- مدى اقتران العلم بالعمل
- العلم والعمل من المنظور الإسلامي
- صفات العالِم القدوة
- ثقافة العلم والعمل في العالم الإسلامي

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم في برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} صدق الله العظيم، العلم شجرة والعمل ثمرة وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملا وقيل أيضا العلم والد والعمل مولود والعلم مع العمل والرواية مع الدراية والفهم فلا تأنس من العمل ما دمت مستوحشا من العلم ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرا في العمل ولكن يجمع بينهما وإن قلّ نصيبك منهما وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته وجاهلا أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عباداته، فكيف يكون للعلم أي اقتران بالعمل؟ ولماذا ينفصلان؟ وما عواقب ذلك الانفصال؟ وأيهما يسبق الآخر؟ إذاً العلم والعمل موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلا بك يا فضيلة الشيخ.

مدى اقتران العلم بالعمل

يوسف القرضاوي – داعية إسلامي: أهلا بك يا أخ عبد الصمد.

عبد الصمد ناصر: بدايةً فضيلة الشيخ قبل الخوض في الحديث عن العمل والعلم والعلاقة بينهما اسمح لي أطرح السؤال الأول، لماذا يُطلب العلم؟ هل للحصول على شرف، على منزلة، على جاه ما أم يُطلب العلم لذاته أم يا ترى لربما يُطلب للعمل به؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، ربنا آتينا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهَب لنا من لندك رحمة انك أنت الوهاب وبعد، فلا شك أن للعلم منزلة عظيمة في الإسلام وقد استفاضت آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم وأقوال الصحابة وأقوال حكماء الأمة وقصائد الشعراء وكلمات الأدباء في فضل العلم وهذا لا يحتاج إلى شيء ولكن يبقى لماذا نطلب العلم؟ ولماذا نحرص على تحصيل العلم؟ هل العلم غاية في ذاته أو أن العلم يُطلب فقط للعمل به؟ الإجابة تحتاج إلى تفصيل، أولا طلب العلم في ذاته شيء يجب أن يُحرص عليه حتى ولو لم يكن وراءه عمل ولكن من العلوم ما هو مقصود لذاته هو غاية في نفسه مثل العلم بالله عز وجل.. العلم بالله عز وجل ووحدانيته وصفاته وأسمائه الحسنى وما يتعلق به والعلم بحقائق الوجود عامة هذا مطلوب لذاته، الله تعالى يقول {اللَّهُ الَذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} لماذا خلق هذا العوالم العلوية أو السفلية هذه، قال {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} لتعلموا هذا.. بأسمائه وصفاته وخصوصا صفتي العلم وصفة القدرة، فيه حديث يعني يشتهر بين الناس كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني ولكن هذا حديث موضوع، يعني باتفاق أهل العلم ولسنا في حاجة إلى هذا الحديث لأن الآية هذه آخر آية في سورة الطلاق {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ} فالله خلق هذا كله لنعرفه لنعلمه، هذا العلم هو مطلوب لذاته ليس من الضروري أن يكون وراءه يعني عمل هو بطبيعة الحال أن الإنسان إذا عرف الله لابد أن يسأل ما حق الله عليّ؟ وماذا أعمل لكي أستجلب رضاه؟ ولكي أكتسب محبته؟ يعني يرضى عني ويثيبني وينجيني من النار ويدخلني الجنة إلى آخره، هذا من اللوازم إنما نحن نقول العلم بالله وبأسماء الله الحسنى وصفاته العلا ووحدانيته إلى آخره هذا علم مطلوب وكل علم بالحقائق مطلوب لذاته ولكن هناك علم يُطلب ليُعمل به، العلم بالأخلاق يعني ماذا يعرف الإنسان؟ العلم بفلسفة الأخلاق ومكارم الأخلاق ليتخلق بالخلق الحسن ليتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل، العلم بالعبادات، لماذا يتعلم الإنسان أحكام الصلاة أو أحكام الزكاة أو الصيام أو هذا؟ يتعلمها ليعمل بها، العلم بالمعاملات؟ كيف يبيع؟ وكيف يشتري؟ وكيف كذا؟ لتكون معاملاته صحيحة وقائمة على الوجه الشرعي ليس فيها غش وليس فيها احتكار وليس فيها مخالفة تُغضب الله عز وجل، هناك أنواع من العلم تقتضي العمل بها فنحن نقول العلم فيه واحد يطلب العلم للاستمتاع فقط، يحب أن يقرأ من الكتب ما يقرأ ويقرأ يعني في القديم وفي الحديث ولكن علمه منفصل عن عمله، يقول لك هذه نقرة ودي نقرة..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: للثقافة..

