مقدم الحلقة

منتهى الرمحي

ضيف الحلقة

- ريتشارد ميرفي الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية الأميركية

تاريخ الحلقة

12/09/2000








ريتشارد ميرفي
منتهى الرمحي
منتهى الرمحي:

مشاهدينا الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يسعدنا أن نرحب وإياكم بالسيد السفير/ ريتشارد ميرفي، الذي شغل العديد من المناصب الهامة، منها أنه كان مساعداً لوزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، ما بين عامي 1983م، و 1989م، كما أنه شغل منصب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في العديد من الدول، منها –على سبيل المثال- موريتانيا، السعودية، الفلبين وسوريا، ويشغل الآن منصب رئيس مؤسسة الدراسات الشرق أوسطية في واشنطن، سيد/ ميرفي، أهلاً بك.

ريتشارك ميرفي:

Thank You.

منتهى الرمحي:

سيد/ ميرفي.. أنت أول مستعرب يصل إلى منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، كيف تعتبر كونك مستعرباً بشكل عام؟ هل هي نعمة، أم نقمة؟

ريتشارد ميرفي:

أنا هنا نيابة عن مؤسسة دارسات الشرق الأوسط في واشنطن وعمرها نحو أربعة وخمسين عاماً، ومقرها في العاصمة واشنطن، ومهمتها الأساسية إطلاع الشعب الأمريكي على التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط، لذلك مرة كل سنة وأحياناً مرتين كل سنة أزور المنطقة برفقة رئيس مؤسستنا السفير/ سات هيرث لنبقي أنفسنا مطلعين على أوضاع المنطقة، ولكي نكسب الدعم لمؤسستنا.

منتهى الرمحي:

سيد/ ميرفي.. أنت أول مستعرب يصل إلى منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، كيف تعتبر كونك مستعرباً بشكل عام؟ هل هي نعمة، أم نقمة؟

ريتشارد ميرفي:

إنها نعمة بالتأكيد، وأتمنى لو كنت أتحدث لغات أكثر، ولكن ما حدث أنني أتيحت لي فرصة تعلم اللغة العربية في بيروت في الخمسينات في مدرستنا هناك ولحسن الحظ المهام التي كلفت بها ساعدتني على تقوية لغتي العربية، حين عملت في مدن مثل (حلب، وجده، وعمان) وكنت أشعر بالارتياح أكثر في تلك الأيام للتكلم بالعربية.

منتهى الرمحي:

وكونك مستعرباً في منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية؟

ريتشارد ميرفي:

حسناً.. كلمة مستعرب -بالمعنى الحرفي– تعني الشخص الذي يتحدث العربية ويعلم شيئاً عن تاريخ المنطقة، أما بالمعنى السياسي فتعني الشخص الذي يؤيد العرب ويتضامن مع قضاياهم، ولا يكن المحبة لإسرائيل واليهود، وهذه هي إحدى الافتراضيات التي تدعو إلى السخرية التي تكمن وراء كلمة مستعرب.

منتهى الرمحي:

وإلى أي مدى جعل هذا الفهم عملك أكثر صعوبة؟

ريتشارد ميرفي:

إنه –في الحقيقة- لم يتداخل مع عملي أبداً ولم يطعن أحد في مواقفي أبداً على خلفية سنوات خدمتي الطويلة في البلدان العربية، أو عدم خدمتي في إسرائيل أي يجعلني ذلك منحازاً بشكل أو بآخر.

منتهى الرمحي:

لقد قضيت جل سنوات خدمتك متواجداً على الأرض في الشرق الأوسط، إلى أي مدى ساعدك هذا في تكوين رأي عن المنطقة؟

ريتشارد ميرفي:

إن من الضرورة اللازمة للمرء أن يعيش في المنطقة، ويكون –بذلك- في الخط الأمامي للسياسة الخارجية الأمريكية، كي يفهم ما يجري فيها، وكي يفكر أهلها على أمل أن يفهم أهل المنطقة –بدورهم- كيف نفكر نحن.

