- فرص نجاح المشروع
- مقومات النجاح ومقومات الفشل

محمد كريشان
ماثيو غيدر
حسن طارق
محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند مشروع الاتحاد من أجل المتوسط الذي تبنته القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل بناء على مقترح فرنسي لإعطاء دفع جديد لعملية برشلونة التي أطلقت قبل 13 عاما. وفي حلقتنا محوران، هل ينجح الاتحاد الجديد في تأسيس شراكة حقيقة مع دول المتوسط الجنوبية؟ وما هي الضمانات التي تحول دون فشله كما حدث مع عملية برشلونة؟. الاتحاد من أجل المتوسط مشروع من بنات أفكار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سيطلق رسميا في يوليو المقبل في قمة خاصة في باريس، قوبل في البداية بتحفظ أوروبي خشية أن يكون منافسا للاتحاد الأوروبي أو بديلا عن عملية برشلونة التي انطلقت عام 1995 غير أن المشروع خضع لتغيرات وتعديلات قبل أن يقره الجمعة قادة دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل تحت اسم عملية برشلونة الاتحاد المتوسطي وذلك من أجل تأسيس شراكة اقتصادية وسياسية وثقافية عبر ضفتي المتوسط. ويضم مشروع الاتحاد من أجل المتوسط جميع دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة منها دول تطل على المتوسط وأخرى تقع شمال القارة الأوروبية أما الدول المطلة على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط فهي دول المغرب العربي، المغرب الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا بالإضافة إلى مصر والأردن ولبنان وسوريا والسلطة الوطنية الفلسطينية وتركيا وإسرائيل.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: جاء إلى سدة الرئاسة في فرنسا وأتى معه بكثير من الوعود والمشاريع، أحد تلك المشاريع يتجاوز الحدود الفرنسية بل والأوروبية إلى ضفاف المتوسط. مبادرة طرحها نيكولا ساركوزي على عدد من العواصم المتوسطية التي زارها بعيد فوزه الانتخابي، اتحاد متوسطي ينقل العلاقة بين ضفتي الأبيض المتوسط إلى طور جديد، اتحاد يريد تحويل الحوض المتوسطي إلى ساحة للتعاون والتكامل الاقتصادي تتقاسم فيه الدول المعنية ثمار علاقة أكثر حركية وازدهارا. بنى ساركوزي أطروحته على قراءة لتجربة الشراكة الأورومتوسطية التي أطلقها مسار برشلونة سنة 1995سعيا لأقامة منطقة تبادل حر بحلول 2012 بين جانبي المتوسط، شراكة لم تف حسب تقديره بوعودها نظرا لعدة عوامل لعل أهمها سقوطها في السياق المنفردة بين اتحاد أوروبي سار خطوات على درب الوحدة الاندماجية وبين دول جنوبية متنافرة المصالح والأسواق مضطربة الأوضاع الأمنية. الحصيلة في القراءة الساركوزية، موجات من الهجرة التي ينتهي فيها المغامرون الأفارقة إما غرقى أو في طوابير الوافدين غير الشرعيين الذين تترصدهم عصابات الجريمة المنظمة أو جماعات العنف، ولدت الفكرة داخل الجدل واستمرت فيه تبحث عن حدود واضحة لبنودها وهيكليتها، تطلعت إلى الجوار الخليجي لتجد نفسها عاجزة عن تجاهل تأثيره ثم ارتدت إلى أمواج المتوسط عند سواحل الشرق الأوسط حيث إسرائيل قائمة في نظر جيرانها نشازا في نسيجهم التاريخي. عناصر في الصورة المتوسطية جعلت حفاوة القذافي في استقبال ساركوزي لا تمنع العقيد من التنبؤ بفشل المشروع المتوسطي، وقريبا من ذلك صدرت تحفظات جزائرية تونسية في نفس الاتجاه، تحفظات تخشى أن يكون المشروع استجابة لحاجة أوروبية لحل قضايا الهجرة والأمن وأصبحت الفكرة أوروبية بالتبني وبقي أن تشرح لنا كيف ستنجح فيما فشلت فيه برشلونة من جلب الاستقرار والرخاء إلى منطقة عانت ولا تزال أوضاعا غير مستقرة.



