مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

03/03/2003

- طبيعة الخلاف المتفجر حديثاً بين واشنطن والمعارضة العراقية
- طبيعة الخلاف بين فصائل المعارضة العراقية حيال الاستعانة بأميركا

- أهم فصائل المعارضة العراقية

- تقييم المعارضة العراقية على المستوى الوطني والإقليمي

- العلاقات التركية مع أكراد العراق واحتمالات الأزمة الحالية

- موقف البرلمان التركي من الأزمة في العراق وتخوف الأكراد من الأتراك

محمد كريشان: المعارضة العراقية تشكل قيادة جماعية لخلافة الرئيس صدام حسين، وواشنطن تنظر في تنصيب حاكم عسكري.

تساؤلات حول الخطط المستقبلية للمعارضة العراقية ومخاوفها من المشروع الأميركي غير الواضح في العراق.

السلام عليكم ورحمة الله، أهلاً بكم في هذه الحلقة من برنامج (قضية الساعة) وهو البرنامج الجديد لقناة (الجزيرة) الذي نتناول فيه فقط الملف العراقي، ويأتيكم دائماً أيام الاثنين والخميس والسبت.

حلقتنا لهذا اليوم سنتابع فيها نتائج مؤتمر صلاح الدين في محافظة أربيل بشمال العراق، ونخصصه للمعارضة العراقية بكل أطيافها ودورها المتوقع في المرحلة المقبلة، وطبيعة تحالفاتها وكذلك لتوجسها الخاص من تدخل تركي في شمال العراق، حتى بعد رفض البرلمان التركي التصويت على نشر قوات أميركية في البلاد، لكن في البداية نتابع معاً هذه المجموعة من التصريحات لبعض المشاركين في مؤتمر صلاح الدين والتي تضعنا في قلب رهانات الاجتماع.

*الولايات المتحدة ليس لديها أي رغبة في حكم العراق، ينبغي تمكين الشعب العراقي من حكم نفسه بنفسه في أسرع وقتٍ ممكن، ونحن ملتزمون بالمساعدة في بناء عراق ديمقراطي، وسيتحول الرعب الذي عانى منه العراقيون في الماضي إلى مجرد ذكرى، وسيلتحق العراق الجديد بالأسرة الدولية، وسوف يكون من حق العراقيين بملء إرادتهم اختيار نظام الحكم برلمانياً كان أم رئاسياً، وسيحددون لأنفسهم طبيعة علاقة السلطة المركزية بباقي مناطق الدولة، بما في ذلك الفدرالية. زلماي خليل زاد (الموفد الأميركي الخاص لمؤتمر المعارضة العراقية).

*هذه الديار كردستان العراق تعتبر نفسها شريكاً للولايات المتحدة في حربها ضد الطغيان والإرهاب من أجل عراقٍ حر وديمقراطي، إننا نشعر بالامتنان لك وللرئيس (جورج بوش) الذي أرسلك لنا هنا، وأرجو أن تنقل إليه تحياتنا واعترافنا بالجميل، وأبلغه أننا أبداً لن ننسى أولئك الذين أيدونا في الأيام العصيبة من أجل عراق حرٍ ديمقراطي.

جلال طلباني (زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني).

*عقب التغيير المنشود سنُعبئ أقصى قوانا وطاقاتنا بمساندة من أصدقائنا وحلفائنا لكي نؤسس بالانتخاب الحر والديمقراطي هيئة دستورية تتميز بالمشروعية. مسعود البرزاني (زعيم الاتحاد الديمقراطي الكردستاني).

طبيعة الخلاف المتفجر حديثاً بين واشنطن والمعارضة العراقية

محمد كريشان: تُعِد فصائل المعارضة العراقية نفسها لمرحلة ما بعد الرئيس صدام حسين، وتأمل أن تكون لها اليد الطولى في السلطة، بهذه الآمال عقدت المعارضة العراقية مؤتمرها في منتجع صلاح الدين في شمال العراق، حيث ادَّخرت لها واشنطن مفاجأة، وهي أن المعارضة لا حق لها في خلافة الرئيس صدام، فالحكم حقٌ لأهل المعارضة وكذلك لأهل الداخل على حدٍ سواء، لا بل اقترحت واشنطن إدارة أميركية مؤقتة للبلاد، ترى هل بدأت لحظة انكشاف الأجندات الخفية، والتي ربما شقت صف المعارضة بعد أن كان ظُنَّ أنه قد توحَّد؟ فوزي بشرى تابع الموضوع.

تقرير/فوزي بشرى: وقع الخلاف بين المعارضة العراقية ورعاتها الأميركيين، ولما يدخلوا بغداد بعد، ولذلك ربما صح أن يوصف مؤتمر المعارضة العراقية في منتجع صلاح الدين بشمالي العراق بأنه مثَّل ساعة امتحان الوعود الأميركية للمعارضة العراقية، تلك الوعود التي (قذتها) واشنطن بالرعاية حتى رأت نفسها وريثة للرئيس صدام حسين، لكن المعارضة العراقية أفاقت بكل أطيافها في مؤتمر صلاح الدين من غفوة الحلم اللذيذ على صرامة وجفاء الأجندة الأميركية التي صادرت حلمها في أن تكون هي وحدها من يملأ فراغ السلطة بعد صدام، كان مؤتمر المعارضة قد قرر بعد مداولاتٍ مضنية بين شركائه المتشاكسين تشكيل مجلسٍ للقيادة من ستة أشخاص ممثلين لأحزابهم ليكونوا السلطة العليا في العراق ما بعد صدام، وضم المجلس مسعود البرزاني (زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني)، وجلال طالباني (زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني) وهما الحزبان الكرديان الرئيسان اللذان يسيطران على شمالي العراق، وهناك عبد العزيز حكيم وهو (قيادي كبير في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، وأحمد شلبي (زعيم المؤتمر الوطني العراقي)، وإياد علاوي (من حزب الوفاق الوطني العراقي)، وعدنان الباجة جي (وهو وزير خارجية سابق) رفض إدراج اسمه في المجلس لما أسماه بتحفظاته الكثيرة على تشكيله، وكان عدنان قد جيء به ليمثل وحدة سُنَّة العراق، وكوَّن المؤتمر أربع عشرة لجنة تقوم مقام الوزارات في رعاية شؤون الدولة، لكن زلماي خليل زاد (ممثل الرئيس الأميركي لدى المعارضة) فاجأ المؤتمرين حين أخبرهم أنهم ليسوا وحدهم من يرث حكم صدام، ولكن معهم عراقيو الداخل، وعراقيو الداخل في يقين المعارضة ما هم إلا جلادوها، ولم يكن قد وقع في روع المعارضين أن (واشنطن) قد تستأنس بعض رجال صدام في الحكم الجديد.

موقف زلماي خليل زاد أكَّدته الخارجية الأميركية والبيت الأبيض على لسان متحدثه (آري فلايشر) الذي قال: إن الولايات المتحدة الأميركية ليست هي من يحدد الرئيس المقبل للعراق، فذلك شأن العراقيين، أما (ريتشارد باوتشر) المتحدث باسم الخارجية الأميركية فقد قال إن موقف بلاده كان وسيظل أن لا تدعم واشنطن حكومةً مؤقتة أو حكومة في المنفى، وقد ثارت ثائرة المؤتمرين الذين رفضوا التصور الأميركي الذي يدعو إلى إقامة إدارة أميركية عسكرية مؤقتة يُعهد إليها بإدارة البلاد، لأن المعارضة ليست جاهزة، وقد تساءل أحد أعضاء المعارضة إذا كان الأميركيون يعتقدون أنهم في هذه الحالة سيُستقبلون بأفضل مما استُقبلوا به في الصومال، وكشف أحد الأعضاء أن واشنطن قد ضغطت عليهم لإعطاء مسؤوليات أكبر لمن تُعرف لهم صلات وثيقة بإسرائيل، وحذَّر آخرون زلماي من أن لا يخطئ فيعتقد أنه يستطيع سوق العراقيين كما فعل مع الأفغان، ووصف أحد قيادي الحزب الديمقراطي الكردستاني مخطط واشنطن وأنقرة بأنه خيانة للمعارضة وللأكراد على وجهٍ أخص.

وكان المؤتمرون قد عبَّروا عن قلقهم من أن تتدفق القوات التركية إلى مناطق الأكراد في شمالي العراق، إذ رأوا في اتفاق واشنطن أنقرة استهدافاً مباشراً للميليشيات الكردية المسلحة، ولا شك أن الحاكمين في العراق بقيادة الرئيس صدام حسين سيُسرون ببؤس ما انتهت إليه المعارضة العراقية في مؤتمر صلاح الدين، وسيجدون في ذلك ما يدللون به على وصمها بالخيانة والإرتهان لإرادة واشنطن.