منتهى الرمحي:

الآن دعنا نتحدث قليلاً عن الأحداث الحالية في المنطقة، وبالطبع سنبدأ بالانتفاضة الفلسطينية، ما هو تحليلك للأسباب وراء الانتفاضة الفلسطينية؟ هل ترى أنها –مثلما يقول الإسرائيليون- بأمر من الرئيس/ ياسر عرفات، أم أنها –فقط- علامة على تزايد الإحباط؟

ريتشارد ميرفي:

أعتقد أن هناك قدراً عظيماً من الإحباط في أوساط الشعب الفلسطيني، وأنا أتفهم ذلك، لقد طالت عملية السلام لسنوات عديدة، وحتى بعض القادة العرب أوضح لي –ومنذ سنوات- أن المطلوب هو السلام نفسه وليس العملي، لذا أعتقد أن هناك شعوراً بالإحباط، وأعتقد أنه كان هناك استفزازاً وراء الجولة الأخيرة من أعمال العنف، ولكن –وحسب فهمي- فإن الافتراض كان أنه لن يؤدي إلى أعمال عنف، ولكن واضح إن ذلك كان خطأ.

منتهى الرمحي:

البعض يقول، أو يفضل القول: بأن هذه الانتفاضة هي نتيجة فشل قمة كامب ديفيد الثانية حول الوضع النهائي، وأنت في مقال لك في (بوستن جلوب) في تموز الماضي عرضت مصطلح وضع نهائي، ووصفت القمة كلها بأنها المهمة المستحيلة، ألا تعتقد أن كلا الطرفين له الحق في الوصول إلى اتفاق على الوضع النهائي؟

ريتشارد ميرفي:

أجل، لقد استخدمت تلك العبارة في الصيف الماضي، ولكن يتعين على القول الآن أيضاً إنني ومنذ قيامي بجوالات في المنطقة التي شملت الأردن، والضفة الغربية وإسرائيل في أوائل أيلول، وكذلك هذه المرحلة التي تأخذني إلى السعودية، وقطر والقاهرة، والكويت، وجدت بل الأحرى أن أقول: إنني عملياً غيرت رأيي، إن قمة كامب ديفيد لم تكن فشلاً، ولكن السؤال الوحيد هو: هل كان كلا الطرفين مستعدين للقمة؟ إن ما فعلته قمة كامب ديفيد في تموز يوليو الماضي كان جمع الطرفين سوية لبحث قضايا لابد من بحثها، والسؤال الوحيد الذي يبقى مطروحاً هو: هل كان عقد تلك القمة سابقاً لأوانه؟ وأعتقد –بناء على ما أستنتجه من أحاديثي مع إسرائيليين وعرب، إذ أنني لم أكن طرفاً في المفاوضات- أن هناك تقدماً قد تم إحرازه على صعيد تضييق شقة الخلاف في المواقف مثل قضايا الحدود، والمياه، والمستوطنات، و اللاجئين، وحتى قضية القدس.

منتهى الرمحي:

بعد هذه الانتفاضة وأحداث العنف في الضفة الغربية، كيف ترى مستقبل عملية السلام؟

ريتشارد ميرفي:

أعتقد أنها ضرورية للغاية إذا لم تكن هناك عملية سلام، فسيكون هناك عنف متجدد باستمرار ولا نهاية له، وربما ستنشب حرب أخرى.

منتهى الرمحي:

هل يعني هذا بالضرورة أن بديل السلام هو العنف؟

ريتشارد ميرفي:

البديل عن السلام هو العنف، وقد قرأت مقالات عديدة لكتاب معروفين من ضمنهم عرب أمريكيون تطالب الرجوع في عملية السلام والانسحاب منها لأنها تفضي إلى أوضاع أسوأ من قبل، وسوف تؤدي إلى عنف جديد، أنا لا أصدق ذلك، بل أعتقد أن العرب والإسرائيليين لازالوا في طور التعود على بعضهم البعض، لقد أمضوا زمناً طويلاً في حالة الصراع، والعلاقة بينهما في مرحلة التطور، صحيح أنها تبدو شاذة أحياناً وتمارس بشكل مستقر، ولكنها تتطور نحو الوقت الذي يستطيعان فيه التعايش بسلام جنباً إلى جنب، ولن نرى ذلك الوقت من دون عملية السلام.

