- فاطنه البويه.. النشاط السياسي والاختطاف
- الاعتقال.. وسائل التعذيب ونتائج الإضراب

- المحاكمة، النشاط الاجتماعي ونهاية المحنة

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى الدار البيضاء، حين اعتقلت ضيفتنا كانت في التاسعة عشرة من العمر، لم تكن تدري أن مجرد حلمها ببلد أفضل سيرميها بين سياط جلادين لا يعرفون غير القمع لغةً للتخاطب وحين خرجت من السجن عادت إليه لنصرة المساجين، قصتها تختصر جزءاً كبيرا من نضال المرأة المغربية إنها السجينة المغربية السابقة السيدة فاطنة البويه التي كانت تُعرف في السجن باسم رشيد، حين جئت لتصوير هذه الحلقة في المملكة المغربية كانت فاطنة البويه تستعد لإحياء الذكرى السنوية الثالثة والعشرين لإطلاق سراحها من السجن المغربي وفي هذه الذكرى تعود صور كثيرة إلى مخيَّلة السجينة السياسية السابقة التي ولدت قبل خمسين عاما في بني أحمد التابع للدار البيضاء، صور رفيقات لها شاركتهن غياب السجون وظلمات الاعتقال ولكن أيضا بريق الأمل بغد أفضل. وفي العودة مع فاطنة البويه إلى قصة نضالها وتعذيبها والاعتقال نعود إلى عام 1974 حين كانت الشابة الجميلة عرفت بذور التمرد وهي على مقاعد الدراسة في الليسيه.


فاطنه البويه.. النشاط السياسي والاختطاف

فاطنه البويه- سجينة مغربية سابقة: الشخص الذي أتذكره دائما حينما أرى شعاع النور هو أحد الجلادين لأنه في مكان الاعتقال.. مكان لم يكن هناك فيه ضوء وذات يوم تسرب خيط من أشعة الشمس اكتشفته وأنا بالعصاب فصرت أميل إلى أن أصل إليه فخاطبني قائلا بينكِ وبينه عشرات السنين، يعني كان يقصد أنه دفنني وحينما أستقبل أول شعاع للشمس أقول لم يدفنني لازلت حية، صحيح لا أعيش حياة طبيعية كما يعيشوها كل الناس ولكني أعتبر أنني أعيش حياة مليئة بكل ما في الكلمة من معنى لأني أذكر أني وأنا في المعتقل وأنا وراء القضبان كنت دائما أقول حين أخرج سأفرح، سأشتغل، سأصادق الناس ومثلا حينما يقع حينما يكاد يقع لي خصام مع الأصدقاء أو مع المقرّبين أحاول تفاديه لأني أقول تذكري يا فاطنة فقد قلتِ في السجن سأعيش حياةً مليئة أعوّض فيها كل ما ضاع، إذاً أنا أحاول أن أعوّض كل ما ضاع وحينما نتحدث كنساء يقلون لي كنت تتخاصمين مع زوجكِ أقول أنا لا أضيّع الوقت لأن ما ضاع كثرة، كانت إضرابات.. إضرابات الفتيات وإضرابات الثانويات بصفة عامة لأنها كانت مرحلة كنا في النقابة الوطنية للتلاميذ وهو تنظيم يساري كان محظورا ونشأ بعد منع الوداديات التي كانت تعتبر إطارا نقابيا للتلاميذ وللطلبة وكان أيضا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كإطار نقابي للطلبة ولكن مُنِعت هذه الإطارات فخلقنا وخلق اليسار آنذاك تجربة للنضال السياسي من داخل الثانويات في إطار يسمى النقابة الوطنية للتلاميذ.

سامي كليب: كنتِ ناشطة في هذا الإطار؟ لأنه فهمت من خلال ما قرأت.. ما كتبتِ حضرتكِ أو ما قرأت عندكِ إنه كأنكِ تقولين اعتقلتِ دون أي ذنب وبالصدفة ولكن يبدو أنكِ كنتِ ناشطة فعلا بين الطالبات.

فاطنه البويه: كنت ناشطة ولكن حين أقول اعتقلت دون ذنب لأني كنت قد.. كنت لا أعتبر أن هذا نشاط سياسي يجب معاقبته لأنه يعني نشاط مضمونه حلم وتفكير، أنا لم أحمل سلاحا، لم ألق قنبلة وأذكر أن المحامي رفع يدي وقد كنت نحيفة في المحاكمة وقال هل هذه اليد النحيفة.. هل هذه الذراع يمكنها أن تمس الأمن الداخلي لدولة بكاملها؟

سامي كليب: والدكِ كان مدرسا على ما أعتقد؟

فاطنه البويه: مدرس للقرآن.

سامي كليب: للقرآن الكريم والوالدة ربة منزل، هل تأثرتِ بمناخ سياسي معيَّن بجو سياسي معيَّن حين كنتِ في ذاك الأمر يعني تسعة عشر عاما أو أقل؟

فاطنه البويه: قبل هذا التاريخ والدي حمل تذمرا من تجربة الاستقلال، والدي جاء إلى مدينة بن حمد من منطقة أخرى لمنطقتنا وهي مراكش جاء بطلب من بعض أعيان المدينة لكي يعلِم القرآن والدين للناس والعلم آنذاك هكذا كانوا يسمونه وهو قبل هذه الهجرة الداخلية لسبب بسيط هو أنه كان متذمرا من الشكل الذي جاء به الاستقلال وكنت..

سامي كليب [مقاطعاً]: كيف يعني؟

فاطنه البويه: كان يعتبر أن هناك نوعا من الاستقلال يمكن أن يحققه.. تحققه المقاومة كما كانت تتصور، يعني مساواة بين الناس ولأن نحن بالنسبة لنا كقبيلة كان كل شيء لدينا مشاع.. يعني مبدأ المساواة بالنسبة لنا..