[نهاية التقرير المسجل]

فرص نجاح المشروع

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من باريس ماثيو غيدير الباحث في شؤون الدول المتوسطية، وعبر الهاتف من تونس رشيد خشانة رئيس تحرير صحيفة الموقف الأسبوعية، ومعنا أيضا من الرباط الدكتور حسن طارق وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس أهلا بضيوفنا الثلاثة. لو بدأنا من باريس والسيد غيدر، برأيك ما فرص نجاح هذا المشروع الجديد؟

ماثيو غيدر: هذا المشروع الجديد أولا يجب أن نشيد بأنه مشروع هام جدا في هذه الفترة التاريخية الحالية بما أنه يذهب ضد نظرة صراع الحضارات، وهو أول مشروع يحاول أن يأتي بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط. فأنا حسب رأيي من ناحية الفلسفة، فلسفة المشروع بحد ذاته هناك فرص نجاح كثيرة، فرص نجاحه أيضا مهمة لأنه مرتكز على المبادرات الشخصية وليس فقط على الدبلوماسيين أو على السياسيين فهو مبني على نظرة لمشاريع ملموسة ونظرة واقعية لمشاكل البحر الأبيض المتوسط عموما، فأنا متفائل يعني في نفس الوقت خاصة بعد انضمام الدول الأوروبية الأخرى إلى هذا المشروع.

محمد كريشان: يعني هذا الانضمام تحديدا، وهنا أسأل الدكتور حسن طارق في الرباط، هذا الانضمام الذي جعل كامل دول الاتحاد الأوروبي زائد دول الضفة الجنوبية للمتوسط، هل هذا يقوي من حظوظ النجاح؟

حسن طارق: لنلاحظ أولا بأن انضمام كل دول أوروبا كان له ثمن، والثمن هو أن تتحول صيغة المشروع المتوسطي من صيغة طموحة كما جاء في الفكرة الأولى لساركوزي عندما كان مرشحا وهي فكرة تدعم هذا الأفق الإقليمي وهذا التنظيم الإقليمي بدعامات دبلوماسية وتجارية عن طريق تسع وكالات، عن طريق خلق مصرف موحد، لكن دخول ألمانيا والتحفظ الكبير الألماني ثم التحولات التي عرفها الفضاء الأوروبي الذي أصبح يتجه أساسا نحو الشرق وليس نحو الجنوب جعل الفكرة تتقلص وتتحول من هذا المشروع الطموح والكبير إلى مجرد قمة دولية، مع تشكيل رئاسة مشتركة وأمانة صغيرة. فالفكرة تقلصت، والمشروع أصبح جد متواضع مما يجعل الملاحظين يعتبرونه في أحسن الحالات سيكون استمرارا لمسار كان قد بدأ سنة 1995 وآل إلى ما آل إليه، آل إلى الفشل، فشل ذريع على المستويات السياسية وعلى المستويات الاقتصادية وعلى كل الجبهات الثلاث التي كان قد رسمها أفق له وهي الحوار السياسي الذي تعثر، والتعثر كبير ودليله هو استمرار معضلة الصراع العربي الإسرائيلي..

محمد كريشان (مقاطعا): نعم، أنت هنا، عفوا دكتور، أنت هنا تقدم رواية معاكسة تماما لضيفنا من باريس. لنر رشيد خشانة، خاصة وأنك أشرت بأن هذ المشروع تعرض للتعديل. هنا نسأل رشيد خشانة هل فعلا كما قال العقيد القذافي هذا المشروع تعرض للإجهاض أو التمييع وأنه عوض أن يفصل الثوب من قبل الطرفين فصله طرف واحد ويريد أن يفرضه على الطرف الآخر لكي يلبسه، على حد تعبير العقيد القذافي؟

"
المشروع في الأصل هو رغبة فرنسية من ساركوزي تحديدا للالتفاف على إدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي
"
         رشيد خشانة

رشيد خشانة:
أعتقد أن هذا صحيح، لأن هناك ترضية تمت في بروكسل حتى يقبل الجميع بصيغة متفق عليها وموافق عليها، لكن في الأصل أعتقد بأن علينا أن لا ننبهر بالأسماء البراقة، اتحاد من أجل المتوسط، لأن المشروع في الأصل هو رغبة فرنسية من ساركوزي تحديدا للالتفاف على إدخال تركيا على الاتحاد الأوروبي. لا ننسى أن أول مرة أطلق فيها ساركوزي هذا المشروع كانت في خطابه الانتخابي قبل أن يصبح رئيسا في مدينة تولو الفرنسية المطلة على المتوسط، وفي نفس الخطاب ركز على رفضه القاطع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وأراد أن يخرج هذه الجبة الكبيرة التي سماها بالاتحاد المتوسطي حتى يجد مكانا لتركيا خارج الاتحاد الأوروبي. فانطلاقا من هذا أحرج زملائه في الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا، لأن هناك خلاف فرنسي أوروبي على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، فالآخرون حاولوا أن يجدوا ترضية وحل وسط، انعقد في البداية اجتماع في روما بين فرنسا وإسبانيا وإيطاليا للوصول إلى حل وسط نتج عنه ما سمي بإعلان روما، ولكن في نفس الوقت كانت إيطاليا كما هو معروف وإسبانيا تتحركان ضد مشروع ساركوزي ومع البلدان الأوروبية الشمالية، فهناك خلاف كبير داخل الاتحاد الأوربي على هذا المشروع وصل بهم جميعا إلى هذه الصيغة الأخيرة.

