مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

15/03/2003

- المؤشرات العامة لانطلاق ساعة الصفر
- السيناريوهات المحتملة للحرب على العراق

- العقبات التي تواجه الحرب الأميركية على العراق

- مواقف ودور دول الجوار في الحرب المرتقبة

محمد كريشان: بداية العد التنازلي لساعة الصفر، الموعد المحتمل لبداية العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق، مؤشرات جلية وأخرى خفية.

تساؤلات حول مؤشرات انطلاق العمليات والسيناريوهات الأميركية المحتملة للهجوم في ضوء استكمال الاستعدادات العسكرية الأميركية عدداً وعدةً.

السلام عليكم ورحمة الله، تواصل الولايات المتحدة وبريطانيا حشد قواتهما العسكرية في المنطقة استعداداً لانطلاق حربهما المرتقبة على العراق، لقد أجلت الاحتجاجات الشعبية العالمية والتحركات الدبلوماسية الدولية لمعسكر مناهضي الحرب ومساندي الشرعية الدولية لحظة فتح بوابات الجحيم، لكنها لا تبدو قادرة على الاحتفاظ بها موصدة.

نذر الحرب أصبحت أشد بروزاً، بينما يتزايد التهديد والوعيد من المسؤولين الأميركيين والبريطانيين، ويتكرر تأكيد (بوش) على نفاد صبره، وقرب ساعة الحسم رغم المعارضة العالمية الواسعة للحرب، واحتمال رفض مجلس الأمن الدولي لأي قرار يشرِّعها.

وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع، نبدأ –كالعادة- بعرض سريع مختصر لمواقف بعض أطراف القضية الرئيسية.

* "إذا لم يتخلَّ صدام عن أسلحته، فسأقود تحالفاً من الراغبين لننزع تلك الأسلحة".

جورج بوش (الرئيس الأميركي).

* "احتمال القيام بعمل عسكري أصبح الآن أكثر ترجيحاً بكثير، لكنه ليس حتمياً".

جاك سترو (وزير الخارجية البريطاني).

* "قواتنا الميدانية مقتدرة ومدرَّبة وجاهزة، ولو قرر الرئيس الخيار العسكري، فليس لدي أي شك في أننا سننتصر".

الجنرال تومي فرانكس (قائد القوات الأميركية في الخليج).

* "ستكون قواتنا على أهبة الاستعداد العسكري خلال أيام، لكن إذا كان عليهم أن يحاربوا اليوم فإنهم جاهزون".

الجنرال مايكل جاكسون (رئيس الأركان البريطاني).

* "لن نكون مقراً ولا ممراً".

علي أبو الراغب (رئيس الوزراء الأردني).

المؤشرات العامة لانطلاق ساعة الصفر

محمد كريشان: يقول خبير استراتيجي أميركي: إن ما يعتبر من مؤشرات ساعة الصفر قد يكون مجرد تمويه، فالمؤشر الوحيد الأكيد لبدايتها هو انطلاق الصواريخ الأميركية في اتجاه بغداد، وإضاءة الفضاء هناك بما يكاد يشبه الألعاب النارية من قذائف الدفاعات العراقية، غير أن المؤشرات العامة هامة، وعددها يتزايد في انسجام مع العد التنازلي لساعة الصفر.

إن أي هجوم أميركي محتمل على العراق سيكون محكوماً بمعايير عامة، وأخرى تحددها خصوصية الحالة العراقية، والتعقيدات التي رافقت تجميع وحشد القوات المحتملة أو المتحالفة عفواً.

ولعل تجارب الماضي القريب، ومنها تجربة الحرب على أفغانستان تلقي بعض الضوء على هذه المعايير، تيسير علوني يستعرض الموضوع.

تقرير/ تيسير علوني: تهيئة مسرح عمليات الحرب ضد أفغانستان سياسياً وعسكرياً استغرق أقل من شهر، ففي ظل التأييد العالمي الشامل لتوجهات الإدارة الأميركية آنذاك، وضعف القوة العسكرية لنظام طالبان، ووجود قوات تحالف الشمال، لم يكن الأمر يتطلب سوى حشد حدٍ أدنى من القوات الجوية والبرية الأميركية وتجميعها في المناطق المحيطة بأفغانستان.

وفي ليل السابع من أكتوبر عام 2001 بدأت حملة جوية استمرت نحو 40 يوماً، انتهت بانسحاب قوات حركة طالبان من العاصمة كابول، وما تلاه من اختفاء الحركة بأكملها عن مسرح الأحداث.

أما في حالة العراق، فالأمر يتضمن اختلافات جذرية عن الحالة الأفغانية من الناحيتين السياسية والعسكرية، فالتأييد الدولي لشن الحرب يبدو في أضعف حالاته، والقوات العراقية ذات خبرة قتالية تسبِّب –بلا شك- قلقاً شديداً للقوات المهاجمة رغم ما يشاع عن تناقص مستوى تسليحها منذ حرب الخليج الثانية، وما يروِّج له الأميركيون وحلفاؤهم من احتمال عزوف قسم منها عن القتال.

وبعد إجلاء قسم كبير من الرعايا الأجانب وأعضاء البعثات الدبلوماسية من بغداد، يمكن القول أن العوامل العسكرية في تحديد ساعة الصفر قد تكاملت إلى حدٍ كبير، فالقوات الجوية المتحالفة أصبحت جاهزة لشن غاراتها في أي وقت، بل بدأت في تنفيذها ضد الدفاعات الجوية العراقية التي يمكن أن تشكل تهديداً للطائرات المهاجمة في جنوب البلاد، وتم أيضاً استقدام عدد من القاذفات الثقيلة من طراز (P52) إلى قواعد متقدمة في المحيط الهندي وأوروبا مثل قاعدة (فيب فور) في إنجلترا، وبدأت تدريبات مكثفة على عمليات القصف فوق منطقة الخليج.

وإذا كانت القوات البرية المحتشدة في المحور الجنوبي شمال الكويت قد استكملت تدريباتها، وفتحت ثغرات في الحاجز المعدني المكهرب المقام في المنطقة المنزوعة السلاح بين العراق والكويت، وسحبت المراقبين الدوليين المدنيين منها، فإن واشنطن لازالت تواجه مشاكل في المحور الشمالي، حيث تتمنع تركيا في السماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها لمرور قوات برية إلى شمال العراق.

ويبدو أن الأميركيين وفي حال استمرار العرقلة التركية سيكتفون باستخدام المجال الجوي التركي، وسيلجئون إلى عمليات إنزال جوي في المناطق التي تسيطر عليها الميلشيات الكردية، خصوصاً بعد تواتر الأنباء عن قيام وحدات خاصة أميركية بإصلاح بعض مُدرَّجات الهبوط وتجهيزها لاستقبال طائرات النقل الأميركية.

ووردت أنباء غير مؤكدة عن تكثيف عمليات الاستطلاع في غربي العراق، وعن نية واشنطن في استخدام بعض المطارات شمال السعودية لأغراض مساندة الحملة العسكرية ضد العراق.