سامي كليب [مقاطعاً]: موجود بالفطرة.

فاطنه البويه [متابعةً]: هو شيء موجود بالفطرة وحين رأى أن الاستعمار يعني أرسى تقاليد أخرى كان يرفضها والدي لأنه كان محافظا وكان رجل دين وكان رجلا يحب وطنه، فيعني كأنه هاجر بغصة لم يكن يوضحها لوالدتي لأنه بالنسبة له لم تكن تستطيع استيعاب ما يجرى لأن فيما بعد كانت تقول له يجب أن تنخرط في التجربة السياسية يجب أن تعطي صوتك.

سامي كليب: طب هو محافظ ويُدرِّس القرآن الكريم وأنت في صفوف اليسار مباشرة، يعني هل كان أيضا ردة فعل على الوالد المحافظ أم تأثرت بجو معين طلابي يساري آنذاك؟

فاطنه البويه: الاثنين معا، يعني أنا كان لدي تقدير لوالدي خاص لأن والدي كان يقول أنت السيدة الحرة، لم أكن أعرف من هي السيدة الحرة ولكنه كان يقرأ قصص ألف ليلة وليلة كل يوم وكان يقرأ لي القرآن وقرأ لي عن السيدة الحرة وقال.. يعني وكأنه كان يوحي لي بأن هناك مهمة يجب أن أقوم بها ولكن دون أن يفصح وفي ممارسته كان يمارس بحسب الغصة التي يحملها بداخله.

سامي كليب: والغريب أنه حضرتك لما دخلتي السجن كنت تتذكرين ألف ليلة وليلة يعني.

فاطنه البويه: فعلا لأني ذاكرتي طبعتها هذه الحكايات المليئة بالغرابة وبالسحر.. ويعني حتى الشكل الذي كان عليه والدي أنه ذو هيبة ووقار وكان رجلا جميلا وكان الجميع في القرية يهابونه ولكن داخل البيت لم يكن يستعمل كل تلك السلطة سوى في المحافظة على زوجته وفي إعطاء صورة للمجتمع أنه أيضا يحافظ على بناته.

سامي كليب: خرجت الشابة المغربية فاطنة البويه من أول تجربة اعتقال سالمة واستعادت شيئا فشيئا حياتها الدراسية، كانت المملكة المغربية تعيش آنذاك أي في منتصف السبعينيات سنوات عصيبة من القمع فالملك الراحل الحسن الثاني قرر بعد نجاته من محاولتين انقلابيتين في مطلع السبعينيات أن يضيَّق الخناق على الأحزاب السياسية ويقمع أي نشاط سياسي أو حزبي لا يصب في صالح العرش أو المخزن كما يسمى هنا في المملكة المغربية. في تلك الأجواء القاتمة تعرّضت ضيفتنا فاطنة البويه للاعتقال مرة ثانية، حصل ذلك في السابع عشر من أيار مايو عام 1977 حين كانت تزور إحدى صديقاتها، حينها بالضبط انزلقت إلى جحيم السجون المغربية.

فاطنه البويه: كنت عضوا في خلية إعادة ترميم حركة اليسار التي كانت قد تلقت ضربة قاسية في سنوات 1974، إذاً كنا نحاول نحن الذين نجينا من الاعتقال أن نعيد ترميم هذه التجربة بالتنسيق حتى مع البوليساريو آنذاك.

سامي كليب: كانت طبعا التهمة الأخطر أنه التنسيق مع البوليساريو كان ممنوع حتى ذكر اسم البوليساريو، هل كانت الرغبة أيضا يعني لدي فتاة مثلك في مقتبل العمر بقلب النظام القائم بقلب الملك الحسن الثاني؟

فاطنه البويه: نعم يعني هذه التجربة لم تكن تنفي هذا، هذه التجربة كانت تقول هناك شيء يستحقه المغاربة هو حكم ديمقراطي، كنا نطالب بجمهورية.

سامي كليب: في الواقع أنا أطرح عليك السؤال سيدة فاطنة لسبب بسيط لأنه كان دائما في العرش المغربي يبرر عمليات القمع التي مورست فيما بعد على أنها طبعا لحمايته.. لحماية النظام وأنه تعرض الملك نفسه لمحاولتين انقلابيتين في بداية السبعينيات فكان يبرر دائما القمع الذي حصل فيما بعد بأنه يعني على الأقل هو يحمي النظام ويحمي المملكة وحين يستمع المرء لشخص مثلك اليوم يشعر وكأنه فعلا يعني كان الملك يحاول أن يحمي نفسه آنذاك.

فاطنه البويه: هذا غير صحيح لأنه أنا دي أول ذكرى طبعتني هي موت شيخ العرب، مَن الذي قتل شيخ العرب؟ أذكر دخل والدي حزينا وهمس لأمي وأعتقد أن الستينات عرفت أول أسلوب لمحو حرية التعبير، يعني منذ ذلك الحين وأنا.. وكنت في بداية الدارسة كنت دخلت صادفت..

سامي كليب [مقاطعاً]: مَن قتل شيخ العرب؟

فاطنه البويه: يجب البحث في التاريخ لماذا..

سامي كليب: يعني والسؤال لا يزال مطروح حتى اليوم.

فاطنه البويه: لماذا قتل شيخ العرب؟ لماذا قتل المقاومون الذين جاءوا بالاستقلال إلى المغرب؟ لماذا قتل آلاف الأطفال في 1965؟

سامي كليب: يعني هنا ربما تعودين.. فقط لنشرح للمشاهدين الذين لا يعرفون ربما أي شيء عن تلك الحقبة أنه شيخ العرب والمقاومين السابقين كانوا على رأس يعين أهم جيش تحرير في منطقة المغرب العربي جيش التحرير المغربي.