منتهى الرمحي:

جزء مهم من عملية السلام بمجملها هو سوريا، هل تعتقد بأن سوريا مستعدة الآن للسلام مع إسرائيل؟

ريتشارد ميرفي:

أعتقد أن الكثيرين في سوريا ينشدون السلام، وإنه لحماقة من المرء أياً كان ألا ينشد السلام، ولكن سلام بأية شروط؟ شروط سوريا للسلام كانت صريحة وواضحة منذ البداية، منذ الوقت الذي كانت لي صلة بسوريا، أي منذ عام 1974م، وبعد أربع سنوات من تولي الرئيس الراحل/ حافظ الأسد مقاليد السلطة، وقد أوضح لي الرئيس/ الأسد في حينه موقف سوريا القائم على أساس إعادة جميع الأراضي المحتلة مقابل إنهاء حالة الحرب كما سماها حينذاك، إذ إنه لم يبدأ الحديث عن السلام مقابل الانسحاب الكامل إلا بعد مؤتمر مدريد بوقت قصير.

منتهى الرمحي:

ماذا سيكون أو يجب أن يكون ثمن السلام لسوريا وإسرائيل؟

ريتشارد ميرفي:

أعتقد أن القضية الأساسية هنا هي الأمن، فالقضايا العالقة بين سوريا وإسرائيل هي من نوع القضايا المباشرة أكثر مما هو الحال بين إسرائيل والفلسطينيين، فليس هناك بين السوريين والإسرائيليين مسألة كالتي يمكن أن تسمى مسألة وجود فسوريا موجودة كدولة وكانت موجودة منذ عقود، والإشكالية هي كيف يمكن لكل طرف إعطاء ضمانات للآخرين؟ فكلاهما لا يشعر بالأمن، وكلاهما لا يشعر بالطمأنينة تجاه نوايا الآخر، والسؤال هو: كيف يمكن بناء الثقة بينهما وتعزيزها على مر السنين؟ وكيف يمكن لهما أن يتفاوضا، وهذه مهمة صعبة، إقناع الطرفين.. ولكنها من نوع القضايا القابلة للتفاوض، ويمكن التعامل معها في وقت قصير نسبياً.

منتهى الرمحي:

تجربتنا مع إسرائيل تقول: إن إسرائيل غير مستعدة لدفع ثمن السلام؟

ريتشارد ميرفي:

حسناً.. إن ذلك يعتمد على ماذا تقصدين، عندما ذهب (مناحم بيغن) رئيس وزراء إسرائيل في حينه إلى كامب ديفيد الأولى عام 1978م، لم يكن راغباً في دفع ثمن السلام حسب علمي، وهو إعادة سيناء بكاملها إلى مصر، ولكنه في النهاية فعل ذلك، إن السلام الكامل لم يتحقق بين مصر وإسرائيل، وبين الأردن وإسرائيل، وهي الدول التي وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ولا يتحقق السلام بشكل كامل ما لم يتم التوصل إلى التسوية الشاملة في المنطقة، تشمل سوريا ولبنان، والفلسطينيين.

منتهى الرمحي:

طالما نتحدث عن سوريا ولبنان، كيف ُتقيّم السياسة الخارجية الأمريكية مستقبل العلاقة بين سوريا ولبنان؟

ريتشارد ميرفي:

لم أكن أعتقد أبداً أن سوريا تريد اجتياح لبنان كما يحلو لبعض اللبنانيين أن يصفوا القضية، أعتقد أن سوريا تريد من لبنان جاراً لا يشكل بالنسبة لها –وكما أوضحت دمشق- تهديداً سواء كان ذلك التهديد عسكرياً من خلال تهديد الإسرائيليين عبر وادي البقاع، أو سياسياً بحيث يسمح لبيروت أن تصبح مرتعاً للجواسيس يهددوا سوريا، سواءً كانوا مصريين، أو فرنسيين، أو بريطانيين، أو أمريكيين، أو أي.. قصد المسؤولون السوريون بقولهم، لقد أوضح السوريين أنهم لن يسمحوا باستخدام لبنان بتلك الطريقة مرة ثانية، وسوريا لن تتحدى سياسة لبنان الاقتصادية، تلك السياسة التي أعتبرها شخصياً أفضل طريق للمستقبل، وآمل أن يكون نموذجاً تقتدي به دمشق في تفكيرها أيضاً.