وفي منطقة تتميز بمناخها الحار كشمال الكويت وجنوب العراق قد تلعب عوامل الطقس دوراً لا يستهان به في تسهيل أو عرقلة العمليات البرية، خصوصاً في حال اضطرار الجنود إلى ارتداء الملابس الواقية من الحرب الكيماوية، وبالتالي فقد يُضطر أصحاب القرار العسكري إلى تحديد ساعة الصفر في موعد قد لا يتجاوز نهاية شهر آذار/ مارس.

وعلى أية حال فالمؤشر الأكثر دقة على اقتراب ساعة الصفر قد يكون الخطاب المرتقب للرئيس الأميركي جورج بوش، والذي يُتوقع أن يتحدث فيه عن مهلة نهائية يمنحها لنظيره العراقي صدام حسين بشكل يتيح للمفتشين الدوليين وبقية الموظفين الأجانب في السفارات وغيرها مغادرة الأراضي العراقية، لينفتح الباب بعدها على أحداث قد توقع تغييراً تاريخياً على الصعيد الإقليمي والدولي سواء نجح الأميركيون في تحقيق أهدافهم أم فشلوا.

محمد كريشان: نرحب بضيفنا هنا في الأستوديو السيد روبرت هودييرن وهو (مدير التحرير الأول لمطبوعات "ميليتري تايمز" الأميركية المتخصصة في الشؤون العسكرية)، أهلاً وسهلاً، ومن لبنان معنا العميد الركن الدكتور هشام جابر (الباحث الاستراتيجي ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات في بيروت)، أهلاً وسهلاً كذلك، سنخوض في مواصفات ساعة الصفر لبدء العمليات العسكرية.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: سيد روبرت هودييرن، سؤال بسيط متى يمكن أن تندلع هذه الحرب؟

روبرت هودييرن: أعتقد أن الإجابة التي تحصلون عليها من الجانب العسكري الأميركي أنها قريباً، وليس.. ولن تتأخر، وقد تبدأ الأسبوع المقبل.

محمد كريشان: أصبحت هناك بورصة تواريخ، البعض يقول: الاثنين، البعض يقول: الثلاثاء، البعض يقول: هذا الأسبوع، البعض يقول: الأسبوع الذي يليه، برأيك ما الذي سيحدِّد في النهاية التاريخ؟

روبرت هودييرن: لست متأكداً إذا كانت القوات الأميركية كلها مستعدة حتى الآن لبدء هذه الحرب، فالوحدة الأولى ليست جاهزة بكل معداتها، ولم تنزلها بعد من ناقلة المعدات، لكن ما سيحدِّد بداية هذه الحرب هي المسائل السياسية، لكن من الجانب العسكري فهي قريبة جداً.

محمد كريشان: إذن طالما الاعتبارات السياسية هي التي ستحدد، نسأل ضيفنا في بيروت الدكتور هشام جابر، في هذه الحالة هل يمكن أن ننتظر من القمة الثلاثية تحديد تاريخ للحرب؟

د. هشام جابر: لا أعتقد أن القمة الثلاثية ستقوم بتحديد ساعة الصفر لهذه الحرب، إنما ننتظر منها أن تقول: أننا استنفذنا جميع الوسائل الدبلوماسية واتُخذ قرار الحرب، أما لجهة ساعة الصفر، فهو قرار سياسي يتخذه الرئيس الأميركي شخصياً، بناءً لتوصيات خبراء البنتاجون عن مدى جهوزية القوى والوقت المناسب لإطلاقها، أما لجهة تحديد موعد قريب جداً، فأنا لا أعتقد –أخ محمد- أن الحرب أو ساعة الصفر ستكون خلال 48 ساعة أو.. أو أقرب بكثير، لأن هنالك مراقبون للأمم المتحدة لا يزالون في العراق، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تأخذ مخاطرة قتل هؤلاء، لجهة ساعة الصفر..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن يعني.. ولكن يعني.. ولكن عفواً يعني هل يمكن أن تعطيهم مهلة قصيرة، يعني إذا.. إذا كانت القمة الثلاثية، وهنا نوضِّح القمة الثلاثية هي بين بوش وبلير وأزنار، إذا كانت هذه القمة لن تحدد تاريخاً بعينه، ويفترض أن يحدده الرئيس بوش ربما لاحقاً، هل.. هل تتوقع أن تكون المهلة مهلة أيام.. أسبوع، يعني كيف ترى هذه المهلة؟

د. هشام جابر: أنا أعتقد أن المهلة يجب أن تكون أقل من أسبوع، وإلا ستتخذ الإدارة الأميركية قراراً بتأجيل الحرب إلى أسبوعين أو أكثر بقليل، والسبب بذلك أن هذه القوات الموجودة حالياً بحالة تأهب من الدرجة الثانية –وهي حالة شديدة بالتعبير العسكري- لا يمكن لها أن تبقى بهذه الحالة إلى أسابيع طويلة، فإما أن تذهب إلى الحرب بأسرع وقت ممكن، وإما أن تُعطى مهلة للاسترخاء والراحة، ويطلب منها بعد ذلك خلال ثلاثة أيام الاستعداد للانطلاق لساعة الصفر، لن يكون هنالك تحديد لساعة الصفر معلناً، بل سيسمع العالم بدء الحرب من انطلاق الصواريخ.

محمد كريشان [مقاطعاً]: إذن سيد..

د. هشام جابر [مستأنفاً]: فتاريخ انطلاق الحرب يدخل في باب السر العسكري.

محمد كريشان: نعم، سيد هشام جابر، يعني..

د. هشام جابر: الجنرال هنا..

محمد كريشان: نعم، يعني عفواً سأعود إليك دكتور. نسأل سيد هودييرن، يعني هل توافق رأي ضيفنا في بيروت بأن سنعرف بداية الحرب من انطلاقها، لن.. لن يكون هناك.. لن تكون هناك مهلة؟

روبرت هودييرن: أعتقد أن الرئيس بوش سيعطي بعض التحذيرات بأن الحرب ستبدأ، فهي مسألة مفتوحة عن.. عما .. كمية التحذيرات، فأعتقد أنكم ستبدءون البث من بغداد الأسبوع القادم، فربما أنتم بحاجة إلى خطة داعمة لذلك، والجنرال كان محقاً تماماً بأن درجة الجاهزية في الحدود الآن صعب أن تبقى في هذه الحالة حتى أسبوعين آخرين، فهم يعيشون حتى الآن بحالة المواجهة في العراء، أو تقريباً في.. في العراء، ومن الصعب إبقاؤهم في هذه المواقع.

محمد كريشان: طالما أن ساعة الصفر هي قرار سياسي، الجانب العسكري هل هو الآن جاهز 100% لبداية الحرب؟

روبرت هودييرن: أعتقد أنهم 89% مستعدين، وهذه الجاهزية من الأمور المهمة جداً في المجتمع الأميركي، وهي أن جزء أيضاً من المجتمع الأميركي يرفض هذه الحرب، لكن نسبة جيدة من العسكريين الأميركيين كانوا مترددين في هذه الحرب، والآن العسكرية الأميركية تؤمن بشدة بأنهم سيحققون انتصاراً سهلاً نسبياً.