فاطنه البويه: هذا ما كان يؤلم والدي وكان يقول نحن سمعنا تجربة والآن يموت روادها ولذلك لم يشارك فيما بعد في تجارب الانتخابات..

سامي كليب: يعني في برأيك العرش ولا الذي نقض على المقاومين السارقين ليثبت حكمه؟

"
كان هناك اغتيال لتجربة وحلم المغاربة في استقلال وديمقراطية حقيقية
"
        
فاطنه البويه: كان هناك اغتيال لتجربة وحلم المغاربة في استقلال وديمقراطية حقيقية، كان هناك اغتيال لهذا الحلم يجب القول، أنا لا أنفي هذا وأعتقد أن هذا هو الذي ما فجع فيه آبائنا وهو ما حاولنا نحن أن نبحث عنه في وسائل للتعبير ولكن هذه الوسائل كانت منعدمة فكان من الضروري أن نشتغل بشكل سري لكي نقول رأينا.

سامي كليب: طيب اعتُقلتِ وفي أول مواجهة لكِ مع أول سجان اليوسفي قدور اسمه، قال لكِ هنا لن تري السماء مطلقا ولو رفعتي الإصبع عن عينيكِ سأسحقكِ ولو تحدثتِ سأقطع لسانك؟

فاطنه البويه: هو اليوسفي قدور لما قالوا اسمي لأني أنا اعتقلت في الرباط... اختطفت في الرباط.

سامي كليب: طيب الغريب إنه فقط يعني الإشارة لماذا كانت عمليات اختطاف وليس اعتقال طبيعي آنذاك؟

فاطنه البويه: هذا وجه من أوجه غياب دولة الحق والقانون، يعني إذا كان لي رأي مختلف أين أعبر عنه؟ لم تكن لا منظمات حقوقية ولا.. حتى الأحزاب نفسها عرفت تجارب اعتقالات واغتيالات وطرود ملغومة، يعني حتى من كان يتجاوز حدود معينة في الإطار الشرعي كان هناك خطاب للدولة فقط.

سامي كليب: وكنتِ تزورين آنذاك صديقتك حين اختطفتِ.

فاطنه البويه: تماما كنت فقط أتيت لتهيئة الامتحان ولكن أنا لا أنفي بأنني في السر كنا نحاول إعادة ترميم ما ضاع لأننا كنا نبحث دائما عن إطار يمكن أن نتحدث فيه عن ما يجري لأن ما كان يجري في المغرب كان خطيرا.

سامي كليب: طيب تقولين إنه يوسف.. اليوسفي قدور حين ذكر اسمك ماذا فعل؟

فاطنه البويه: انقض على الفرصة وقال هاتوها أنا أريدها حالا وحين دخلت عادة يمر المعتَقلون من مكتب لتسجيل أسمائهم وإلقاء التعليمات عليهم أما أنا فأخذوني كالشات إليه، هذه هي قال بالحرف هنا مكان لست مغيومة ولا غرفة مظلمة هنا إلى حياة البندر نوحيك لأنه كان يعود إلى الشعارات التي رفعت من أجلي في سنوات.. في سنة 1974 حيث كانت قد عمَّت حركة طلابية.. حركة إضراب في المغرب بكامله احتجاجا على ما وقع وكانوا يقولون فاطنة يا تلميذة والكرامة شهيدة.



[فاصل إعلاني]

الاعتقال، وسائل التعذيب ونتائج الإضراب

سامي كليب: من البداية.. من الأيام الأولى بدأتِ التعرض للتعذيب يعني من الأيام الأولى للاعتقال؟

فاطنه البويه: لم يتم التحقيق معي إلا في الغد، لم آكل شيئا طيلة الليلة وفي الصباح حققوا معي، أنا طالبة وأنا هنا وأين تعرفتِ على الشخص؟ قلت إنني تعرفت عليه في مقهى وأنه كان يريد البحث عن مأوى فقلت له تعال معي إلى منزل زميلتي المخطوبة يمكنك أن تقضي الليلة عندها وهكذا يعني ادعيت بعض الأشياء، فيما بعد كان سيطلقون سراحه ولكن حينما اتصلوا بالدار البيضاء ودرب الشريف..

سامي كليب: السجن الشهير.

فاطنه البويه: السجن الشهير.. المعتقل الرهيب، هؤلاء يعرفون تاريخ الحركة المرقسية والمناضلين السابقين والذين اعتبروهم لأن اسمي كان مذكورا في سنوات السبعينات ليس باعتقالي بل حتى مع اعتقال بقية الرفاق ولكنهم كانوا يعتبرون أنهم أخذوا الرفاق الأساسيين وبالتالي ثانويا تركوهم ربما لمتابعة التجربة أو.. إذاً هكذا يعني ثلاثة أيام قضيتها..

سامي كليب: في الأولى.

فاطنه البويه: لم يكن هناك تعذيب فقط استنطاق ولكن التعذيب بدأ منذ وضعوني في تلك السيارة الرهيبة وشدوا يديّ إلى الخلف وعصبوا عيني ولم يكن لدي بماذا أستطيع الاتكاء لكي أتمكن.. لأن السيارة كانت تجري بسرعة فأصبت بالدوار والقيء يعني طوال الطريق وحين دخلت إلى درب الشريف كنت في حالة يرثى لها يعني من الأوساخ والضعف لأن ثلاثة أيام لم آكل شيء. ومنذ اليوم الأول بدأ الاستنطاق والتعذيب، كان عليّ أن لا أنام لأن أفظع شيء أن يأخذوك وأنت نائم يعني كأنك تسقط من السماء، كان التعذيب ليس الذي يمارس عليك أيضا الذي يمارس على الآخرين لأن أناتهم وصراخهم كل شيء يصل إلى مسامعك طوال النهار وطوال الليل وكأنهم لا يرتاحون، كانوا كثيرين وكانوا لا يتوقفون عن الحركة.

