ضيف الحلقة

منى حاطوم - فنانة ورسامة فلسطينية
تاريخ الحلقة 21/05/2001

- بداية منى حاطوم في العمل الفني
- بداية الشهرة لحاطوم
- تعريف الهوية عند حاطوم

منى حاطوم
المعلق: ولدت في بيروت من عائلة فلسطينية، ومن صميم المنفى جاء فن يتحدث لغة العالم، أعمالها تعرض اليوم في متحف (التيت) وترشيحها لجائزة (ترنر) قبل عدة سنوات قد وضع الفنانة الفلسطينية منى حاطوم على قائمة نخبة فناني العالم. عندما جاءت إلى بريطانيا في إجازة عام 75 كانت تعتقد بأن رحلتها لن تدوم أكثر من أسبوع، لكن الحرب التي اندلعت في لبنان آنذاك فرضت عليها البقاء فالتحقت بكلية الفن، وها هي هنا اليوم بعد مضي خمسة وعشرين عاماً.

بداية منى حاطوم في العمل الفني

منى حاطوم: عندما كنت أذهب إلى بيروت خلال إجازاتي كطالبة هنا كنت أحمل صورا من لوحاتي لأعرِّف عائلتي بفني، بعد أن تخرجت وحتى قبل ذلك بفترة توقفت عن الرسم وبدأت بإنتاج أعمالٍ فنية استعراضية باستعمال الفيديو، حينها توقف الجميع في بيروت عن فهم حقيقة ما يدور، كنت آخذ معي نسخاً عن المقالات التي كانت تُنشر عني هنا وكان أبي يحتفظ بها في ملف خاص، وكان يشعر بالفخر، ولكنه لم يكن يفهم ما يدور، أمي حتى اليوم مازالت تقول لي: أنتِ فنانة ولكنكِ لم تعطينا حتى اليوم لوحة لغرفة الجلوس.

في هذا الجزء من العالم إذا كنت فناناً، وخاصة إذا كنتِ امرأة فلا يمكن أن تكوني سوى رسَّامة.

بالنسبة للمواد التي أستعملها في أعمالي فأنا اختارها بحرص شديد في كل مرة لأنني أريد أن تحمل المادة جزءاً من مفهوم العمل الفني، وأحياناً أن تتناقض معه في نفس الوقت، لذا فكل عمل هو بحث مطوَّل عن المواد المناسبة وعن أُناسٍ يستطيعون التعامل مع المواد التي اخترتها سواء أكانت زجاجاً أم معدناً، أو دبابيس، أو برادة الحديد، كل مرة هي مثل مشروع جديد، لأنني لا أتعامل مع نفس المواد مثلما هو الحال مع نحات تقليدي مثلاً.

لدي مجموعة من الأفكار، وحين أقوم بتصميم معارضي في الأماكن المختلفة أجد أن المكان هو أيضاً يُملي عليَّ المواد التي أستعملها، هذا يعتمد على إمكانيات التصنيع في المنطقة والمواد الموجودة وثمنها، جميع هذه الأمور تحدد في النهاية العمل الذي أنتجه.

في الماضي كان عمل الفنانين التقليديين يعتمد بشكل كبير على خط الفنان، على بصمته إذا شئت، سواء أكان العمل لوحة أو نحتاً، مع بداية الفن المفهوم عندما أصبحت الأعمال الفنية هي أشبه بمفاهيم أو أفكار أصبح يمكن لها أن تتمثل في صور مختلفة.

هناك عمل لي اسمه (إنكومينيكادو) (Incominicado) وهو عبارة عن سرير طفل مصنوع للمستشفيات، لقد طلبته من المصنع الذي يصنِّع هذه الأسرة وأوصيتهم ألا يدهنوا السطح المعدني باللون الاعتيادي، وألا يضعوا قاعدة للفرشة. أنا لم أصنع بنفسي هذا السرير، وكثير من أعمالي يعتمد تصنيعها على مهارات لو كنت أريد تعلمها لأخذ مني هذا سنين وسنين.

المعلق: انعدام الإمكانيات المادية كان أحد العوامل التي دفعت منى حاطوم في بداية حياتها المهنية إلى الفن الاستعراضي، ومثل كثيرين من فناني جيلها في منتصف الثمانينات كانت منى تقوم بعرض أعمال تتضمن استخدام جسدها الذي تحول آنذاك إلى جزء أساسي من أعمالها الفنية.