منتهى الرمحي:

كيف يمكن للمرء أن يثق بأمريكا كوسيط نزيه للسلام، إذا كانت دوماً منحازة لوجهة النظر الإسرائيلية؟ وتجد من السهولة فرض الضغط على الفلسطينيين منه على الإسرائيليين؟

ريتشارد ميرفي:

دعيني أنوه بهذه الطريقة، أنا أعلم وأعترف بأنه ينظر إلينا كطرف غير محايد أو منصف في تعاملنا، وأستطيع الاعتراف بالتأكيد بأننا منحازون إلى جانب إسرائيل، لأسباب تاريخية متعددة، وإننا كنا دوماً منحازين، ولكننا نؤمن أيضا –ومنذ وقت ليس بقصير- أن مصلحتنا في ضمان أمن إسرائيل لن تتحقق ما لم يتحقق السلام، وقد عملنا جاهدين، ولسنوات عديدة، من أجل تحقيق السلام وأود هنا الاستشهاد بما جرى في قمة كامب ديفيد الأولى عام 1978م، عندما جاء الرئيس أنور السادات، ورئيس الوزراء (بيغن) إلى القمة، جاءا برغبة عميقة في التوصل إلى سلام، وحسب علمي -وأنا لم أكن طرفاً في المفاوضات– لم يوجه أي من الجانبين المصري والإسرائيلي الاتهام للرئيس (كارتر) بالانحياز لطرف دون آخر، نعم لقد كان حازماً وصارماً مع الطرفين، لأن كلاهما أراد المضي قدما من أجل التوصل إلى اتفاقية سلام، وفي أوضاع كهذه يمكن للجانب الأمريكي أن يلعب أنفع دور للسلام، وأعتقد أن هذا هو السبب الذي جعل الرئيس (كلينتون) يدعوا لعقد قمة كامب ديفيد الثانية.

منتهى الرمحي:

لقد انتقدت في وقت ما –أو لنقل حاججت– من أجل إنهاء عملية الاحتواء المزدوج للعراق وإيران، هل لا زالت تدافع عن ذلك الموقف الآن؟

ريتشارد ميرفي:

نعم.. ولكن لم نعد نسمع اليوم هذه العبارة من واشنطن، لقد كانت تلك السياسة أعلنت أو وضعت في العام الأول من ولاية الرئيس كلينتون، وموقفنا فيما يخص علاقتنا ببغداد كان دوماً مختلفاً عن موقفنا من العلاقة بطهران، واليوم نشاهد بوادر من جانب واشنطن، والإيرانيون لم يستجيبوا لها بعد، ولكن الوضع مختلف بالنسبة للعلاقة مع بغداد من الزاوية التي تنظر منها واشنطن.

منتهى الرمحي:

ماذا كانت سياسة أمريكا تجاه العراق خلال فترة حكم (ريغان) أو في الثمانينيات؟

ريتشارد ميرفي:

حسناً.. لقد وافق العراق على استئناف العلاقات الدبلوماسية معنا في عام 1984م، وكان ذلك بعد انقطاع دام سبعة عشر عاماً، أي منذ قطع العلاقات بعد حرب 1967م، وفي الواقع أخر العراقيون إعادة العلاقات خوفاً –حسبما أذكر- من مناقشتنا للقضية عندما كنت مساعداً لوزير الخارجية آنذاك، خوفاً من أن يقال إنهم أعادوها بدافع من ضعف موقفهم العسكري في الحرب الدائرة مع إيران، وكانت العقلية السائدة آنذاك تدفع باتجاه تطوير العلاقة مع العراق ويجب أن أقول هنا: إن العلاقات مع العراق عندما تركت منصبي بعد خمس سنوات من إعادتها مع العراق، كانت لا تزال هزيلة جداً، ومن دون توافر ثقة كبيرة لدي كل طرف إزاء الآخر، وقد حاولت واشنطن من خلال برامج كثيرة إيصال رسالة إلى القيادة العراقية مفادها، ويتعين علي أن أقول هنا: إن ذلك كان بدفع من الدول العربية التي كثيراً ما قالت: إننا سنجد النظام العراقي قد تغير بفعل تجربة الحرب مع إيران، وإنه مستعد للتركيز على تطوير شعبه ومجتمعه، ولا يكون مهتماً بخوض الحروب، أو تطوير العلاقة، لذا كانت تلك هي العقلية السائدة في الثمانينات على الصعيد الإقليمي، وكانت تلك هي القناعة التي تعمل على أساسها واشنطن، والتي يجب أن تعطي فرصة للتطبيق.