يوسف القرضاوي [متابعاً]: لا هذا يعني هو هناك حتى يعني في مدارس الفن والأدب كان هناك يعني معارك جدلية بين الماركسيين والليبراليين، هل الأدب للأدب أم الأدب للحياة؟ هل الفن للفن أو الفن للحياة؟ الماركسيون يقولون لك الفن للفن ده ما فيش حاجة اسمها الفن لازم يخدم قضية يخدم أهداف معينة يكون فيه صف الفقراء ويكون فيه كذا يعني سلاح في المعركة وأنا أعتقد أن.. وكذلك الأدب والشعر وهذه الأشياء وأنا أعتقد أن منطق الماركسيين هو أقرب إلى المنطق الإسلامي منطق أصحاب الرسالات، كل إنسان صاحب مبدأ وصاحب دعوة وصاحب فكرة يريد أن يكون العلم ليحقق أهدافا والأدب يحقق أهدافا والفن يحقق أهدافا حيوية فليس المسلم الذي يتعلم ويعرف يعني مجرد أنه يحصِّل ما شاء من معارف ومعلومات ويملأ رأسه ويحشو رأسه بالمعارف الكثيرة، ثم هذه المعارف.. المعارف مفصولة ومعزولة تماما عن سلوكياته.. السلوكيات في وادٍ ومعرفته في وادٍ آخر وهذا يحدث في كل العلوم يعني حتى مثلا تجد طبيبا يؤمن بأن التدخين ضار..

عبد الصمد ناصر: ويدخن..

يوسف القرضاوي: وأنه يؤثر على الرئة وأنه يجلب السرطان وأنه يؤذي في كذا وكذا وعنده ويمكن كاتب كتب في هذا ولكن تجده..

عبد الصمد ناصر: يدخن..

يوسف القرضاوي: مدخنا، يعني هذه الآفة الانفصال بين المعرفة والعمل ودي قضية كان اختلف فيها سقراط وأرسطو، سقراط يقول الفضيلة.. المعرفة إذا عرف الإنسان يعني الشيء لابد أنه يهديه إلى الفضيلة، إذا عرف.. سقراط يقول لك لا.. أرسطو يقول لك لا ممكن يعرف ولكن إرادته لا تساعده على أن يعمل بما يعرف وأعتقد أن هذا هو الحق.



العلم والعمل من المنظور الإسلامي

عبد الصمد ناصر: لو لخصنا الخلاف فضيلة الشيخ في المنظور الإسلامي..

يوسف القرضاوي: نعم..

عبد الصمد ناصر: لو لخصنا كلامنا هذا من المنظور الإسلامي تقريبا كل العلوم يترتب عليها عمل..

يوسف القرضاوي: نعم، لا أنا قلت لك في بعض العلوم ليس من الضروري أن يترتب عليها..

عبد الصمد ناصر: تقريبا أقول..

يوسف القرضاوي: المعرفة بالحقائق ومنها حقيقة وجود الله ووحدانيته وهكذا ولكن كل العلوم بعد ذلك تدعو إلى العمل والإسلام ينكر فصل العلم عن العمل ويعتبر ذلك يعني شيئا.. يعني كبيرا أن ينفصل علم الإنسان عن عمله، الله تعالى يقول {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ}، معنى الذين يعلمون المفروض ما ينبذوش كتاب الله وراء ظهورهم، لازم يجعلونه نبراسا لهم ويتخذون.. وهذا {ولَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العلم يهدي إلى العمل هذا هو..

عبد الصمد ناصر: نعم، العلم يهدي إلى العمل ولكن هناك أقوال بين بعض العلماء تختلف، البخاري مثلا في صحيحه بوَّب في صحيحه بقوله باب العلم قبل القول والعمل والبعض يقول إن العمل هو الذي يولِّد العلم، السؤال هنا أيهما يسبق الآخر فضيلة الشيخ العلم أو العمل؟

يوسف القرضاوي: كلام البخاري كلام صحيح يعني يقول العلم يسبق القول والعمل وكما قال سيدنا معاذ بن جبل في حديث له عن فضل العلم قال، العلم إمام والعمل تابعه، هو إمام يؤتمّ به فهذا سليمان البخاري استدل في صحيحه بقول الله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ} قدَّم العلم.. يعلم وبعدين الاستغفار عمل فالإمام البخاري أينعم كلامه صحيح لازم العلم يسبق وخصوصا نحن المسلمين لا نقبل العمل المبني على جهل، لابد أن يكون العمل قائم على العلم على بينة {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}، {أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} لازم تكون على بصيرة على بينة {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} معنى هدى إنهم يعرفون غايتهم ويعرفون طريقهم ويهتدون إليه فعملهم موصول بالعمل، ذم الله عز وجل من انفصل علمه عن عمله أو قوله عن عمله كقول الله تعالى {ومِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ}ن يعجبك قوله كلامه {وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ}..

عبد الصمد ناصر: سنأتي إلى الحديث فضيلة الشيخ عن هذا الفصام بين العلم والعمل، لكن لو بقينا في إطار العلاقة بين العمل والعلم الراغب، الأصفهاني في كتابه تفسير نشأتين.. أو عرَّف العلم قال العلم كالأسس والعمل كالبناء وبعض العلماء يقول بأن العلم خادم العمل، كيف نفهم علاقة التلازم أو الاقتران هذه بين القيمتين قيمة العمل وقيمة العلم؟

يوسف القرضاوي: هو كلام الإمام الراغب الأصفهاني كلام جيد، العلم هو اللي بيضع الأسس وبعدين العمل يأتي بناءً عليه لذلك يعني تجد أول ما نزل من القرآن {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فاقرأ هذه مفتاح العلم.. القراءة مفتاح العلم، الآية اللي نزلت بعدها إيه {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) والرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) ولا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} إلى.. فالآية الأولى أول فوج نزل من الوحي كان يؤسس العلم..

عبد الصمد ناصر: نعم، أقرأ..

