- للسلاح قصة واحدة.. الانفصال
- أحلاف ومعارك بلا نتيجة

- تخلف وفقر رغم الثروات الهائلة

- مواجهات داخلية.. مواجهات خارجية

للسلاح قصة واحدة.. الانفصال

أحمد موفق زيدان
حميد غل
يوسف رضا جيلاني
نواب أسلم ريساني
جميل بوغتي
عطاء الله منغل
أحمد موفق زيدان:
الطريق إلى مركز زلزال التمرد البلوشي الباكستاني، سبع ساعات بالسيارة أمضيناها من كويتا عاصمة الإقليم إلى هنا، ما حولك يذكرك بالهبوط على سطح قمر أو مريخ، وجوه تذكر بمقاتلي القرون الوسطى لولا إكسسوارات المدنية الحربية الحديثة، مفاوضات ووساطات شاقة مضنية امتدت لأشهر وصلت إلى حد اليأس من الوصول إلى هنا، لأول مرة المتمردون البلوش وجها لوجه أمام الكاميرا. كان البعض منهمكا في إعداد وجبة الإفطار، آخرون استعدوا لاستقبال زعيمهم المحلي بقذيفة
RBG، خرج من بين رمادها كطائر الفينيق يرافقه ملثمون ليس تحاشيا للكاميرا بقدر ما هو أسلوبهم القتالي، الطرق هنا ليست للمشي بقدر ما هي للعبور إلى عالم آخر، رؤوس خاضعة إلى الأرض وبرتل يقوده القائد وكأنه في طريقه إلى معركة سار الجميع. نقلنا معه إلى جهة مجهولة وكل المنطقة مجهولة لنا، الكل سعى أن يتعلق بسيارته، سعيت إلى كسر الصمت فطرحت عليه أسئلة عامة، سريعا ما بدا لي وكأنه يعرفني منذ فترة طويلة. قمة جبلية أخرى في منطقة تفتقر إلى كل شيء باستثناء الجبال الجرداء، بلوش خان لا يخفي إعجابه بالتكتيكات العسكرية لتنظيم القاعدة في العراق لكنه بدا واضحا في مطالبه الانفصالية.

بلوش خان/ أحد قادة البلوش المتمردين: هدفنا يتمثل في الحصول على استقلال بلوشستان والتخلص من سيطرة البنجابيين وتحقيق حياة سعيدة لعرقية البلوش تعتمد على الأمن والإنصاف والمساواة ولذا نحن نجتهد، والسؤال هو من هم الباكستانيون؟ هل هم عرق؟ لا يوجد عرق باكستاني بل يعيش هنا السنود والبشتون والبلوش والبنجابيون وهذه هي الأعراق التي تعيش في باكستان، وبالنسبة لنا لم إجبارنا على أن نكون باكستانيين؟ والعجيب أن هذا يتم بالاستحواذ على ثروات أرضنا ولهذا نحن نقاتل ضد السلطة وضد كل من يعمل لحسابها من شرطة وغيرها فالكل يسرق أرضنا لتقوية باكستان ونحن نسعى لإضعاف تلك السلطة.

أحمد موفق زيدان: للسلاح قصة واحدة هنا، الانفصال، مهما تعددت يافطات الفصائل البلوشية المسلحة لا تزال تعمل بشكل منفرد، غموضها سر قوتها، أشبه ما تكون بمجموعات أشباح لا يعرف لها زعيم كما لا يعرف شيء عن علاقاتها مع بعضها بعضا، لغز وأحجية للكثيرين. سعيت إلى طرح هذا اللغز على القائد بلوش خان.

بلوش خان: لا نريد أن يكون لنا مركز مبني مقام في موقع محدد فتجربة نمور التاميل خير مثال لما أقول حيث شكل التاميل في سيريلانكا ما يشبه الجيش النظامي وألبسوا أفراده زيا موحدا وكان لهم أراض محددة ومركز قيادة وبعد سنوات من القتال خسروا كل شيء، بالنسبة لنا ربما لاحقا نستشعر ضرورة توحيد قياداتنا لأننا في النهاية عرق واحد ونقاتل لتحرير شعبنا.

أحمد موفق زيدان: في لهجة تحذير واضحة وإنذار يهدد بلوش بالتصعيد.

بلوش خان: هذه الحرب المسؤول عنها في المقام الأول هو الجيش البنجابي وليس نحن والجيش عليه تحديد إلى أين يريد لهذه الحرب أن تمضي، عندما يحاول الجيش الضغط علينا أكثر سنرد بطريقة أعنف، عندما يقتلون النساء والأطفال والأبرياء فإننا سنعمل كل ما بوسعنا لتقلينهم درسا في أي مكان يمكننا الوصول إليه، ربما نلتزم في مرحلة ما بمبدأ صدر الحكمة في حال نفذ ضدنا قصف جوي مكثف كما حدث معنا غير مرة لكن بعد ذلك ربما يكون هدفنا العاصمة إسلام أباد أو مدينة لاهور أو راولبندي، لاشك لدينا في ذلك، نحن ندرك أن هذا هو الوضع الراهن وعلينا مراقبته.

