- جمال الطبيعة في كراكاس
- تأثير العرب على الموسيقى اللاتينية

- ذكريات الطفولة في شوارع كراكاس

جمال الطبيعة في كراكاس

مشاركة أولى: حاولت أني أعيش في هالمنطقة لأشوف جمال طبيعة كراكاس، هي هالمنطقة كثير بتفكرني بسوريا.

مشاركة ثانية: لم أعد إلى سوريا منذ أن تركتها لكنني أحب أن أعود وتحديدا إلى قريتي، فأنا الآن مصوّرِة وأود أن أسترجع ما عشته هناك وأن ألتقي بتلك الطفلة التي تركتها هناك والموجودة دائما بداخلي.

مشاركة ثالثة: من أصلي اللبناني ورثت هذه القدرة على العمل وعلى النضال بضراوة من أجل ما أريد.

مشارك أول: عندما أبدأ في الإبداع تبدأ في التكشف عوالم كثيرة كانت متخفية كمؤدٍ، كراقص، كطفل، كإنسان، فحياتي تشبعت بطريقة ما بالجزء العربي بداخلي مفجرا الكثير من الإبداع.

"
جزيرة مرغريتا تأثرت بالموسيقى الإسبانية والعربية ومن المستحيل دراسة الموسيقى الفنزويلية بدون دراسة الموسيقى العربية، وآلة الكواترو التي تعتبر آلة وطنية مشتقة من العود العربي
"
      مشارك

رافاييل سلازار – موسيقي فنزويلي: إسمي رافاييل سلازار، أنا موسيقي تفرغت للتأليف ولدراسة عِلم الموسيقى وخاصة موسيقى الأعراق المختلفة.. أي أصول وتطور الموسيقى لدي الشعوب ولأنني فنزويلي من مواليد جزيرة مرغريتا عام 1944 أحببت الموسيقى مبكرا في الإطار العائلي وفي الحفلات الفولكلورية للجزيرة، بالتأكيد جزيرتنا تأثرت تأثرا كبيرا بالموسيقى الإسبانية وخاصة بالموسيقى الأندلسية العربية وكبرهان على ذلك نستطيع ذكر الأشكال الموسيقية مثل الهوتا، فوليا، بونتو، ملاغينيا، التي تحدد طابع التقاليد الموسيقية في مرغريتا والتي تُقربنا بدون أي شك من الحضارة العربية والإسبانية، لقد أدركنا أنه من المستحيل دراسة الموسيقى الفنزويلية بدون دراسة الموسيقى العربية، فنزويلا بلد موسيقي، في كل بيت هناك دائما شخص يعزف آلة ما خاصة الكواترو الذي يعتبر آلة وطنية وهي آلة مشتقة من العود العربي وهي من أهم آلاتنا.