"
النبي عليه الصلاة والسلام يقول "القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فقضى بغيره فهو في النار وقاض قضى على جهل
"
يوسف القرضاوي: القراءة مفتاح العلم والآيات التي بعدها {قُمْ فَأَنذِرْ} العمل ليبني العمل على العلم هو هذا الذي يريده.. علم مؤسس على عمل لا يُبنى على جهل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول "القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فقضى بغيره فهو في النار وقاض قضى على جهل" وإن أصاب الحق إنه قضى على جهل، لا يحب الإسلام الإنسان أن يبني عمله.. أن يعبد الله على جهل، لا لازم يعبد الله على بينة وعلى بصيرة وعلى علم..

عبد الصمد ناصر: نعم، إذاً يمكن القول إن العلم مسؤولية العلم ربما مهمة خطيرة للإنسان في هذه الحياة وليس مجرد وظيفة للكسب فقط، حينما نتحدث فضيلة الشيخ عن ضرورة وحتمية اقتران العلم بالعمل كما قدمت يُخشى ربما أن يزهد بعض الناس في العلم نفسه خشية أن لا يولِّد العلم لديهم العمل، هل.. أو كيف نحضُّهم على الحرص على العمل دون التخفف من العلم؟

يوسف القرضاوي: لا، هكذا ورد عن بعض السلف إنه قال أخشى أن أطلب العلم فلا أقوم بحقه، فقال له كفى بتركك للعلم يعني تقصيرا لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ذكرا كان أو أنثى، لابد للإنسان أن يطلب العلم ويسعى في طلب العلم يعني يتحرك، مَن التمس طريقا يطلب فيه علما سهَّل الله له طريقا إلى الجنة واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مَن طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، يعني اعتبر عمله جهادا حتى ولذلك نجد القرآن يقول {ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} يعني اعتبر الرحيل لطالب علم نفره زي نفر للجهاد، فاعتبر طلب العلم نوعا فهو عبادة وجهاد، لازم الإنسان يقول لا أنا.. يعني يزهد في العلم لا أطلب العلم حتى ولو قصَّرت فيه سيهديكم العلم يوماً إلى العمل.

عبد الصمد ناصر: ويهديك أيضاً إلى معرفة الله والخشية من الله سبحانه وتعالى، {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}، ما وجه العلاقة هنا فضيلة الشيخ بين العمل والخشية؟

يوسف القرضاوي: الخشية هي الدافع إلى العمل لأن كل عمل لابد له من حوافز من محركات، ما هي محركات الإنسان ليعمل الصالح؟ الإسلام لا يعتبر الإيمان ما لم يقترن بعمل الصالحات ولذلك اقترن الإيمان بعمل الصالحات في عشرات الآيات من القرآن الكريم {الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، {إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً}، {وَالْعَصْرِ (1) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، عمل الصالحات ده لابد له من محركات من حوافز تحفز الإنسان إلى عمل الخير وروادع تردعه عن عمل الشر، هذه أمور نفسية، الحوافز تأتي من إيه؟ من خشية الله وخشية الله هي أساس التقوى، النبي عليه الصلاة والسلام يعني أشار إلى صدره وقال "التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا" يعني التقوى مش في اللحية لا.. أو في العمامة أو في الثوب القصير أو.. دي مظاهر كلها قد تكون معبرة عن شيء وقد لا تكون، قد يكون صاحبها كاذباً، لحية طويلة وليس وراءها قلب سليم يلقى الله تعالى به أو قلب منيب فلذلك كانت الخشية هي الأساس، التقوى هنا يعني خشية الله، أساس التقوى الخشية التي هي في القلوب {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} مش تقوى الألسنة أو تقوى المظاهر، تقوى القلوب هي التي تنفع فلذلك التقوى أساسها الخشية والخشية هي التي تدفع إلى عمل الصالحات سواء كانت هذه الصالحات أعمال دينية مثل الصلاة والصيام وذِكر الله وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إلى آخره أو دنيوية مثل الصدق في القول، الأمانة في المعاملة، الإحسان في العمل، الابتعاد عن غش الناس، مَن غشنا فليس منا، بر الوالدين، صلة الأرحام، الإحسان إلى الجيران، الرحمة بالضعفاء من الناس، حتى الرحمة بالحيوان، كل دي أعمال..

عبد الصمد ناصر: نعم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يوسف القرضاوي: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا من قمة الأعمال الصالحة وسياج الأعمال الصالحة.

عبد الصمد ناصر: وهذا الأمر ربما الأَوْلَى بالعالِم أن ينهض بهذه المهمة ربما وإن كانت هذه المهمة هي فرض على الجميع، طيب فضيلة الشيخ هل تقصير العالِم في الالتزام بعلمه ربما يجب أن يمنعه من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه مقصر؟

يوسف القرضاوي: لا، بعض الناس فهم هذا وناقشهم الإمام الغزالي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب إحياء علوم الدين وقال إن الإنسان لا ينبغي أن يمنعه شيء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه يعني إذا كان هو.. افرض يشرب الخمر ووجد واحدا هيرتكب القتل، ما ينههوش عن القتل؟ لا، ينهاه حتى الإنسان يكون بيرتكب الشيء وينهي عنه، تجد مثلاً الطبيب يدخن ويقول لك لا تدخن وإن كان هو مبتلي بهذا ربما، كان بعض الآباء يدخنون وينصحون أبناءهم أن لا يدخنوا وإن كان طبعاً الإنسان إذا كان يرتكب ما ينهى عنه تكون نصيحته يعني غير مؤثرة كثيراً لأنه هيقول له يا أيها الرجل المُعلم غيَّره هلا لنفسك كان إذا التعليم تصف الدواء لاستقام للضنا كي ما يصح به وأنت سقيم، اذهب لنفسك فإنها عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم لا تنهى عن خلق وتأتي مثله عار عليه، إذا فعلت عظيم هيقول للناس قبل ما تطبب الناس طبب نفسك، داوِ نفسك، فلذلك الإنسان إذا كان بيرتكب المنكرات وينهى عنها لا يجد الناس يستمعون له.