أحمد موفق زيدان: أجداد بلوش خان لا تزال أصولهم ووجهة مجيئهم محل جدل، فالبلوشيون يؤكدون قدومهم من مدينة حلب السورية وذلك قبل الميلاد بينما المؤرخون لم يحسموا الأمر. الطبيعة الجغرافية الصعبة لم تثر شهية حكام المنطقة آنذاك وهو ما جعلها ملاذا آمنا للاجئين والفارين.

مارتين أكسمان/ مؤرخ متخصص بالتاريخ البلوشي: أعتقد أن أفضل طريقة لفهم بلوشستان يكون باعتبارها منطقة لا يملكها أحد، فلم يهتم أحد ببلوشستان كونها جبلية وصحراوية وبلا أهمية تاريخية محددة، لهذا السبب فإن بلوشستان عادة ما كانت منطقة لجوء لأشخاص لم يتم استيعابهم في الإمبراطوريتين الهندية أو الإيرانية. هؤلاء الأشخاص انتقلوا إلى هذه المنطقة إلى بلوشستان واتخذوا منها ملجأ وبنوا فيها لأنفسهم مستقرا، وبحسب الفكر البلوشي فإن البلوش يعتبرون أنفسهم مجموعات بشرية لها أصل عربي والبعض منهم يعتبر البلوش غزاة يتحركون باتجاه الشرق دائما من أجل البحث عن الحرية وتقرير المصير.

أحمد موفق زيدان: منتصف القرن السابع عشر تمكنت قبائل البلوش من انتزاع هذه المنطقة من المغول حينها أقامت في هذه البلدة قلات مملكة بلوشستان وعاصمتها قلات. قلات حاضرة إمارة بلوشستان التاريخية، على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على انضمامها إلى دولة باكستان الفتية لا يزال الجدل محتدما بين السياسيين وحتى المؤرخين بشأن ملابسات وظروف ذلك الانضمام البلوشي. سعيت إلى الالتقاء مع شاهد أميري لأستمع إلى الرواية البلوشية، إنه الأمير محي الدين نجل الأمير الذي أعلن الانضمام في هذا المكان لباكستان.

محي الدين/ نجل آخر أمير لولاية قلات البلوشية: قلات والتي تمثل حاضر بلوشستان ومعظم المناطق البلوشية كانت قد خيرت بين الاستقلال أو الانضمام لباكستان، أعضاء كلا المجلسين النواب والأعيان صوتوا لصالح الاستقلال في حين أن والدي والذي كان يتمتع بنفوذ إسلامي في ذلك الوقت وبناء على اعتقاده بقيام جمهورية إسلامية في باكستان فقد فضل أن يتواصل ويتفاهم مع باكستان ومن ثم ينضم لباكستان لذا وخلال تلك الفترة الانتقالية كانت هناك الكثير من الأحداث. باكستان حصلت على استقلالها في أغسطس عام 1947 وبلوشستان انضمت لباكستان في أبريل من عام 1948 يعني لمدة تسعة أشهر كانت بلوشستان مستقلة، قلات كانت مستقلة ثم تم استخدام القوة للتوقيع على اتفاقية الانضمام وسيطرت باكستان على دولة قلات.

هربيار مري/ زعيم بلوشي متمرد مقيم في المنفى بلندن: بلوشستان تم احتلالها بالقوة العسكرية من جانب باكستان فهي لم تكن أبدا جزءا من باكستان عام 1948 بل دخلها الجيش الباكستاني بالقوة وأجبر خان قلاه الذي كان يمثل الزعامة في بلوشستان على التوقيع على معاهدة الانضمام ولهذا السبب تجد أننا كلنا حتى الآن لا نعترف بكون بلوشستان جزءا من باكستان بل نعتقد أنها أرض محتلة.

أحلاف ومعارك بلا نتيجة

أحمد موفق زيدان: التمرد البلوشي الحاصل ربما الأعنف حتى الآن كونه غدا حالة عامة تقريبا بالإضافة إلى انضمام جهات كانت محسوبة على الحكومة الفيدرالية، السردار نواب أكبر بوغتي أسطورة بلوشية تاريخيا، ظل جزءا من السلطة الحاكمة لعقود لكنه تمرد في ظل حكم الرئيس السابق برفيز مشرف، أرسل الأخير وفودا إليه لثنيه عن مطالبه الانفصالية لكن دون جدوى.