محمد كريشان: نعم، دكتور جابر في.. في بيروت، في حرب الخليج الثانية كان هناك موعد محدد على أساس أن تنسحب القوات العراقية آنذاك من الكويت وإلا فستبدأ المعارك، ما الذي يجعلك هذه المرة تستبعد تقديم أي تاريخ، وتؤكد بأنَّا سنعرف التاريخ مع بداية القصف على الأراضي العراقية؟

د. هشام جابر: الفارق بين حرب الخليج الثانية والحرب الحالية على العراق أن حرب الخليج الثانية كانت تحالف دولي بموافقة مجلس الأمن وإعطاء إنذار محدد من الانسحاب من الكويت، وهو أو ينسحب أو لا ينسحب، أما اليوم فهنالك جدل إذا كان الحكم العراقي أو النظام العراقي قد تجاوب مع مفتشي مجلس الأمن أو لا، وهو يطلب مهلة إضافية، لأنها عملية ليست بهذه السهولة تدمير أسلحة هنا وصاروخ هناك، وتدعي الولايات المتحدة الأميركية أن هنالك أسلحة غير تقليدية لا تزال مخبأة في العراق، ويقول المراقبون: أنهم لم يعثروا على شيء، ويطلب العراق، وتطلب معه دول عديدة في هذا العالم مهلة إضافية، ولا.. ويرفض الأميركيون ذلك، وهنا أعود إلى.. إلى هذه الكلمة التي.. أو النكتة التي أتت على لسان وزير خارجية تشيلي أو.. وأبلغها لمندوبه في مجلس الأمن، أن موعداً من (جوليا روبرتس) الممثلة الأميركية يتطلب أكثر من عشرة أيام، فكيف لا تعطي أميركا الرئيس العراقي مهلة إضافية من عشرة أيام على الأقل؟

أنا أعتقد أن أميركا ستتجاوب بالنهاية لإعطاء مهلة أسبوعين، منها لإظهار حسن النية تجاه الرأي العام العالمي.

وثانياً: كما ذكر الخبراء أن نسبة الجهوز لم تكتمل بعد 100%، ويمكن الاستفادة من مهلة أسبوعين -كما ذكرت- لإعطاء مهلة للجنود الموجودين في نسبة تأهب من الدرجة التانية للراحة قليلاً، ولإعادة مراجعة أسلحتهم، ولن يتطلب إعادتهم إلى نسبة الجهوز الأولى إلا ثلاثة أو أربعة أيام يمكن أن تسبق هذه الحرب، وقد صرَّح بالأمس..

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم، إذا.. إذا.. إذا.. إذا كان.. إذا.. يعني إذا كانت المهلة تراها أسبوعين، نسأل السيد هودييرن هنا، وكالة "رويترز" سألت عشرة من الخبراء العسكريين في بريطانيا من كبار الخبراء العسكريين، وهم مستشارين لدى مراكز أبحاث، ولدى حكومات عن تقديرهم للموعد المحتمل، فأجمعوا كلهم على أن لن يتجاوز بأي حال من الأحوال نهاية شهر مارس، هل أنت من بين الخبراء الذين يعتقدون بهذا الرأي؟

روبرت هودييرن: أعتقد أنه من غير المرجح أن يكون هذا القرار، إذا كان القرار في خوض الحرب قد اتُخذ فهو من غير المرجح أن يكون الموعد ما بعد نهاية شهر آذار، فالمحافظة على المعدات في الخلاء، في الصحراء، هذه مسألة تتطلب رعاية 24 ساعة، وبالتالي هي.. الجنود يتكبدون عناء المحافظة على المعدات، وهذه مهمة صعبة جداً.

أعتقد أنه إذا كانت ستتم الحرب، فبالتأكيد ستحدث قبل نهاية آذار.

محمد كريشان: إذن سيد هودييرن يتفق مع نفس الخبراء في أن نهاية مارس سيكون هو الموعد الأقصى لنهاية.. لبدء العمليات العسكرية ونهاية المهلة، سنعود لتفاصيل أكثر حول السير المحتمل للعمليات والاستعدادات العسكرية الأميركية البريطانية في المنطقة وسيناريوهات الحرب.

[موجز الأخبار]

السيناريوهات المحتملة للحرب على العراق

محمد كريشان: الذين يؤرقهم سؤال ساعة اندلاع الحرب، وهم اليوم غالب أهل الأرض، سيجدون في احتشاد النذر والشواهد على جِدِّ الساعين فيها بنشاط، وما يؤكد إن هي إلا أيام ويفتح بوش ومؤيدوه الجحيم على العراق، ففي الجانب العسكري بلغت الحشود عدد.. عدة وعتاداً ما لا قبل للعراق بصده، فأكثر من مائتي ألف جندي أميركي ينتشرون في البر والبحر غير بعيد من العراق، وقمة بوش وبلير وأزنار يرى فيها كثيرون اجتماعاً للحرب، غير مكترث بجدل مجلس الأمن، ولا بمآلاته فيما يبدو، وفضلاً عن ذلك أخفت كثير من.. أخذت كثير من البعثات الدبلوماسية تتسلل من بغداد المنذورة بالحرب، جواد العمري ينظر في المشهد قبل ساعة الصفر.

تقرير/ جواد العمري: الجنرال (تومي فرانكس) قائد الحرب المحتملة على العراق أعلن أن قواته جاهزة ليس لخوض الحرب فقط، بل ولتحقيق نصر مؤزَّر، وقد زاد عدد القوات المنتشرة في محيط منطقة العمليات عن ربع مليون جندي من أصل 380 ألفاً أعدتهم وزارة الدفاع الأميركية/ البنتاجون لهذه الحرب، ويتمركز في الكويت 140 ألف جندي أميركي، وحوالي 28 ألف جندي بريطاني، وقد ينضم إلى هذا العدد الضخم 62 ألفاً هم قوام فرقة المشاة الرابعة التي أعاق البرلمان التركي نشرها على الحدود الشمالية للعراق.

ويقول قادة هذه القوات: إنهم جاهزون لدخول العراق خلال ثمانٍ وأربعين ساعة من تلقيهم الأمر بذلك.

ويرى محللون عسكريون أن مهمتهم ستكون احتلال مدينة البصرة، يقوم به قسم من هذه القوات، فيما يقوم القسم الآخر بالاتجاه شمالاً لمحاصرة بغداد، وغرباً للسيطرة على المواقع التي يخشى الأميركيون أن تنطلق منها صواريخ (سكود) باتجاه إسرائيل.

ولم تسمح السعودية رسمياً بانطلاق قوات من أراضيها لغزو العراق، وإن كانت سمحت بزيادة عدد القوات الأميركية خلال الشهر الأخير ليصل تسعة آلاف جندي ينتشرون في قاعدة الأمير سلطان الجوية وفي مطاراتٍ في عرعر وتبوك.