سامي كليب: التعذيب كان ضربا؟

فاطنه البويه: كان ضربا وكان تهديدا وكان صفعا وكان كهرباء وكان إهانة وكان مس بالكرامة وصلت حد التحرش الجنسي لبعض الزميلات.

سامي كليب: في الواقع.. يعني تحديدا أطرح عليكِ هذا السؤال لهذا الجانب أيضا دون الدخول في الكثير من التفاصيل ولكن حضرتك حين كنتِ تستمعين إلى شهادات سجينات سابقات في الأيام الأخيرة والأشهر الأخيرة في لجنة الإنصاف والمصالحة كنتِ تلومين البعض أنهن لم يتحدثن عن هذا الجانب يعني الاعتداءات الجنسية وما إلى ذلك، هل كان الأمر يعني قائما فعلا كان يمارس على السجينات؟

فاطنه البويه: طبعا كان يمارس على السجينات وأنا قلت نحن تعرضنا لتحرش جنسي ونساء آخرين تعرضن.. إحداهن تعرضت للاغتصاب حتى الموت وكانت حاملا، ما قلته بصدد هيئة الإنصاف قلت إنه لا يمكن فتح الجراح لأن هذه قضايا يصعب التحدث فيها في العلن وحتى يصعب التحدث فيها ثم العودة إلى النفس.

سامي كليب: الضرب كان يستمر ساعات طويلة وخصوصا يعني أنكن نساء؟

فاطنه البويه: كان هناك تعذيب.. تعليق بالطائرة، أذكر مرة عادت لطيفة تكاد تكون ميتة، أنا لا أستطيع تصوير نفسي ولكني أقول لك كانت تعود.. حين عادت ذات مرة رأيتها لا نقطة دم فيها، يداها بيضاوات كأنها ميتة، تخيلت أنها ميتة وأنا بعد فترات التعذيب أحيانا وأقول لحسن حظي كان يغمى عليّ.

سامي كليب: كنتِ تشعرين بالنقمة من الذين طبعا يمارسون التعذيب عليكِ أم لأنكِ تقومين ربما بشيء نضالي من أجل المغرب تاريخ المغرب، هل كنتِ تضعفين في لحظة معينة تندمين على ما فعلتي؟

فاطنه البويه: كنت أضعف حينما كانوا يهددونني بالتنكيل بالعائلة آنذاك كنت أضعف ولكنني لم أندم على التجربة بل على العكس من ذلك كنت أقول أنا الآن أحقق حلم والدي.

سامي كليب: ماتت سجينات في خلال التعذيب؟

فاطنه البويه: الموت الحقيقي نعم والموت الآخر.. أنا أعتبر أنها تجربة موت بالنسبة لنا لأننا لم تكن لنا حياة عدا أنه لم تكن لنا هوية كنا أرقام وأسماء ذكور، ماتت ساعدة الندبي تحت الإضراب ونحن جئنا إلى السجن مباشرة بعد موتها..

سامي كليب: الإضراب عن الطعام.

فاطنه البويه: فهي ماتت بعد إضراب عن الطعام وهم حاولوا قتلنا بطرق شتى، أنا قلت يعني سبعة أشهر من نفي كل شيء يربطك بالحياة حتى شعاع الشمس حين تسرَّب ذات مرة لست أدري كيف ربما فتحوا نافذة في جدار خلفي في مكتب ما وتسرَّب هذا الشعاع إلي يقول لك بينك وبينه عشرات السنين يعني لا تحلم أنك ستراه مرة أخرى.

سامي كليب: يعني كنتِ معصوبة العينين لفترة طويلة لمدة سبعة أشهر تقريبا؟

فاطنه البويه: لا.

سامي كليب: طيب طبعا من الصعب أيضا أنه فتاة شابة جميلة ودخلت السجن تتحول إلى رجل بالاسم على الأقل وعليها أن تجيب إذا نوديت باسم الرجل، أسموكِ رشيد، كان صعب لاشك يعني يتصور الإنسان ولكن في نفس الوقت يعني كما قرأت لاحظت أنك كنتِ ذات مرة.. يعني لا تجيبين في مرات معينة حتى فرضوا عليكِ مثلا أن تنادي السجان بالحاج ورفضت أيضا.

فاطنه البويه: رفضت هذا يعني رفضت أن أناديه بالحاج وهو ليس حاجا ولم أرفض بأن أستجيب لأسمي لأني سأجلب على نفسي وبالا رهيبا، إذاً أنا تعلمت أن أكون رقم 45 وتعلمت أن أكون رشيد ولكنني لم أتعلم أن أُخرِج كلمة الحاج، كلمة الحاج كانت مقدسة بالنسبة لي وهي تذكرني بوالدي فكيف أقولها لرجل لا علاقة له.. لا إنسانية له لا خلقة ولا خلقا.

سامي كليب: حين كانوا ينادونك باسم رشيد كيف كانت ردة فعل بدأتِ تتقبلين مع الوقت الاسم؟

فاطنه البويه: لم أُدخل هذا ولكني كنت استجيب بشكل تقني وكنت أقول أنا شيء آخر غير ما ينادوني به.

سامي كليب: السجانون كانوا كلهم قساة في الممارسات في عمليات التعذيب أم حصلت ما يسمى.. هذه الظاهرة النفسية التي يتعاطف فيها السجين مع السجان؟

"
كان هناك أشخاص يتعاطفون معنا وهم الذين كانوا يسمحون لنا في بعض أوقات الحراسة بالتخفيف من شدة عصاب الأعين والحديث بالهمس
"
فاطنه البويه: كان هناك أشخاص يتعاطفون معنا وهم الذين كانوا يسمحون لنا في بعض أوقات الحراسة بالتخفيف من شد العصاب وبالحديث بالهمس وبالكتابة على الجسد لأننا كتبنا وحكينا أفلام لبعضنا البعض تحت أنظار السجان الطيب وتحت أنظار السجان الجلاد، تحديناهم يعني حتى أننا قمنا في لحظة بإحياء ذكرى زروال بالقيام بإضراب عن الطعام بعدم الأكل.