مشاهد حسين/ مفاوض حكومي سابق مع البلوش: وجدنا خلال التفاوض أن نواب أكبر خان بوغتي منطقي جدا ومن السهولة مساومته ويرغب في النقاش ومستعد للاستماع والقبول ولكن ولسوء الحظ هناك أسلوب تفكير في باكستان في المؤسسة العسكرية وفي المؤسسة البيروقراطية المدنية وحتى بين الساسة الباكستانيين وهذا الأسلوب يتمثل في عدم الرغبة في الاعتراف بالحقوق المشروعة للأقاليم الصغيرة كبلوشستان، أتذكر محادثة شهيرة أجريتها مع الجنرال مشرف عندما اقتربنا من التوصل لاتفاق سلام في بلوشستان سألني يومها كيف يمكن أن نثق ببوغتي، كيف لنا أن نصدق نواياه؟ قلت له الموضوع لا يتعلق بالنوايا بل بإنجاز الاتفاق.

أحمد موفق زيدان: في كهف نائم طويت صفحة السردار بوغتي، هكذا رحل وحيدا وهو الذي كانت تأتمر بأمره الآلاف ما دام الجيش الباكستاني قرر هكذا.

جميل بوغتي/ نجل أكبر بوغتي الزعيم البلوشي السابق: من الواضح أن مشرف أثبت يومها أن لا عظمة محترمة في جسده، لا نعرف حتى الآن أين دفن والدي، لا نصدق تلك المهزلة التي أظهروا فيها صندوقا عليه أقفال يتم دفنه في منطقة بيرابوغتي، من يضع أقفالا على تابوت؟ لا يحدث هذا في أي مكان في العالم، في هذا البلد فقط تحدث أمور غبية وتتوقع من الناس أن يهتفوا لك وأن يتمنوا الخير لباكستان، كيف يمكن لأي بلوشي أن يتمنى الخير لباكستان عندما يتعاملون مع البلوش ومع زعمائهم بهذا الأسلوب؟!

أحمد موفق زيدان: رحيل بوغتي شكل بركانا ووقودا إضافيا للتمرد البلوشي انتقلت شرارته إلى شوارع مدن وبلدات بلوشية، صب الغاضبون جام غضبهم على تمثال منارة باكستان، رمزها وعنوان استقلالها، غضب عكس حجم الكبت والغضب المختزل.

جميل بوغتي: في تلك المرحلة أساءت السلطة إجراء الحسبة حيث اعتقد القائمون عليها أن التخلص من بوغتي سينهي كل شيء دون إدراك أن انعكاسات ذلك ستنتشر إلى كل زاوية من أرض البلوش، اليوم تجد أن التحرك الذي بدأه والدي انتشر بالفعل إلى كل زاوية من أرض بلوشستان، ويمكن أن تدرس تمرد الأعوام 1948 و1958 وتمرد السبعينات وما يحدث الآن ستجد أن التمرد دائما موجود، وكما قلت فإن كل شعب يريد الحرية وإن أراد البلوش التحرر فلا ضير في ذلك.

أحمد موفق زيدان: الحجر البوغتي الذي ألقي في مياه بلوشستان حرك مياه قادة وزعماء البلوش وربما حرصا على حياتهم التي غدت مهددة بعد مقتل زعيم بحجم بوغتي حليف إسلام أباد على مدى عقود، بوحي من عبقرية المكان الذي أعلن فيه الانضمام إلى باكستان تنادى قادة البلوش لأول مرة منذ أكثر من مائة عام وبرئاسة أمير قلات السابق لنقل المعركة إلى الغرب.

مير سليمان داود/ خان ولاية قلات المفترض وغير المتوج: دعوتي لعقد جيرغا تأتي بعد انقطاع دام 137 سنة فجدي الأكبر أمير خودا دات خان كان قد دعا إلى جيرغا وبعده أنا دعوت لعقد جيرغا شارك فيها ممثلون عن 98 أو 99% من البلوش، كل القبائل شاركت وحتى كل الأحزاب السياسية شاركت في الجيرغا.

محي الدين: انعقدت هنا جيرغا شارك فيها كل زعماء القبائل وكل الأحزاب السياسية والكل اتفق على أننا نريد العودة إلى وضع ما قبل العام 1948 حيث كنا نحظى بشبه استقلال، فأنا لا أدعي أننا إبان الاستعمار البريطاني كنا مستقلين، كنا شبه مستقلين، بعض البيروقراطيين ضيقو الأفق يجلسون في إسلام أباد ويحملون عقليات استعمارية، هؤلاء لا يزالون يتحكمون بكل شيء، لم يتعلموا درسا من بنغلادش، بنغلادش استقلت وفي بنغلادش خسر هؤلاء العديد من الفرص ومن ثم اعترفوا ببنغلادش.