مشاركة أولى: جبل كراكاس كل نهار بيغير لونه، كل نهار بتشوفي طبيعته غير، يعني هو جبل بس.. لكن دائما بتشوفيه عَمّال بيغير حتى ساعات الشمس بيغير الجبل، أنا حلقت بحلب لكن بحلب ما في جبال، أهلي كانوا كل لمّا نطلع صيفية.. نخلص المدرسة تأخذنا أمي على الجبل، على الجبل.. جبال الشام لكن كل سنة بأرجع بأشوف أهلي، هون ما عندنا أهل غير جوزي وأولادي وأولاد أولادي، أهلي ولا مرة جاؤوا إلى هنا لفنزويلا، شايفة هلا أبتدأ يطلع مضبوط، يجي لمّا بأقعد لوحدي، بأنتظر لوقت ما يطلع نور الشمس، لمّا جيت من ستة وأربعين سنة كنت أقول لأمي أبعتي لي فول، أبعتي لي برغل، أبعتي لي.. تبعت لي أمي المواد اللي هن بنستعملهن لأني ما كان في كتير هون منه، كنا أول نسويه نحنا بالبيت، حتى الجبن المشلشل على الطريقة العربية كنا نعمله بالبيت، أولادي وأولاد أولادي ما بيحبوا إلا الأكل العربي، الصغار بتشوفيهم بيّجوا لهون إذا أعطيتهم أكل من هون فنزويلي يقولوا لي نحنا أعملي لنا محشي ورق عنب، كبة، حمص، حسيت إني اندمجت بالحياة في فنزويلا لما إبتديت أدرس الفن، بعد ما خلق آخر ولد كان عمره سنتين صرت أشعر بفضاء.. يعني بوحدة، ما في حدا جواري، ما أهلي لأني ما عندي أهل وهو كمان أمه رجعت لسوريا، بقيت كأني لوحدي مع هالأولاد، يوم واحد كنت عمال بدور في الباركي بالمنتزة مع أولادي شفت جمعية عَمّال بيرسموا مع أستاذهم قمت أنا طلبت له.. للأستاذ إذا بأقدر أنا أتعلم، قال لي بتقدري إذا عندك هواية بتتعلمي، دخلت معهد الفنون الجميلة، لمّا خلصت وطلعت أستاذي قال لي طيب تعالي أنا بأريد أنتِ تشتغلي معي ونفتح أكاديمية، عملنا هون أكاديمية وصار عندنا كثير تلاميذ، إجمالا الأيكونات تبَعتي على الطريقة الشرقية لكن أنا بما أنه شرقية كأني بحس أنه لازم دائما اشتغل على الطريقة اللي أنا بقدّرها، بشوفها، بحبها، بسوريا دعوني.. دعتني الحكومة لأعرض على المتحف، أخذت كل هايك عن طبيعة فنزويلا وعن عوائدها لكن الألوان ما هي الألوان اللي بتستعمل بالشرق، بسوريا ألوانا أخرى، يعني استغربوا على الألوان اللي أنا أخذتها وبعدين الشمس تبعتها كثير فيها لمعة، لأنه لا تنسي لمّا بيكون توجيه الضو واضح كثير بيفرجك الألوان فرحة، أنا واحدة من مؤسسين نقابة الفنانين للرسم بالماء.. أكواريل، هاللوحة نعمل تحت.. كل دائما ذكر المدينة اللي أنا خلقت فيها بسوريا هي حلب ورمز حلب هي قلعته، تقريبا من الذاكرة، حتى يذكرني المناطق اللي أنا خلقت فيها وعشت فيها.. يعني فيها شيء (كلمة بلغة أجنبية) بهذاك السنة سنة الـ1990 كان فيه حرب بالعراق ولذلك بتشوفوا هنا البترول، العساكر، الحصان العربي، العم سام حامل راية السلام لكن على بندقية، سنة 1998 قدمت بمسابقة.. المسابقة كانت كلها عن بوليفار، كل فنان قدم لوحتين، أنا قدمت هاللوحة ولوحة ثانية، قاموا اختاروا اللوحة الثانية وأخذوها وحاليا موجودة بالمتحف تبع كوّه، سيمون بوليفار رجل محرر أميركا.. يعني أنا بأفتخر إني أرسم سيمون بوليفار، بأحسب حالي إنه كمان مو بس أنا سوريا.. فنزويلية، لي 46 سنة في فنزويلا وأولادي خلقانين هون وجوزي كمان خلقان وبحب فنزويلا مثل ما بأحب سوريا مثل ما بأحب الشرق كله لأني قضيت حياتي.. جئت عمري 15 سنة وهلا صار عمري 61 سنة، يعني قضيت حياتي هون أكثر من هونيك، أنا بأحب شغلي كثير.. يعني صفّا إنه بعد عائلتي.. يمكن بأحب شغلي وعائلتي نفس الشيء، مو إنه بحب واحد أكثر أو واحد أقل وبأظن إنه حياتي بعد ما تزوّجوا وراحوا هو شغلي اللي بيعبي لي نفسيتي، بشوف وقتي مرتاح، ما بأشعر إني أنا إنسانة وصلت لستين سنة، بأشعر أنا لسه بعد عمري 15 سنة.



