".. وظيفتي أقطع الكهرباء عن الناس وأوصل لهم الكهرباء، أقطع الكهرباء عن كل مواطن كل يوم بأقل تعديل ثماني ساعات، كل لحظة ثلث سكان قطاع غزة مقطوعة عنهم الكهرباء..".

هذا الكلام لموظف في شركة الكهرباء بغزة يسمى عبد العزيز أبو صفية يعاني مثله مثل سكان القطاع من أزمة الكهرباء التي تضاف إلى معاناتهم مع الحصار الخانق الذي يفرضه عليهم الاحتلال الإسرائيلي. 

 انقطاع الكهرباء يزيد من معاناة سكان غزة (الجزيرة)

عقاب بالكهرباء
يصرخ المواطن فتحي بركات قائلا: هدموا لنا بيتنا ودمرونا، وعيّشونا في نايلون، عيّشونا في بهدلة وفوق ذلك ملاحقينا ومبهدلينّا في الكهرباء في الحصار على غزة في كل مقومات الحياة.

حلقة "حياة بالجدول.. انقطاع الكهرباء في غزة" من برنامج "فلسطين تحت المجهر" (وهي معادة) نقلت مأساة الفلسطينيين من سكان غزة مع انقطاع الكهرباء، وكيف أنهم اضطروا إلى جدولة حياتهم وفق جدول الكهرباء، تدريس أولادهم والغسيل والنوم وحتى الضيوف تعطى لهم مواعيد محددة للزيارة.

في غزة محطة كهرباء وحيدة ورئيسية، لكنها لا تلبي احتياجات القطاع، ويؤكد مدير شركة توريد الكهرباء سهيل سكيك أن المحطة تعطي حوالي 75-80 ميغاواتا، في حين أن احتياج القطاع يقدر بحوالي ثمانمائة ميغاوات أي أن المحطة تمد حوالي 25% من الاحتياجات فقط.

وكان العدوان الإسرائيلي قد ضرب محطة التوليد في يونيو/حزيران 2006 وتوقفت عن العمل تماما، لأنه يعتبر الكهرباء أداة حرب في يده -مثلما يؤكد رئيس الطاقة بالقطاع كنعان عبيد- الذي قال إنه منذ خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006 من طرف المقاومة الفلسطينية قصفت محطة الكهرباء بالكامل وقطعت الكهرباء 100% من خطوط التوليد.

ووفق عبيد، فإن الاحتلال يستعمل انقطاع الكهرباء كنوع من أنواع العقاب، فمعظم الخطوط الممدودة من الجانب الإسرائيلي كانت أول ما يستهدف في الاجتياحات والحرب الإسرائيلية، وآخر ما يقدم له الصيانة أيضا من جهة الاحتلال. 

وعن أسباب أزمة انقطاع الكهرباء الراهنة، يؤكد سكيك أنه بالإضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي، هناك مشاكل في إدخال قطع الغيار لمحطة التوليد ومن الجانب الإسرائيلي أيضا.

وأدت أزمة انقطاع الكهرباء إلى توقيف مشاريع حيوية وضخمة، وطرح إشكالية مياه الصرف الصحي، ويقول مدير مصلحة مياه بلديات الساحل منذر شبلاق إن 5% فقط من مياه القطاع تعتبر صالحة للشرب.

كما أن أي مشروع سيتم بناؤه يحتاج إلى كهرباء -وفق سكيك- فمشروع تحلية مياه البحر بحاجة إلى حوالي ثمانين ميغاواتا، وهناك حاجة لمشاريع المستشفيات ومحطة الصرف الصحي.

كهرباء بقرار
ويحذر سكيك من كارثة إنسانية في غزة لو استمر الوضع على حاله "المشكلة لليوم متأقلمون عليها أو نتكيف معها أو نتعايش معها، بعد سنة أو سنتين لا نستطيع أن نتكيف، لا شركة التوزيع ولا الطواقم الفنية ولا حتى المواطن، والتطوير بالكامل سيتوقف".

وبينما يتكلم عبيد عن حل إستراتيجي يقضي بربط غزة بمنظومة الربط الثماني المصري، يرد وكيل وزارة الكهرباء المصرية أكثم أبو العلا بالقول إن قطاع كهرباء في مصر جاهز في أي لحظة للبدء في هذا المشروع  الكبير الذي قال إنه يحتوي على مخطط محولات أبراج كهربائية.

ولكن ما سبب تعطيل المشروع ما دام  الجانبان الفلسطيني والمصري يؤكدان جهوزيتهما لتنفيذه؟    

عبد الحليم قنديل: هناك قرارات سياسية وليست فنية بشأن التباطؤ في إمداد غزة بالكهرباء.. هذه مشكلة تصنع مفارقة، يعني تثير السخرية، إذ أن مصر تساهم في تزويد إسرائيل بالغاز بينما تمتنع عن تزويد الفلسطينيين بالغاز أو الكهرباء

يقول عبيد إن المشروع ممول من عدة سنوات، ورصيده موجود في البنك والمخططات جاهزة وقطعة الأرض في غزة جاهزة، يعني أن الأمر غير مرتبط بأمر فني وإنما هو بأمر سياسي.