أحمد موفق زيدان: السردار البلوشي معروف بقسوته وشراسته، ميزة اكتسبها من الجبال الصلدة المحيطة به، على خلاف عدوتها التقليدية الهند التي قضت على أكثر من 565 مهراجا حولت باكستان سردارات البلوش إلى أمراء حرب وهو ما أضعف قبضة الدولة الحديثة. عطاء الله منغل أحد السردارين المتبقيين بعد رحيل بوغتي، التقيته في معقله ببلوشستان، تحدث مطولا عن رفضه التصالح مع الحكومة وخيبات أمله من حكام إسلام أباد لكنه رفض الحديث إلى الكاميرا. شراسته ظهرت بعد أسابيع حين التقاه رئيس الوزراء في كراتشي.

عطاء الله منغل/ زعيم قبيلة منغل البلوشية: أشكر رئيس الوزراء على زيارته لي، نعم جلسنا وتحدثنا، أضاع هو وقته في حين أن لا وقت عندي، لقد أضاع وقته.

أحمد موفق زيدان: غير بعيد عن معقل منغل كان الوضع في جامعة خودار البلوشية متوترا للغاية لتعرض نشاط يعنى بفولكلور وتقاليد البلوش مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، اتهم الطلبة حينها الأجهزة الأمنية الباكستانية بتدبيره.

نور محمد/ زعيم طلابي بلوشي: لا يريدون لنا أن نبرز كشعب أمام العالم ولا أن نساهم في هذا الكون، لا يريدون لنا هوية لهذا تجد أنهم يهاجموننا حتى خلال إقامة برنامج ثقافي، اليوم البلوش يجتهدون لنيل حريتهم لكن يمنع فنانوهم من المشاركة في هذا الحفل، هذا أمر مستغرب وغير مقبول.

أحمد موفق زيدان: الحلف بين المتمردين والطلبة يبدو قويا من خلال عمد الطلبة إلى بذر بذور التمرد والهوية البلوشية في الطلبة الجدد.

فهيم بلوش/ زعيم طلابي بلوشي: لا تستطيع أي هيئة أو إدارة جمع الناس على اختلافهم مثلما نفعل نحن، يمكنني الآن أن أستدعي أمامكم ممثلين عن كل المناطق البلوشية وأستطيع أن أبث في أذهانهم جميعا حقيقة كونهم عبيدا لباكستان لينقلوا ذلك لمناطقهم عندما يعودون إليها وبالتالي يستشعر عامة الشعب عبر الطلبة الحقيقة، الطلاب هم الأقدر على التواصل.

أحمد موفق زيدان: كعادة الحروب كلها العنوان العريض للصراع صراع على الثروة والسلطة، هنا صراع على الثروة فقط فالبلوش يعتقدون أن الحكومة تريد الأرض لا الشعب. لعبة الاتهامات في تحميل مسؤولية التخلف بالإقليم مستمرة بين الحكومة وزعماء البلوش.

الجنرال سليم نواز/ مفتش عام القوات المسلحة في بلوشستان: ماذا يفعل أتباع برانداد وهاربيار هنا نيابة عن أسيادهم الأجانب؟ الآن يسعون للحيلولة دون مد طريق، الناس يقولون أن لا زراعة لديهم لعدم توفر الكهرباء في حين أنهم يفجرون أنابيب الغاز ويحرقون محطات الكهرباء ويريدون دائما تفجير حقول الغاز ويفجرون خطوط السكك الحديدية ويخططون لخطف طائرة ركاب وعندما حاولوا مرة قتلوا مدنيين، يريدون تدمير مدارس وقتل مدرسين وكل مستثمر أجنبي، ماذا يفعل هؤلاء؟ هل يساعدون أي قضية بلوشية؟ أريد القول إنهم العقبة الكبرى أمام أي قضية بلوشية وأريد القول إنهم يضيعون الحقوق ويصلون إلى نهايات خاطئة.

هربيار مري: أساسا زعماء القبائل منتخبون من عامة الشعب عبر التاريخ وهم لا يخدمون ولا يجدر بهم خدمة باكستان بل شعب بلوشستان وغير ذلك مجرد اتهامات.

كليم الله/ بروفسور في التاريخ في جامعة بلوشستان: الحكومة الفيدرالية هي المسؤولة وليس زعماء القبائل وذلك لأن الزعماء لم تكن لديهم سلطة بناء مدارس وكليات ومستشفيات، الحكومة الفيدرالية ومنذ عام 1947 وحتى الآن لم تأبه لهذه المنطقة.