تأثير العرب على الموسيقى اللاتينية

رافاييل سلازار: نحن يمكننا أن نقول إننا أحفاد العرب موسيقياً لأن تلك الموسيقى العربية التي ذهبت إلى إسبانيا، إسبانيا جلبتها لنا والآن أصبحت موسيقانا، فتصور أن الغيتار الإسباني القديم ذا الأربعة أوتار لم يعد يُعزَف في إسبانيا الآن، الآن في إسبانيا يوجد الغيتار ذو الستة أوتار ولكن الغيتار ذو الأربعة أوتار هو في فنزويلا آلتنا القومية الكواترو، كان هناك موسيقي كبير اسمه زرياب وهو الذي حمل إلى إسبانيا في عام 822 ميلادياً موسيقى العالم العربي بشكل أكاديمي، كان عراقياً وأنشأ أول مدرسة للغناء في قرطبة وأول مدرسة للعود في أوروبا وماذا حدث هناك؟ حدث شيء مهم جداً، فقد تطورت تقنية كاملة ليس فقط للعود والآلات المشتقة منه بل وأيضاً لكل تقنية الغناء وحدث تطور كبير في تصنيع الآلات وفي خلق أشكال جديدة للعزف ومن ثم في خلق الموسيقى وهذه كانت ثورة موسيقية، لقد أدخل العرب العود وأدخلوا هذا النوع من الغناء الذي يمكن تشبيهه بالموج بسبب طريقة غنائه وأدخلوا الشكل الموسيقي الذي يستطيع العازف من خلاله أن يرتجل مما يختلف جداً عن الموسيقى الغربية التي هي منضبطة للغاية، بينما الموسيقى التي أدخلها العرب هي أكثر تحرراً، تصور أن هناك أيضاً تعبيراً فنزويلياً عندما يسبب أحدهم الضيق تكراراً لشخص ما كأن يقول له نفس الشيء.. دائما نفس الشيء.. كل يوم يقول له نفس الشيء، فيرد عليه هل ستستمر على نفس المقام؟ المقام هو نوع من التتابع المتكرر.