محمد كريشان: ما أشرت إليه رشيد، وهنا أعود إلى باريس، من موضوع التفاف حول موضوع تركيا نفاه المسؤولون في الاتحاد الأوروبي بقوة. برأيك سيد ماثيو، هل هذا النفي يبدو مقنعا رغم كل ما يشار في هذا الموضوع؟

ماثيو غيدر: أظن أن الموضوع الآن أخذ صبغة يعني.. لا يجب أن نسيس هذا المشروع قبل أن يبدأ، يعني أن نتحدث عن الهجرة أو عن أنه ثوب اكتسي أو عن تركيا إلى آخره، فهو في حد ذاته النظرة التي سنعطيها لهذا المشروع هي التي ستدعو إلى نجاحه أم لا. مبدئيا المسألة واضحة يعني خرجنا من عملية برشلونة بالمشاريع الملموسة وليس السياسية بينما هنا نبقى من خلال مداخلة الأخوين نبقى في نطاق نقاش سياسي بحت ليس له ما يعتمد عليه، بينما الدعم الأوروبي سيكون دعم مالي في نفس الوقت ويكون دعم سياسي فله أساسه وهذا مهم جدا، حتى ينظر إليه، فلا نبقى في مجرد الشعارات أن هذا المشروع لمجرد إلغاء تركيا من الاتحاد الأوروبي، أو أن هذا المشروع لأمن أوروبا، هذه المحاولة جادة حاليا ولا بد طبعا من التفاهم مع الجيران الأوروبيين لكي نصل إلى مشروع موحد يعطي صبغة متوسطية عامة وشاملة ولا يجب أن نسيسه من البدء يعني.

محمد كريشان: ولكن مع ذلك سيد ماثيو، يعني لم تتسرب معلومات كثيرة حول هذا المشروع الجديد ولكن ما تسرب أنه سيهتم بموضوع البيئة، بموضوع المياه وهناك إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس مستعدا لمزيد من ضخ الأموال في أي مشروع مع الضفة الجنوبية للمتوسط، ألا يلقي ذلك بكثير من الشك المشروع حول مدى نجاعة هكذا مشروع؟

ماثيو غيدر: لا، هناك معلومات واضحة حول هذا المشروع، أظن أنها لم تصل يمكن إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، الشيء المهم الأول هو أن هذا المشروع خلافا لعملية برشلونة يعتمد على مشاريع ملموسة تأتي من المواطنين أو من الشركات في الضفتين. الشيء الثاني وهو مختلف عن عملية برشلونة والتي كانت عملية استحوذ عليها بصفة ما السياسيون والدبلوماسيون ولم تصل إلى الشعوب، شعوب البحر الأبيض المتوسط. الشيء الثاني المهم هو التطوع يعني أن التطوع أن دولتين تقرران المشاركة في مشروع محدد ومعين فتوجد له الأموال في الميدان وهذه الصبغة التطبيقية، الصبغة البراغماتية في نفس الوقت هي التي تشكل أهم ما جاء به هذا الاتحاد من أجل، ولا ننسى الفرق، ليس اتحادا متوسطيا هو اتحاد من أجل المتوسط.

محمد كريشان: نعم أنت على كل تظل في الضفة الشمالية سيد ماثيو وضيفانا في الضفة الجنوبية للمتوسط. بعد الفاصل سنرى بالضبط ما الذي يجعل هذا المشروع مختلفا عن مشروع برشلونة الذي أطلق عام 1995 وكثير من المراقبين يعتبرون بأنه لم يحقق أهدافه، نعود إليكم بعد قليل.