جميل بوغتي: ماذا عن بقية زعماء القبائل غير المعارضين للتنمية؟ لم أر أي تنمية في مناطقهم، فلنذهب ولنبدأ من كراتشي وبعدها هالاسبيلا ومنطقة غامزي التي كانت موالية للمؤسسة العسكرية منذ اليوم الأول، لنذهب إلى مضارب قبيلة الجمالي الذين كانوا دائما موالين للحكومة وكذلك بالنسبة لقبيلة مكسي أو زيري أو أي اسم تريد ما عدا قبائل مري وبوغتي ومنغل وزعماءهم السيئين، ماذا عن الزعماء الجيدين؟ أروني في مناطقهم كلية واحدة أو عيادة واحدة أو مستشفى واحدا أو مكتبة واحدة أو مدرسة واحدة.

تخلف وفقر رغم الثروات الهائلة

أحمد موفق زيدان: بوغتي للتخلف والفقر والطبوغرافيا سمة المنطقة، كل ذلك لا يعكس حقيقة ما تختزنه هذه الأرض من ثروات مذهلة من الغاز الطبيعي والذهب والفحم الحجري والحديد وغيرها من المعادن. لخصه لي رئيس مركز دراسات المعادن في جامعة بلوشستان.

عبد السلام/ رئيس مركز دراسات المعادن في جامعة بلوشستان: النقطة الأساسية هنا أن بلوشستان غنية ومتنوعة جدا بالمعادن كالحديد والنحاس وكذلك بالنسبة للنفط والغاز والزنك، كل أراضي بلوشستان مليئة بهذه الثروة المعدنية وتحديدا في مناطق دلبند وتشاغي حيث يوجد مخزون حديد في دلبند يقدر بمائتي مليون طن ونحو 17 مليون طن من الحديد الخام في تشاغي، الأمر كذلك بالنسبة للنحاس والموجود في بكميات ضخمة في تشاغي ومنطقة كوديك وكذلك بالنسبة للكرومايت المتوفر بكميات ضخمة في منطقة مسلمباي، فقط نحتاج لاستخراج تلك الثروات، والنفط والغاز كما تعلمون في منطقة ديرابوغتي وكذلك في شمال بلوشستان هناك موارد ضخمة في بلوشستان والذهب موجود مع النحاس في مناطق شاغي وكودك وسندك.

بلوش خان: في أرضنا أرض البلوش يوجد الفحم والغاز والنفط والعديد من الأحجار الكريمة ومصادر الثروة التي يمكن لها أن توفر حياة سعيدة لعامة البلوش لكن تتم الاستفادة من تلك الثروات لمصلحة أخرى.

يوسف رضا جيلاني/ رئيس وزراء باكستان: مشروع إطلاق حقوق بلوشستان سيوفر مرحلة من الرقي الثقافي والاقتصادي للإقليم وسيعتمد على الإنصاف، لا مجال للإرهاب بل للأمن وحماية المواطن، لا مجال لظلم الجهل بل لنور العين لا مجال لليأس بل للثقة، بقلب مخلص وبالنيابة عن الجميع هنا أعبر عن استعدادنا التام للتفاوض مع كل القوى السياسية وندعو الجميع من هذا البرلمان الموقر للحوار.

أحمد موفق زيدان: تصاعد التمرد وتآكل شعبية الحكومة وسط البلوش وخسارتها لزعماء بلوش تاريخيين دفعها على ما يبدو إلى طرح ما بات يعرف بأغازي حقوق بلوشستان، حزمة من المحفزات والدعم المالي وهو ما رفضه زعماء البلوش على أن ما يعرض عليهم لا يتعدى الصدقات.

مير سليمان داود: هذا نوع من الزكاة تم منحها للبلوش، ربما ذلك يناسب معظم من يجلسون في كراسي الحكومة والذين يمارسون الفساد كذلك بينما لا يريد البلوش أية زكوات لا يريدون صدقات.

نواب خير بخش مري/ زعيم قبلي بلوشي متمرد: استقلالية الأقاليم والتطوير هي مجرد فتات بالنسبة لنا فالعبودية ودفع الأجور ليست بديلا عن الاستقلال، هم يقولون إنهم مستعدون للحوار لكنهم ليسوا كذلك، يتعين علينا التركيز على النضال المسلح فالبعض في هذا البلد يجعل الناس يعيشون مجرد آمال.