عبد الصمد ناصر: سنفصل أكثر في هذا الموضوع فضيلة الشيخ في هذه النقطة بالذات ولكن بعد أن نأخذ هذا الفاصل، مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل، فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

صفات العالِم القدوة

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله، حلقة اليوم حول العلم والعمل، فضيلة الشيخ كنا نتحدث قبل قليل عن علاقة العلم بالعمل ونحن لدينا نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تؤكد ضرورة اتباع العلم بالعمل وأن المسلم عليه أن يدعو بسلوكه بخلقه قبل أن يدعو بحديثه أو بكلامه، نحن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان كما يقال خُلقه القرآن، يعني كيف يمكن أن يكون العالِم قدوة للناس؟ وأن يكون خُلقه بقدر استطاعته القرآن؟

يوسف القرضاوي: هو المفروض في العالِم أن يكون له أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم معلم البشرية، الرسول كان يعلم الناس بالقول وبالعمل يعني يجدون في حياته وسلوكه دروسا لهم، كل واحد يجد القدوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، العالِم لا يُعلم الناس بمجرد الكلام ولذلك قالوا السلف العالِم الرباني رباني، هو مَن يعمل.. مَن يعلم ويعمل ويعلم يجمع بين هذه الثلاثة وقد جاء عن المسيح عليه السلام يقول، مَن علِم وعمل وعلَّم فذلك يُدعى عظيم في ملكوت السماء، يعلم لازم يتعلم يصل إلى العلم الصحيح ويجمع العلم من أصوله ومن مصادره ومن ينابيعه الصافية مش.. يعني أي كلام علم حقيقي وبعد هذا والعلم لازم يتعب حتى يحصله، قال السلف أن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، أنت تعطي العلم كل جهدك وكل وقتك وكل تفكيرك وهو يعطيك بعضه، مش هيعطيك كل شيء {ومَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً}، بعد أن تعلم.. تعمل تجعل هذا حقائق عملية في حياتك، هذا ما يريده الإسلام، لا يريد علما نظريا، مستشرق يتعلم وخلاص، لا يريد أن يكون هذا أمر له واقعه في حياته، إنما تفصل بين.. كما قال الله تعالى {ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ}، ربنا عاب على بني إسرائيل بقوله {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}، الآية تأمر الناس بشيء والرسول جاء في حديث الصحيحين أن ليؤتَى بالرجل يوم..

عبد الصمد ناصر: القيامة فيُلقى في النار..

يوسف القرضاوي: أنه.. فيلقى في النار، فتندلق أقطابه أمعاءه فيدور فيها يدور في أمعائه كما يدور الحمار في الرحى..

عبد الصمد ناصر: فيُجمع عليه..

يوسف القرضاوي: فيجتمع الناس عليه ويقولون له أي فلان أما كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه فهذه هي المشكلة، المسلمون إنما نشروا الإسلام في الزمن الماضي بأي شيء؟ بالعمل، بالأخلاق ليس بالسيف كما يقولون، السيف قد يفتح أرضا ولكنه لا يفتح قلبا ولا يفتح عقلا، إنما اهتدى الناس إلى الإسلام حينما شاهدوا المسلمين وأخلاق المسلمين وأحبوا الإسلام بحبهم للمسلمين.

عبد الصمد ناصر: حتى فضيلة الشيخ بعض الصحابة كانوا.. يُروى أن بعض الصحابة كانوا لا ينتقلون لحفظ جزء آخر من القرآن إلا بعد أن يطبقوا ما حفظوه..

يوسف القرضاوي: لا ينتقل من عشر آيات إلى عشر آيات أخرى إلا أن يطبقوها علما وعملا ولذلك سيدنا عبد الله مسعود يقول في أول الزمان، كان هناك أناس يحفظون حروفه ويحفظون حدوده وسيأتي قوم في آخر الزمان يحفظون الحروف ولا يحفظون الحدود، لازم العمل.. العمل بالإسلام والعمل بالقرآن وخصوصا أهل العلم أكثر من غيرهم حتى لا يقال لهم يا واعظ الناس قد أصبحت متهما إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها، تعيب دنيا وناس راغبين لها وأنت أكثر منهم رغبة فيها، بتقول للناس حِب الدنيا رأس كل خطيئة وأنت عبد للدنيا.