مشاركة ثانية: إعجابي بالجبال يعود إلى أنني عشت في سوريا.. في مربك.. هي قريتي التي جُلت في جبالها عند جمع العنب والتين وقد انسجمْت كثيراً مع المكان وأعتقد أن وجودي هناك بمفردي بدون أبي ووجودي وحدي مع عائلة أبي كان الجبل مثل ملجأ يقربني من الله، في الحقيقة أنا فنزويلية ولدت في ولاية زوليا ومنذ أن كان عمري ست سنوات ونصف سافرت إلى سوريا وهو البلد الأصلي لأبي حيث ذهبت لأمكث شهرين ولكني في الحقيقة مكثت سبع سنوات، أعتقد أنه تركني هناك لأنه كان يريد أن أتعلم الالتزام بالعادات والتقاليد، أمي لم تكن تعلم بذلك وكانت مفاجأة لها عندما عادي أبي بدوني إلى فنزويلا، عشت في قرية تدعى مربك ويقال عليها الجبل العربي حيث يعيش الدروز وهي ديانة أبي وبداية من سن 14 أو 15 سنة عدت هنا إلى فنزويلا حيث قررت الدراسة والعيش ومنذ ذلك الحين وحتى الآن وأنا هنا.. وأنا درست تصميم الغرافيك وحصلت على شهادة في التصوير الفوتوغرافي ولكنني في الواقع متفرغة للتصوير الفوتوغرافي وأعمل حاليا في وزارة الاتصالات والإعلام كمصورة صحفية وأقوم بتغطيه الأحداث وتنفيذ التحقيقات الصحفية، الصور الفنية هي إبداعك فأنت تحاول أن تجسم ما تشعر به وما تريده وهي عكس الصورة الصحفية حيث تحاول أن تبحث عن أوضح صورة التي تنقل الخبر بطريقة أفضل، الصورة الصحفية يجب أن تعبر من تلقاء نفسها وبالعكس مع الصورة الفنية فلديك إمكانية كبيرة للإبداع وأن تجعل الناس تفكر ولكن الأفضل هو الجمع بين الأمرين فسيكون للصورة قوة أكبر، أنا لست أفضل مَن يصنِف عملي لكنني حاولت أن أقسمه إلى مجموعات ونماذج وأعتقد أن بعضها سريالي.. عن الأحلام ولدي أيضا صور أكثر تقليدية كصور الوجوه مثلا، مجموعة إبداعات داخلية ترمز إلى ماهية الفراشات التي أراها رمزا للحياة والموت، هذا التحول أن تولد من جديد متهيئا لحياة جديدة، هذه المجموعة تكريم لابنتي سمر فعندما ولدت كانت بالنسبة لي كشرنقة صغيرة ثم بدأت تنمو وتحبو ثم أصبحت تمشي ثم تفتحت ومنذ صغرها وأنا أناديها يا فراشة، حاليا بدأت لتوّي تجارب لعمل بالألوان باحثة دائما عن تدريجات الألوان لا عن قوة الألوان، المشروع عن السكان الأصليين تكريما لهذه الثقافة الموجودة هنا في فنزويلا، أعتقد أن استخدام اللون يساعد على التعبير في تقديسهم للأرض وللشمس وعن أساطيرهم، الآن سوف أتحدث عن مجموعة العالم العربي إسمها شرف قلبي، شرف.. لأن دمي ينتمي للثقافة العربية ولأنني تشكلت وعشت في سوريا وهو ما ساعدني روحيا.. وقلبي.. هي تكريم لوالدي، توكلت على الله.. أعتقد أن أبي منذ صغره يرددها وهذه اللوحة موجودة فوق باب البيت منذ أن كنت صغيرة، التي بالصورة ليست إمرأة عربية بل هي أمي وأمي فنزويلية كاثوليكية لكن عندما تزوّجَت والدي وعاشت في سوريا ثلاث سنوات تشعبت بثقافته والوشاح الذي يغطي رأسها يرمز إلى غموض ثقافته والذي تلقته هي بكثير من الحب، نحن العرب الذين يعيشون هنا نحتفظ في منازلنا دائما بصورة لسيمون بوليفار فنحن عرب كما أعتقد في حالة بحث دائمة عن رمز الكرامة والنضال، هذا أنا بعد وفاة والدي بيومين أو ثلاثة، شعرت أنني بحاجة لالتقاط هذه الصورة تكريما له وهذا هو معي في الصورة، بالطبع أثّر في مجيئي من ثقافة محافظة جدا، بالطبع كان علي الالتزام بالعادات في بيتي وأنا أتبعها حرفيا وفي دراستي وعلاقاتي بزملاء الدارسة كنت خجولة جدا، هادئة جدا، كانت ملابسي محتشمة جدا وأعتقد أنهم كانوا دائما يرونني غريبة جدا، لكن مع مرور الوقت واحترافي مهنة التصوير أعتقد أنه عبر الصورة استطعت أن أقترب من الناس أكثر، في زوليا شعرت أن لي بالفعل مكانا فهناك عملان لي شاركا في معرضين والآن هما في متحف الفن المعاصر في زوليا وأعمال أخرى في مركز الفن في ليا بيرمودز وهذا إنجاز بالنسبة لي فهذه بلدي، هنا في كراكاس اشتركت في معارض جماعية، أعتقد أن لي مكانا ولكن ما زال ينقصني.. ينقصني الكثير.