وسيلة المعارضة العراقية التي تلاقت مصائرها بمصائر الأميركيين وعمَّدتها واشنطن بالدولار كانت دائماً محل ازدراء من منتقديها، فقد تلقَّفت الولايات المتحدة المعارضين العراقيين ودعتهم إلى واشنطن، وبذلت لهم الأموال منذ أن قرر الرئيس (بيل كلينتون) مبدأ تغيير النظام في العراق بعد عملية ثعلب الصحراء، ثم جاءت أحداث هجمات سبتمبر فوفَّرت لحظة تاريخية أتاحت زواج منفعةٍ بين أجندة المعارضين وأجندة واشنطن، التي جعلت تغيير الحكم في العراق همها الأكبر تتوصل إليه -يقول من يتشكك في أجندتها- بنزع أسلحة الدمار الشامل تارةً وبإحلال الديمقراطية تارةً أخرى، وكل ذلك قد صب في مصلحة المعارضة العراقية، فقد استضافت لندن الحليف الأميركي الموثوق مؤتمراً للمعارضة العراقية شكَّل نقطة الانطلاق في الزحف نحو بغداد، لكن المعارضة توشك أن تكتشف في سياق الزحف أن ما تريده منها واشنطن هو شيء قريب من حصان خشبي ورد ذكره في حروب الأقدمين.

محمد كريشان: ومعنا الآن من أربيل مشعان الجبوري (عضو لجنة المتابعة والتنسيق) سيد الجبوري، ما هو الانطباع الذي خرجتم به فيما يتعلق بالموقف الأميركي من المؤتمر الأخير؟

مشعان الجبوري: أولاً إذا سمحت لي أستاذ محمد أحب أن أعقب على التقرير الأخير، فالحقيقة كان فيه الكثير من القسوة والاتهامات غير الحقيقية لوصف الأشخاص الذين اجتمعوا في صلاح الدين، وتوزيع الأميركان عليهم الدولارات، وشعورهم بخيبة الأمل من الأميركان، الحقيقة كل هذا لم يحدث بتاتاً، الذي حدث أنا أعتقد إن هذا المؤتمر كان واحد من أنجح المؤتمرات في تاريخ المعارضة العراقية، لقد شاركتُ في جميع مؤتمرات المعارضة العراقية منذ عام 1991 وإلى حد اليوم، وأعتقد إن هذا المؤتمر كان من أنجحها لأن الجميع قد خرجوا منه بأقل ما كانوا يسعون إليه، أي إن الجميع قدَّم تنازلات والتصور الأميركي الذي طُرح علينا في هذا المؤتمر بصراحة هو أن الأميركان لن يبقوا في العراق أكثر مما يقتضي الأمر، أي.. أي.. أي أكثر مما يقتضي الأمر أمنياً وعسكرياً، وأيضاً تعهدوا لنا بعراق ديمقراطي، وبالنسبة لي كان الشيء الأبرز هو التعهد الأميركي الواضح الذي قدَّمه لنا السيد خليل زلماي، سواءً في الاجتماعات الجانبية، أو.. أو عبر الكلمة التي ألقاها في المؤتمر حول ضمان الأمن لكل أهلنا وإخوتنا الذين لازالوا في داخل العراق، بل إنه تحدث عن إمكانية أن يشارك الجيش العراقي الرسمي في عملية إنقاذ العراق من مخالب الديكتاتورية، كما إنه تحدث بشكلٍ صريح وواضح للجميع عن....

محمد كريشان[مقاطعاً]: و.. ولكن سيد.. ولكن عفواً.. عفواً سيد الجبوري، يعني.. يعني بدون أن ندخل في قراءة النوايا الأميركية، يعني واشنطن يعني لم تلتزم بتعهدات سابقة تجاه دول، ما الذي يجبرها على الالتزام بها تجاه مجموعات معارضة لم تصل بعد إلى السلطة؟ ما هي الضمانات يعني أقصد؟

مشعان الجبوري: بصراحة خلينا نتحدث.. أستاذ محمد، خلينا نتحدث بشكل حقيقي، الالتزامات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية هي لا تقدمها فقط لأحزاب معارضة، وإنما هي تقدمها أمام دول العالم، وهذه وثائق يجري تداولها عبر مؤسسات متعددة، والولايات المتحدة الأميركية قادمة إلى العراق عبر قوى التحالف، وهذه ترتب عليها مجموعة من الالتزامات القانونية، كما أنني أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بحاجة لأن تبقى في العراق لوقت طويل، لأنه هذا زمر.. زمن الاستعمار العسكري المباشر للدول قد ولَّى، فإذا كان للولايات المتحدة الأميركية أصدقاء في العراق فلماذا تأتي لاستعمارنا بصورةٍ مباشرة؟ كما إنني أود أن أشير لسيادتك أعتقد أن الشعب العراقي سيشعر بالامتنان للولايات المتحدة الأميركية إن خلَّصته من مخالب الديكتاتورية والظلم والحالة المأساوية التي يعيشها منذ أكثر من اثني عشر سنة بفعل الحصار، ومنذ أكثر من ثلاثين سنة بفعل الديكتاتورية، لكل هذه الاعتبارات لا أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية راغبةٌ في البقاء للعراق، وأنا بصراحة أقول لك وبشكل واضح وصريح للمشاهدين بأنني مطمئن للتعهدات التي قطعتها لنا الولايات المتحدة الأميركية، وحتى الحديث الذي يجري عن تدخلها في شؤون المعارضة العراقية أعتقد أنه في أغلب الأحيان يجافي الحقيقة، فأنا قد اجتمعت إلى السيد زلماي بصورة مباشرة مرتان في خلال الاجتماع..

محمد كريشان: نعم، ولكن.. نعم..

مشعان الجبوري: وأيضاً مرة ثالثة مع إخواني في المعارضة العراقية بصورةٍ شاملة.

محمد كريشان[مقاطعاً]: نعم سيد.. عفواً.. عفواً سيد الجبوري، يعني ربما.. ربما تكون لنا عودة..

مشعان الجبوري: ولا أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية لها أجندة سرية كما يحاول..

محمد كريشان[مقاطعاً]: عفواً، ربما تكون لنا عودة فيما يتعلق بـ.. يعني عفواً، ربما تكون لنا عودة فيما يتعلق بالسياسات الأميركية فيما يتعلق بتغيير نظام الحكم في بغداد، ولكن أشرت إلى أن ما جرى هو من أنجح المؤتمرات، أريد أن أتوقف عند هذه النقطة، كيف يمكن أن يكون من أنجح المؤتمرات والقيادة السداسية التي اختيرت اثنان منها تغيَّبا وأحدهما اعترض أصلاً على إدراج اسمه؟ يعني بداية غير مشجعة.

مشعان الجبوري: أولاً فليكن.. فليكن واضحاً لسيادتك أن الاجتماع من حقه.. من حق لجنة التنسيق والمتابعة أن تنتخب.. أن تنتخب قيادة، وليس بالضرورة فقط الأشخاص الحاضرين في هذا.. في هذا الاجتماع. الشخص الذي جرى الحديث عن انسحابه هو الأستاذ الدكتور عدنان الباجة جي، وأنا لو كنت بدل الدكتور عدنان الباجة جي وبالطريقة التي تناولت وسائل الإعلام والمغرضة منها بحق المؤتمر، الطريقة التي نُقل إليه ترشيحه فإنني سأرفض، فقد قيل للباجة جي بأنه رشِّح لاعتبارات طائفية، ولأننا نعرف أن الدكتور الباجة جي هو ابن عائلة وطنية، وهو.. وهو عراقي وطني و.. ويربأ بنفسه أن يكون ممثلاً لطائفة، فمن حقه أن يرفض، لكن الحقيقة أن السيد الباجة جي لم يرشح بالمطلق على أساسٍ طائفي، وإن الوطنيين العراقيين الذين في داخل.. في داخل المؤتمر والمجتمعين -كانوا- في صلاح الدين قد تقدَّموا بهذا الترشيح، فأنا قد سمعت بهذا.. هذا قدِّم من.. أولاً اقتراح قدِّم من اللواء وفيق السامرائي، وأيضاً كان مدعوماً في البداية من الرئيس مسعود البرزاني، و.. لكن الإعلام الذي نقل المقترح إلى السيد الباجة جي نقله بصورة مشوهة، وأعتقد أن السيد الباجة جي إذا ما استمع إلينا بصورة مباشرة وعرف الاعتبارات الوطنية التي قررنا هو أن يكون أحد رموز القيادة المؤهلة لسد الفراغ.. اللي ممكن أن يحدث إذا ما تعرض العراق..