عبد الصمد ناصر: في هذه الحالة فضيلة الشيخ إلى أي حد ربما تكون مسؤولية العلماء أمام عموم الناس ثقيلة؟ بمعنى إذا لم يلتزموا بما يحفظون من علم ومتى يكون هذا العلم ربما وبالا على صاحبه؟

"
العلم يفرض مسؤولية كبيرة على صاحبه لأن الله سيسأل العالم يوم القيامة عن العلم النافع الذي تعلمه، وهل عمل به أم تركه جانبا؟ ولذلك كان العلم الذي لا ينتفع به الناس وبالا على صاحبه
"
يوسف القرضاوي: العلم يقتضي مسؤولية صاحبها، العالم الحقيقي القرآن ذكر يقول يعني {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وقَائِماً}، أحيانا يسجد وأحيانا يقوم {يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} بين الخوف والرجاء {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}، الذي دفعه إلى قيام {اللَّيْلِ سَاجِداً وقَائِماً يَحْذَرُ}، هو العلم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} فالعلم الذي يشعر بمسؤولية العلم وأن الله سائله عن عمله جاء في الحديث لا تزل قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه يعني عن العمر عامة وعن فترة الشباب خاصة وعن علمه ماذا عمل فيه أو عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، أربعة أسئلة منها سؤال عن العلم، ماذا عملت بعملك؟ النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بالله من العلم الذي لا ينفع، كان يقول اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن دعاء لا يُسمع ومن عمل لا يُرفع، يعمل الإنسان ولا يُرفع إلى الله ولا يُقبل وفي رواية أخرى ومن عين لا تدمع ومن نفس لا تشبع، فالعلم الذي لا ينفع يكون وبالا على صاحبه، سيكون حجة عليه يوم القيامة، ربما كان الجاهل معذورا بجهله فيبقى عذابه أخف، إنما الذي تعلم وعرف الحلال من الحرام وعرف الحق من الباطل وعرف الهدى من الضلال ومع هذا يسير في طريق الضلال يمشي في ركاب الشيطان، هذه تكون يعني الحجة عليه أعظم وإثمه أكبر.

عبد الصمد ناصر: هنا، ما خطورة فضيلة الشيخ أن يفقد العالِم مصداقيته أمام الناس؟ أن تهتز صورة العالِم أمام الناس؟ خطورة ذلك على العلم، على الإقبال على الدين، على أشياء كثيرة؟

يوسف القرضاوي: إذا وجدوا هذا الانفصام النكد بين ما يقوله العالِم في دروسه وفي خُطبه وفي محاضراته وفي كتبه وجدوا سلوكا آخر تماما لما يعني يقرره في.. أمام الناس، وجدوا هذا السلوك الناس تفقد ثقتها بهذا العالم، صحيح بعض العلماء يقول فأعمل بعلمي ولا تركن إلى عملي، ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري، هذا صحيح من الناحية النظرية، إنما الناس ليسوا فلاسفة الناس ليسوا مجردين ينظرون إلى الحقائق مجردة عن الواقع، لا الناس يتأثرون بالواقع أكثر مما يتأثرون بالفكر المجرد الفكر النظري يعني تتأثر بالتطبيق فإذا وجدت العالِم يقول شيئا يعمل ضده خلاص يعني أبتعد عنه..

عبد الصمد ناصر: تقصير منه هو..

يوسف القرضاوي: وأنفر منه ولذلك قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} شوف التعبير {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ}، هذا أمر لا يقوله الله إلا في أشياء خطيرة، أن هذا مما يكبر عند الله، مما يعظم عند الله عز وجل {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا}..

عبد الصمد ناصر: {أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}..

يوسف القرضاوي: ولذلك الشاعر يقول وأراك تفعل ما تقول وبعضهم نزق اللسان يقولوا ما لا يفعلوا، قوله في جانب وفعله في جانب، ظاهره في وادٍ وباطنه في وادٍ، علمه في وادٍ وعمله في وادٍ، لا المسلم مفروض لا يكون فيه هذا الانفصال، يكون فيه انسجام وتوازن وتكامل بين الظاهر والباطن بين القول والفعل بين العلم والعمل كما كان علماء السلف وكما كان الصحابة، الإمام الغزالي يسمي كثيرا ممَّن نسميهم علماء الدين، يسميهم علماء الدنيا، يقول هؤلاء ليسوا من علماء الدين هؤلاء علماء الدنيا، أما علماء الآخرة فصفتهم كذا وكذا وكذا واعتبر علم الفقه من علوم الدنيا وليس من علوم الآخرة يعني علوم الآخرة هي التي تعرفك بالله وبواجبك نحو الله وتخوفك من الله وترديك في رحمة الله وتعلمك الحياء من الله والأدب مع الله والتوكل على الله والرضا بقضاء الله والشكر على نعماء الله والصبر على بلاء الله إلى.. والإخلاص لله عز وجل، هذه نسميها علوم الآخرة فكثير ممَّن نسميهم علماء دين يسميهم الإمام الغزالي علماء الدنيا، ليسوا من علم الآخرة في شيء، علم الآخرة هو الخشية كما قال الإمام سفيان الثوري وكان من علماء الآخرة، الإمام الغزالي ذكر أئمة الفقه وذكر أنه لم يكونوا بمجرد علماء فقه لا يكون لا قال علماء الآخرة وذكر أبى حنيفة وذكر مالك والشافعي وابن حنبل والثوري الإمام سفيان الثوري لأنه كان من أصحاب المذاهب اعتبر أن هؤلاء جميعاً..

عبد الصمد ناصر: هو له قول مشهور فضيلة الشيخ..