سامي كليب: كان إضراب صعب؟

فاطنه البويه: طبعا.

سامي كليب: استمر عشرين يوم تقريبا.

فاطنه البويه: لا هذا في أقول في أماكن الاعتقال السري..

سامي كليب: وليس في السجن.

فاطنه البويه: وليس في السجن، أما إضراب عشرين يوم وقد قمنا بإضرابات أخرى فذاك كان من أجل المحاكمة لأننا قضينا ثلاث سنوات في السجن لا نعرف ماذا سيجري بنا، كنا ننتظر الإعدام.

[فاصل إعلامي]

سامي كليب: أنتِ أيضا في إحدى المرات كنتِ ستفارقين الحياة بسبب إبرة مهدئة على ما يبدو؟

فاطنه البويه: أيوه تذكرني بالمواجع.

سامي كليب: آسف.

فاطنه البويه: استيقظت ليلة على صداع فظيع في الرأس كنت أكاد أجن وكنا في مرحلة التحقيق ولم يكونوا يدرون ماذا سيفعلون بنا، كان مدير السجن لا يعلم لم يكن لديهم إمكانية لإرسالنا لأنه يجب أن تعتمد رخصة وكيل الملك لنقلنا للمستشفى وهم وضعونا في مكناس ونسونا لمدة طويلة قبل أن نستقبل عائلاتنا مرة أخرى وبعد أن استقبلنا العائلات ظلوا يتحفظون منا ولا يدرون ووقعت أحداث كثيرة في هذه المرحلة. استيقظت على ذلك الصداع الرهيب وفي نصف رأسي لم يدرون ماذا يفعلون بي فحقنوني بالفاليوم وأنا لذلك التاريخ لم آخذ ولا حبة أسبرين، يعني كنت ضد الأدوية ونحن في البادية لا نستعمل الأدوية، فانتفخت كل أجزاء جسمي حتى أنني تشوهت يعني أصبت بحساسية وكان والدي سيزورني في الصباح واختلقوا مبررات لكي لا يراني في تلك الحالة وظلوا يغسلونني ويحمموني لكي.. يعني كان شيء فظيع لا أريد تذكره.

سامي كليب: الوالد جاء ولم يستطع رؤيتكِ إذاً في السجن؟

فاطنه البويه: لم يزرني إلا في المساء وكان يراني من خلال الشباكين ويقول لي ماذا بكِ يا ابنتي، كان يبكي ويتساءل لعله كان يرى بقايا التشوه والانتفاخ، كنت أقول لا شيء يا والدي لا شيء لأني لم تكن لي مرآة لأرى كيف أنا، كل ما هنالك أني كنت أرى جسمي في بعض المناطق كله تشوه منتفخ.

سامي كليب: الغريب إنكِ حين كنتِ تُسألين كيف كانت النساء تقضي الوقت في السجن تجيبين إنه كان الوقت ينقصنا فيما بعد.

فاطنه البويه: أقصد فترة السجن وليس فترة الاعتقال السري، فعلا كان الوقت ينقصنا لأنه كانت تجربة إعادة الذات واستعادة الهوية وفي العلاقة مع الآخر تتطلب وقتا طويلا.

سامي كليب: في خلال السجن يعني قبل المحاكمة طبعا المحاكمة جاءت بعد ثلاث سنوات ماذا كنتن تفعلن في ذلك التاريخ؟

فاطنه البويه: في الثلاث السنوات الأولى لم نكن نتصل بالسجينات، كن دائما خروجنا إلى الساحة يكون بشكل منفرد بعد أن تغلق الأبواب على السجينات وكان أول مطلب لنا في الإضراب هو أن نتصل بالسجينات حتى أننا طالبنا الاشتغال في النسيج لكي نتمكن من الاتصال بالسجينات، حنين إلى الجماهيرية.

سامي كليب: أنتِ مثلا كيف كنتِ تقضين الوقت؟

فاطنه البويه: نحن كنا نقوم في الصباح الباكر تخيل في الخامسة صباحا لنجري الرياضة حركات رياضية وبعد ذلك نفطر ثم نقوم بالاشتغال على القضايا التي ينبغي أن نتحدث عنها في المحاكمة، تخيل أنه في فترة شهر ونحن نستعد للمحاكمة لأنه كان ينبغي أن نكون في المستوى المطلوب وكان ينبغي أن ندافع عن القضية، نحن حرمنا من حرية الرأي ومن الممارسة داخل المجتمع فكان علينا أن نشتغل بشكل آخر داخل السجن.

سامي كليب: طب كل السجينات كن صامدات في خلال السجن أم أن البعض مثلا كن ربما يتعرضن لضغوط نفسية فتنهار إحداهن أو ما إلى ذلك؟

فاطنه البويه: كنا في مستوى واحد وكان.. كانت الواحدة تعضض الأخرى وقلت استطعنا أن ننام في شهر نصفه، يعني هناك ليلة نقضيها على بياضها تنام الصديقات وتقضي الواحدة منا الليلة مستيقظة تعد البرنامج وتهيئ ثم حين تهدأ الحركة في السجن الساعة الثانية أو الثالثة نشتغل، يعني ننذر نهيئ القضايا التي آمنا بها وسندافع عنها لماذا تبنينا هذه القضية ولماذا كنا.. لماذا كانت الماركسية مثلا تستجيب لأحلامنا ولماذا كان النظام سريته ولماذا نطمح للديمقراطية، كل هذه الأسئلة كان ينبغي أن نجيب عنها وكان ينبغي أن نكون في المستوى للإجابة على ذلك، بعد هذه الفترة حين تمكنا من إنجاح الإضراب والاتصال بالسجينات كان هناك عمل آخر يعني العمل مع السجينات.