وقد عبرت قناة السويس مؤخراً خمس عشرة قطعة بحرية للانتشار في البحر الأحمر، ويقول ضباط أميركيون: إن سماح السعودية بعبور الصواريخ من أجوائها مسألة مضمونة.

وترابط خمس حاملات طائرات أميركية في المنطقة، منها اثنتان في البحر الأبيض المتوسط، وثلاث حاملات في منطقة الخليج، إضافة إلى حاملة طائرات بريطانية، وسوف تصل إلى المنطقة لاحقاً حاملة طائراتٍ أميركية سادسة.

ويتجاوز مجموع القطع البحرية مائة وثلاثين قطعة بين حاملة طائرات وغواصةٍ ومدمرة وفرقاطةٍ وسفن دعم وإسناد، وتحمل على متنها أكثر من 500 طائرة مقاتلة من أصل نحو 700 مقاتلة حربية منتشرة في محيط العراق، وعلى متن السفن والبوارج 47 ألفاً من مشاة البحرية في الخليج، ونحو 20 ألفاً في البحر المتوسط.

ومن المفارقات أن تكون خشية هذه القوات في عُرض البحر من هجمات بزوارق مفخخة على غرار ما وقع للمدمرة (كول) في ميناء عدن أكثر من خشيتها من الحرب، فليس هناك قوة عراقية بحرية بإمكانها مواجهة هذا القلاع المنتشرة في البحر، والتي تطلق صواريخ (كروز) من مسافاتٍ بعيدة.

ولا تواجه القوات الأميركية مشكلة فيما يتعلق بالقواعد الجوية المتاحة في معظم دول الخليج، إضافة إلى حاملات الطائرات التي تحمل كل منها أكثر من 80 طائرة، وبإمكانها ضمن مداها قصف أهداف في العراق، كما يمكن للقاذفات من طراز B1، وB52 الوصول إلى ساحة العمليات من قواعد أبعد في أوروبا وغيرها من المناطق، وستعمل في بداية الأمر على تحييد الدفاعات الجوية العراقية وقصف المطارات والقواعد العسكرية ومراكز الحرس الجمهوري.

ولا يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن الجبهة الشمالية عبر تركيا، رغم ما اعترض نشر قواتها من جدلٍ في الساحة التركية، فقد وافق البرلمان سابقاً على نشر 3 آلاف و500 جندي من سلاح الهندسة هيَّأوا البنية التحتية من مطارات وموانئ ومساكن لخدمة 62 ألف جندي، وتعج الموانئ التركية خاصة ميناء الإسكندرون بالمعدات التي يجري نقلها يومياً إلى جنوب تركيا عبر قوافل عسكرية، وقد أثارت هذه المشاهد احتجاجات البرلمان، ووصلت حد المطالبة بتحقيقٍ في حجم الانتشار العسكري الأميركي في تركيا.

ومع أن الأكراد في شمال العراق يرحبون بالقوات الأميركية، لكنهم أعلنوا أنهم سيدافعون فقط عما أسموه كردستان المحررة في إشارة إلى مناطق الحكم الذاتي التي أخلتها لهم القوات العراقية، وفي حين تضاربت أقوالهم بشأن مشاركتهم في الهجوم على مدينة كركوك النفطية لم يُشر أيٌ من الفصائل إلى المشاركة في الهجوم الذي يستهدف العاصمة بغداد.

ولا يرى العراقيون بأساً من موافقة الأردن على نشر 6 آلاف جندي أميركي في المناطق الشرقية، باعتبار الأمر شأناً داخلياً، لكنهم لا يرون الأمر كذلك إن اشتركت هذه القوة في الحرب خلافاً لما أعلنه المسؤولون في الأردن.

وفي حين يقوم العراق بتعبئة عامة عسكرية من خلال تدريب الشعب وتسليحه، ومعنوية عبر تأكيد قدرته على دحر الغزو الأميركي يؤكد أنه لا يحتاج دعماً خارجياً من أشقائه، ويكتفي منهم بحماية أنفسهم من حرب تستهدفهم أيضاً.

وتبدو اللقطات التي تم بثها لمتطوعين عرب تقابل حرب الأميركيين النفسية، فقد نجحت في شحذ الذاكرة الأميركية في استحضار صور شاهدوها في فلسطين وخبروها في بيروت، وقبل ذلك مع الفيتناميين واليابانيين، وربما أخيراً مع طالبان والقاعدة في أفغانستان.

محمد كريشان: وينضم إلينا الآن من واشنطن خبير الشؤون الاستراتيجية (سكوت فايل) وهو (عقيد سابق في سلاح المدرعات بالجيش الأميركي)، وشارك في حرب الخليج الثانية عام 91، وكان من بين الذين دخلوا الكويت.

سيد فايل، سؤال يتبادر إلى أذهان العديدين، هل الهجوم على العراق يحتاج كل هذا الاستعداد العسكري؟

سكوت فايل: أعتقد أن الهجوم على العراق يقترب من.. من الجاهزية التامة من حيث الاستعداد، على الرغم من الصعوبات التي صاحبت إعادة تحديد المواقع، وخاصة بعد رفض تركيا في المشاركة ومدنا بالدعم الذي كنا نريده منهم، وأعتقد أننا بالتالي قمنا بإعادة تحديد المواقع.

محمد كريشان: سيد فايل، في حرب الخليج الثانية عام 91 روَّج كثيرون -وخاصة في الولايات المتحدة- بأن العراق قوة عسكرية كبرى، البعض وصل إلى حد اعتبارها رابع قوة عسكرية في العالم، الآن الوضع مختلف بالكامل، ومع ذلك نجد الحشد العسكري يماثل إن لم يكن يفوق ما جرى عام 91، كيف نفسر ذلك؟

سكوت فايل: أواجه صعوبة في سماع الترجمة، لكن المسألة بخصوص المعدات هنالك بعض الأمور التي تغيرت من حيث المعدات، وأيضاً في.. بالنسبة لتحديد مواقع قوات العدو.. بالتحديد مواقعها، وبالتالي تجنب ضرب المدنيين، ساحة المعركة قد تغيَّر وضعها تماماً، لكن الأمور تغيرت أيضاً من الناحية التكنولوجية، فلدينا الآن التكنولوجيا، الحاسوب كيف.. يمكننا من مسح هذه المناطق، وبالتالي أن نتأكد من أننا نهاجم صدام حسين فقط ونظامه وقوات أمنه، وأن نترك جانباً الشعب والسكان المدنيين بأقصى درجة ممكنة، وأن نحمي البنية التحتية من الأنهار والجسور وتمديدات المياه، وأيضاً الاتصالات المدنية، أن نحافظ عليها لصالح الشعب العراقي بعد انتهاء هذه الحرب.

محمد كريشان: يعني سيد فايل، تعدون بحربٍ.. بحربٍ نظيفة فعلاً هذه المرة يعني؟

سكوت فايل: آسف لم أفهم السؤال تماماً.