[فاصل إعلاني]

أحمد موفق زيدان: ميناء غوادور أو بوابة الهواء جوهرة التاج الباكستاني، يشكل بمثابة عنق باكستان المتحكم في الطاقة وتنميتها مستقبلا، غوادور عينها على الخليج وممرها إلى خزان النفط العالمي وسط آسيا وصنبور التحكم بمصادر الطاقة العالمي في وسط آسيا المتجه إلى الصين والهند واليابان وربما أوروبا. تأمل باكستان أن يكون بوابة لإقلاع اقتصادي في ظل ما يتردد عن إمكانية منافسته لموانئ إقليمية قد تطلق حرب موانئ.

نواب أسلم ريساني/ كبير وزراء إقليم بلوشستان: هناك تنافس صحي بين موانئ بندر عباس وغوادور وكراتشي وبندر قاسم وشربهار ولم لا؟ فالتجارة تنافس صحي والأمر يعتمد علينا، علينا التوصل لسلام وتوفير أمن لرجال الأعمال ونحول هذا الميناء إلى ميناء أكثر حيوية ويعتمد عليه بشكل أكبر من الموانئ الأخرى، هذا كله في إطار التنافس لكن إن بدأنا بالتفكير بأن المنافسة لن تكون صحية فأنا لا أؤمن بذلك.

أحمد موفق زيدان: الشعور العام لدى البلوش أن التنمية والتطور هنا محكومان بعقلية استعمارية منذ البريطانيين الذين حرصوا على إقامة سكك حديد خدمة لجيوشهم، أما مشروع غوادور فهو لخدمة الهيمنة البنجابية في باكستان.

نواب خير بخش مري: هذا مشروع تدميري حسبما أفهمه وهو لاحتلال الأرض من خلال جلب سكان من الخارج والسيطرة على المصادر.

نواب أسلم ريساني: من يعارضون مثل تلك الأنشطة عددهم قليل جدا لكن صوتهم مسموع في كل مكان، غالبية الناس يريدون التطور والتقدم.

أحمد موفق زيدان: بينما كان رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني منهمكا في عقد جلسة لمجلس وزرائه داخل بحر العرب على ضفاف غوادور لأطلاق صافرة العمل بالميناء كان الأهالي في المنطقة على طرفي نقيض تماما، إضرابات ومظاهرات استقبلته رافعة هتافات الموت لباكستان.

قيادي في جيش تحرير بلوشستان: رئيس الوزراء يتحدث عن تخصيص أربعين مليون روبيه إضافية فقط بسبب الضغط الذي يمارسه المقاتلون لذا عليكم أن تقولوا لأبنائكم إننا نضحي بحاضرنا من أجل مستقبلهم ومن هنا أقول لمن يعمل من إخوتي البلوش لدى الحكومة من شرطة وجيش وموظفي حكومة أقول لهم أن يتركوا وظائفهم ويساعدوا إخوتهم الذين يقاتلون في الجبال من أجل استقلالنا.

أحمد موفق زيدان: فسنوات الفقر والإهمال لن تحلها زيارة أو تصريح، صياد سمك يعيش على هذه المهنة اختزل لنا مشاكل المنطقة.

علي أكبر/ صياد سمك: عندما بدئ العمل في بناء الميناء رأينا بعض الأنشطة وكانت هناك وعود بتوظيف سكان غوادور لكن السكان المحليين هنا لا يزالون عاطلين عن العمل، أنا لست متعلما لكن غيري متعلمون وبعضهم متخرج من الجامعة لكن الجميع عاطلون، معظم الناس يصيدون السمك يجتهدون ليلا ونهارا من أجل أبنائهم ولتعليمهم لكن لم التعليم؟

أحمد موفق زيدان: اهتمامات ومشاغل المحليين التي لا تتعدى بقاءهم على قيد الحياة تختلف عن اهتمامات السياسيين الذين يخشون مما يصفونه بالتغيير الديموغرافي الذي قد يمس مستقبلهم السياسي.

حاصل بيزنجو/ مثقف وزعيم بلوشي: عندما تبني مشروعا ضخما مثل غوادور فإنك تحاول بناء مدينة ضخمة مثل كراتشي لكن في بلوشستان وهناك مشكلة مع البلوش بسبب كبر حجم الأرض وقلة عدد السكان، نحن نطالب الحكومة الفيدرالية بضمان واحد لا غير وهو ضرورة الاهتمام بمخاطر التغيرات الديموغرافية في بلوشستان.

نواب أسلم ريساني: أولوياتي تتمثل في توظيف السكان المحليين ممن ينتمون لهذه الأرض ولكن إن لم نجد أشخاصا ذوي مهارات معينة من السكان المحليين فيمكننا الحصول عليهم من أماكن أخرى ذلك لأنه لا بد من استمرار العمل، إن لم نجد من المحليين أشخاصا يتمتعون بمهارات محددة فإنني لن أسمح بتعطل أي مشروع أو إيقافه، سأبحث عن آخرين لكن لا بد من إيضاح أمر لرئيس الوزراء ولكل المعنيين في الحكومة أن الأشخاص المجلوبين من أماكن أخرى من داخل باكستان يمكنهم شراء أراض والمشاركة في الأنشطة التجارية لكننا لن نسمح لهم بامتلاك حقوق سياسية، لا حق لهم بالتصويت في الانتخابات على الإطلاق وأنا جد واضح في هذا الأمر.