يوسف القرضاوي: كانوا من علماء الآخرة وكانت الآخرة أكبر همهم ومبلغ علمهم ونصب أعينهم في كل شيء.

عبد الصمد ناصر: هو له قولة شهيرة، ليس العلم بكثرة المسائل وإنما العلم بالخشية.

يوسف القرضاوي: بالخشية نعم، هذا قول سفيان الثوري.



ثقافة العلم والعمل في العالم الإسلامي

عبد الصمد ناصر: فضيلة الشيخ لنا بعض المشاركين في الانتظار على الهاتف نريد أن نشركهم، نبدأ بأبو إبراهيم من الكويت، دقيقة واحدة وسؤال في إطار حلقة اليوم من فضلك أبو إبراهيم، تفضل..

أبو إبراهيم - الكويت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أبو إبراهيم: نحبك في الله يا شيخ ونسأل الله أن يطيل بعمرك على طاعته..

يوسف القرضاوي: أحبَّك الله الذي أحببتني من أجله..

أبو إبراهيم: لو سمحت يا شيخ، بالنسبة إذا كان فيه شخص متشوق أنه يصير عالم من العلماء وهو الآن في طريقه في طلب العلم فكيف يصبر نفسه حتى يصل إلى هذه الدرجة التي هو يريدها وشكرا..

عبد الصمد ناصر: شكرا.. كمال شكري من ألمانيا، كمال شكري ليس جاهزا الآن، لو تجيب فضيلة الشيخ من فضلك.. كمال معنا الآن، تفضل كمال..

كمال شكري: تحية خاصة للدكتور يوسف القرضاوي من ألمانيا، الحقيقة بالنسبة.. أيوة سامعني يا أخ عبد الصمد؟

عبد الصمد ناصر: نحن نسمعك أخ كمال، تفضل..

كمال شكري: آه، بالنسبة للبحث العلمي اللي هو بالنسبة لي شيء مهم جدا حتى يعني يقف الإنسان المسلم العربي على يعني أرجل ثابتة حتى يُحترم من الناحية الأوروبية والأميركية يجب أن تكون فيه قاعدة للتعليم، لازم تكون قاعدة الهرم يعني ثابتة، يجب أن يتعلم في فصول على درجة من الحضارة وليس فيها 75 تلميذا في الفصل، لازم أن نشر العلم في الوطن العربي والوطن الإسلامي ومحو الأمية دي نقطة خطيرة يا أخ عبد الصمد..

عبد الصمد ناصر: طب، كمال شكري سؤالك من فضلك..

كمال شكري: السؤال في حد ذاته يعني موقف الدين من الحكماء حاليا لدعم البحث العلمي ونحن نملك سورة الحديد ولا نتعامل بها على الإطلاق..

عبد الصمد ناصر: شكرا والسؤال واضح.. لو أجبنا، الأخ إبراهيم من الكويت كيف يحقق لنفسه حلمه بأن يصل إلى درجة عالِم؟

يوسف القرضاوي: والله هو المطلوب الإرادة، إذا كان عنده إرادة قوية يستطيع الإنسان أن يحقق ما يريد وكم من أناس طلبوا العلم وهم كبار وأصبحوا من العلماء، المهم أن تكون عنده الرغبة في طلب العلم والشوق إلى طلب العلم ويطلب العلم من منابعه وبطرقه المختلفة يعني العلم يُطلب عن طريق حضور حلقات العلماء، ممكن يُطلب العلم عن طريق منهجي يتصل.. ينتسب إلى جامعة من الجامعات إلى كلية من الكليات ويدرس بطريقة منهجية وممكن يبحث عن عالم يتتلمذ عليه وممكن عن طريق القراءة.. القراءة يعني مهمة جدا حتى الإنسان بعد أن يتخرج من الكليات العلوم الشرعية مثلا الأزهر أو جامعة المدينة أو كلية الشريعة في جامعة قطر أو ما شاء الله من جامعات العلم في العالم الإسلامي لا يكتفي بهذا لأن العلم بحر عميق وبحر واسع وسيظل الإنسان عالم ما طلب العلم، فإذا ظن أنه عالم فقد جهل، اطلب العلم من المهد إلى اللحد، الأخ إذا كان يريد أن يطلب العلم يطلب يقرأ ولا يقرأ لمدرسة واحدة ولا لعالم واحد، يقرأ لكل المدارس ولكن يحاول أن يقرأ على عالم يعني العلم يحتاج كان بعض السلف يقول لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا العلم من مصحفي، القرآن من مصحفي يعني إيه؟ يعني ما تأخذش تتعلم القرآن على واحد، تعلم القرآن من المصحف ما تتعلمهوش على قارئ على شيخ يصحح له القرآن كلمة.. كلمة وحرف حرف إنما تعالى.. لا هذا يقرأ لوحده إنما لا يعلِّم غيره ولا تأخذ العلم من صحفي يعني تعلم العلم من الصحف من الكتب من غير شيخ لأنه هذا ممكن يفهم الشيء غلط ويظن إنه صح ما وجدش له مَن يصححه هذا من.. ولذلك بعض الجامعات تشترط الحضور مثلا جامعة قطر هنا تشترط حضور 75% من المحاضرات، ما يكفيش الانتساب لوحدك لأن حضورك مع الأستاذ واستماعك له ومناقشتك له وحضورك مع الطلاب وسماعك لأسئلتهم وأجوبة الأستاذ عليهم إلى آخره كل ده ينشئ العقلية، هذا ما ننصح به الأخ الذي يريد أن يتعلم وإن كان ربما لم يكن في أول حياته أو أول شبابه الباب مفتوح لمَن يريد أن يتعلم..