منتهى الرمحي:

هل تعتقد أن سياسة العقوبات المفروضة على العراق مجدية؟

ريتشارد ميرفي:

إنها تؤتي ثمارها من حيث أنها نجحت في منع صدام حسين من إعادة بناء برامج قوته العسكرية، وخاصة أسلحة الدمار الشامل بالسرعة التي يريد، لقد أثبت العلماء العراقيون قدرتهم للعمل بكفاءة وبشكل مؤثر في مجال الحرب الكيماوية والجرثومية، وكانت لدى بغداد بدايات أو أسس امتلاك برنامج حرب نووي والتي أعتقد أن المفتشين الذين عملوا في العراق الفترة من 1991م إلى 1998م قرروا أنه أوقفت بشكل فعلي، ولكن لبغداد طموح في هذا المجال، وهو في اعتباراتنا طموح لم يتغير.

منتهى الرمحي:

ألا تعتقد أن العقوبات تخطت كل الحدود؟ وبدلاً من أن تؤذي النظام العراقي فهي أرهقت الشعب العراقي نفسه؟

ريتشارد ميرفي:

ليس هناك شك في أن الشعب العراقي يعاني، والأمريكيون يفهمون ذلك ويأسفون، وقد قاموا بخطوات في مجلس الأمن لتخفيف تلك المعاناة، والمثال على ذلك قرار النفط مقابل الغذاء والدواء الذي اقترح عام 1991م، ورفضه العراق لمدة خمس سنوات ثم قبله عام 1996م، بعد ذلك وافق الجانب الأمريكي على رفع القيود عن إنتاج النفط العراقي لتوفير مداخل أكثر للعراق تساعده على إعادة الإعمار، إن الشعب العراقي يعاني، وموقف واشنطن يقوم على أساس أن سبب معاناة العراقيين هو قيادته، وهذا الموقف قائم منذ سنوات، الغذاء والدواء يوزع في شمال العراق بإشراف الأمم المتحدة، والمستوى المعيشي هناك أفضل من بقية أنحاء العراق، والأمر كله يتعلق بالكيفية التي تريد القيادة بها السيطرة على شعبها واستخدام الموارد المتاحة لها.

منتهى الرمحي:

بعد عشر سنوات من العقوبات.. هل مازالت الولايات المتحدة تعتقد أن العراق مازال يشكل تهديداً للكويت أو أي دولة أخرى في المنطقة؟

ريتشارد ميرفي:

يتعين علي القول: إن العراق لا يزال يمتلك جيشاً في الخدمة قوامه بحدود أربعمائة ألف رجل، وإذا ما أخذنا معطيات الطموحات السابقة للقيادة العراقية التي برهنت عليها عملياً، فإنني سأفكر ملياً لو كنت أسكن في بلد مجاور للعراق قبل أن أقول: إن العراق لم يعد يشكل مصدر خطر علي، وعودة إلى سؤالك حول معاناة الشعب العراقي هذا شيء نشعر حياله بالأسف، ومع ذلك فإن موقفنا القائم على أساس اعتبار القيادة العراقية هي المسؤولة على معاناة شعبها، وهو في اعتقادي موقف صحيح، ولكنه كتفسير للوضع لم يعد مقنعاً في العالم العربي، لقد فرضت العقوبات كي تستمر فترة قصيرة، ربما لمدة شهر، وكان الافتراض وراءها أن الجيش العراقي الذي انكسر وهزم في حرب 1991م، سيزيح القيادة السياسية جانباً، وسيطالب بتغيير القيادة، ولكن ذلك لم يحصل.

منتهى الرمحي:

ما هو مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج؟

ريتشارد ميرفي:

حسناً.. إن الوجود الأمريكي في الخليج رمز لاهتمامنا بالاستقرار في الخليج لكي لا تحاول دولة بسط سيطرتها على أخرى، وتهديد تدفق النفط في حرية كمصدر للطاقة إلى أسواق العالم.

منتهى الرمحي:

بعض التقارير أشارت إلى أن أمريكا ممكن أن تعيد ترتيب قواتها في بعض الأماكن، مثل قطر، وسوقطرة في اليمن، هل سمعت بهذا؟

ريتشارد ميرفي:

أود أن أكرر أولاً: أنني تركت الحكومة منذ سنوات، ولست على اطلاع بخططها، ولا يمكنني التحدث باسمها، إن الوصول إلى مصادر النفط في الخليج أمر خطير، بل يوصف إنه مصلحة قومية حيوية، وأعلم أن الوجود الأمريكي هو موضع تهجم من بعض الأوساط باعتبار أنه يظهر الأمريكيين بمظهر من يرغب بالتحكم بالخليج، وهذا ليس صحيحاً، ولكننا أيضاً لسنا مستعدين لرؤية أي بلد من بلدان الخليج يفرض سيطرته، ويملي شروطه على الآخرين.