محمد كريشان[مقاطعاً]: نعم، على كل.. على.. هو.. هو ربما.. ربما يكون.. ربما يكون استمع إليكم، ولكن ربما يكون.. ربما يكون..

مشعان الجبوري: إذا ما....

محمد كريشان: نعم، يعني ربما يكون استمع إليكم، ولكن لو.. لو نحاول.. يعني لو نحاول نحن أن.. أن..

مشعان الجبوري: لو استمع الدكتور الباجة جي إلى.. ومن مصادر طبيعية لكان له وجهة نظر تخالف..

محمد كريشان: لو نحاول نحن أن نستمع إليه.. لو نحاول نحن أن نستمع إليه سيد الباجة جي كان هو العربي السني الوحيد في القيادة السداسية التي اختارها مؤتمر أربيل، لم يكن ضمن الحاضرين مثلما أشرنا في المؤتمر، وعندما علم بتعيينه عضواً في هذه القيادة أصدر بياناً نفى فيه موافقته على ذلك، الأمر يتعلق بوزير الخارجية الأسبق إذن في أواسط الستينات قبل مجيء حزب البعث إلى السلطة عام 68، عدنان الباجة جي، وهو يبلغ من العمر 80 عاماً، ويقيم في أبو ظبي، وقد أوضح لنا أسباب رفضه المشاركة في المؤتمر في هذا التصريح الذي خص به (الجزيرة).

عدنان الباجة جي (وزير الخارجية العراقي الأسبق): أنا وُجهت لي دعوة أن أحضر الاجتماع في.. في أربيل في كردستان كضيف لأجل التشاور والمناقشة والتشاور في القضايا اللي تهم العراق، وعشان مستقبل العراق أنا اعتذرت عن.. عن المشاركة، عندي أسباب خاصة، بس في نفس الوقت أخبرت السيد مسعود البرزاني اللي هو.. وجه.. وجه لي الدعوة أن أبديت يعني أملي أن يوفَّق في توسيع هذه اللجنة وما ينبثق عنها من هيئات أخرى حتى تكون.. حتى تعكس الواقع العراقي على حقيقته، لأنه الشيء اللي صار في مؤتمر لندن أن -وهذا طبعاً أثار شكاوي كثيرة وانتقادات كثيرة- أن تمثيل مختلف الفئات ما كان في الحقيقة بشكل سليم، وأدى إلى مثلاً إعطاء بعض الفئات نصيب أكبر مما يستحقونه في.. في اللجنة.. لجنة التنسيق و.. و المتابعة.

محمد كريشان: عدنان باجة جي (وزير الخارجية العراقي الأسبق)، سيد الجبوري، باختصار شديد ما تعليقك على هذه الأقوال؟

مشعان الجبوري: يعني أنا أريد أن أوضح بشيء حقيقي، أنا أتفق مع الدكتور الباجة جي إنه ربما اجتماع لندن هو ليس اجتماعاً مثالياً، وتشكيلة الـ 65 هي ليست التشكيلة المثالية، لكني قد أخالفه الرأي، لأنني قد حضرت جميع اجتماعات المعارضة، وأؤكد لك أن.. أن هذه اللجنة تمثل إلى حدٍ ما بنسبةٍ.. يعني هي أفضل ما يمكن الخروج به من هكذا اجتماعات، طبعاً أنا أختلف مع الذين يعتقدون أن.. أو يوصفون أن السيد الباجة جي هو العربي السني الوحيد في المؤتمر، فإذا كنت تتحدث بصورةٍ طائفية فللأسف الشديد إنه.. إن هذا المنطق الذي نرفضه أن الأكراد سنة، وهناك السيد جلال طلباني، والرئيس مسعود البرزاني أعضاء في اللجنة، وبعدنان الباجة جي يكون هناك ثلاثة سنة، وإذا نتحدث عن العرب فهناك عرب، فالدكتور.. فسماحة السيد عبد العزيز الحكيم هو عربي، والدكتور إياد علاوي عربي، والدكتور الباجة جي عربي، والدكتور أحمد شلبي عربي، فبصراحة يبدو أن هناك حقيقة يراد لوي ذراعها، مرة نتحدث طائفياً، ومرة نتحدث قومياً، أنا أريد أن أؤكد لك أستاذ محمد بصورة حقيقية، أنا كنت أغلب المعترضين على جميع مقررات المؤتمرات المعارضة السابقة، وخرجت معارضاً لجميع مقرراتها التي حضرتها، من مؤتمر صلاح الدين الأول عام 92 مروراً بمؤتمر نيويورك عام 99، بصراحة وبأُخوَّة لم يجرِ اعتماد القيادة على أساس طائفي، ولم تجرِ الأشياء على أساس طائفي..

محمد كريشان[مقاطعاً]: نعم، إذن.. إذن.. القضية لم تكن على أساس طائفي مثلما تقول سيد مشعان الجبوري...

مشعان الجبوري: ونحن.. نحن رفضنا رفضاً قاطعاً هذا الطرح..

محمد كريشان: شكراً.. شكراً جزيلاً لك سيد مشعان الجبوري (عضو لجنة المتابعة والتنسيق)، وقد حدثنا من أربيل.

على كل حاولنا في هذه الحلقة أن نستضيف بعض من قيادات المعارضة العراقية، بعضها رفض المجيء أصلاً إلى هذه الحلقة عندما سمع بأن فلان أو فلان موجود، أخص بالذكر مثلاً السيد شريف الحسين بن علي من دعاة الملكية الدستورية، رفض الحضور للحلقة، لأن فلان موجود، ولا أريد أن أدخل في جدال، إذن الإشكال حتى في حضور برنامج واحد، فما بالك بالمشاركة في سلطة واحدة؟ وهذه تساؤلات نريد أن نخوض فيها.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: مازلنا معكم في هذه الحلقة من (قضية الساعة) هذا البرنامج الجديد المخصص للملف العراقي، ونخصصه هذه المرة لآخر مؤتمر للمعارضة العراقية في شمال العراق، ومختلف التداخلات الإقليمية والدولية والعراقية الداخلية المتعلقة بموضوع ما بعد مرحلة الرئيس صدام حسين كما تقول المعارضة العراقية.

على كل فيما يتعلق بهذا البرنامج هو يبث أيام السبت والاثنين والخميس، ويُخصص بالكامل لموضوع العراق، لنا عودة لهذا الموضوع.

[موجز الأخبار]

محمد كريشان: استمعنا قبل الموجز للسيد مشعان الجبوري، وقدَّم تصور إلى حد ما وردياً للنوايا الأميركية، نريد الآن أن نسمع وجهات نظر أخرى.. معنا من لندن الدكتور هيثم الناهي (وهو الكاتب والمحلل السياسي، وعضو الأمانة العامة للحزب الوطني العراقي)، إلى أي مدى دكتور ناهي هذه الصورة يمكن أن تكون ذات مصداقية؟

د. هيثم الناهي: بسم الله الرحمن الرحيم، في الواقع أنت فسرت هذا الشيء بأن.. أن صورة وردية أعطاها الأستاذ مشعان الجبوري للمعارضة العراقية، إذا ما عرفنا أن المعارضة العراقية منقسمة على نفسها قبل أن تعقد مؤتمرها في أربيل، وأقصد بالمعارضة العراقية الآن ليس كل المعارضة العراقية الحقيقية وإنما معارضة (الجوارود)، أو كما يسميها رئيس الوزراء البريطاني احتفال (الجوارود)، هناك انقسامات قبل انعقاد المؤتمر ما بين أحمد شلبي وإياد علاوي،كان هناك تشكيلاً رباعياً يشمل الفصيلين الكرديين والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحركة الوفاق الوطني، إلا أن أحمد شلبي في زيارته الأخيرة إلى إيران أوحى إلى باقر الحكيم بأنه قد قدَّم نفسه.. عزيز الحكيم أن يكون رئيساً للوزراء عندما التقى بالإدارة الأميركية، مما أدى إلى الفصائل الثلاث بضغطٍ من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية للعراق أن تستبعد إياد علاوي وتجيء في اللجنة الرباعية بأحمد شلبي، مما سبَّب شرخاً كاملاً في اجتماعات المؤتمر مع تحفظات الأستاذ إياد علاوي على المؤتمر لاستبعاد كثير من الفصائل الوطنية الأساسية بما فيها الحزب الشيوعي، وحزب الدعوة، وبعض الفصائل الوطنية أمثال الحزب الوطني العراقي الذين هم على أرض الواقع بقواتهم وبشبابهم، ولم يشاركوا في المؤتمر لاعتبارات طائفية وعِرقية وضعت قبل أن يُعقد المؤتمر في أربيل، وحتى عند عقده في عاصمة لندن في (الجوارود).