رافاييل سلازار: أحد التأثيرات الأكثر أهمية للموسيقى العربية على الفولكلور الإسباني والفنزويلي سنجدها في غناء الرعاة والمزارعين في فنزويلا، فقد تأثرت بالأغاني القديمة للجمالين العرب وهذا مثال من الموسيقى التقليدية الفنزويلية، أغانٍ للغنم والدواب، لحسن الحظ لا يوجد فولكلور نقي، فكل فولكلور هو نتاج تأثيرات كثيرة لثقافات متعددة وأنواع مختلفة من الموسيقى، إذا حلّلت موسيقى أي بلد ستجد أن هناك دائما تأثيرات لبلاد أخرى، لثقافات أخرى، فالموسيقى العربية لا يمكن شرحها بدون الموسيقى الهندوفارسية، الموسيقى الإسبانية لا يمكن شرحها بدون الموسيقى العربية، أي أن الموسيقى الإسبانية هي عربية وهندوفارسية، إذا حلّلت أي موسيقى فنزولية فستجد فيها عنصرا عربيا وإسبانيا وآخر خاصا بالسكان الأصليين وآخر إفريقيا وهذا مشترك بين كل دول أميركا اللاتينية، إذاً تصور ديناميكية الموسيقى.. فالشعوب تثري بموسيقى وثقافة شعوب أخرى وبعد ذلك يصنعون موسيقاهم ويجعلونها خاصة بهم.



[فاصل إعلاني]

ذكريات الطفولة في شوارع كراكاس

مشاركة ثالثة: أنا في هذا المجتمع الثقافي منذ حوالي ثلاثين عاما، أنا درست الآداب والتحليل الفرنسي وهأنا ذا صرت مديرا ثقافيا وأنا من أصل مختلط فعندي أصول لبنانية لكن أمي فنزويلية، جدي كان اسمه فارس راميا.. بدأ بالتجارة كأغلبية العرب، كان تاجرا وكان يبيع من بيت إلى بيت وبعد ذلك بدأ يربح المزيد شيئا فشيئا واستطاع أن يفتح أول محل كبير، كان المحل الوحيد ذا الأقسام المتعددة في فنزويلا في ذلك الوقت، هنا حيث يوجد مجمع المسارح كان يوجد منزل أجدادي وقد كان منزلا رائعا يعني لي الكثير، ففي هذا المكان الذي نحن فيه الآن كان منزل جدي وفضلا عن ذلك فهو نفس المنزل الذي ولدّت فيه والآن أنا مَن يُدير هذه المؤسسة والتي تُعد أهم المؤسسات الثقافية في البلد، في البداية كان أمرا مؤثرا للغاية لأنني عندما بدأت العمل هنا كان المبنى تحت الإنشاء والمقاعد وأشياء أخرى الخاصة بأسرتي كانت متناثرة في الحديقة فكان الأمر مؤثرا للغاية، حينها كانت حتى هواتف مجمع المسارح مازالت باسم جدي وكنا نعمل كلنا في المبنى الموجود بجوارنا هنا ولكن حسناً.. تمر السنون ويعتاد الإنسان على ما يعمل وعلى مكانه، مهرجان كراكاس الدولي للمسرح عمره ثلاثون عاما، بدأ المهرجان مرتبطا بالشعب وهذا مهم جدا وقد جذب ويجذب الفرق الأكثر أهمية في العالم، المهرجان بالغ الأهمية للبلد ليس فقط لكون الجمهور يشاهد أفضل ما في العالم وهذا ما يصنع جمهورا مسرحيا مثقفا بل إنه أيضا يتيح الفرصة للعاملين في مجال المسرح في فنزويلا كي يتغذوا بهذه الطريقة وأن يتمكنوا من إقامة كما هو الحال في كل المهرجانات ورش ومؤتمرات ولقاءات مع المخرجين ومع الفرق العالمية وهذا قد أغناهم بالفعل ولهذا توجد هنا حركة مسرحية مهمة وقوية جدا.