مواجهات داخلية.. مواجهات خارجية

أحمد موفق زيدان: حسابات جيوإستراتيجية منطقوية وإقليمية كبيرة بين الدول المعنية دفعت البعض إلى وصفه بحرب موانئ لكن المواجهة الحقيقية بين واشنطن وبكين.

الجنرال ميرزا أسلم بيغ/ القائد الأسبق للجيش الباكستاني: هناك مفهومان يتصارعان أحدهما أميركي يريد سد الطريق أمام الصينيين والروس ومنعهم من الوصول إلى الجنوب والثاني الصين وباكستان ودول تقع في جنوب الصين وفي شرق وغرب آسيا يريدون أن تكون المنطقة مفتوحة أمام الجميع، هناك صراع وأنا متأكد من أن الأميركان وبالرغم من كل ما سبق لا يمكن لهم أن ينجحوا في سد الطريق ومنع الكل من الوصول إلى الجنوب وإلى المياه الدافئة وبحر العرب وذلك لأنهم هزموا في أفغانستان وهذه هي المشكلة في المرحلة الحالية، كيف يمكن للأميركان تنظيم شؤون مصالحهم وهم ينسحبون من أفغانستان؟ هذا هو التخبط الذي يواجهه الأميركان حاليا.

الجنرال حميد غل/ الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية: كل النفط المتدفق من السعودية والكويت وقطر والبحرين وأبو ظبي وإيران والعراق يمر من هنا، هنا مركز إستراتيجي وإن سيطرت على هذا المركز الإستراتيجي فإنك ستتحكم باقتصاد العالم لا سيما المتعلق منه بتدفق النفط، هذه يمكن وصفها باللعبة الكبرى.

أحمد موفق زيدان: في طريق عودتنا إلى كويتا عاصمة الإقليم كان هجوم ليلي قد استهدف القوات شبه النظامية المكلفة بحماية الحدود ليسفر عن قتلى وجرحى لكنه توسع ليشمل ما يسمى هنا بالقتل المستهدف والذي يسعى إلى تصفية رموز شخصيات بنجابية.

نواب خير بخش مري: كم قتل من شعبنا؟ عندما نقتل نكون إرهابيين وعندما يقتلوننا يكون قتلا هادفا! عملة واحدة لكن بوجهين، إذا كان القاتل بلوش يوصف بالفظيع وغير الإنساني وعندما يقتلونهم يكون خدمة للإنسانية وللتراث وللعدالة وغير ذلك!

بلوش خان: لا نقول إن جيلنا بأكمله يريد الانتحار، نقول فقط إن البلوش حاليا في حرب وكل يوم يمر عليهم يمارس فيه ظلم كبير، هنا يقوم الجيش وعناصر الاستخبارات بخطف صغار السن ولا يعرف أي شيء عن مصيرهم منذ سنوات، البلوش في حرب ويريدون أن يؤكدوا للجميع ألا تتوقعوا منا أي شيء ما لم تكن السيطرة على هذه الأرض لنا، بيوتنا تحترق من فعلهم ومن ثم يأتون ليشاهدوها وليقولوا لنا نريد سلاما، من الغبي الذي سيقبل بهذا السلام؟! نحن في حالة حرب.

أحمد موفق زيدان: القوات شبه النظامية هنا تتولى منذ سنوات عمليات تطهير المنطقة من المتمردين، قبلها سعى الجيش الباكستاني عبر عقود إلى قمع انتفاضات وتمردات بلوشية عزز ذلك ببناء ثكنات عسكرية جديدة وهو ما يقاومه البلوش بكافة شرائحهم كونهم يرون فيه تعزيزا للقبضة الأمنية، ضحية هذه العمليات السابقة وربما القادمة في الغالب المدنيون وممتلكاتهم، ممتلكات هي الأخرى ضحية من ضحايا العنف والعنف المضاد، مواجهة المتمردين البلوش مع القوات شبه النظامية غدت أشبه ما تكون بحروب بلا نهاية.

بشير عظيم/ أمين عام الحزب الوطني البلوشي: إذا وصفت جنود الجيش بقتلة البلوش فهذا سيكون أفضل، الظلم الذي يمارسه الجيش هنا لا مثيل له في أي مكان فجنوده يعتقلون أفقر الناس ويسرقون ما لديهم من قوت يومهم ويحرقون مساكنهم ويلقون بهم في مكبات النفايات والآبار.