طبيعة الخلاف بين فصائل المعارضة العراقية حيال الاستعانة بأميركا

محمد كريشان: نعم، استمعنا من أربيل استمعنا إلى لندن. نحاول أن نستمع من العاصمة العراقية بغداد، وقد تكون هي المعنية أكثر من غيرها بطبيعة الحال بكل ما يُقال عن تغييرات قادمة في العراق، معنا من بغداد وميض عمر نظمي (أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد) سيد نظمي، الحديث الذي جرى في مؤتمر أربيل عن الإدارة الأميركية وتوجهها نحو تعيين حاكم عسكري في البلاد بعد ذهاب حكم الرئيس العراقي صدام حسين، بالطبع هنا نتحدث عن الحسابات التي تقال هناك، ليس بالضرورة تبنيها أو معارضتها، هل تعتقد بأن هذا التصور نوقش بشكل جدي؟

د. وميض عمر نظمي: الحقيقة أود أن أسجل أن هناك مؤامرة صمت دولية وإعلامية على قوى المعارضة الحقيقية، سواء في داخل العراق وفي خارج العراق، وقد سبق أن وضحت ذلك لإذاعة (الجزيرة) في ندوة سابقة، والآن أوضح إذا كانت دعوتي هو مجرد تزيين هذه الندوة وإضفاء نوع من الشرعية عليها فأنا لست مستعداً للمشاركة في هذه الندوة، أما إذا فُسح لي المجال للنقاش وللحوار، فمن حقي أن أقدم معلومات كافية..

محمد كريشان [مقاطعاً]: سيد.. سيد نظمي من حقك المشاركة دون أن يعني ذلك مصادرة حق الآخرين، ومن حق الآخرين أن يشاركوا دون أن يعني ذلك مصادرة حقك، يعني نحن في منبر تعددي.

د. وميض عمر نظمي: خلال.. خلال.. خلال.

محمد كريشان: نحاول فيه أن نفهم.. نفهم الصورة أنت تمثل ما يمكن أن يُقال..

د. وميض عمر نظمي: خلال..

محمد كريشان: أنت أحد أبعاد الموضوع ومن حقك أن تعبر عن رأيك تفضل سيدي.

د. وميض عمر نظمي: طيب. أولاً: السؤال الذي يطرح ليس هو تركيب المعارضة في أربيل أو في لندن، السؤال الأساسي: هل يجوز الاستعانة بقوى أجنبية معادية للعراق وللأمة العربية، للحديث عن ما يسمى بتحرير العراق وإشاعة الأجواء الديمقراطية فيه؟ هل تعلم أن العدوان القادم -حسب التقديرات الأجنبية- سيكلف العراق على الأقل نصف مليون شهيد، وسيؤدي إلى خراب شامل، فهل الديمقراطية المطلوبة ستكون ديمقراطية للأموات؟!

ثانياً: هل أن الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا هي صديقة للشعب العراقي؟ من الذي فرض العقوبات، وهي عقوبات جماعية شملت الجميع؟ ومنهم الأبرياء والذين لم تكن لهم أي مسؤولية عن اتخاذ أي قرار سياسي في العراق؟ ومع ذلك فعدد الشهداء الذين سقطوا ضحية الحصار مليون ونصف مليون مواطن عراقي، الولايات المتحدة تريد أن تبث الديمقراطية في العراق، لماذا لا ترسل قواتها أو بكلمة واحدة تعاتب السيد (شارون) على عمليات القتل والإبادة الجماعية والعقوبات الجماعية وإتلاف أشجار الزيتون وردم الآبار في الضفة الغربية؟ هل نحن من السذاجة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: سيد وميض هذا.. هذا التساؤل شرعي جداً فيما يتعلق بحقيقة النوايا الأميركية، وكان هذا هو المحور الذي أردنا أن نخوض فيه..

د. وميض عمر نظمي: بالنسبة لاعتراضي..

محمد كريشان [مقاطعاً]: سنعود إليك سيد..

د. وميض عمر نظمي: اسمح لي اعتراضي..

محمد كريشان: سنعود إليك سيد وميض.

د. وميض عمر نظمي: اسمح لي.. اسمح لي نقطة واحدة.. نقطة واحدة.

محمد كريشان: تفضل سيدي تفضل.

د. وميض عمر نظمي: اعتراضي إنك لن تدعو -مع احترامي لمن دعيتهم- بالأخير بيكون عراقيين، قد نختلف في الرأي. كان مفروض تدعو الحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة العراقي، وكلاهما رفض المشاركة في هذه المؤتمرات وكذلك التيار الناصري الذي رفض أيضاً المشاركة في هذه التيارات لكي تكون صورة المعارضة العراقية بكافة أشكال طيفها السياسي واضحة في هذه الندوة.

محمد كريشان: سيد.. سيد وميض أنت حكمت علينا قبل أن نستكمل الحلقة، وما أدراك بأننا لم ندعُ أطياف أخرى من المعارضة؟ سيصلهم الدور، وإذا أردنا أن نستضيف كل أطياف الطيف السياسي المعارض في العراق ربما كان لدينا 60 ضيف في هذه الحلقة وقد لا يستحملهم المجال، نعود إلى لندن معنا من هناك السيد فريد بهجت صبري وهو (عضو في الحزب الإسلامي العراقي) موضوع الحاكم العسكري الذي تريد واشنطن تنصيبه في العراق والبعض تداول حتى بعض الأسماء المرشحة لهذا المنصب ومؤتمر أربيل عرَّج على هذا الموضوع واستنكره ولكن في نفس الوقت لم يلح عليه كثيراً ربما لاعتبارات عدم القطع مع الإدارة الأميركية. كيف ترى هذا الموضوع؟

فريد بهجت صبري: والله هو.. بسم الله الرحمن الرحيم. هو من عادة الولايات المتحدة أن تنكث بعهودها مع.. يعني مع الأطراف التي تتعاون معها قبل حتى أن تبدأ بالعمل، فلذلك هي نكثت عهودها في أفغانستان ونرى الآن أفغانستان لا هي دولة ديمقراطية، لم يتحقق الرخاء الاقتصادي وهي دولة لا توجد فيها الأمن، حتى يقال الأمن في عهد طالبان هو أفضل بل بالعكس من هذا أن دولة مثل باكستان لها شيء من الديمقراطية، أصبحت الآن دولة ديكتاتورية وبمساعدة أميركية يعني والحاكم العسكري الباكستاني الآن يدوس بقدمه على كل.. كل الحكومات أو كل يعني الأحزاب السياسية الأخرى، فلذلك كيف نستطيع في رأينا نحن كحزب إسلامي عراقي، وحزب سياسي وإسلامي في الأمر الأول نحن نعلم بأن الولايات المتحدة الأميركية هي عدوة لهذه الأمة هي عدوة لهذه الأمة من القدم من.. يعني من دخولها في هذه المنطقة من الأربعينات، كيف نستطيع أن نعطيها الحكم أن هي تحكم ونحن نكون خلفها كمستشارين؟!

حقيقة هذه يعني أنا أحاول يعني.. نحن في الحزب الإسلامي العراقي أنه ننصح إخواننا في المعارضة العراقية الأخرى، أنه لا تعطون السكين وتستخدمون بيدكم أن تذبحوا هذا الشعب، وهو الآن مذبوح من الحكومة، ولكن تأتي الولايات المتحدة ثم تذبحه، نذبح الشعب ثم (نتوهم) أنه سيأتينا الرخاء، كيف يأتي الرخاء وهم.. بإمطار الشعب بالقنابل؟

محمد كريشان [مقاطعاً]: على ذكر ذبح الشعب سيد صبري المجتمعون في أربيل دعوا الأميركيين إلى ضرورة التمييز بين المدنيين والعسكريين، وبين ضرورة تسليم السلطة بعد التغيير المأمول من جانبهم بطبيعة الحال..

فريد بهجت صبري: نعم، وأن هذا..