مشارك أول: أتذكر أنه عندما كنت طفلا كنت أذهب إلى مصنع عائلتي للورق المقوّى والذي كان الأول من نوعه في فنزويلا، كنت دائما أقوم بنفس الجولة.. أتأمل الحلوى وأشتري خبز اللبن الذي كان ألذ وجباتي ثم أذهب إلى المصنع وهنا صالون التجميل حيث كانت والدتي تصفف شعرها بينما كان أبي في المصنع ومن هذا المحل حلويات ديسكون كنت أشتري الحلوى عندما كنت طفلا، هذا هو شارع الطريق الجديد أو ما تبقى منه الذكرى، بالنسبة لنا أقصد آل عيسى هذا الشارع هو مرجعنا فدائما ما نتحدث عن منزل الطريق الجديد، مصنع الطريق الجديد، شارع الطريق الجديد، إذاً هو رمز بالنسبة لي، منذ أول عمل راقص أخرجته انكشف الغطاء عن صندوق الذكريات فقد كان في الرقصة أعمامي المتقدمون في السن بشعرهم الأشيب، أتذكر أحدهم كانت لديه عدسة مكبرة وقد كان محاسبا وكان لا يكف عن الحساب طوال الوقت، الأرقام كانت صغيرة جدا وقد ظل مريضا لعشر سنوات وأتذكره دائما في الفراش وكان هذا يخيفني ولكن في نفس الوقت كان لابد من الذهاب لزيارته، كان لي عم آخر كثير البكاء، كان يبكي من التأثر كلما رآنا، تلك العلاقة مع الموت أشعر أنها موجودة بقوة داخلي، هذا الخوف من الفقدان حاضر بداخلي، كل هذه التفاصيل تشرّب بها عملي بطريقة ما فامتلأ عملي بالطقوس والإشارات والمجموعات والشعور بالمأساة فالعرب أحيانا ما يكونون مأساويين جدا يثيرون الصخب باستمرار وبعد ذلك يبكون ثم يضحكون ثم يحتفلون وأعتقد أن كل هذا حاضر بقوة بداخلي وأنا أتوق بقوة إلى استمرار ذلك في التدفق لأنه شيء مهم جدا.. واكتشفت ذاتي كطفل قوي الملاحظة، الطفل الذي كان يراقب الحفلات، هنا تقام الحفلات في البيوت، ما إن تذهب إلى بيت حتى تبدأ الموسيقى ويبدأ الناس في الرقص، فقد كنت أحب مشاهدة الناس يرقصون ويحتفلون وقد اكتشفت تأثير ذلك بداخلي بمجرد أن بدأت في الإبداع، كيف أعمل؟ تأتيني صورة أو فكرة وأبدأ في البحث انطلاقا من تلك النقطة، كنت استوحي كل تفصيلة من مصدر ما والإلهام قد يأتي من كلمة أو جملة أو قصيدة شعر ثم أحمل تلك المواد للدراسة وقد أفعل ذلك بمفردي أو بصحبة فريق العمل ونبدأ في الارتجال انطلاقا من تلك النقطة، فما هو بالنسبة لك الألم الجسدي؟ ما هو بالنسبة لك الفرح في جسدك؟ ما هو بالنسبة لك الحزن في جسدك؟ أنا أعطي إرشادات للراقصين ثم يبدأون هم في الارتجال، فبالنسبة لراقص شاب ربما يكون هذا هو الألم، هذا هو.. لكن بالنسبة لراقص آخر الألم هو هذا، فهي شفرات تبدأ في الخروج وأبدأ أنا في حل رموزها، أبدأ كما في تجميع قطع بازل اللغز المصور البازل، فقد لا أعرف الشكل النهائي لتلك الأحجية لكنني أبدأ على أي حال في تجميعها لأرى أفضل صورة نهائية ممكنة، فالحدس يلعب هنا بالطبع دورا مهما، فهو ما يمكّننا من التعامل مع الأشياء التي لا نجد لها تفسيرا، عرض مطعم ريمون مستوحى من مطعم من نفس الاسم في فرنسا في أحد شوارع باريس، دعوني لهذا المطعم لأنهم كانوا يعرفون أنه سيعجبني جدا فهو مكان خاص جدا وحميم جدا