سامي كليب: الإضراب استمر عشرين يوما ويعني كان على ما يبدو إضرابا قاسيا لأنه لم تحصل مفاوضات في البداية حتى في أواخر أيام الإضراب حصلت مفاوضات ووقعت حالات أيضا جسدية للسجينات صعبة كانت.

فاطنه البويه: كانت معنا سجينة يعني تعذبت كثيرا، أولا فقدت مستوى النظر بسبب الإضراب تخيل شيء خطير يعني جهازها الهضمي كان يشتغل وهي لا تأكل لأن نحن قبل أن نقوم بالإضراب نطالب الإدارة أن تدخل إلى المعقل.. مكان الاعتقال وتخرج كل الأكل فنبقى نحن والأسرة والكتب، بعض الكتب التي كانت لنا لأن من بين مطالبنا كانت حقنا الاعتراف بنا كمعتقلين سياسيين لأن نحن كنا معتقلين.. كان اعتبارنا معتقلين عاديين ولم نكن نتمتع حتى بالحقوق التي كان يتمتع بها المعتقلون العاديون.



المحاكمة، النشاط الاجتماعي ونهاية المحنة

سامي كليب: السجينة السياسية المغربية السابقة فاطنة البويه لم تنسى شيئا من التفاصيل الدقيقة لتجربة السجن الرهيب وهي إذ تبدو في منزلها المغربي اليوم كأي امرأة عادية تهتم بابنتيها لينا ونجوى فهي لا تزال تذهب إلى السجون على نحو شبه يومي حيث تنشط جدا في إطار المرصد المغربي للسجون وفي منتدى الحقيقة والمصالحة. وحين زرتها كانت عائدة مع زوجها المهندس يوسف مداد والمناضل مثلها لنصرة حقوق الإنسان، كانت عائدة من جولة تتعلق بالسجناء وزوجها هو الذي كتب لها النص الأخير في كتابها السابق ويستعد معها اليوم لإصدار كتاب جديد.

يوسف مداد- زوج فاطنه البويه: في هذه الشهادة يبدو الجلاد مصرا على تقويض الذات وتعنيف الجسد ومحو الهوية بتغييب أنثاها فتصر فاطنة على الانبعاث بلسما أملا زهرة تتفتح على اللين والنجوى، عبثا اعتقد الجلاد أنه يستطيع أن يغتصب الحرية في الزهرة الفاطنة اختطفها والعيون مواراة، دسها في ثناياه كي لا تكبر بالنور فانسابت مع فوارق الحب الدفين للحرية المعشوقة.. كنت فقط أخي، أخي الذي كان معتقلا لمدة عشرة سنوات بعد خروجه من السجن.. يعني مرت حوالي سبع سنوات على إطلاق سراحه فمات في حادثة، فاطنة أتت لتقديم التعزية، في تلك الليلة اكتشفنا بأنه يعني مع أنني كنت عازب يعني في سن سبعة وثلاثين سنة، يعني كنت رافض شخصيا.. لم تكن فكرة الزواج تطرح أو تخطر ببالي نهائيا مع أنني كنت أملك شقة وأملك عملا وكل الظروف المواتية للعمل ولكن كنت عن طواعية أرفض الزواج لكن لقائي بفاطنة في تلك اللحظة.. يعني كانت بمثابة.. رغم أنني لا أعرف فاطنة شخصيا من قبل، نتعارف بشكل غير مباشر من خلال عائلات المعتقلين السياسيين ولكن في لحظة وقع ما وقع فكانت الحكاية.

فاطنه البويه: تحتسي الكأس مجددا ثم تسرح بعيدا تفكر في المستقبل ستفرح ستتفتح ستصادق الناس ستحبهم أكثر، ستصفح ستصادق الناس ستحبهم أكثر، ستتمتع بكل الدنيا كما لم يتمتع بها أحدا من قبل، ستعشق بكل جوارحها، أي عطش للوصال هذا الذي يهشم ضلوعها، ستغني كل دقيقة وثانية، ستفتح بابها لكل الناس ستفتح قلبها لكل الأماني، ستعيش كل لحظة بما تستحقه، ستحدث كل الناس عن هذا الرعب وعن ولادتها من جديد، ستعيش هذه الولادة وستقيم لكل خطوة حفلا ولكل حزن تنطقه عرسا لن يضنيها المشي ولن تحدد المسافة، هكذا كانت تحلم وهي تتكئ في خيلاء أجوف حين قاطعها صوت النساء المتأثر بالحاجة إلى النوم، أنه صوت الحارسة يذكرها بضرورة إطفاء النور.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: تحاول فاطنة البويه أن توفّق بين زوجها وأولادها ونشاطاتها المتعددة ولكن هذه السجينة السياسية السابقة باتت في بلادها في المملكة المغربية رمزا لأبرز المناضلات والسجينات السياسيات السابقات وقد نشرت تجربتها في كتاب حمل بالعربية اسم حديث العتمة وبالفرنسية اسم امرأة أسمها رشيد. وكان للأدبية المغربية الشهيرة فاطمة المرنيسي دورا هاما في ذلك وقد حرصت ضيفتنا أن تزور الأديبة الرائدة في منزلها عند شاطئ البحر، فالسيدة فاطمة المرنيسي تحاول هي الأخرى كتابة التاريخ المغربي بعيون سجينات سابقات أو مناضلات دائمات لعل في الكتابة ما يصحح أخطاء ذاك التاريخ.