محمد كريشان [مقاطعاً]: تسليم السلطة إلى الشعب، هل تعتقد بأن هذا الأمر ممكن عملياً؟

فريد بهجت صبري: هذا غير ممكن، لأن هناك سياق تاريخي لهذا الموضوع هذا السياق التاريخي إذا لم ندرس التاريخ لا نستطيع أنه نضمن المستقبل، أين تاريخ الولايات المتحدة؟ في فيتنام لكي تحقق الديمقراطية قصفت الشعب عن بكرة أبيه بطائرات الـ b52 لأن كان يسموه الـ (Carpet bombing) قتل الناس، الـSyndrome Orange كانوا يرموه على الناس مادة كيميائية الآن يتكلمون على ضرب العراق بقنابل نووية تكتيكية، ثم نأتي ونصفق لها!! ونقول شكراً للولايات المتحدة. شكراً على الديمقراطية التي ستأتينا بها، ما هو فائدة هذه الديمقراطية إذا كان صحيح ديمقراطية بقتل نصف مليون عراقي وتنصيب حاكم عسكري أميركي؟! وتجوب شوارع بغداد سيارات مصفحة أميركية وعليها العلم الأميركي؟

يعني نحن الشعب العراقي شعب عزيز لا يقبل بهذا الشيء وإن توهمت الولايات المتحدة أنها ستدخل العراق وستجد الحرية وجنودها سيمرون بحرية، فهي خاطئة. لقد مات لها 20 جندياً في الصومال فهربت، 200 جندي مات لها في.. قُتل لها في بيروت 240 فهربت، فهل تظن أن الشعب العراقي هذا الشعب التأريخي هذا الشعب الذي عنده كرامة سيقبل بالجندي الأميركي بقسطاله يمشي في شوارع بغداد؟! أنا أظن أميركا واهمة ومن يزيِّن لها، هذا..

محمد كريشان [مقاطعاً]: على كل ويبدو.. ويبدو.. يبدو على كل.. تبدو هذه النقطة المحورية التي في ضوئها تختلف بعض الأطراف المعارضة. سيد فريد بهجت صبري شكراً جزيلاً لك، على كل معاداة الحكم في بغداد والسعي إلى إسقاطه هدف يؤلف قلوب المعارضة العراقية ويطوي خلافاتها إلى حين، واختلاف المذاهب السياسية والعقائدية وكذلك التباينات العرقية ليس رحمة لهذه التشكيلات بالضرورة والتي يصعب توليفها بعد تحقيق الهدف، ولعل هذا ما دفع الإدارة الأميركية إلى إحالة هذا الملف على زلماي خليل زاد رجلها المجرب في تأليف قلوب الأفغان، جواد العمري يستعرض لنا أهم فصائل المعارضة العراقية.

أهم فصائل المعارضة العراقية

تقرير/جواد العمري: لكي يحقق زلماي خليل زاد (مبعوث الرئيس الأميركي) نجاحاً في العراق، فإن عليه أولاً التوفيق بين شعارات حكومته ومصالحها، فالديمقراطية التي تبشر بها إدارة الرئيس جورج بوش تعني حكم الأغلبية، وهم في هذه الحالة أتباع المذهب الشيعي الذين يزيدون عن نصف عدد السكان والمصلحة الأميركية قد تتعارض مع توسيع المد الشيعي خارج حدود إيران، ويرى أغلب شيعة العراق أن النظام السني في بغداد قد هضم حقهم واستأثر بالحكم من دونهم، وإن كان حزب البعث يتبنى في إدارة الحكم المنهج العلماني وليس المذهب الديني، ومن أبرز الواجهات السياسية التي تمثل الشيعة، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة حجة الإسلام محمد باقر الحكيم، وقد تشكل عام 82 بدعم من إيران التي تؤوي جناحه العسكري المعروف باسم لواء بدر، ويُعتقد أنه سيكون له دور في المرحلة المقبلة، ويشترك حزب الدعوة الشيعي مع المجلس الأعلى في الهدف، لكنه أكثر ليبرالية ولا يفضِّل النموذج الإيراني للزعامة الدينية، ولعل التيار الثالث في الساحة الشيعية الذي يتزعمه أحمد شلبي هو المرشح للتوفيق بين أهداف واشنطن وشعاراتها، فهو التيار الذي يتبنى النموذج الديمقراطي الغربي والقيم العلمانية، وقد كان لشلبي دور في جمع أطياف عديدة تحت لافتة المؤتمر الوطني العراقي، وهناك عناوين أخرى من المعارضات الشيعية مثل حزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامي وحركة جند الإمام، وحركة الوفاق الإسلامي والحزب الإسلامي العراقي والحركة الإسلامية، وبعض هذه التنظيمات منضوٍ تحت تشكيلات حزبية أوسع.

وبالانتقال شمالاً إلى أربيل تدخل المعارضة الكردية في المشهد، ليصبح النظام العراقي بين قطبي رحى الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، ففي هذه الساحة يبرز الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البرزاني، وهو من المعارضة المسلحة التي بنت قوتها على أرض العراق لدعم النزعة الاستقلالية خلافاً للمعارضة المقيمة في المنفى، وقد انشق هذا الحزب عام 75 لينبثق منه الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، الذي اتخذ من السليمانية معقلاً له، وعقب حرب الخليج الثانية أقام مع الحزب الديمقراطي برلماناً مشتركاً يتقاسمان من خلاله السلطة لكنهما ما لبثا أن دخلا في نزاع مسلح واتهم الطالباني خصمه بالاستعانة بالنظام في بغداد لمحاربته، وفشل اتفاق رعته تركيا وبريطانيا في حل الصراع الكردي، لكن واشنطن توسَّطت في اتفاق جديد أعاد الحياة إلى البرلمان المنتخب، ويمثل الاتجاه الإسلامي في الساحة الكردية حزب الاتحاد الإسلامي الذي يشارك في حكومة أربيل، وهو يتبنى فكر الإخوان المسلمين، وهناك علاقات طيبة بين زعيمه الشيخ صلاح الدين محمد بهاء الدين ورجب طيب أردوغان (زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا)، عدا ذلك يتوزع التيار الإسلامي في الساحة الكردية في إطار تنظيمات صغيرة كالحركة الإسلامية وحزب كادحي كردستان.

وللأقليات القومية تجمعات سياسية كالاتحاد الإسلامي لتركمان العراق والحزب الوطني التركماني العراقي والحركة الديمقراطية الآثورية، وهناك تصنيفات أخرى على أسس فكرية مثل الحزب الشيوعي العراقي واتحاد الديمقراطيين العراقيين والمجلس العراقي الحر، والائتلاف الوطني العراقي، وفي غياب معارضة سنية يُعتد بها يتوزع المعارضون السنة على تيارات فكرية متعددة.

أما الأسرة الهاشمية التي أُطيح بحكمها على يد الثورة عام 58، فقد ظهر ممثلها الشريف حسين بن علي في المشهد بعد عاصفة الصحراء منادياً بعودة الملكية وأصبح ناطقاً باسم المؤتمر الوطني العراقي ورئيساً للحركة الملكية الدستورية.

وهناك تشكيلة واسعة من المنشقين من الجيش وحزب البعث يعملون مع المعارضة في الخارج ضمن أُطر جمعت مختلف الأطياف كالمؤتمر الوطني وائتلاف القوى الوطنية في بريطانيا واتحاد القوى الإسلامية في إيران وأوروبا، ولاشك أن الحكومة العراقية تدرك حجم معارضيها جيداً، وأهداف كل تجمع ومدى خطورته، لكن واشنطن تراهن على معارضة خفية من خلال السعي لإحداث انشقاق في صفوف الجيش وقطاعات الشعب وتريد من خلال الترغيب والترهيب إقناع من تميل قلوبهم إلى النظام لتكون سيوفهم عليه.

محمد كريشان: إذن تنوُّع كبير في أطياف المعارضة العراقية وقد يكون هذا نقطة قوة وقد تكون ربما نقطة ضعف في بعض التحاليل، معنا الآن من لندن المحلل السياسي الشيخ لطيف السعيدي.

تقييم المعارضة العراقية على المستوى الوطني والإقليمي

سيد سعيدي، البعض ربما لا ينتقد حق المعارضة العراقية في المعارضة، بالطبع هذا حق شرعي، ولكن في إدارة هذه المعارضة، هل تعتقد بأن هذه الأطياف على تنويعاتها استطاعت أن تتوصل فعلاً إلى الحد الأدنى المطلوب وطنياً وإقليمياً في هذه المرحلة؟

لطيف السعيدي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا سمعت الآن لتعليقك بأن النظام يعرف المعارضة جيداً، وأنا أقول أن النظام العراقي بحيث من القابلية والذكاء تمكن منذ الثمانينات أو منذ أواخر السبعينات أن يفصِّل معارضة عراقية على مقاسه وأن يسَيِّرها حسب ما ترتأي الحاجة بالنسبة إله، وما يؤسفني أن المعارضة الحقيقية لنظام الحكم في بغداد لم تظهر على السطح لحد هذه اللحظة اللي نحن نتحدث بها، فمفهوم..