وبعد الانتهاء من خدمة كل الزبائن يقوم النادل بغلق كل الأبواب ويغير الموسيقى فيتغير الجو ويتحول المطعم إلى مرقص ويخرج الطاهي ليبدأ في الرقص والغناء مع الناس وقد انبهرت بذلك وكان هنالك الكثيرون من كبار السن، عجائز كانوا يرقصون التانجو والرومبا، فكان ساحرا بالنسبة لي، فهذا ما يعجبني بالتحديد، فكانت مساحة للإبداع وقد استخدمت هذا هنا في فنزويلا مع فرقة درامو حيث أعدنا خلق هذا المطعم حيث الطاهي والنادل يتوقان بشدة لحضور الزبائن فهذا ما يجعل لحياتهما معنى وهو ما يشبه علاقة الفنان بالجمهور أي أنه بدون جمهور لا يكون لعملنا معنى انتظارهما يولد لديهما الحنين وليس معروفا ما إذا كان هذا حقيقيا أم خياليا وما إذا كان هناك زبائن فعلا؟ وهذا قد ورثته بشكل ما من عائلتي فالكرم من تقاليدنا العربية، كنت أقدم طعاما، شرابا، الحجة هي المطعم ولكن بالنسبة لي هي متعة أن أقدم للمتفرج شيئا وأشعر أن هذا يأتي من الجزء العربي بداخلي، أن أقدم طعاما، خذ هذا، جرب هذا، حينما نريد أن نحتفل بمناسبة خاصة في عائلتي فليكن رأس السنة أو أي مناسبة أخرى نطبخ طعاما عربيا وتعلمت أن أطبخه، أطهو فلافل وقد قال أصدقائي إنها جيدة جدا، أعرف طهو التبولة، المحاشي وكل أنواع الكبة، أحب ذلك.. كما أنني أشعر أن مجرد إعداد الأطعمة العربية عملية دقيقة جدا فهو يكاد أن يكون طقسا وأنا عاشق للطقوس، أظن أنني ورثت هذا أيضا من تلك الدماء اللبنانية، لون الأطعمة، السلطات كيف تقدمها؟ المزيج، النسب، الحنين.. لا أعرف لماذا.. لا أعلم إذا كانت مسألة متعلقة بالعائلة، إنه يقال دائما أن الزمن الماضي كان أفضل، الحديث دائما يدور عن زمن الصبا والشباب، عندما كنا نجتمع مع أعمامك العرب، عندما كنا نعد تلك المآدب، عندما كنا نذهب إلى تلك الحفلات، بطريقة ما كنت دائما محاطاً بذكريات أشخاص آخرين وذلك أثرى حياتي، فكرة الزمن الآخر.. الماضي، هذه السعادة التي لم تعد موجودة، ليس لدي سبب حقيقي للحنين ولكن فكرة الحنين تجذبني كثيراً، ربما السبب لذلك يعود لشيء اكتشفته هنا في فنزويلا، فهناك ضعف شديد في الذاكرة، فهناك تصور عن البلد الشاب، البلد النفطي، البلد الذي بُني بقوة الانقلابات العسكرية، حيث دُمرت المدينة مراراً فلا توجد ذاكرة للمدينة، فعندما ذهبت إلى شارع الطريق الجديد حيث كان المصنع لأبحث عن ماضيَّ كطفل وجدت أن نصف الشارع قد هُدم.. وأنا أصل إلى تلك الأماكن وينتابني الارتجاف فهو شيء يحرك مشاعري ولا أستطيع تفسيره ولكنني أشعر أن ذلك ينتمي إليَّ بطريقة ما ويهمني بطريقة ما أن أعيد بناءه وعندما يتحدثون عن أجدادنا وعن آباء أجدادنا يقولون دائما إنهم ذهبوا إلى كوبا وإنه من كوبا وصلوا إلى سوق سان خاسينتو، كانوا يبيعون أقمشة أو ملابس حسب رواية عائلتي ودائما عندما أحمل حقائب الملابس إلى غرفة الملابس في المسرح أتخيل أعمامي يأتون إلى هنا ومعهم حقائب لبيع الملابس في هذا السوق ودائما ما أقول أنني أكرمهم عندما أحمل الحقائب المليئة بالملابس.