فاطنه البويه: أولا أنا الكتاب كتبته داخل السجن ومرت عشرون عاما قبل أن يخرج إلى الوجود، كان السبب في خروجه لقائي مع فاطمة، التقينا في ورشة للكتابة حول الثقة بالنفس وقلت لها أنا لديّ كتاب لكن لا أجرأ على إخراجه إلى الوجود والتقينا وتحاورنا وكانت يعني بمثابة الوازع على أن يخرج الكتاب بالسرعة المطلوبة لكي يمكنني من إعادة الثقة إلى نفسي ومن لأم الجراح لأني اكتشفت بأن الكتاب حين خرج لم يعد لي ولم تعد التجربة التي عانيت منها.. أصبحت مشتركة مع كل الناس حين قرأته على الناس وحين أخذه الناس أصبح له بعدا آخر، لم يعد تلك الذكرى الأليمة المخبئة في مكاننا ما.

سامي كليب: بقيت فاطنة البويه تنقل من سجن مغربي إلى آخر ثلاثة سنوات قبل أن تبدأ محاكمتها، آنذاك كانت الأحكام معروفة سلفا وليست خاضعة لأي رقابة فعلية ولكن المحاكمات كانت إيجابية لأنها تسمح للعائلات على الأقل بالتأكد من أن السجناء لا يزالون على قيد الحياة وأن أحوالهم أفضل من ألئك الذين دفنوا أحياء في سجن تزما مارت وغيره. وهكذا وفي عام 1980 صدر الحكم على فاطنة البويه بالسجن خمسة سنوات بتهمة التآمر على أمن الدولة والانتماء إلى منظمة سرية وتوزيع منشورات ممنوعة.

فاطنه البويه: أنا لا أسميها محاكمة لأنها لم تتم بالشروط التي تتم فيها المحاكمة، أذكر يوم نُطقْ الحكم يعني أتوا بنا في سرعة البرق من السجن من سجن العلو وهو السجن الرهيب الذي قضيت به أيام سوداء.

سامي كليب: رهيب لماذا؟

"
المعاملة في سجن العلو كانت سيئة لا إنسانية وكانت قاسية وكانت زنزانة بشعة وكانت الأمراض منتشرة فيه بشكل بشع
"
فاطنه البويه: رهيب من حيث البناء ومن حيث الاقتضاب ومن حيث المعاملة حتى أن الحارسة كانت عندما تريد إغلاق الباب تقول سديته عليكم ما سديته عليا..
من صرصور يعني وكأننا حشرات، كانت المعاملة فيه لا إنسانية وكانت قاسية وكانت زنزانة بشعة وكانت الأمراض منتشرة فيه بشكل بشع حتى أنني قضيت ليلة في الحمام بدل أن أقضيها في الزنزانة لأن الأمراض التي كانت تمر بها السجينات يعني تترك أثارها حتى في الجدران حتى في الأرض، كنت تخاف..

سامي كليب: والحراس كانوا من النساء؟

فاطنه البويه: نساء ولكن كن نساء بقسوة فظيعة، كانوا من النوع القديم.. العرّيفات يعني امرأة تقليدية بدون أي ثقافة أو أي شيء تقوم بالحراسة وتلقَن، مثلا نحن حين قدمنا إلى مكناس لم يخبروهم بأنهم سيأتون بمعتقلات سياسيات، قالوا سيأتون.. خالوا فيما بعد لأنهم حكوا لنا بعد أن تصالحنا معهم حين قمنا بالإضراب لأنهم قدرونا وحين تعاملوا معنا كان لهم تقدير خاص، قالوا يوم كنتم قادمات قالوا هناك مجرمين خطيرين سيأتون إلى السجن واعتقدوا أننا رجال، حتى حين استقبلونا ورأونا فتيات في مقتبل العمر اندهشوا وبعضهن كان الدمع في عينيه.

سامي كليب: كانت معاملة النساء السجانات أقصى من معاملة السجانين الرجال؟

فاطنه البويه: لا أعرف معاملة السجانين الرجل في السجن أعرف معاملة الجلادين في المعتقل ولكن أيضا أنا أقول أن المرأة حين تقسو على المرأة تكون أشد. إذاً لنعد إلى المحاكمة، جاء لا أعرفه من هو الآن أعرف المنصب وأعرف مَن يقوم بالمهمة ولكن آنذاك دخل رجال في زي أسود وفي قاعة مغلقة وأجلسونا، البوليس كانا محيطا بنا جلسنا في الطاولات وألقى الحكم بسرعة خارقة لم أسمعه وخرج، ما سجلت هو الخمس سنوات أما التهمة وقرأته لها فأنا لم أسمعها قط لأنها كانت بسرعة خاطفة وكأنه يخاف منا ونحن محاطين بالشرطة.

سامي كليب: ولكن طبعا يعني الإعلان عن الحكم بخمس سنوات فيه نوع من الفرج إنه كنتِ أمضيتِ منها ثلاث سنوات قبل المحاكمة وبقيت سنتان، يعني كيف تلقيتِ هذا الحكم؟

فاطنه البويه: نعم أنا تلقيت الحكم بروية لأن كان المنتظر أفظع وحتى أنني كنت جدا خائفة من المصير والتعذيب الذي لقيناه في انتظار هذا الحكم كان أقسى من الحكم نفسه لأنه انتظرنا ثلاث سنوات، يعني كانت مدة طويلة وكان رنين الجرس في الحي يُحدث لدينا فظعا كبيرا لأننا كنا نقول سيأخذوننا إلى معتقلات رهيبة أو لأن لم يكن هناك شيء مضمون، لم نكن ننتظر أن تكون محاكمة لأن المحاكمات لم تكن عادلة وكثير من الناس اختطفوا بعد محاكمتهم وكثير من الناس حوكموا وزج بهم في تزما مارت.