محمد كريشان[مقاطعاً]: يعني سيد سعيدي، رغم كل هذا والمعارضة الحقيقية لم تظهر يعني، متى يمكن أن تظهر يعني؟

لطيف السعيدي: يا أخي، هذه المعارضة الموجودة للأسف الشديد، وأنت تعرفها جيداً، ولا أقول كل هذه المعارضة، نعم هنالك في صفوف هذه المعارضة ناس عراقيين وطنيين شرفاء وكذلك إسلاميين شرفاء، ولكن إحنا نعرف إن المعارض في أي دولة من دول العالم هو الإنسان ذلك الإنسان المخلص لدينه ووطنه وأمته، والمعارض الحقيقي هو ذلك المعارض الذي يتوخى الوسائل الطاهرة، لكي يحقق طهارة الهدف، وما يؤسف له هنا.. نتوخى الوسيلة الشيطانية، وسمعناها في السابق، ما يقولون عنه الشيطان الأكبر، كما أننا ننسى ديننا وننسى التعاليم التي جاء بها الإسلام، وهنالك حديث للرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة، كُتب على جبينه يوم القيامة إنه يائس من رحمة الله"، فكيف ونحن الآن يتصدر بعضنا وينادي بأن الشعب العراقي سيستقبل الأميركان بالورود؟! وأعتقد هذه أضحوكة ولا أعتقد إنسان عاقل يصدق هذا الذي يذهبون عليه كثير من الإخوة سواء كانوا في (الجوارود) أو في صلاح الدين، ونحن.. أنا استمعت كثيراً للأقوال والخطب التي تحدثوا عنها في صلاح الدين، فمنهم من قال: نحن لا نؤيد الهيمنة الأميركية، يا أخي فكيف هو لا يؤيد الهيمنة الأميركية وهو ينتظر يومان أو ثلاثة أيام وأيام عديدة إلى أن وصل زلماي لكي يقدم لهم النصائح ويقدم لهم كيف يكون حالهم بالمستقبل؟! وفي اعتقادي..

محمد كريشان: نعم، أنت على كل سيد سعيدي أنت أشرت إلى نقطة مهمة، وهي مسألة الوجه الديني للموضوع، وفي بعض الكتابات التي تابعتها أن المرجعية الشيعية في النجف وقفت ضد الغزو البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى..

لطيف السعيدي: هذا صحيح.

محمد كريشان: وقالت إن صحيح إن الدولة العثمانية ظالمة، ولكنها إسلامية، أما الجحافل القادمة لغزو العراق فتمثل لواء الكفر الذي يُحرم أن تُقاتل.. أن تقاتل -عفواً- تحت لوائه، على كل موضوع المرجعيات الدينية موضوع مهم، شكراً لك سيد لطيف السعيدي.

ننتقل إلى باريس، معنا من هناك السيد عبد الجبار الكبيسي (رئيس التحالف الوطني العراقي). سيد كبيسي، فعلاً أي مراقب يتابع ألوان الطيف السياسي للمعارضة العراقية إلا ويدوخ في أمره، يعني حتى نكون صريحين، تلوينات عِرقية، عقائدية، مذهبية، وهناك اتهامات متبادلة، أنتم من بين الذين يعتقدون بأن عليكم أن تمارسوا ما تصفونه بالمعارضة الوطنية، هل تعتقد بأن نظام الحكم في العراق على كل العلات التي يذكرها خصومه قادر على أن يصلح نفسه وقادر على أن يفتح صفحة جديدة تبعد شبح ما يُحاك ضد العراق؟

عبد الجبار الكبيسي: أخ محمد، أولاً أريد أتكلم قليلاً جداً عن موضوع المعارضة العراقية، مثل ما قال بعض الإخوة الذين سبقوني، المعارضة الوطنية العراقية التي كانت موجودة تاريخياً منذ عام ما قبل عام 68، هي هناك محاولات لتغييبها، محاولات عدوة أميركية، وخُلقت معارضة.. أسموها معارضة بعد عام 91، بعد العدوان الإمبريالي الأميركي على العراق، هؤلاء خُلقوا بإرادة الولايات المتحدة الأميركية وبأموال معروفة من دول الخليج، هؤلاء هم الذين يجتمعون وتشجعهم أميركا وتسعى أميركا للتعاون معهم أو تجعلهم حصان طروادة لغزو العراق، المعارضة حق مشروع والاعتراض هو يجب أن يكفله الدستور، لكن حق الاعتراض يجب أن يكون مقروناً أيضاً بالقول بأن الاعتراض يجب أن يكون في إطار ثوابت وطنية، وأولى الثوابت الوطنية أن نقف ضد كل غزو أجنبي لبلادنا، أن نقف ضد كل عدوان أجنبي ضد بلادنا، أن نقف ضد كل مستعمر ونحاربه، بغض النظر عن موقفنا من هذه الحكومة أو تلك.

محمد كريشان: ولكن سيد الكبيسي أنت..

عبد الجبار الكبيسي: نحن.. نحن.. أي نعم.

محمد كريشان[مقاطعاً]: أنت من الذين توجهوا إلى بغداد، والتقيت بمسؤولين في الحكومة العراقية، هل لمست استعداد لانفتاح سياسي للقيام ببعض الخطوات التي تجعل من مثل هذا الكلام قابل للتطبيق ويجعل من الجبهة المعادية لأي غزو أجنبي تكون جبهة متماسكة؟

عبد الجبار الكبيسي: يا أخ محمد، هذه الحرب التي.. المحتملة التي تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تشنها على العراق هي سلسلة من المواجهة التي تشنها الإمبريالية على أمتنا وعلى العرب والمسلمين، لمنعهم من الخروج من الوضع القائم، لمنعهم من تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم، هنا يجب أن تتوحد كل الأمة، نحن ذهبنا إلى بغداد بهذه الروحية، من أجل توحيد كل قوى الأمة القومية والديمقراطية والإسلامية لمواجهة هذا الغزو الإمبريالي الذي يسعى لاحتلال بلادنا واستعماره نحن تحاورنا بكل صراحة وقلنا بأن الانفتاح السياسي و.. وإطلاق الحريات هي آلية لتمتين جبهة الشعب في مقاومة الغزاة، نعم وجدنا تجاوباً غير مسبوق، فوجئنا بتوجهات نحن نعتقد إذا طبقت وفسح المجال أمام خلق أجواء من التسامح وتقوية الثقة بين شرائح المجتمع نعم سننتقل إلى أجواء جديدة من أن يكون لكل المواطنين دور في بناء الوطن، دور في مقاومة المحتلين، واتخذت قرارات على ضوء الزيارة، ونأمل أن تتخذ قرارات إضافية، أُلغي 22 قرار سابق قرارات كانت تقيد العمل السياسي وتكون قاسية ضد الناشطين السياسيين، ألغيت المحاكم الخاصة والاستثنائية التي كان يحاكم السياسيون أمامها، هذه مسائل مهمة نأمل.. اتفقنا على إطلاق التعددية السياسية والتعددية الحزبية وإصدار الصحف ونأمل أن يصدر التشريع في هذا الإطار كما وُعِدنا في شهر آذار أو بداية نيسان.

محمد كريشان: نعم، شكراً لك سيد عبد الجبار الكبيسي (رئيس التحالف الوطني العراقي) تحدثنا في بداية هذه الحلقة حول أحد أبعاد العنصر الأميركي، تحدثنا عن موضوع الخلافات داخل الصف العراقي المعارض، ولكن هناك أيضاً البُعد التركي في أي حديث عن المعارضة العراقية.

بعد الفاصل: مؤتمر أربيل يحذر أنقرة من عواقب وخيمة لأي تدخل عسكري.

[فاصل إعلاني]

العلاقات التركية مع أكراد العراق واحتمالات الأزمة الحالية

محمد كريشان: العلاقات التركية مع أكراد العراق وهم فصيل أساسي في المعارضة بدأت بعد حرب الخليج الثانية وإقامة المناطق الآمنة في شمال البلاد لحمايتهم -كما ذكر آنذاك- من بطش السلطات العراقية بعد انتفاضتهم الفاشلة عام 91، وما تبع ذلك من سيطرة قوات البشمركة مرة أخرى على المنطقة وتزايد المخاوف التركية من احتمال إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

لكن إقامة هذه العلاقات احتاجت إلى ما يشبه المواجهة بين رئيس الحكومة التركية آنذاك (تورجات أوزال) وأركان الإدارة التركية ذات العقلية الأتاتوركية التي تحرم الاعتراف بوجود الأكراد أصلاً فضلاً عن إقامة اتصال سياسي معهم، تيسير علوني تابع هذا الموضوع.

