنا بنمر فيها هلأ، يعني قضية الاعتراف بإسرائيل واعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير أنا بعتبرها جريمة، بصراحة، لأنه أنا صاحب حق، أنا انطلقت من أجل تحرير فلسطين، ما انطلقت من أجل إهمال الضفة الغربية أو جزء من الضفة الغربية، يا ريت لو الضفة الغربية كاملة، يعني إحنا بنطالب بحدود 1967 بس وهلأ حرب عالمية ثالثة ما بتقيم المستوطنات، ليش نضحك على بعض؟ إلا بالمقاومة يعني بصراحة، خلينا صريحين يعني.

محمود مشلاوي:

في الليل, يضيع النورس في الليل..

القارب في الليل..

وعيون حذائي تشتم خطى امرأة في الليل..

امرأة, ليست أكثر من زورق لعبور الليل..

يا امرأة الليل, أنا رجل حاربت بجيش مهزوم..

ما كنتُ أحب الليل بدون نجوم..

وأخيرا...

صافح قادتنا الأعداء, ونحن نحارب..

ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر, والجيش يحارب..

والآن سأبحث عن مبتغى, أستأجر زورق..

فالليل مع الجيش المهزوم  طويل..