[فاصل إعلاني]

مقومات النجاح ومقومات الفشل

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد، وحلقتنا هذه تناقش مشروع الاتحاد من أجل المتوسط الذي أطلق في القمة الأوروبية أو أعلن عنه في القمة الأوروبية الأخيرة. دكتور حسن طارق ضيفنا في باريس يقول بأن المشروع يبدو واعدا ويختلف عن مشروع برشلونة وأن المعلومات بشأنه جيدة ولكن لا تكون قد وصلت للضفة الجنوبية. هل فعلا الأمر كذلك؟

"
تجربة الاتحاد الأوروبي نفسها انطلقت من أرضية اقتصادية وتجارية وعلى قاعدة مبادلات تجارية وتبادل اقتصادي ما بين الدول
"
        حسن طارق

حسن طارق:
لا، لا أعتقد بأن الأمر كذلك بهذه البساطة، الضيف من باريس يحاول أن يعيد بناء الفكرة كما دافع عنها الرئيس ساركوزي عندما حاول تسويق مشروع اتحاد متوسطي بكونه يجب أن يكون مشروعا مخففا من الأجندة السياسية، وعليه أن يبدأ بالخطوات الصغيرة والخطوات الاقتصادية والتجارية وأن يتجاهل، إن شئنا، الإشكالية السياسية. وهذه المقاربة هي مقاربة نظريا سليمة، وأكثر من ذلك فالتاريخ علمنا بأن تجربة الاتحاد الأوروبي نفسها انطلقت من أرضية اقتصادية وتجارية وعلى قاعدة مبادلات تجارية وتبادل اقتصادي ما بين الدول. لكن نتساءل، عندما انطلقت الوحدة الأوروبية كانت هناك قناعة سياسية لدى كل قادة أوروبا بضرورة طي صفحة الماضي، ماضي الحروب والنزاعات الداخلية والنزاعات بين الدول الأوروبية، لكن هل اليوم في جنوب المتوسط هناك هذه القناعة؟ هل اليوم ونحن نعيش الاحداث الأليمة جدا بغزة، هل نريد أن نقتنع بأن هناك إرادة مثلا لدى إسرائيل بطي صفحة هذا الصراع المؤلم ما بين الشعب الفلسطيني الأعزل وما بين الآلة الإسرائيلية..

محمد كريشان (مقاطعا): هو موضوع إسرائيل تحديدا دكتور هو الذي كثير من المراقبين أعادوه كسبب لتعثر مشروع برشلونة..

حسن طارق: نعم، مؤكد.

محمد كريشان (متابعا):  هنا أسأل رشيد خشانة في تونس، هل من ضمانات أن لا تتكرر نفس القصة رغم أن ضيفنا من باريس يقول يجب أن لا نسيس؟ من الضامن أن لا تتكرر نفس القصة ويعاد طرح موضوع إسرائيل كعائق جديد أمام المشروع الجديد؟

رشيد خشانة: مع تقديري لموقف زميلنا وصديقنا من باريس أعتقد أن الوضع لم يتغير على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي وانعكاساتها على المسار المتوسطي. ما حدث لمسار برشلونة من نكسات متعاقبة، آخرها القمة التي أريد إقامتها في برشلونة نفسها في الذكرى العاشرة لإطلاق المسار سنة 2005، فشلت وقاطعها كل الرؤساء العرب باستثناء الرئيس الفلسطيني. ما هو السبب؟ السبب أن ليس هناك تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي ومن دون هذه التسوية فإن الضفة الجنوبية، التي هي نصف هذا الاتحاد المتوسطي، لا يمكن أن تكون متفقة على موقف متماثل وبالتالي لا يمكن أن تجلس أمام الطرف المقابل بشكل يسمح ببناء ثقة وبناء علاقات مستقبلية بينهما. السبب الثاني برأيي، هو سبب أوروبي أوروبي كما أشرت إلى ذلك، لأن الصيفة التي تم الاتفاق عليها اليوم هي تسوية بين ألمانيا وفرنسا بعد ستة أشهر من الجفاء، وهذه التسوية قائمة على خلاف عميق لم يحل رغم هذه التسوية الظاهرية، سلوفينيا التي ترأس الآن الاتحاد الأوروبي معارضة الآن لمشروع الاتحاد المتوسطي علنا، اليونان تعارضه، سلوفاكيا، إسبانيا وبالتالي فهناك اتفاق على قشرة أعتقد وليس هناك اتفاق على لب، على مشروع جوهري لمستقبل العلاقات بين الضفتين. وبالتالي سنستمر في إطار عباءة برشلونة ولكن بتسميات جديدة وبآليات جديدة، هناك تسع مؤسسات أو منظمات تقترح فرنسا إقامتها ولكن كلها مرتبطة بمشاغل الشمال الأوروبي، الضفة الشمالية، الأمن، الهجرة، الطاقة، نلاحظ أن هذه عناوين تهم حاجات أوروبا، تهم مستقبلها ولا تهم مستقبل العالم العربي أو الضفة الجنوبية، العالم العربي له متطلبات أخرى غير هذه ويريد أن يعامل معاملة الند بالند وأن خاصة يتم تطوير التنمية في الضفة الجنوبية للمتوسط حتى لا يبقى هذا عدم التوازن بين الضفتين. فبالتالي أعتقد أن حظوظ النجاح غير متوفرة لهذا المشروع في الوقت الراهن.