محمد كريشان: يعني.. أعيد، وأرجو أن نتغلب على هذا المشكل، يعني هل تعدون هذه المرة بحربٍ نظيفة ضد العراق؟

سكوت فايل: بداية أنا أجد صعوبة –كعسكري سابق- أن أعد بذلك، لكن من خلال مباحثاتي ونقاشاتي المحدودة مع مسؤولين في الحكومة فقد عملوا قصارى جهدهم أن يقوم التحالف بمهاجمة تلك المواقع التي تعمل على المحافظة على بقاء صدام حسين في مكانه.

محمد كريشان: نعم، سيد روبرت هودييرن هنا في.. في الأستوديو، هل تعتقد فعلاً بإمكانية حرب نظيفة بكل هذه التقنية الرقمية الأميركية؟ هل هي محاولة لإغراء الرأي العام بأن كل ما سيتم في العراق سيتم بعملية جراحية، لا دم فيها يعني؟

روبرت هودييرن: هذا مستحيل جداً أن تتم هذه الحرب بهذه النظافة، سيكون هنالك ضحايا من المدنيين والبنية التحتية المدنية أيضاً، لكن من خلال تاريخ الحروب فالجهود التي تقوم بها العسكرية الأميركية والبريطانية، ويبدو أنهم يعملون قصارى جهدهم لتخفيف هذه الضحايا، وهذه الأضرار الجماعية، وبالتالي يخففون نتائج هذه الحرب، وبالتالي أيضاً يقنعون الرأي العام العالمي، وأيضاً يؤكد الجانب الأميركي أنهم سيعملون على تصليح الوضع بعد انتهاء الحرب، وسيقوموا بإعادة بناء الجسور في حال تدميرها، وما إلى ذلك.

محمد كريشان: نعم، يعني أنتم تشرفون على مجموعة من المجلات العسكرية المختصة، هل هناك أسلحة جديدة ستُجرَّب هذه المرة؟ وإذا كان هناك حديث مرة أخرى على اليورانيوم المنضب الذي استعمل في العراق، وأدى إلى حالات سرطان عديدة خاصة لدى الأطفال، هل يمكن أن نتوقع هذه المرة أشياء مختلفة عن السابق؟

روبرت هودييرن: لا أعتقد أننا سنقوم باستخدام أسلحة نعرف.. أو عن عمد نعرف أنها قد تؤدي إلى أضرار من مثل تلك، ونحن لا نعتقد بوجود مثل هذه الأسلحة، لكنني أعتقد بأن الجيش سيحاول أن يبذل قصارى جهده في هذا الإطار، ولكنهم سيحاولون أن يعدونا من.. من الآن أنه في حال حدوث الحرب سنرى إذا كانوا فعلاً سيحققوا هذه الوعود، فكانوا في السابق قد وعدونا بأشياء، والآن.. ولم يحققوها في تلك المرات السابقة، لكن الآن أعتقد أنهم سيبذلون جهداً في ذلك.

محمد كريشان: نعم، سيد هودييرن، لو.. لو نحاول أن.. أن.. أن نُفهِم المشاهدين السيناريو الأكثر احتمالاً في موضوع الحرب، خاصة مثلاً وأن (ريتشارد مايرز) يقول بالنسبة لبداية صواريخ (توماهوك) التي يُفترض أن تبدأ بها المعارك، يقول: لا تقل لي أي بناية يمكن أن أصيبها، وإنما أي نافذة في هذه البناية، إذن صواريخ دقيقة وأسلحة دقيقة، لو أردنا أن نفسر قليلاً، ما المنتظر؟ أو على الأقل ما هو السيناريو الذي تتوقعه لبداية العمليات العسكرية؟

روبرت هودييرن: سيكون من الصعب عليَّ، ومن الحمق أن أتكهن في هذه الحرب، وكيف ستبدو هذه الحرب، وكيف ستبدأ، لأنني إذا أخطأت.. إذا أخطأت فسيؤخذ عليَّ ذلك، لكنني أعتقد أنه في مرحلة من المراحل كان يريد الأميركيون أن يأتوا من الشمال ويبدءوا حربهم من.. من تركيا، ومن الجنوب تدخل قوات المارينز، لكن هذا الأمر قد تغير بسبب ما تغير على الساحة التركية، لكنني أعتقد أن الجيش الأميركي يعتقد أن المراحل الأولية من الحرب عندما يدخلون من الكويت إذا كان هذا حقيقة المدخل الوحيد لهم، أعتقد أنهم سيحتاجون على الأقل.. أنهم سيواجهون الحد الأدنى من المقاومة لأسباب عدة، وهي أن الجيش..

محمد كريشان [يشير إلى الخريطة]: عفواً يقال.. يقال أن أول عقبة في.. في بداية الدخول هي الناصرية.. الناصرية هنا.. كثير من الخبراء يقولون: هذه أول عقبة في.. في مسيرة دخول القوات الأميركية من الكويت.. من الكويت.. من الكويت.

روبرت هودييرن: إن الميزة التي لدى الجيش الأميركي أنهم إذا واجهوا نقطة قوية أو واجهوا مقاومة قوية عراقية، فسيقومون بتجاوزها وعزل تلك المنطقة، فلديهم القدرة –وكما ذكر الزميل من واشنطن- أنهم هذه ساحة معركة يمكن عزلها، وكما نرى فـ 40% من قوة العراق قد.. قد فقدت، وبوسعي أن أتخيل الآن أنهم لديهم 400 ألف جيش.. من أفراد الجيش قوتهم قد تضاءلت، والقادة في الميدان لديهم الخبرة في كيفية مواجهة القوة الكاملة للجيش الأميركي، وأعتقد أنهم يتطلعون لهذه التجربة مجدداً، وأعتقد أن الأميركيين يعتقدون.. لا يسعني أن أؤكد حقيقة ذلك، لكنني أظن أنهم يعتقدون أن من مشاكلهم الأولى في هذه الحرب وفي بداياتها هي التعامل مع الأسرى العراقيين.

العقبات التي تواجه الحرب الأميركية على العراق

محمد كريشان: نعم الاستعدادات العسكرية إذن على الصعيد العسكري مكتملة أو تكاد عدداً وعدة، فماذا عن الخطط الحربية المحتملة، وقد شرعنا في الحديث عند بعض ملامحها ما هي المتوقعة عند الانطلاق، خاصة بعد رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأميركية باستعمال أراضيه في هذه الحرب؟

دانا البديري تستعرض في تقريرها من واشنطن بعض السيناريوهات المحتملة كما تُفترض في أوساط الخبراء في العاصمة الأميركية.

تقرير/ دانا البديري: تتمركز الآن في منطقة الخليج العربي قرابة الربع مليون من القوات الأميركية، جلها في الكويت التي وفرت حتى الآن قواعد عسكرية لأكثر من 130 ألفاً من هذه القوات، أكبرها الفيلق الـ 101 والفيلق المدرع الثالث، إضافة إلى تشكيلتين من قوات المارينز، وكان من المفترض أن تفتتح القوات الأميركية هجومها على جبهتين أولها وأهمها من الكويت في الجنوب باتجاه الشمال نحو بغداد، والثانية من تركيا شمالاً باتجاه الجنوب، وجاء القرار التركي برفض توفير قواعد للقوات الأميركية، ليدق إسفيناً في الخطط العسكرية الأميركية، ويؤدي إلى تراجع في القدرات العسكرية لحسم المعركة بشكل سريع.