منى حاطوم: (تاتشر) جاءت إلى الحكم عام 1979م عندما كنت على وشك الانتهاء من الكورس الأول والذهاب إلى الجامعة لأكمل دراستي، تأثيرها لم نشعر به إلا فيما بعد، أنا أنتمي إلى فئة الفنانين الذين كانوا يقاومون ساحة الفن التجاري، لذلك فقد كنت أقوم بالأعمال الاستعراضية، لم أكن أريد أن أنتج أعمالاً فنية يمكن أن تُشترى وتُباع، كنت أنتج أعمالاً لا يمكن لأحد أن يملكها.

عندما كنت أقوم بالفن الاستعراضي كنت أيضاً أنتج الفيديو والصور الفوتغرافية، لكن الناس بدؤوا بتعريفي على أنني فنانة استعراضية حينها بدأت الاهتمام بفن البناء الإنشائي والنحت، وكل هذه الأشياء مازلت أتعاطى بها، أنا لا أحب أن اقتصر على فن مُعين، عندما يكون أساس أعمالك هي الأفكار، أي أنها ليست مرتبطة باستعمال مواد معينة فإن الأفكار نفسها تُملي عليك شكل العمل الفني، لذا فيمكن أن يكون العمل فيلم فيديو أو عمل استعراضي، أنا لا أحب أن أقيد نفسي بأي من الطرق.

بداية الشهرة لحاطوم

المعلق: "النور في النهاية" أول عمل يسلط الضوء على أعمال الفنانة، دفء النور الذي يغلفك للوهلة الأولى يتحول إلى مشهد من الرعب عندما تدرك أن وهجه هو غليان كهربائي لقضبان حارقة، الجميل والمنفر، الحسي والمهدد حضورها في العمل في آنٍ واحد هو البصمة التي ستميز فن منى حاطوم.

منى حاطوم: العمل الآخر الذي ثبتني على خارطة الفن كان معرضي الشخصي الأول الذي قُمت به في مركز (بومبيدو) في باريس عام 1994، فقد كلفوني بالقيام بعمل أسميته (جسد غريب)، فكرة العمل بدأت عندي منذ سنوات، وعندما انتهيت منه عرضته هناك مع مجموعة من أعمالي الأخرى.

هذه الفكرة كانت في ذهني منذ سنوات عندما كنت طالبة وعندما بدأت باستعمال كاميرا الفيديو في أعمال، كنت أستعملها مثل أداة غزو، كنت حينها أفكر بقضية الرقابة وهي أول الأمور التي لاحظتها عندما انتقلت إلى إنجلترا، فقد كنت أشعر دائماً أنك مراقب من قِبل الكاميرات العديدة في المحلات التجارية والمباني الكبرى.

هذه القضية أصبحت موضوعاً أردت أن أتطرق إليه في عملي، فكنت أقوم بأعمال استعراضية حيث كنت أستعمل كاميرا موجهة نحو الجمهور تلتقط صورهم وتبثها مباشرة من خلال شاشة منصوبة.

المعلق: كانت العملية "الإندوسكوبية" تتضمن ابتلاع كاميرا صغيرة تستعمل لإجراء العمليات الطبية، وقد كافحت منى لسنوات حتى تقنع أحد الأطباء بالموافقة على معاونتها في سبيل إنجاز هذا الفيديو، وباستخدام جسد الفنانة نفسها مرة أخرى.

منى حاطوم: من خلال هذا العمل كنت أحاول أن أتحدث عن الغزو المطلق لحياة الإنسان، لقد أسميته "جسد غريب" لأن أجسادنا ورغم التحامنا بها فإنها غريبة عنا، إنها منطقة غريبة لا نستطيع الوصول إليها إلى بمساعدة الأجهزة العلمية، وجسد غريب لأن الكاميرا هي جسد غريب مثلما لو ابتلعت قطعة من الحجر، وجسد غريب كجسد إنسان أجنبي، وجسد غريب مثل أمور كثيرة أخرى. السيناريو المفضل لدي إذا شئت هو أن يتأثر المشاهد بشكل مباشر بالعمل الفني سواء أكان ينجذب إليه أو ينفر منه بشكل فيزيائي، أريد أولاً أن أحصل على رد فعل جسدي ومن ثم -وفقط بعد هذه التجربة الأولى- أن يبدأ بالتفكير بالمعاني الكامنة وراء العمل وهي عادة مختلفة من شخص إلى آخر، وكل واحد سيكون له قراءته الخاصة اعتماداً على تاريخه ووعيه الباطني، أنا لا أستطيع التحكم كاملة بهذه القراءة، ولا أريد أن أتحكم بها أساساً.

لقد كان هنا وقت في بداية الثمانينات حين كنت أستعمل الأسلوب السرد في الأعمال التي كانت تتعامل مع القضايا بشكل أكثر وضوحاً مثل الأعمال الاستعراضية وأعمال الفيديو وخاصة في عمل لي تحت اسم "مقاييس البُعد" كنت أريد أن يعكس هذا العمل وضع الفلسطينيين، أو وضع عائلتي في لبنان وحقيقة معاناة المنفى.