محمد كريشان: مع ذلك عندما قام، وهنا أسأل السيد ماثيو في باريس، عندما قام الرئيس ساركوزي في المغرب والجزائر وتونس وليبيا أبدى قادة دول هذه المنطقة اهتماما بهذا المشروع، الآن وقد أصبح على ما هو عليه بعد التعديلات أو بعد التمييع كما قال العقيد القذافي، هل هناك ما يضمن أن تبدي هذه الدول حماسها للمشروع الجديد؟

ماثيو غيدر: المشروع لم يعارض سياسيا وبصفة رسمية إلا من قبل، حتى من قبل الرئيس القذافي لم يعارض بصفة رسمية. ولكني أود أن أعود إلى المشاكل الجوهرية، هذا المشروع سيكون حسب النظرة التي سننظر إليه، فإن بدأنا من البدء، يعني الملاحظون والمحللون السياسيون الذي لهم في نفس الوقت يعني مسؤولية في نظرة هذا المشروع وفي كيفية تقبله من قبل شعوب البحر الأبيض المتوسط، لو بدأنا ونظرنا إليه على أنه مشروع إسرائيلي أو لا أدري من هذا القبيل، يعني لا يمكن أن نحصر مشروع الوحدة، الاتحاد من أجل المتوسط، في إسرائيل وكل مرة عندما يطرح أي مشروع..

محمد كريشان (مقاطعا): لا، يعني عفوا سيد ماثيو، ليس بالضرورة، يعني ليس المقصود مشروع إسرائيلي ولكن المقصود أن عقدة النزاع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي كما أصبح يسمى ستطرح من جديد وتساهم في تعثر المشروع.

ماثيو غيدر: طبعا هي ستطرح، هذا شيء طبيعي أنها تطرح ولكن لا يمكن مثلا أن نجعل كل المشاريع تفشل، المشاريع الملموسة التي يمكن أن تفيد دول البحر الأبيض المتوسط فقط للمشكلة الإسرائيلية. ثم من ناحية ثانية، مع احترامي للأخ في تونس، هذا المشروع فيه المشاريع التي طرحت لا تخص فقط مشاكل الشمال، فيه مشروع التربية، فيه مشروع التعليم، فيه مشروع البيئة، فيه مشروع الصحة، فيه الكثير من المشاريع المهمة جدا التي تخص الجانب الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط. فأظن أننا نحن أيضا عندنا مسؤولية في كيفية النظرة إلى هذا المشروع وكيفية تقبله في نفس الوقت من طرف السياسيين ومن طرف المواطنين ومن طرف الشركات في الضفتين ولا يمكن أن نبقى من ناحية التحليل السياسي البحت.

محمد كريشان: في هذه الحالة دكتور حسن طارق، ما الذي يمنع، بناء على هذا التحليل الذي ذكره ماثيو غيدر في باريس، من أن تتجه دول حوض المتوسط الجنوبية إلى الانخراط الفعلي في مشاريع اقتصادية هامة ومفيدة لها وتترك القضايا السياسية؟ هل هناك إمكانية لفصل المسارين السياسي والاقتصادي وهو ما لم يحدث في برشلونة؟

