خرج البعض من بلاده مدفوعا بظرف عام أو خاص وخرج الآخرون راغبين في العلم أو البحث عن الرزق أو مسكونين بسحر الرحلة نفسها. غير أن أسباب مغادرة البلاد قد تشتبك مع بعضها، كما هو الواقع الذي يعيشه المواطن مشتبك في تعقيداته.

في الحلقة الأولى من برنامج "مغتربون" التي بثتها الجزيرة الأربعاء (2016/11/2) كان اللقاء مع البروفيسور الليبي محمد القماطي أستاذ البصريات وتقنيات النانو بجامعة يورك البريطانية.

لم يكن مجيئه إلى يورك سعيا وراء العلم وحسب وإنما بحثا عن الحرية. وفي هذه المدينة العريقة التي صادق ناسها وشوارعها كان له نجاح مميز في حياة حافلة.

الخروج من الوطن
خرج القماطي في بداية السبعينيات لدراسة الماجستير في الفيزياء بجامعة كاليفورنيا ثم عاد إلى ليبيا للتدريس لكن نظام معمر القذافي لم يتح فسحة لأي وسيلة تعبير مما دفعه للخروج إلى بريطانيا وإكمال علمه هناك.

كان أول تحد علمي واجهه في رسالة الدكتوراه هو مشكلة في تطوير جهاز باعته إحدى الشركات للجامعة. والشركة لم تستطع حل المشكلة إلى أن "فتح الله عليّ ووجدت أكثر من حل، مما أهلني لأكون أحد المعروفين عالميا في المجاهل الإلكترونية".

سؤال الحنين والعودة للوطن لا بد أن يعبر في نفس المغتربين والقماطي ليس استثناء منهم. غير أن عودته كانت مشوبة بمخاطر وتنازلات تعني القبول بما لا يجب قبوله.

فبعد حصوله على الدكتوراه في العام 1980 كان يفكر بالعودة إلى ليبيا، لكن الوضع بدا أكثر تأزما. ويقول إن نظام القذافي توسع في عمليات الاغتيال ومن ذلك اغتيال الإعلامي المقيم في بريطانيا محمد مصطفى رمضان.

سؤال الداخل
هذه المسيرة في بريطانيا ورغم نجاحها علميا إلا أن ثمة سؤالا واخزا يتردد داخله ويقول "كنت أسأل نفسي هل هربتُ من مواجهة المعركة في ليبيا أم إنني هنا في بريطانيا أؤدي ما علي من واجب؟".

ويجيب على نفسه "إنني بموقفي الأدبي ومعارضتي للظلم أيا كان مصدره ومكانه في بريطانيا أو ليبيا أو غيرهما يتأسس على رفضي للذل".

الجامعة التي يدرس فيها تعرف قدر الرجل منذ أربعة عقود، وهو يسير بين طلابه وزملائه واحدا من أسرة ألفته وحفظت له تعزيز سمعة الجامعة دوليا.

الإسهام العلمي
يقول القماطي إن كل بحوثه عزيزة عليه، لكنه اختار منها للمشاهدين ثلاثة واحدا منها هو جهاز الإلكتروميكروسكوب الذي كان يزيد ارتفاعه عن قامة الرجل، لكنه صغره إلى أن أصبح يمكن حمله في كف الإنسان.

هذا الاختراع مع غيره من الإنجازات كان السبب في تكريمه بالوسام الملكي من ملكة بريطانيا سنة 2011.
الإنجاز الثاني كان تحقيقا لأمنية والدته التي حلمت أن ترى ابنها طبيبا يخفف آلام الآخرين، وجاء الابن الفيزيائي بهدية تمثلت في أنبوب مصغر لأشعة إكس يستخدم في علاج أمراض انسداد الشرايين.

أما الإنجاز الثالث فكان في إعادة بعض القياسات التي كان على أساسها تدرس نظريات من ستين سنة ولكن بالمثابرة توصل إلى قياسات جديدة غيرت النظرية المتعارف عليها خلال هذه السنوات.