لقد اعتمدت في هذا الفيديو على الرسائل التي كانت أمي تبعثها لي من بيروت، كيف كانت تفتقدني، كيف كانت تكره الحرب لأنها فصلتنا، هناك الكثير من العاطفة في هذا العمل وفي نفس الوقت هناك مسائل أخرى تتعلق بهاتين الامرأتين فكل واحدة منهما تحاول أن تجد لنفسها هوية.. هوية من بين انعدام التواصل الذي يخلقه المنفى.

كنت أحاول أن أتطرق لجميع هذه الأمور وبعد أن انتهيت من هذا العمل الذي يعكس بشكل كبير قصتي الشخصية من خلال عيون أمي ومن خلال عيون الموقف في لبنان بعدها شعرت وكأن حملاً كبيراً قد أُزيل عني، وبدأت أن أُركز على أعمالي الأخرى واستمتع بمادية العمل، بدأت أن أصنع أعمالاً تتداول بمشاعر معينة أو أفكار معينة، بلا الحاجة أو الضرورة لسرد القصة بأكملها.

عندما أقوم بتصميم أعمالي الفنية سواء أكانت نحتاً أو فيديو.. إلى آخره فأنا أستعمل أشياء من البيئة اليومية، أشياء تعرفها.. أشياء يكون الإنسان قد بنى علاقته بها من خلال التعامل اليومي، لذا فعندما تنظر إليها تكون مجبراً على التفكير بها بشكل يتعدى القيمة الجمالية للعمل. الأشياء التي أخلقها لها دائماً علاقة غير مريحة مع بيئتها، بعض أعمالي هي عن هذا التغير المتواصل مثل عمل لي قُمت به عام 1992م وأسميته Light sentence، كان هناك لمبة معلقة في نصف فضاء الغرفة تتحرك ووسط خزانات مسيجة، وكانت حركتها تجعل ظل شبكة الخزانات تتحرك على الحيطان وعلى الأرض، فكنت تشعر عندما تدخل المكان بأن الفضاء بأكمله غير متوازن، كُنت تشعر وكأن الأرض كادت تنجرف من تحت قدميك.

إذا نظرت إلى هذا الكُرسي فستدرك مباشرة بأن الجالس فيه لا يستطيع أن يديره بنفسه فدواليبه الصغيرة تمنع الجالس من الوصول إليها، وبالتالي فيضطر للاعتماد على شخص آخر لمساعدته، في نفس الوقت هناك الغيظ الذي يجتاح المريض بسبب وضعه الاتكالي على إنسان آخر فيريد لدغ اليد التي تطعمه، هناك الحاجة للمساعدة والغيظ من حقيقة الواقع في نفس الوقت. وفي هذا العمل جميع هذه المعاني وهذه التناقضات تظهر مسرودة في قطعة جماد ساكنة. أنا أنظر إلى هذه الكراسي وكأنها أُناس.. أنظر إلى سرير الطفل الذي صنعته من المطاط والذي يترهل على الأرض وكأنه جسد منهار، لقد سميت هذا العمل "النخاع" مثل النخاع الشوكي دون عظام لتدعمه، بالطبع هذا السرير أيضاً لن يستطيع أن يحمل أي إنسان وبالتالي فإن الأنظمة التي نعتمد عليها لتدعمنا تنهار هي كذلك، هذه هي المسائل التي أفكر بها، وكذلك أفكر بأن السرير نفسه هو جسد منهار، فالمادة المصنوع منها تشبه اللحم الحي.

أنا لا أحاول أن أمثل هذه القضايا في فني، لكنها تظهر فيه لأنها هناك، لأنها جزء من تركيبي.

المعلق: العلم أجمع كأرض غريبة.. بيئة يتقطع فيها التواصل الاعتيادي يصبح عجيباً، الخطوط التي رُسمت لتحديد منطقة الأمان تتحول إلى شبكة قضبان السجن، لغة المنفى هي واحدة على امتداد التجربة الإنسانية.

تعريف الهوية عند حاطوم

منى حاطوم: السؤال عن الهوية هو سؤال صعب جداً، كيف تعرِّف الهوية في حين أن الهوية نفسها تتغير باستمرار؟ الهوية ليست بشيء ثابت فهي تعتمد على الثقافة التي يعيش فيها الإنسان، وعلى العوامل الأخرى التي تؤثر في إنشائه، شخص مثلي عاش في لبنان في الفترة الأولى من حياته، ثم مجيئي إلى الغرب، جميع هذه المؤثرات تصنع شيئاً يصعب تعريفه، لذلك فكوني فلسطينية يعني كل شيء ولا شيء في آن واحد.