نفس الموقف يتبناه الكاتب والناشط السياسي عبد الحليم قنديل الذي يشير إلى أن هناك قرارات سياسية وليست فنية بشأن التباطؤ في إمداد غزة بالكهرباء أو الغاز أو المساعدة الفعلية في تزويد محطة كهرباء غزة بالوقود اللازم لتفعيلها.

ويضيف قنديل "هذه مشكلة تصنع مفارقة، يعني تثير السخرية، إذ أن مصر تساهم في تزويد إسرائيل بالغاز بينما تمتنع عن تزويد الفلسطينيين بالغاز أو الكهرباء".

ويختتم رئيس الطاقة بالقطاع بالقول "هذه بلد تحرم من الكهرباء فقط لأنه أمر سياسي، وتحرم من الإسمنت لأنه أمر سياسي، وتحرم من الإعمار لأنه أمر سياسي، وغدا الأطفال يموتون لأنه أمر سياسي ويقطع الإنترنت بأمر سياسي، إذن هي الحياة كلها مقطوعة، لأن هناك أمرا سياسيا".

ويخلص عبيد إلى أن الكهرباء الإسرائيلية ما زالت مادة عقاب ومادة انتقام، وهي عمليا سوط بيد إسرائيل تنتقم به متى شاءت من غزة.

اعتاد أهالي غزة وأنا واحد منهم متابعة جدول الكهرباء التي تغيب عنا لفترات طويلة مغيبة معها الكثير من أوجه الحياة.

جدول الكهرباء المرتبط بأوقات غياب الكهرباء صنع نمطا جديدا من الحياة في قطاع غزة، فكل تفاصيل حياة السكان هنا أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بهذا الجدول، حتى مواعيد النوم والأكل وغسل الملابس وغيرها من تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة يتم جدولتها تبعا لمواعيد هذا الجدول.

هذا النمط المستحدث من الحياة شكل تجربة إنسانية تختلف عن أي تجربة قد تشابهها في الشكل، حيث أن عجز الطاقة الكهربائية في غزة هو أحد أهم التحديات التي تزيد من عمق المعاناة التي يعيشها أهالي القطاع المحاصر من ويلات الاحتلال، حيث يعي جيدا المحتل أهمية هذه الأزمة في التنغيص الدائم على السكان المحاصرين من أجل تحقيق أهداف متعددة تساهم في إحكام قبضته كمحتل على هذه المنطقة وتركها منطقة تعاني جراحها المستمرة في الظلام.

الحقيقة المؤلمة أن إنهاء هذه الأزمة الإنسانية ليس صعبا، فاحتياجات قطاع غزة من الطاقة ليست كبيرة مما يجعل حل مشكلة الكهرباء فيها نظريا سهل جدا، فحاجة القطاع من الطاقة فعليا أقل من احتياجات مصنع حديد صلب واحد (تحتاج غزة تقريبا 360 ميجاوات ، بينما مصنع الحديد الصلب يحتاج تقريبا 500 ميجا وات)، وأقل من نسبة الطاقة المفقودة في أي شبكة كهرباء في العالم ، على سبيل المثال: غزة تستهلك فقط 1% من نسبة الطاقة المستهلكة في دولة مثل مصر والتي تبلغ نسبة فقد الكهرباء في شبكتها 12% (أي 12 مرة من احتياجات غزة للكهرباء.)

ومن هنا كانت الحاجة ملحة إلى إنتاج فيلم يوضح هذه الأزمة و يشرحها إنسانيا قبل كل شيء، وخاصة أن البعض قد يظن أن مطلب الكهرباء على مدار الساعة هو مطلب ترفيهي لسكان قطاع غزة وليس ضرورة من ضرورات الحياة مثلهم مثل نظرائهم في كثير من دول العالم، فالأزمة أعمق، وتتجاوز مسألة انقطاع الإنارة في المنازل ووسائل الحياة المريحة.

فعدم وجود كهرباء معناه توقف المستشفيات واحتمالات موت أكبر لضحايا العدوان والحصار الإسرائيلي و زيادة في معاناة المرضى نتيجة توقف الأجهزة الطبية أوعدم انتظام عملها بسبب توتر جدول الكهرباء، انقطاع الكهرباء يعني توقف مضخات الصرف الصحي ومزيد من المشاكل البيئية، توقف المصانع و المحلات التجارية عن العمل و مزيد من البطالة المتفشية أصلا، بل يمتد الأمر إلى أن تجد عائلات تفقد أبنائها خلال محاولاتهم تأمين وسائل بديلة للطاقة لترتفع حجم فاتورة الموت الضخمة أصلا نتاج العدوان المتكرر على سكان غزة.

كانت المحاولة في هذا الفيلم أن نجعل المشاهد يعايش أوقات جدول الكهرباء في غزة، وخاصة للمشاهدين الذين ينعمون على مدار الساعة بالكهرباء ليدركوا حجم الألم والمعاناة اليومية المستمرة، والتي يعتبر حلها أحد العناصر المهمة في دعم صمود الشعب الفلسطيني في غزة وخاصة أن حل هذه المشكلة سيساهم في حل الكثير من المشاكل الإنسانية الصعبة ويخفف من فاتورة الموت اليومية في غزة.

 المخرج: أشرف المشهراوي