انتكاسة الخطط العسكرية الأميركية تركت القادة العسكريين أمام عدة بدائل، أولها يتعلق بإنزال جوي لقوات المظليين، وقوات خاصة يرافقها غطاء جوي مكثف من القاذفات والطائرات المقاتلة الأميركية.

أما الخيار الثاني فينطوي على اجتياح من الحدود الكويتية يمتد إلى غرب العراق ليتجه شمالاً ويطوق بغداد.

جاي فرار (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية): يقول القادة العسكريون أنه ستكون هناك جبهة شمالية، ما يمكن أن نستنتجه من ذلك هو أننا سنستعمل القوات المحمولة جواً، لنؤسس لجبهة شمالية، وبعد ذلك نرى كيف ستتطور الأمور.

دانا البديري: في الأيام الأولى للحرب ستلجأ الولايات المتحدة لقصف مكثف للعراق من الطائرات المقاتلة والمدمرات والغواصات التي ترافق حاملات الطائرات الستة المتواجدة في كل من الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، والتي قد يحرك جزء منها إلى البحر الأحمر، وبالتالي يكون هناك هجوم أرضي وجوي متلازم على أربع جبهات.

يجمع معظم القادة العسكريين في البنتاجون أن السيطرة على غالبية أراضي العراق قد تستغرق عدة أيام فقط، ولكنهم يخافون من تباطؤ هذا الزحف على أبواب بغداد.

أول هذه العوائق هي خط الدفاع الذي يطوق بغداد على بعد 90 كيلو متراً من المدينة، وبينما نجحت الولايات المتحدة في تدمير ورصد أماكن الكثير من المضادات الأرضية والدفاعات الجوية بسبب طلعاتها المتكررة فوق مناطق الحظر الجوي، إلا أن الأنظمة الدفاعية حول العاصمة سلمت من ذلك، إذا تم اختراق هذا الخط وتعرضت القوات الأميركية لمقاومة وحرب مدن عنيفة، فقد يستغرق فرض السيطرة الكاملة قرابة شهر.

أنتوني كوردسمان (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية): في كثير من أحياء بغداد نتحدث عن اشتباكات من جادة إلى جاده ومن معسكر إلى معسكر، معظم المنشآت التي يمتلكها النظام موجودة في معسكرات كبيرة آمنة ومفتوحة، يمكن قصفها جواً بدون أي خسائر في أرواح المدنيين، ويمكن استخدام المدفعية ضدها، ولا يمكن الدفاع عنها بصورة جيدة.

ما هي الأمور غير المتوقعة؟

أحدها الجيش الشعبي الذي قوامه مليون رجل وامرأة، إذا قام هؤلاء بالمحاربة في بغداد، فإننا لن نتحدث عن أيام، بل أسابيع.

دانا البديري: وبينما ليس هناك شك في قدرة الولايات المتحدة على حسم هذه الحرب، فإن أسئلة كثيرة تبقى مطروحة أهمها: كلفة الحرب البشرية أميركياً وعراقياً، خاصة بين المدنيين وأوضاع ما بعد الحرب بعد أن يزول غبار المعركة.

محمد كريشان: وعودة إلى سكوت فايل في واشنطن، سيد فايل إذن بالنسبة إليك لا تتوقع مفاجآت في استعمال أسلحة أثبتت التجارب سواء في كوسوفو أو بالنسبة لأفغانستان أو حتى في العراق بأنها أسلحة خطيرة جداً وتترك آثار مدمرة على الإنسان قبل أي شيء آخر؟

سكوت فايل: أن الأسلحة التي استخدمت في كوسوفو وأفغانستان والتي نستخدمها الآن في العراق هي مدمرة وهي مصممة لهذا الهدف، لكن ما نحاول فعله هو أن نجعلها دقيقة جداً، بحيث أن تصل إلى الهدف الذي نحدده، وأن لا نستخدم أعداداً كبيرة منها، وألا نستخدم قوة مدمرة جداً لتحقيق أهدافنا، وهذه هي الأمور التي نناقشها كثيراً، وكيف أن يكون لديها قدرة ممغنطة لأن تتابع النبض، وهذه الأمور يمكن أيضاً بعد انتهاء هذه الحملة، إعادة الطاقة والكهرباء والاتصالات بعد انتهاء الحرب، وأيضاً بعض قطاعات الاقتصاد وتحسين هذا الوضع.

محمد كريشان: مسؤول أميركي وصف ذات مرة الحرب المنتظرة وصفها بأنها ستكون مفاجئة، سريعة، ومدمرة، إذا أخذنا كلمة سريعة، البعض يتحدث بين أسبوع وستة أسابيع، هل هذا أجل معقول يعني؟

سكوت فايل: أعتقد أن القدرة على إنهاء الحرب خلال أسبوع لستة أسابيع هي دقيقة جداً، لكن علينا أن نتذكر أن من بين الخيارات المتاحة في هذه الحرب هي بين يدي صدام حسين وقواته، فزميلي في الأستوديو لديكم ذكر أن تغيير المواقع للقوات من خلال تغيير الموقف التركي هذا.. إن هذه نقطة مهمة، لكن من المحتمل أن نرى شيء آخر، وهو من خلال الشكل أمامكم أن قوات التحالف ستحاول أن تدخل قواتها وتنشرهم في أنحاء البلاد، وليس فقط على بغداد والمعاقل المهمة، هذه.. فهنالك معاقل أخرى على نفس القدر من الأهمية، فهذه الدولة مهمة جداً من حيث تكاملها العسكري، وأيضاً من خلال الدخول من تركيا هو للتأكد أن الأكراد والأتراك لا يقومون باستغلال هذا الموقف ضد بعضهم البعض، وبالتالي سنرى هنا أن هنالك محاولات لإدخال بعض القوى من خلال الإنزال الجوي، من خلال الشمال بسرعة.. بأقصى سرعة ممكنة فهنالك بعض الفصائل للتأكد من أن لا تستغل هذه القوات أو هذه الفصائل هذه المواقف لأن تهاجم بعضها البعض.