منتهى الرمحي:

لا نستطيع أن نتحدث عن الخليج بدون الحديث عن البترول، أسعار النفط ارتفعت من جديد، الغرب –وبالتحديد أمريكا- اتهمت أوبك بأنها المسؤولة عن ارتفاع الأسعار، ودعت إلى أسعار عادلة.. ما هو السعر العادل؟ وعادل لمن؟

ريتشارد ميرفي:

السعر العادل ليس بالتأكيد عشرة دولارات للبرميل، ولا هو خمسة وثلاثون دولاراً للبرميل، كلاهما يصعب القبول به من قبل المنتج إن كان منخفضاً جداً ومن قبل المستهلك إن كان مرتفعاً جداً، لأن السعر المنخفض مستحيل قبوله للمنتجين، والمرتفع يثير الفوضى في اقتصاديات العالم، ورغم أنني لست محللاً خبيراً بشؤون الطاقة، إلا أن هناك إجماعاً -على ما يبدو – لدى دول الأوبك والخبراء غير الحكوميين على أن السعر العادل يتراوح بين اثنتين وعشرين، وثمانية وعشرين دولاراً، وهو معدل مقبول ضمن التوقعات، ويضمن الازدهار لدول الخليج، ولا يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي.

منتهى الرمحي:

البعض يقول أنك لعبت دوراً في تأمين إطلاق سراح الرهائن الغربيين المحتجزين في لبنان في الثمانينات، ماذا كان دورك بالتحديد؟

ريتشارد ميرفي:

حسناً.. لا أستطيع أن أزعم تحقيق نجاح في مجال إطلاق سراح الرهائن، ولكن ما أستطيع قوله عن القضية هو: أن الإدارات التي كنت أعمل ضمنها ارتكبت خطأً كثرة الكلام عن الرهائن، وتركيز الضوء على قضيتهم مما رفع من قيمتهم في أعين خاطفيهم ومحتجزيهم، وتم إطلاق سراحهم بفضل مساعدة اللبنانيين والحكومة السورية، وحدت ذلك عندما أيقن محتجزوهم أن الرهائن لم يعودوا يحققوا الغرض من استمرار احتجازهم، وآخر الرهائن أطلق بعد فترة من بدء ولاية الرئيس (بوش).

منتهى الرمحي:

سيد/ ميرفي، من وجهة نظرك، ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه الشرق الأوسط في المستقبل؟ هل هي العولمة، أم ثورة المعلوماتية، أم الانفجار الذي يشهده انتشار وسائل الإعلام؟

ريتشارد ميرفي:

عندما أعود بالذاكرة إلى سنوات ثلاث أو أربع مضت أسترجع تقريراً كئيباً أعده البنك الدولي عن اقتصاديات الشرق الأوسط، والشرق الأوسط تخلف كثيراً عن الركب، وعما كان يجب أن يكون عليه وضعه اليوم، ولذلك أسباب متعددة وغياب السلام في هذا الجزء من الخليج هو –بالتأكيد- أحد هذه الأسباب وربما يكفي مثلاً أن نذكر أن الكثير من الإنفاق يتم على السلاح، وأياً كانت الأسباب، فقد قال البنك الدولي في تقريره: إن إنتاجية الشرق الأوسط –لو تركنا جانباً الثروة النفطية- تنخفض بمعدلات دون تلك المعروفة في بعض البلدان الإفريقية الفقيرة.

وإذا ما تذكرنا كيف كان الشرق الأوسط قبل خمسين عاماً، فإن الأمر يعتبر كارثة، إذن المشاكل هي اقتصادية، ووخيمة، وهناك انفجار سكاني، وحتى ثمار عملية السلام لا تزال غائبة عن البلدان التي وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل مثل الأردن، ولم تأتِ ثمار السلام للفلسطينيين بعد، ولن تجنى ثمار هذه العملية بشكل كامل ما لم تتم تسوية شاملة، وعدا عن ذلك هناك حاجات ماسة إلى الاهتمام بتكنولوجيا المعلومات والعولمة، التي يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مصدر تهديد لتاريخ المنطقة، وثقافتها، ومعتقداتها الدينية.

منتهى الرمحي:

Mr. Mirvi thank you very much for joining us

وبهذا ينتهي لقاؤنا لهذا ليوم، نلتقي وإياكم في لقاءات قادمة بإذن الله.