سامي كليب: وتوفي الكثير منهم في تزما مارت أيضا؟

فاطنه البويه: نعم، كنا نخاف من هذا المصير، إذاً يعني كان فرج كان الحكم بخمس سنوات فرج بالنسبة لي لأني.. حتى أنني رفضت الاستئناف أولا لأني لم أكن أثق في هذه الأجهزة وثانيا لأني قلت لقد جاء الفرج سنتين إذا خرجت منها فلا بأس.

سامي كليب: متى حصل أول لقاء مع الأهل داخل السجن بعد مرور كم من الوقت؟

فاطنه البويه: تقريبا تسعة أشهر، سبعة أشهر وعشرين يوم من سجن غبيلة وبعده مدة لا بأس بها في سجن مكناس لا أذكرها جيدا ولكنها فاتت الشهر.

سامي كليب: مَن الذي زارك؟

فاطنه البويه: كل الأهل.

سامي كليب: كيف كان هو اللقاء؟

فاطنه البويه: كان صمت وكانت شهقة أذكرها، لم يستطيع أن يتحدث أحد منا.

سامي كليب: آسف مرة جديدة أنه أدفعكِ لهذه الذكريات الأليمة والصعبة ولكن لابد من المرور على أبرز ما عشتِ على الأقل ليفهم المشاهد ما الذي جرى آنذاك. الإفراج جاء بعد خمس سنوات من السجن من التعذيب من الاعتقال من الخطف ومن تجربة أيضا شهدت في الواقع لحظات نضالية حتى داخل السجن، لحظات تمرد تثقيف سياسي وما إلى ذلك، كيف أبلغتِ بنبأ الإفراج وماذا فعلتي حين أفرج عنكِ؟

فاطنه البويه: لا لم يكن.. لم يأتني النبأ لأني كنت أنتظره بعد نهاية المدة.

سامي كليب: يعني طبعا في المغرب هناك سجناء سياسيون كثيرون كانوا ينتظرون أن تنتهي المدة وبقوا سنوات طويلة.

فاطنه البويه: نعم، خرجت لا أعرف من أين أبدأ، لا أصدق أني خرجت وحين خرجت بدأت التجربة الأصعب.. يعني كان عليّ خلال سبعة أشهر وخمس سنوات أن أتعلم كيف أموت وأنا حية وبعد خروجي إلى الحياة كان عليّ أن أتعلم أن أحيا وأنا ميتة، لا علاقة لي بهذا العالم تغيّر كثيرا وأذكر أن الجيران والأهل والأحباب يحدثونك وكأنك لم تغادرهم ولا يدركون أن بينك وبينهم فاصل خمس سنوات، يحدثونك عن فلان وعن الذي هاجر وألا تدركين ويعني أنت تطلب منهم مهلة يعني لكي تستأنس ولكي تتعرف ولكي تضع قدماك.

سامي كليب: طيب شو السبب؟ يعني ما الذي يتغير لدى إنسان سجن مثلك وخرج من السجن والتقى بأهله بعد خمس سنوات يعني ما هو الشيء الصعب الذي لم تستطيعي أن تتخطيه مباشرة؟

فاطنه البويه: الصعب هو أنك تعلمت أن تعيش في حيز ضيق مع أشخاص أصبحوا أهلا وأحبابا وحياة أخرى وتعود إلى هذه الحياة الطبيعية التي خاصمتك وخاصمتها بالغربة فتعود إلى.. ما يضحكهم لا يضحكك، ما يسعدهم لا يسعدك.

سامي كليب: طيب حين خرجتِ قررتِ مثلا الاستمرار في العمل السياسي أو..؟

فاطنه البويه: حين خرجت قضيت مدة من التأمل والصمت، تعلمت تعلم المشي أنا أسميه لأني أعتبر أن السجن دائما مثل ذلك الحذاء الصيني الذي يوضع في رجلك فترة لكي لا تكبر، السجن وضع كقيد.. كطوق للمرأة لكي لا تتفتح، لكي لا تتحرر، لكي لا تنموا ونحن قاومنا هذا داخل السجن ولكن أية مقاومة وكيف.

سامي كليب: في كتابها حديث العتمة والذي بات مادة لمقالات ومقابلات صحافية كثيرة تروي السجينة المغربية السابقة فاطنة البويه بكثير من الصدق والشفافية ولكن أيضا بكثير من الاعتزاز بالنفس تلك الأيام القاهرة التي أمضتها في السجون المغربية، أيام حاولت مغالبتها بوسائل عديدة تماما كما تحاول اليوم مساعدة السجناء على تحسين ظروف حياتهم.

فاطنه البويه: على أيامي كان هؤلاء الأطفال لا يغادرون السجن، لم يكن يسمح لهم حتى بقضاء ليلة خارج الزنزانة التي تعتقل بها الأم، الآن يعني هناك جو آخر وهناك إمكانيات أخرى وهناك رياض للأطفال في كل السجون ويعني أوضاع تغيرت يجب القول بالنسبة للطفل ولكن مع ذلك يبقى أن مكانه ليس داخل السجن. أحلم بمستقبل أفضل لبناتي، الوشم لازال على الجسد ولكن المصالحة تمت، أريد مغرب جديدا.

سامي كليب: حين ودعت السجينة السياسية المغربية السابقة كان الإعلام المغربي لا يزال ينشر يوميا بعد آخر تفاصيل روايات السجناء السابقين وروايات عذابات أهلهم فالملك محمد السادس قرر فتح سجلات الماضي ليغلق على ما يبدو جروح التاريخ ولكن هل ينسى السجين فعلا وهل يسامح جلاده؟ ربما البحر وحده هو الذي يعرف الجواب.