الجنرال سليم نواز: القوات المسلحة خسرت أكثر من 160 جنديا أثناء أداء مهماتهم العسكرية اثنان استشهدا ليلة أمس ربما تكون قد سمعت عنهما، أكثر من ثلاثمئة فقدوا أطرافا وما زلنا هنا لدعم الأبرياء من الناس، هناك فئة محدودة من الإرهابيين وسنعمل جاهدين وعلى جثثنا على عدم تمكينهم من الرد وعلى عدم تمكينهم من نشر المزيد من الإرهاب، نعم علينا التضحية بأرواحنا لذا يجد هؤلاء الجيش واقفا كجدار عال أمامهم.

أحمد موفق زيدان: إسلام أباد ترى علاقة بين تعزيز النفوذ الهندي في أفغانستان واضطرابات بلوشستان.

يوسف رضا جيلاني: بالتأكيد إن كان هناك تصاعد في التدخلات الهندية في أفغانستان فإن هذا سيكون مصدر قلق بالنسبة لباكستان.

أحمد موفق زيدان: هل هناك تدخل هندي في شؤون بلوشستان؟

يوسف رضا جيلاني: طرحت الموضوع مع مانمو هانسنغ رئيس وزراء الهند.

الجنرال حميد غل: عندما دخل الأميركيون أفغانستان جاء أيضا الهنود متشدقين على ظهورهم وأكتافهم وبالمجان، دخلوا أفغانستان وبدؤوا بنشر وسخهم هناك وعادوا إلى لعبتهم القديمة، نعم هم خلف كل تلك المآسي التي نراها في بلوشستان.

الجنرال ميرزا أسلم بيغ: كان هناك تفكير في الولايات المتحدة يقوم على فصل بلوشستان عن باكستان وذلك للاعتماد على أراضي بلوشستان كونها مستقلة في تلك الحالة في حال لم توافق باكستان على المشاركة في لعبة الأميركان في أفغانستان وهذا كان أيضا هدف الهنود، تعاون الهنود والأميركان في كل المؤامرات التي وقعت انطلاقا من أفغانستان ومن مناطق أخرى بواسطة الاستخبارات الأميركية، كان الأميركان يريدون إقامة بديل عن باكستان يتمثل في بلوشستان مستقلة.

أحمد موفق زيدان: لا يزال قادة البلوش يرفضون تلقي أي دعم هندي لكنه دعم مرحب به من قبله.

نواب خير بخش مري: الكل يمكن أن يساعدنا وحتى الهنود وما هو الغريب في مساعدة الهند لنا؟ إذا كان ذلك لا ينطبق على مساعدة الأميركيين والإنجليز للبنجابيين، هل الهند شيطان؟ هل الهند تريد مساعدتنا ونحن نرفض لأننا مسلمون بحق أو باكستانيون أصيلون؟ نحن مسلمون لأنفسنا ونحن بلوش أكثر منا باكستانيين.

أحمد موفق زيدان: العامل الخارجي لا يتدخل إلا حين تكون له أرضيته الخصبة وأرضيته هنا الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وصلت إلى خروج المرأة البلوشية المحافظة إلى الشارع مطالبة بمعرفة مصير أبنائها وأزواجها، هنا في شوارع كويتا أصبحت المظاهرات خبزا يوميا لأولياء المختفين. الكل يقر بوجود الظاهرة لكنها غدت وكأنها لعبة أرقام.

نصر الله بلوش/ رئيس لجنة المفقودين البلوش: هناك في بعض المناطق لا يوجد ممثلون عن وسائل الإعلام وبالتالي لا تعرفون ما يقع من مشاكل، نحن أكملنا ملفات 1100 مفقود خلال فترة عمل استمرت ثلاثة أشهر متواصلة كانت مليئة بالصعاب وبقلة موارد العمل التوفيقي لكن المؤكد أنه تم اعتقال الآلاف خلال العمليات العسكرية.

الجنرال سليم نواز: موضوع المفقودين موضوع آخر فيه خلاف، بدءا من أرقام تصل إلى 13 ألف شخص منذ أربع سنوات مضت ومؤخرا انخفض العدد إلى بضعة مئات، قليلا أكثر من مائتين، إذاً إما المطالب السابقة كانت خطأ أو أن المفقودين عادوا، وإن عادوا فهل أعلن عن ذلك؟

أحمد موفق زيدان: في منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية بالمحلية يظهر أن رحلة التمرد البلوشي طويلة والنفق المظلم الذي دخله منذ عقود يبدو بلا نهاية.