محمد كريشان: شكراً لك سيد سكوت فايل، نعود إلى ضيفنا في.. في بيروت دكتور هشام جابر، على فكرة يعني لم ننساك مع ذلك يعني، دكتور جابر يعني أغلب التحاليل تقول: بأن ما سيؤذي الأميركيين أكثر من غيرهم ما يوصف منذ الآن بمعركة بغداد وبأن هذه المعركة هي الأخطر بالنسبة للأميركيين، هل تشاطر مثل هذا التحليل؟

د. هشام جابر: نعم، إنني أوافق هذا الرأي، لأن –برأيي- لن يكون هناك معركة بين الجيش العراقي والقوات الأميركية خارج حدود وضواحي العاصمة العراقية، إذ أن الجيش العراقي لن ينشر قواته بين بغداد والحدود الكويتية حتماً، لأنه يعلم أن التفوق الجوي الأميركي يمكن أن يمحي ويدمر فرق عسكرية بكاملها، لذلك أعتقد أن الخبراء العسكريون العراقيون يعملون على استدراج القوات الأميركية إلى بغداد، عندما تستدرج القوات الأميركية إلى حرب شوارع تنتفي قضية التفوق الجوي، إذ أن هامش الحيطة بين المتصارعين يصبح قصيراً جداً، ويخشى الأميركيون –حتما- إصابة عناصرهم وجنودهم بأسلحتهم المتفوقة.

حرب الشوارع هي خطيرة جداً بالنسبة للعناصر المهاجمة، ويقول الخبراء العسكريون -وقد تعلمنا في المدارس الأميركية- أن الجيش الغازي الغريب إلى مدينة معينة يخسر نسبة من المهاجمين بين 20 و30%، وقد قرأت تقريراً عن خبير عسكري في البنتاجون مؤخراً –منذ ثلاثة أيام- يقول: أنهم الأميركيون سيختصرون هذه النسبة في الخسائر إلى بين 7 و10% يعني إذا كان عدد المهاجمين في يوم واحد 100 عنصر من الأميركيين، لن تتعدى الخسائر 7 أو 10 قتلى أو جرحى، إنني أجد.. أجد هذه النسبة أيضاً مرتفعة جداً بالنسبة لمن يعرف نفسية الشعب الأميركي الذي لم يخرج حتى الآن من عقدة فيتنام وعقدة قتل 250 مارينز في بيروت في يوم واحد.

بالنسبة لحرب الشوارع، احتاط الأميركيون إلى ذلك، وقرروا أن يقاتلوا في الليل، لماذا في الليل؟ لأن كل عسكري أميركي سيكون مُزوداً بمنظار من الأشعة تحت الحمراء (Infrarouge) أو فوق البنفسجية (ultraviolet) يستطيع أن يرى ليلاً كما يرى نهاراً، بينما ستقطع الكهرباء حتماً عن بغداد، سيقاتل العراقيون في الظلام، سيكون المقاتل العراقي –برأي الأميركيين- أعمى حتى في بلده ويتفوق بالتالي الجندي الأميركي، ومن جهة ثانية..

محمد كريشان [مقاطعاً]: على كل.. على كل دكتور يعني سنحاول أن.. أن نعود أكثر لهذا الموضوع لمزيد من التفصيل في سياق هذه الحلقة.

ولكن بعد الفاصل: الجوار والحرب، المواقف المعلنة لدول المنطقة تنفي المشاركة، وواقع الحال يؤكد التورط أو يؤشر إليه، وإن بدرجات متفاوتة، لكن هذه الدول كلها ذات أهمية استراتيجية في الحرب المحتملة سلباً أو إيجاباً.

[فاصل إعلاني]

مواقف ودور دول الجوار في الحرب المرتقبة

محمد كريشان: تبدو دول الجوار الجغرافي للعراق عربية كانت أم إسلامية في وضع لا تُحسد عليه بالمرة، بعضها حسم أمره سراً أو جهراً مع الولايات المتحدة، رغم الإعلان الرسمي عن رفض الحرب، البعض الآخر يعيش حالة من الخوف والرجاء بين المصلحة المادية المنظورة وبين المبادئ وحقوق الجيرة، ومهما كان فإن هذه الدول مهمة في المخططات الأميركية للحرب قدر أهميتها في استراتيجيات ما بعدها سلباً أو إيجاباً.

ياسر أبو النصر يتناول في التقرير التالي موقف أو مواقف أبرز دول الجوار ضمن مؤشرات الحرب.

تقرير/ ياسر أبو النصر: فيما تغطي طبول الحرب الأفق العالمي كله، تبدو دول الجوار العراقي وكأنها تحاول تحقيق توفيقات صعبة يقترب بعضها من المستحيل، فكل دول الجوار ترفض العمل العسكري وتسعى لتجنبه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، لكنها تجد نفسها رغم ذلك منخرطة في سياق الحرب الأميركية بدرجات متفاوتة.

فالكويت رغم كل الإعلانات المضادة للحرب تعد وفقاً لمعظم السيناريوهات رأس الحربة التي يتركز فيها 140 ألف جندي أميركي وبريطاني وسط مخاوف من ردود فعل عسكرية عراقية من المحتمل أن تكون الكويت ساحتها الأقرب، وعلى بعد أميال يتمركز ما يشاع أنه قيادة تنسيق العمليات المرتقبة في قاعدة (السيلية) في قطر التي لا تقل بدورها رفضاً للحرب، بل تؤكد أنها لم تتلقَ إلى الآن طلباً من واشنطن يتعلق بشن عمليات انطلاقاً من أراضيها، لكنها كجاراتها تواجه معضلة الجمع بين أضداد تبدو عصية على التوفيق.

حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني (وزير الخارجية القطري): إذا أردنا ألا تكون مشكلة مع شعوبنا، على الأقل نصارحهم ونقول لهم: والله يا أخي هذا اللي نقدر نسويه وهذا ما نقدر نسويه، إحنا في قطر ما نقدر نقول هذا الكلام، ما نستطيع نقول: إنه ما عندنا قواعد أجنبية، بينما أنتم تعرفون وين القواعد الأجنبية موجودة، ولذلك يعني يجب الرقي بمخاطبة العقل العربي.

ياسر أبو النصر: أما السعودية التي طالما أكدت على عدم استعدادها لأن تكون منطلقاً لمهاجمة العراق، حتى وفق غطاء دولي، فتسود حدودها الشمالية مع العراق حالة من الاستنفار والتعبئة يحوطها القليل من المعلومات والكثير من الغموض، ففي حين تشير المعارضة السعودية في الخارج إلى أن هناك عمليات إنزال أميركية مستمرة لمداهمة العراق من الجنوب الغربي في إطار صفقة تتكتم عليها واشنطن والرياض، وتتعهد الأولى بموجبها عدم التعرض للنظام السعودي في ترتيبات ما بعد الحرب، تؤكد الرياض من جانبها وجود هذه القوات الأميركية بالفعل، ولكن لتقديم العون الفني الإنساني استعداداً لاستقبال اللاجئين وحماية أراضيها من إسرائيل.

سلطان بن عبد العزيز (وزير الدفاع السعودي): فاستعنا حقيقة بشيء تقني من الأميركان أنفسهم أن يساعدونا بشأن التقنية لنعرف ما وراء الصحاري، حتى لا نفاجأ، هذا هو مطار عرعر وهذا الموجودين فيه القيادة سعودية والكيان سعودي وإذا فيه أحد من الأصدقاء فهم للتعاون الإنساني التقني فقط.