تقرير/تيسير علوني: اللقاء التركي الأول بأكراد العراق في آذار/مارس من عام 91 والذي أملته تداعيات حرب الخليج الثانية لعله فرض توجهاً جديداً بل وتحدياً لأصحاب العقلية الأتاتوركية في الإدارة التركية، وأملى منذ ذلك التاريخ التعامل مع أكراد العراق كجزء مهم من المعارضة العراقية مع ما يقتضيه ذلك من اعتراف تركي ضمني بمقومات ثقافتهم، مع أن هذا الأمر يعتبر من المحرمات منذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك إلا أن هذا التوجه الجديد لدى أنقرة لم يشمل أكراد تركيا بالطبع، فهؤلاء ورغم أنهم يشكلون نسبة 20% من الشعب التركي إلا أنهم لا يستطيعون مجرد الإشارة إلى قوميتهم، ولا يحظون سوى بلقب "أتراك الجبال".

مطالبة أكراد تركيا بالحكم الذاتي وثوراتهم المتكررة في مناطقهم الجبلية شرق وجنوب شرق البلاد خلال العهدين العثماني والجمهوري جرَّت عليهم كثيراً من الهزائم وعمليات التهجير القسري، وانتهت هذه المواجهات مع انتهاء النشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني واعتقال زعيمه عبد الله أوجلان نهاية القرن الماضي. بينما واصلت تركيا منع الأكراد من ممارسة أي نشاط يعتبرونه من حقوقهم الثقافية، فارتداء الزي الكردي أو مجرد استخدام اللغة الكردية مثلاً يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى السجن والغرامة بموجب القانون التركي، أما في الوقت الراهن فقد بدأت تركيا تخفيف هذه القيود في حدود ضيقة جداً.

في ظل هذه المعطيات بدأت العلاقة التركية مع أكراد العراق، فالظروف الكارثية التي مروا بها بعد حرب الخليج الثانية والقمع الذي تعرضوا له بعد انتفاضتهم الشهيرة على الحكومة العراقية في ربيع سنة إحدى وتسعين دفعهم -وبعد مساعٍ فرنسية وضوء أخضر من واشنطن إلى طلب التنسيق مع أنقرة رغم إدراكهم لموقفها من نظرائهم أكراد تركيا ومن فكرة الحكم الذاتي والدولة الكردية المستقلة.

تقارب أكراد العراق مع أنقرة الذي اجتمعت عليه الفصائل الكردية الرئيسية لعله صادف هوى لدى الإدارة التركية التي استخدمتهم فيما بعد ضد حزب العمال الكردستاني الناشط على الأراضي التركية، ولا يخفى أيضاً طمع أنقرة في مزيد من التدخل في شمال العراق بعد ارتخاء قبضة بغداد على هذه المنطقة، وما قد يترتب عليه من احتمال إعلان الأكراد لدولة مستقلة في شمال العراق، الأكراد دأبوا على نفي أي طموحات لديهم بإعلان دولة مستقلة وأصروا دائماً على رغبتهم في قيام عراق فيدرالي يضمن لهم حكماً ذاتياً لم يحددوا أبعاده، إلا أن الحسابات التركية لا تقوم إلا على معطيات مضمونة كما هو شأن حسابات الدول، مما دفع الأتراك إلى البقاء على أهبة الاستعداد للتدخل عسكرياً لضمان مصالحهم بأنفسهم في حال حصول هجوم أميركي على العراق.

الحشد التركي على الحدود العراقية الشمالية أيقظ لدى الأكراد مخاوف تاريخية ولعله ذكَّرهم بما تعرضوا له جرَّاء تحالفاتهم الخاسرة دوماً مع دول الجوار فرفعوا أصواتهم بمعارضة أي تدخل عسكري تركي.

محمد كريشان: واستكمالاً لهذا الموضوع معنا الآن من بغداد نبيل محمد سليم (أستاذ العلوم السياسية بجامعة صدام) سيد سليم هناك توجس تركي أو بالأحرى توجس من تركيا لدى العراقيين سواءً كحكومة مركزية أو كمعارضة، هل هذا التوجس في محله؟

د.نبيل محمد سليم: بسم الله الرحمن الرحيم. الواقع أن التجربة التاريخية تثبت أن لتركيا بعض التطلعات في الأراضي الشمالية العراقية سواء كانت في الأرض العراقية أو في الثروة النفطية العراقية، وهناك مجموعة أخرى من المشاكل التي تسعى أو تحاول الحكومات التركية المتعاقبة أن تحلها على حساب العراق أو من خلال التدخل في شؤون العراق الداخلية في المناطق الشمالية، من تلك المشاكل مشكلة الأكراد ونحن نتذكر جيداً أن الحكومة التركية السابقة أو كانت قد عارضت إلى حدٍ كبير منح أكراد العراق الحكم الذاتي بحجة أن ذلك يمكن أن يشكل ذريعة لأكراد تركيا للمطالبة بحكم ذاتي على غرار الحكم الذاتي الممنوح لأكراد العراق، الحكومة التركية لازالت على ما يبدو من المتابعة التاريخية يبدو لازالت لديها بعض التطلعات في هذه الأرض، نحن نعلم أنها لازالت تخصص مبلغاً رمزياً في.. في الميزانية التركية يُدعى.. تحت بند ولاية الموصل، وهذا كافي للتدليل على إن لتركيا نوعاً من التطلعات في هذه المنطقة...

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن سيد سليم مع ذلك.. مع ذلك الأكراد في.. في مؤتمرهم الأخير مؤتمر المعارضة في أربيل يعني تحدثوا بلهجة شديدة تجاه أي تدخل تركي في شمال العراق وبعضهم حتى تحدث عن ضرورة المقاومة والتصدي له.

د.نبيل محمد سليم: ما هو هذا يعبر عن هذه الهواجس لدى الأكراد أيضاً تجاه التطلعات التركية في المنطقة وأيضاً تجربة أكراد العراق مع تركيا ليست يعني ليست محل جدل في الحقيقة التدخلات التركية العسكرية التي حصلت منذ عام 91 ولحد الآن في الأراضي الشمالية للعراق أثبتت للأكراد بما لا يقبل الجدل أن كل.. مع كل دخول تركي في المنطقة كان هناك محاولة لتكريس نوع من الوجود التركي في المنطقة للمستقبل، ولذلك تتخوف هذه التيارات من تدخل حكومة تركيا في حال شن عدوان أميركي على العراق بشكل عام، وفي كل الأحوال أنا أعتقد أن الأكراد العراقيين سيكونون خاسرين فهم إذا وقفوا إلى جانب الإدارة الأميركية بالتأكيد الإدارة الأميركية لن تدعم أكراد العراق في حال نجاحها في تنصيب -كما تأمل- نظام حكم موالٍ لها، ودخول الأتراك أيضاً في المنطقة سيكون على حساب الأكراد لتصفية حسابات قديمة معهم، وإذا لم يكن من أجل تصفية مثل هذه الحسابات فبالتأكيد سيكون من أجل يعني رفع شيء يمكن أن يقدم ذريعة لأكراد تركيا للمطالبة بنوع من الحكم الذاتي أو الاستقلال أو ما شابه ذلك كما...

محمد كريشان: نعم، على كل.. على كلٍ سيد سليم يعني المعارضة لم تأت فقط من.. من.. من الأكراد، أتت أيضاً من داخل الأتراك أنفسهم، شكراً لك سيد نبيل محمد سليم (أستاذ العلوم السياسية بجامعة صدام).

موقف البرلمان التركي من الأزمة في العراق وتخوف الأكراد من الأتراك

إذاً المفاجأة أيضاً جاءت هذه المرة من تركيا لتقلب ربما خطط الولايات المتحدة رأساً على عقب، فرفض برلمان أنقرة مؤخراً السماح بانتشار قوات أميركية على الأراضي التركية لاجتياح شمال العراق بالتزامن مع تقدم القوات الأميركية المتمركزة في الخليج عبر الجنوب لمحاصرة بغداد وعزلها عن بقية البلاد هذا الرفض إذن -كما قلنا- سيجعل من مهمة الأميركيين في حال اجتياح العراق أمراً معقداً ومكلفاً على أكثر من صعيد.

زياد بركات تابع أبعاد قرار البرلمان التركي.