حسن طارق: بالنسبة لدول الجنوب في نهاية المطاف ستلتحق، وبالنسبة لدول جنوب المتوسط ستلتحق بهذا المسار وبهذا المشروع ولن تخسر في نهاية المطاف سوى حسن نيتها. لكن العقدة السياسية هي عقدة حقيقية وهي عقدة موضوعية، والقول بأننا سنشتغل على مسارات تجارية أو اقتصادية في انتظار حل إشكال سياسي هو مجرد انتظارية. نحن نقول بأن الاتحاد الأوروبي عليه أن يعيد امتلاك قدراته الدبلوماسية للفعل في الدفع بمسلسل السلام في الشرق الأوسط، عيله أن يستعيد المبادرة لكي يكون حاضرا بقوة إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني. دون ذلك أعتقد بأن ساركوزي جاء إلى سدة الحكم تحت شعار هو شعار القطيعة، والقطيعة مع الأسف حتى مع الإرث الديغولي الذي كان يحمل تمثلا لوظيفة فرنسا ولدورها في توازن القوى العالمي. اليوم لا أعتقد بأن أوروبا كهوية سياسية وكحضور دولي ستكون حاضرة بقوة إلى جانب المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني وأعتقد بأن الإشكالية ستستمر والتوتر سيستمر، وهذا التوتر لن يؤثر فقط في خفوت هذا المسار، مسار التعاون ما بين ضفتي المتوسط ولكنه سيشكل كما شكل دائما بؤرة للتوتر في كل العالم لأنه يعطي مع الأسف إحساسا بأن هناك غياب للعدالة وبأن هناك ظلم حقيقي وبأن هناك عدم توازن كبير وفظيع في العالم..

محمد كريشان (مقاطعا): ولكن رغم ذلك دكتور، وهنا أسأل رشيد في تونس، رشيد خشانة، رغم التحفظات التي أبديتها هل تعتقد بأن دول المغرب العربي أو دول الضفة الجنوبية ستبدي حماسة غير تلك التي كانت لها مع مشروع برشلونة؟

رشيد خشانة: في الواقع بعضها أعلن عن حماسة متسرعة ربما على المشروع في صيغته الأولى، حتى قبل تعديله، ولكن المشكلة أننا بإزاء ضفة جنوبية غير متماثلة مع الضفة الشمالية، لأن الضفة الشمالية متفقة في الجوهر، هناك مؤسسات أوروبية يتم الاحتكام إليها والدليل أن المشروع صيغ في صيغته أو طبعته النهائية في إطار قمة، بينما في المغرب العربي لا يمكن أن تعقد قمة منذ أكثر من عشر سنوات، أيضا دول الضفة الجنوبية للمتوسط، نعيش جميعا الخلافات بينها عشية القمة العربية فهذا الفرق بين دول يحتكم فيها القادة والقيادات السياسية إلى مؤسسات تحدد اختيارات وإستراتيجيات واضحة على مدى بعيد ولا تتغير بتغير الحكومات وبين دول عربية لا تحتكم لمؤسسات..

محمد كريشان (مقاطعا): على ذكر القمم رشيد، أعذرني فقط في النهاية أعود إلى باريس السيد ماثيو غيدر في دقيقة واحدة، المشروع مفترض أن يطلق رسميا في يوليو المقبل في باريس هل تعتقد بأن هذه التحفظات ستؤخد بعين الاعتبار؟

ماثيو غيدر: طبعا ستؤخذ بعين الاعتبار. وأجيب على الأخ في تونس، رابطة الدول العربية في صلب هذا المشروع الأخير تعتبر كجزء هام جدا في نطاق هذه المفاوضات، فلو نظرنا إلى من سيشارك في هذا المشروع، هي رابطة الدول العربية من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ولا ننسى الصبغة الرسمية لهذا المشروع، حيث أن في 13 و14 يوليو الجميع يذكر أنه العيد الوطني الفرنسي ولا بد أن ساركوزي سوف يحاول أن يعطي له هذ الصبغة الرمزية الهامة جدا، وستؤخذ بعين الاعتبار طبعا، وهذا النقاش الذي نقوم به اليوم في نطاق سواء الضفة الجنوبية أو الشمالية حول هذا المشروع مهم جدا ويمكن أن يوجه وأن يستمع إليه المقررون والسياسيون في كلتي الضفتين.

محمد كريشان: شكرا لك سيد ماثيو غيدر الباحث في شؤون الدول المتوسطية كان معنا من باريس، شكرا لضيفينا من الضفة الجنوبية للمتوسط، كان معنا من الرباط الدكتور حسن طارق أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، وعبر الهاتف من تونس رشيد خشانة رئيس تحرير صحيفة الموقف الأسبوعية. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من البرنامج بإشراف نزار ضو النعيم، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات لمواضيع حلقات مقبلة على هذه العنوان

indepth@aljazeera.net 

غدا بإذن الله قراءة جديدة فيما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.