عبد الصمد ناصر: سؤال كمال شكري عن موقف الدين للحكماء لدعم البحث العلمي؟

يوسف القرضاوي: هذا إحنا سأل الأخ كمال هذا قبل هذا..

عبد الصمد ناصر: في حلقات كثيرة..

يوسف القرضاوي: البحث العلمي في حلقة سابقة وهو مهتم بهذا الجانب ونحن طبعا نشاركه في الاهتمام بالبحث العلمي والبحث العلمي فيه العلوم يعني نحن نتحدث يمكن العلم اللي له علاقة بالسلوك هو علم الدين وعلم الشرع والعلوم النظرية والأدبية أكثر من العلوم الكونية والرياضية إنما نحن نشجع على البحث العلمي في كل شيء والإسلام يعني..

عبد الصمد ناصر: كل ما ينفع الناس..

يوسف القرضاوي: معنا في هذا ويريد الأمة الإسلامية أن تتفوق في كل المجالات حتى تكون سيدة نفسها وحتى تصنع سلاحها بنفسها وتعد ما استطاعت من قوة وتعد لتأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع وتحارب بما تنتج هذا هو الذي نريده لأمتنا.

عبد الصمد ناصر: وهناك سؤال آخر من مشاهد ينتظرنا الآن على الهاتف وهو سامي الهجرسي من ألمانيا، أخ سامي تفضل وباختصار من فضلك، سامي الهجرسي من ألمانيا..

سامي الهجرسي - ألمانيا: أيوة السلام عليكم فضيلة الشيخ والدكتور..

يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله يا أخي وبركاته..

سامي الهجرسي: الله يكرمك، حضرتك تفضلت بذِكر أهمية العلم والتعلم وإحنا الآن في ألمانيا نسعى منذ ثلاث سنوات لإنشاء مدرسة إسلامية لتعليم أبناء المسلمين الدين الدنيوي والتعليم الديني فحضرتك تعلم أن الكثير من المسلمين يعلمون مدى أهمية تعليم أبناء المسلمين وللأسف يعني حضرتك كنت أفتيت بدفع الزكاة في مشاريع المدارس الدينية ونسمع من بعض المسلمين..

يوسف القرضاوي: بناء المدارس التي تُعلم المسلمين، نعم..

سامي الهجرسي: أن يقولوا إنه لا يجوز دفع الزكاة والمسلمين لا يساعدون في هذا فما العمل ونحن الآن في ألمانيا بالذات نحتاج لمدارس إسلامية، جزاك الله كل خير.

عبد الصمد ناصر: شكرا لك أخ سامي.

سامي الهجرسي: الكلمة لأولياء الأمور..

عبد الصمد ناصر: السؤال واضح، سامي لم يبق إلا دقائق معدودات لنهاية البرنامج، فضيلة الشيخ تفضل إذا كان لك أي تعليق على ما قاله الأخ سامي..

يوسف القرضاوي: لا طبعا أنا ممَّن يدعون الجاليات والأقليات الإسلامية المختلفة في أوروبا في أميركا في الشرق الأقصى في أي البلاد التي يعيشون فيها أقلية أن يهتموا ببناء المدارس كما يهتمون ببناء المساجد وذكرت في بعض الحلقات إنه اتصلت مرة بالأخ العالم الأديب الشاعر الداعية الدكتور حسان حتحوت وقد كان أستاذ في كلية الطب فترك الأستاذية وذهب من سنوات عدة ليتفرغ للدعوة في أميركا، سألته مرة ما أهم نشاطكم يا دكتور حسان في هذه الفترة؟ قال نشاطنا في تأسيس المدارس لنعلم أبناءنا في مدارسنا التعاليم الإسلامية الصحيحة لينشؤوا مسلمين ويحيوا مسلمين، كان الجيل الذي قبلنا يهتمون ببناء المساجد ولكن المساجد وحدها لا تبني الشخصية المسلمة، إذا لم يوجد مَن يعلم الشاب المسلم لا نجد مَن يعمر المساجد، الذي يجعل الشاب يعمر المساجد إذا تعلم الإسلام وعرف ما يوجبه عليه دينه وهل إذا تركنا بناء المدارس سيأتي الجيل اللاحق ويبيع مساجد آبائه وأجداده كما اشترينا نحن الكنائس من المسيحيين في فترة يأتي جيل يبيع مساجدنا، فكان لابد من بناء المساجد وأنا أفتيت فعلاً بأن يجوز أن نعطي من الزكاة لبناء المساجد ونعطي من الصدقات التطوعية ونعطي من وصايا أمواتنا ونعطي من ريع الأوقاف ونعطي حتى من المكاسب اللي فيها شبهة أو فيها أي حرام مثل الفوائد نضع لنؤيد هذه المشروعات الإسلامية.