تقرير/زياد بركات: صفعة غير متوقعة هي تلك التي وجهها البرلمان التركي لخطط واشنطن العسكرية تجاه العراق، فالمذكرة الحكومية في خصوص نشر قوات أميركية في الأراضي التركية لم تحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان، حيث عارضها 250 عضواً وامتنع 19 عن التصويت مقابل تأييد 264 لها مما يعني رفضها مبدئياً ما لم تعمد الحكومة إلى إعادة طرحها أمام البرلمان، وكان لافتاً أن جلسة البرلمان التركي التي يعتبرها البعض تاريخية تزامنت مع تظاهر الآلاف أمام البرلمان داعين نواب الشعب إلى التصدي للضغوط الأميركية ورفض الحرب، ويأتي هذا الرفض بعد أسبوعين من المساومات بين أنقرة وواشنطن تعهدت خلالها الإدارة الأميركية بمنح تركيا مساعدات عسكرية بقيمة 15 مليار دولار تتسلم منها الحكومة التركية ستة مليارات دولار فوراً في مقابل السماح للجنود الأميركيين بالانتشار في الأراضي التركية، وبدورها طالبت أنقرة بنشر مئات الألوف من جنودها في شمال العراق في حال بدأت القوات الأميركية باجتياح العراق، الأمر الذي أثار مخاوف واشنطن من استخدام أنقرة هذه القوات للسيطرة على شمال العراق، وذلك لمنع قيام دولة كردية وربما المطالبة بامتيازات نفطية في الموصل وكركوك، والأهم من ذلك خشية واشنطن من أن تؤدي خطوة كهذه إلى تشجيع إيران على إرسال قواتها للسيطرة على المناطق الشيعية في جنوب العراق مما ينذر بتقسيم بلاد الرافدين.

ويرى بعض المراقبين أن واشنطن لا تريد دوراً تركياً في حربها المحتملة على العراق يتجاوز دور الباكستانيين في حرب أفغانستان، فكما حرصت واشنطن على عدم السماح للقوات الباكستانية بمجرد التفكير بدخول الأراضي الأفغانية فإنها تريد الدور نفسه تقريباً لتركياً، أي تقديم المساعدة المطلوبة منها دون الوصول إلى حد المشاركة ميدانياً في الحرب واقتسام الغنائم لاحقاً، وفي كل الأحوال فإن واشنطن كانت تعتزم الاستفادة من وجود مشاتها المفترض في تركيا لتأمين اجتياح سريع لشمال العراق يتيح لها السيطرة على حقول النفط في تلك المناطق، والوصول سريعاً إلى تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي صدام حسين، غير أن رفض البرلمان التركي وضع واشنطن أمام خيارات صعبة منها إقامة جسر جوي من الكويت إلى شمال العراق لنشر قواتها ومصفحاتها على طول مئات الكيلو مترات في الصحراء، أو اللجوء إلى فتح جبهة برية أخرى مع ما يعنيه ذلك من تعقيد للخطط العسكرية الأميركية وتزايد احتمالات تعرض واشنطن لخسائر بشرية فادحة.

محمد كريشان: ومعنا عبر الأقمار الاصطناعية من أنقرة أمين شيرين (النائب البرلماني في حزب العدالة والتنمية ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان). سيد شيرين هذا التوجس من دور لتركيا في شمال العراق، كيف ترونه في أنقرة؟

أمين شيرين: لم.. لم أسمع السؤال هل بالإمكان إعادة السؤال؟

محمد كريشان: بكل سرور، هناك توجس من الدور التركي في شمال العراق، هل تراه تجنياً على أنقرة أم هو تخوف في محله؟

أمين شيرين: أعتقد أن.. إنك لو ترى التاريخ على مدى عشر سنوات فإن ليس هناك خوف من جانب أي أحد من احتمال قيام تركيا بالتدخل في أراضي الآخرين أو شؤون الآخرين طالما إنه لا تهديد هناك للأمن القومي التركي فلن نتدخل بأي شكل كان.

محمد كريشان: نعم، المتحفظون على الدور التركي سيد شيرين يقولون بأن أنقرة تستغل الوجود التركماني وعددهم بين 2 مليون إلى 3 ملايين من التركمان العراقيين لفتح باب نفوذ لتركيا في العراق.

أمين شيرين: إن التركمان هما جزء لا يتجزأ من الصورة السياسية في العراق وليس بإمكان أحد أن ينكر ذلك، فقد كانوا كذلك منذ تأسيس العراق ويجب أن يبقوا كذلك طالما أن حقوقهم السياسية مصانة وأمنهم مصان فنحن سعيدون باستمرار الموقف كما هو عليه، ولكن لو شعرنا أن هناك تهديداً للتركمان فإن من واجبنا السياسي وحقنا السياسي أن ندعمهم.

محمد كريشان: وهل من حقكم السياسي سيد شيرين أيضاً أن.. أن تصروا على ضرورة تمثيل التركمان في أي حكومة مستقبلية في العراق؟

أمين شيرين: نعم، أعتقد إنه وطالما أن وحدة العراق مصانة ومحافظ عليها فإن تمثيلاً نسبياً بالنسبة لسكان العراق يجب أن يُعطى للتركمان أيضاً ضمن عراق موحد غير مجزَّأ ومُقسَّم.

محمد كريشان: نعم، طالما نتحدث عن المعارضة العراقية ومؤتمرها الأخير في.. في أربيل هذه المعارضة أعلنت معارضتها صراحة لأي تدخل تركي، ولكنها ضمناً ترحب بأي تدخل أميركي، كيف ترون هذا الأمر وأنتم من يرفض الانتشار الأميركي في تركيا؟

أمين شيرين: حسناً، إن إخواننا في شمال العراق يجب أن يحافظوا على هدوئهم وأن يدعموا.. وأن يثمنوا الدعم الذي قدرناه لهم اقتصادياً وسياسياً ومعنوياً على مدى العشر سنوات الماضية، وبفضل هذا الدعم الذي أعطته لهم تركيا فقد تمتعوا بالحكم الذاتي الذين.. الذي يتمتعون به هذا اليوم. و.. وعليهم أن.. أن يكونوا حريصين في كيفية تبني مواقفهم.

محمد كريشان: أنقرة باستمرار تعرب عن معارضتها لقيام دولة كردية في شمال العراق، والأكراد والمعارضة العراقية يقولون دائماً بأنهم لا يعتزمون إقامة مثل هذه الدولة، هل التخوف التركي في غير محله؟ ربما احتاج إلى إعادة السؤال موفق؟

أمين شيرين: إن كان الأمر كذلك فهو أفضل ولنرى كيف إنهم سيحتفظون بعهودهم ووعودهم، ولكن ما رأيناه في شوارع شمال العراق هذا اليوم بعد يوم واحد من قرار البرلمان التركي فلدينا كل الأسباب أن نراقب الوضع عن كثب ولنرى هل أنهم سوف يلتزمون بوعودهم أم لا، ونحن نراقب الأمر بدقة كما قلت.

محمد كريشان: نعم، سيد شيرين، نرجو أن تبقى معنا حتى نهاية البرنامج، معنا الآن من واشنطن لورين تومسون وهو (محلل عسكري واستشاري للقوات الأميركية). سيد تومسون هذه التخوفات لدى المعارضة العراقية من الدور الأميركي الحقيقي هل هو تخوف مشروع؟

لورين تومسون: يبدو لي أن تركيا قلقة ومعنية باحتمال نشوء دولة كردية مستقلة في شمال العراق أو احتمال قيام الأكراد بفرض نفوذهم على آبار النفط العراقية، ولتركيا مصلحة سياسية في الدور المحتمل الذي يمكن أن يقوم به الأكراد في شمال العراق.

محمد كريشان: هل.. هل واشنطن مصرة دائماً على الحاكم العسكري أم ربما تجد صيغة أخرى بالتنسيق مع المعارضة العراقية؟

لورين تومسون: إن.. أُخبِرتُ أنا من قِبَل مسؤولين في وزارة الدفاع (البنتاجون) حول خطتهم لمرحلة ما بعد الحرب وتوقعاتهم وخططهم تقوم على أساس إنه وفي أقرب وقت ممكن فإن الولايات المتحدة ستسلم زمام السيطرة في العراق إلى حكومة من العراقيين أنفسهم، ولكن هناك الكثير من الأمور غير المؤكدة وماذا.. حول متى سيحدث ذلك وما هو الدور الذي سوف يلعبه الأكراد في مثل هذه الحكومة.

محمد كريشان: سيد تومسون، شكراً جزيلاً لك، نعود إلى أنقرة في نهاية هذا البرنامج، سيد شيرين -باختصار شديد- هل الرفض التركي للانتشار الأميركي هو رفض نهائي؟

أمين شيرين: هذا ليس قراراً نهائياً لو أن التحالف تغير فإن قرار البرلمان التركي يمكن أن يتغير أيضاً بدوره.

محمد كريشان: شكراً لك سيد شيرين من أنقرة.

وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة والتي خصصناها للمؤتمر الأخير للمعارضة العراقية في منتجع صلاح الدين في شمال العراق ومختلف التشعبات المتعلقة بتعدد المعارضة العراقية وكذلك الارتباطات مع تركيا والخوف من تدخل تركي محتمل وكذلك التعهدات الأميركية.

في نهاية هذه الحلقة نشكر في الإعداد عبد السلام أبو مالك، في الإخراج فريد الجابري وفي الترجمة موفق توفيق، في أمان الله، وإلى اللقاء.