المعلق: عام 1996م تدعوها صالة "أناديل" في القدس لإنشاء معرض هناك، رحلة تزور فيها منى لأول مرة بلدها الأصل.

منى حاطوم: عندما ذهبت إلى القدس كان هناك أشياء عديدة تدور في ذهني، كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها المكان، فكانت تجربة مثيرة وفي نفس الوقت حزينة اكتشاف كل ما حولي.

تمنيت لو كان لدي -على الأقل- شهرين بدل شهر واحد، كانت تجربة مضنية على جميع الأصعدة جسدياً وعاطفياً، والعمل الذي قُمت به في النهاية كان انعكاساً للوضع السائد هناك. العمل الرئيسي والذي أسميته بـ"فعل الحاضر" كان عبارة عن مربع مصنوع من 2200 قطعة من الصابون النابلسي -هو صابون يصنع من زيت الزيتون ويأتي على شكل قطع بيضاء مربعة تشبه المرمر- رتبتها على شكل مربع ورسمت عليه خريطة اتفاقية أوسلو وحدود المناطق الفلسطينية بواسطة استعمال خرز زجاجي أحمر اللون غُرز في الصابون، بالطبع فإن الخريطة كانت تمثل شيئاً حقيقياً -أعني خريطة أوسلو- ولكنك كنت ترى تواً بأنها في نفس الوقت خريطة سخيفة لأنها تقسم المكان إلى عدد لا متناهي من المناطق الصغيرة غير المتصلة ببعضها، وشكل الخرز من جانب آخر كان أشبه بمرض حل بالصابون.

لقد استعملت الصابون لأخلق عملاً قابلاً للزوال، كان شعوري تجاهه شعوراً إيجابياً لأنني كنت أفكر بأن هذه الحدود السخيفة ستزول يوماً ما، وبعض الناس الذين جاءوا إلى المعرض استجابوا للعمل بنفس الطريقة. لقد كانت تجربة العرض في القدس تجربة مدهشة، فقد توقعت أن أذهب إلى هناك أقيم المعرض ويستسخفه الناس، توقعت أن يتساءلوا عما إذا كان هذا فناً، ولكنني لم أواجه أي ردود فعل كهذه، بالعكس كان الناس يدخلون من الشارع، ينظرون إلى الصابون يشمونه يتعرفون عليها، ثم يبدأون بالتحدث عن جدتهم أو جدهم وكيف كانوا يستعملون الصابون في قراهم، كان الناس يتفاعلون مع العمل على مختلف المستويات دون الاكتراث لما إذا كان هذا فناً، أو التساؤل عن الثقافة التي يمثلها، لقد كانت تجربة خيالية.

هناك لازمة تتكرر باستمرار في أعمالي وهي فقدان الثقة في استقرارية ما يحيطنا وثبوت الأنظمة التي يُفترض أنها موجودة لتدعمنا. القطع الفنية التي أخلقها تُذكرنا بواقع الأشياء، إنها لا تحاول القول بأن هذه الأشياء يجب أن تتغير وتعود إلى منفعتها أو الأمان والاستقرار الأوَّلي التي كانت عليه، هي فقط تحاول أن تدفعك للتفكير بهذه الأمور وتذكيرنا بأن ثمة أمور خفية تكمن خلف مظهر الأشياء.

فقد يكون هنا خطر أو سيناريو آخر في محيط بيئتك الاعتيادية، وأنت لا تأبه به، بل تعتقد بأن كل شيء على ما يُرام، أنا لا أحاول التنديد بأن تعود هذه الأشياء إلى حالتها الأولى، بالعكس فإنني أقول بتحويرها لأنني أريدها أن تكون محوَّرة كما هي.

أنا أنسق حياتي بشكل يسمح لي ألا أكون في مكان واحد لمدة طويلة، وأنا لا أطلق جذوراً في أي مكان بالطبع لندن هي القاعدة، ولكن إذا أمضيت أكثر من شهر هنا أُجن، أشعر بأنني أحتاج إلى الحركة الدائمة، التنقُّل هو مصدر إيحاء لي وفيزيائية الحركة تساعدني على التفكير والإبداع.

إذا بقيت هنا لفترة طويلة أشعر بالتوتر، إطار حياتي يُشبه تلك التي يعيش بها البدو الرحل وأنا استمتع بها، ما يقلقني هو أن أشيخ وأصبح غير قادرة على الاستمرار بنفس الشكل، ولكن وإلى حينها فكل شيء عظيم.