"
هناك قرابة بين الثقافات الفنزويلية والعربية فعشرون في المائة من كلماتنا الإسبانية من أصل عربي، فنحن أقرب إلى العالم العربي منا إلى أوروبا
"
رافاييل سلازار: في هذا التاريخ.. في هذا الطواف في العالم أدركت أن هناك قرابة بين الثقافات أو أنها تتآخى بمضي الوقت، أعتقد أن تقاليد الطعام العربية، طريقة العربي نفسه، تعاطفه، طريقة كلامه المتعجلة تتشابه كثيرا مع طريقة الفنزويلي وبهذا المعنى نحن إخوة مع العامل العربي، التصرفات.. عشرون في المئة من كلماتنا الإسبانية من أصل عربي، التعريفة، الطاولة، القائد، المخدة، إلخ.. البساطة، فنحن لسنا ألمان ولا أوروبيين، نحن لاتينيون أقرب إلى العالم العربي منا إلى أوروبا، هذا الجزء من جذورنا ومن تشابه الشعوب وهذا يشكل جزءاً من هويتنا.

مشاركة ثالثة: ببساطة أنا فخورة جدا أن في عروقي تجري دماء عربية وهذا من أقوى ما يدفعني للفخر وقد نقلت هذا إلى بناتي والذين يشعرون بنفس الفخر لامتلاكهم هذا الدم.

مشاركة أولى: بيجوز الإحساس بالغربة.. يمكن ما أعرف إيش أقول لك أو نصيبي هون إني شفت هالأستاذ والغربة اللي هي والوحدة اللي كنت فيها ورايده أعمل شيء انتميت له.

مشاركة ثانية: أعتقد أنني استفدت من الثقافتين وبالأخص الثقافة الدرزية، هذا الجانب الخاص بالمشاعر الداخلية وهذه القوة.. قوة الإيمان والاعتقاد ولكنه بالنسبة لي كان شيئا صعبا لأنها ثقافة عربية تعلمك الالتزام بواجبك وبأحكام التقاليد لكنها لا تعلمك كيف تعيش.

مشارك أول: أنا ممتنٌ جدا لأنكم تطرقتم لهذا الجانب من حياتي ومن عالمي وكانت تجربة جميلة جدا بالنسبة لي أنا أشعر بالامتنان لكم لأنكم في هذا البلد الصغير من العالم وجدتم لقبي واتصلتم بي لأن لقبي عيسى وفخر لي أن أكون عيسى ولهذا شكرا جزيلا لكم.

رافاييل سلازار: حلمي الكبير هو أن أقوم بالرحلة التي قام بها زرياب، أن أبدأ من دمشق في سوريا ومنها إلى بغداد ولكن يبدو أنه سيكون من الصعب أن أقوم بهذه الرحلة الآن وأواصل إلى فلسطين وهذا صعب بدوره وأن أذهب إلى مصر ثم إلى تونس وأصل إلى المغرب وأنهي الرحلة في قرطبة حيث أنشئت مدرسة الموسيقى الكبرى التي أسسها زرياب، هذا هو حلمي وسوف أحققه في يوم من الأيام.. وكما نمتلك الآن خريطة جينية للإنسان هناك أيضا خريطة جينية للموسيقى فكل اتصال ثقافي يجلب ثروة ثقافية فالثقافة التي تنغلق على نفسها هي ثقافة مصيرها الاندثار.