عبد الصمد ناصر: لو عدنا إلى موضوع حلقة الليلة فضيلة الشيخ يعني موضوع العمل والعلم، ركز العلماء كثيراً على هذا الموضوع على تلازم العلم والعلماء لكن للأسف هناك بعض العلماء الذي وصولوا إلى درجة عالية من التحصيل العلمي والتف حولهم الناس لكن للأسف ربما من حيث لا يشعرون أو لا يرغبون قادتهم هذه الشهرة إلى الإحساس أو الإعجاب بالنفس والغرور والانشغال بعيوب العلماء الآخرين يعدون الانشغال عن عيوبهم، ما تعليقك حول هذا الموضوع فضيلة الشيخ؟

"
من المؤسف ألا يشتغل العالم بإصلاح عيوب نفسه ويوجه طاقته للحديث عن عيوب الآخرين، والإمام علي رضي الله عنه قال قسم ظهري رجلان جاهل متنسك وعالم متهتك، هذا يغر الناس بتنسكه، وذاك يضلهم بتهتكه
"
يوسف القرضاوي: والله هذا مؤسف يعني الحقيقة المفروض أول ما يجب أن يُشغل العالِم به نفسه أن يشتغل بعيوب نفسه، كما قيل توبة لمَن شغلته عيوب نفسه عن عيوب الناس يعني وكما جاء عن المسيح عليه السلام إنك ترى القذى في عين غيرك ولا ترى الخشبة في عينك، بعض الناس يعني مهمته إنه بس ينظر إلى عيوب الآخرين أو ينتقد الآخرين وقد قال الشاعر يعني أيها الناقد أعمال الورى.. هل أريت الناس ماذا تعمل؟ لا تقُل عن عمل ذا ناقص.. جِئ بأوفى ثم قل ذا أكمل، إن يغِب عن ليل سارٍ قمر.. فحرام أن يُلام المشعل، سيب الناس تعمل، المشكل هو هؤلاء الناس الذين يدلون الناس بسوء أعمالهم، الإمام علي رضي الله عنه له كلمة من الحِكم المشهورة عنده في كتاب نهج البلاغة يقول، قسم ظهري رجلان جاهل متنسك وعالم متهتك، هذا يغر الناس بتنسكه، الجاهل المتنسك ده جاهل متعبد الناس فاهمينه إنه شيخ الإسلام وهو لا يعرف شيئاً، جاهل متنسك هذا يغر الناس بتنسكه وذاك يضلهم بتهتكه، فهذا هو شر ما يصاب به المسلمون.

عبد الصمد ناصر: بقيت دقيقة ونصف فضيلة الشيخ أريد جواب مختصراً إذا كان ممكن لقولة مشهورة نُسبت إلى محمد عبده حينما سافر للغرب قال، وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين وعدت إلى دار الإسلام فلم أجد المسلمين ووجدت الإسلام إلى أي مدى يشكل سلوك المسلمين وتقصيرهم تجاه قيمهم الإسلامية تجاه واجباتهم نحو دينهم عاملاً ربما يصرف الآخرين على الإقبال على التعرف على الدين الإسلامي.

يوسف القرضاوي: هو طبعاً الإمام محمد عبده قال هذا بالنسبة للأخلاق الاجتماعية عند الأوروبيين، التعاون الطاعة النظام النظافة الالتزام بالمواعيد إتقان العمل الرقابة على كل شيء، هذه الأشياء وجدها هناك وكل ده يأمر بها الإسلام، دي أخلاق إسلامية فوجد هناك يعني مسلمين وإن لم يكن هناك إسلام أو وجد إسلام بلا مسلمين ولما رجع إلى بلاد الشرق وجد إسلام ولم يجد مسلمين يطبقون الإسلام وأنا قلت فيما قلت إن الذي ينشر الإسلام حقيقة عند غير المسلمين هو الأخلاق، هي الأعمال الصالحة هي الالتزام الحقيقي بالإسلام هو الذي نشر الإسلام في بلاد شتى، هناك بلاد لم يدخلها جيش إسلامي، الذي نشر الإسلام في ماليزيا وإندونيسيا والفليبين وشرق آسيا وكذلك في إفريقيا أخلاق المسلمين ولذلك يعني أنا أقول قصة يعني في نصف دقيقة، فيه واحد أميركي دخل الإسلام نتيجة قراءة الكتب وبعدين أُعجب بالإسلام قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وبعدين بعد كم سنة قال عايز أشوف المسلمين في بلادهم، كيف يرى المسلمين في موسم الحج، فلما ذهب إلى موسم الحج ساءته أخلاق المسلمين، رأى أنواعا من العنف وأنواعا من الكذب وأنواعا من عدم النظافة وأشياء فقال كلمته الشهيرة، الحمد لله الذي عرفني الإسلام قبل أن أعرف المسلمين، لأنه لو كان عرف المسلمين أولاً كانوا صدوه عن سبيل الله، أسأل الله أن يهدينا إلى الإسلام الصحيح علماً وعملاً وقولاً وفعلاً.

عبد الصمد ناصر: وتعليماً فضيلة الشيخ.

يوسف القرضاوي: اللهم آمين.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ شكراً لك وشكراً لكم مشاهدينا الكرام لمتابعتكم وفي الختام لكم تحيات منصور طلافيح في الإخراج ومعتز الخطيب في الإعداد وفي التنسيق في هذه الحلقة منى العريسي وتحيات كامل الطاقم الفني الساهر على هذه الحلقة، شكراً للمتابعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.