ياسر أبو النصر: الأردن بدوره لا يبدو في وضع أفضل كثيراً أمام معادلات التوفيق المستحيلة، اعتماد نفطي كلي على العراق وعلاقة مميزة في نفس الوقت مع واشنطن، لذلك فعمان التي أعلنت على لسان رئيس وزرائها علي أبو الراغب أنها لن تكون مقراً أو ممراً للقوات الأميركية تأوي نحو ستة آلاف جندي أميركي في مناطقها الشرقية، كُلِّف نصفهم بمهمات دفاعية لتشغيل ثلاث بطاريات صواريخ باتريوت بينما تحدثت التقارير عن تكليف النصف الآخر بمهمات بحث وإنقاذ داخل الأراضي العراقية.

كفتا ميزان العلاقة التي تربط بغداد بدول الجوار تتأرجح دائماً وفقاً للمصالح والاستراتيجيات الأمنية والاقتصادية، ويبدو أن الميزان التركي من أكثر الحالات تذبذباً وانتظاراً للجديد، فقد حال تصويت البرلمان التركي في مطلع الشهر الحالي دون انتشار نحو 62 ألف جندي أميركي لكي يتسنى للولايات المتحدة الإطباق على العراق من جبهتي الجنوب والشمال، ومن دون ذلك تصبح الحرب الأميركية أطول زمناً وأعلى تكلفةً وأكثر خسائر.

لكن التطورات التي يشهدها المسرح السياسي التركي بمجيء (أردوغان) إلى سدة رئاسة الوزراء تنبئ بإعادة طرح الأمر على البرلمان، وهو تصويت يبدو أوفر حظاً من سابقه، كما يعبد الطريق بشكل موازٍ أمام القوات التركية للانتشار شمال العراق في منطقة عازلة تحوُّطاً لأي محاولة من جانب الأكراد لتأسيس دولة مستقلة، وفي انتظار قرار جديد من برلمان أنقرة بدأت سفن أميركية بالفعل تفريغ حمولتها من العتاد العسكري في ميناء الأسكندرون التركي وسط جو مشحون بالتوتر.

وتبقى إيران ذلك الرقم الصعب في معادلة الحرب الأميركية، فعلى الرغم من العلاقات الإيرانية العراقية التي لا تخلو من بعض مظاهر التطبيع كتبادل الزيارات الرسمية وإطلاق سراح بقايا الأسرى من الجانبين، إلا أن معظم الأهداف الأميركية بدءاً من تقليم أظافر بغداد العسكرية وصولاً إلى إزاحة حكامها بالقوة تصب في صلب المصلحة الإيرانية، لكن عقدة طهران أن يتم ذلك بأيدي أميركية لا تلبث أن تستدير شرقاً إليها في محطة تالية، لذلك تتخذ طهران من سياسة الحياد الإيجابي ملاذاً لها، فقد طالبت واشنطن بعدم انتهاك مجالها الجوي في عملياتها المرتقبة على غرار ما حدث في حرب الخليج الثانية، فيما لا يعول فريق من المحللين على إمكانية تورط فيلق بدر الشيعي الذي تحتضنه إيران في المعركة المرتقبة، وربما كان العنوان الأبرز للتعاطي الإيراني مع الأزمة هو الانتظار حتى ينقشع غبار الجولة الأولى على الأقل.

محمد كريشان: وينضم إلينا الآن من القاهرة اللواء الدكتور محمد قدري سعيد (الخبير الاستراتيجي والمستشار العسكري في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة).

دكتور، هل هناك معضلة بالنسبة لدول الجوار في هذه الحرب المرتقبة؟

د. محمد قدري سعيد: أعتقد طبعاً أن هناك معضلة كبيرة، المعضلة نفسها يعني مكونة من جزئين جزء أن تاريخ العراق مع دول الجوار كلهم تاريخ يعني غير جيد بلا استثناء، ومن جانب آخر أن عدد كبير من هذه الدول اعتمد خلال العشر سنوات الماضية بشكل كبير من الناحية الأمنية على الجانب الأميركي، وبالتالي حل.. يعني أقصد النتيجة التي يمكن استنتاجها من هذين البعدين أنه من الصعب في الحقيقة أن تتخلى هذه الدول بشكل كامل وصريح عن معاونة الجانب الأميركي على الأقل في أقل الحدود الممكنة.

محمد كريشان: وهل ترى أن موضوع عدم المشاركة التي خرجت بها سواءً قمة شرم الشيخ أو قمة الدوحة الإسلامية سقطت، لأنه عملياً الوجود و.. و التحرك من تلك الأراضي عملياً أصبح مشاركة واضحة ولا غبار عليها؟

د. محمد قدري سعيد: طبعاً هذا يتوقف على عملية تعريف كلمة المشاركة، وأنا ذكرت في حديثي أن هذه الدول بتواجه موقف استراتيجي وتاريخي معقد، وبالتالي أعتقد أن كلمة المشاركة تم يعني اختصارها إلى عدم وجود جنود من هذه الدول تشارك مع الجانب الأميركي مباشرة في عملية غزو العراق كما حدث في حرب الخليج الثانية 91.

محمد كريشان: نعم، سيد هودييرن، بالنسبة للولايات المتحدة، ما هي الحلقة الأقوى، وما هي الحلقة الأضعف في دول الجوار المحيطة بالعراق؟

روبرت هودييرن: على ما أعتقد كما هو الحال الآن هي علاقتنا مع الكويت فهي علاقة مباشرة والحلقة المباشرة، فهنالك مئات الآلاف من الجنود الأميركيين الذين يقيمون في الكويت منذ فترة طويلة، و.. وهنالك مراسلين مقرهم في الكويت، وإذا أردت أن تدخل إلى أي قاعدة جوية فكان.. يكون عليك أن تقول أنك بحاجة إلى الدخول إلى قاعدة جوية، وهذا ينطبق الوضع على قطر والسعودية، فهما أيضاً يستضيفان قواعد جوية، فالحلقة الأقوى هي الكويت بداية.

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن.. ولكن عفواً، يعني هل يمكن أن تعوض النقص الحاصل في تركيا؟

روبرت هودييرن: نعم، كما تعرفون أنا مسؤول في المسائل التكتيكية، لكن وأنا مبتدئ في هذه.. وهاوي في هذا المجال، لكن بالنسبة للكويت فالقوات ستبدأ في الدخول، لن تأتي بدبابات ثقيلة وحافلات ثقيلة، لكن من الأدوار المهمة جداً للقوات الأميركية في شمال العراق ستكون هي المحافظة ليس فقط إخراج القوات العراقية من المنطقة، بل أيضاً المحافظة على التوازن بين.. أو المحافظة على عدم اندلاع حرب بين الأكراد والأتراك والقوات العراقية، وبالتالي سيكون هنالك تفضيل وجود مثل هذه القوات في تلك المنطقة، الأردن لها دور مهم جداً في هذه الحرب، لأننا لا نريد.. أو الولايات المتحدة قلقة جداً من خروج صواريخ (سكود) من العراق إلى إسرائيل عبر الأردن، مما سيدخل إسرائيل في هذه الحرب، لذلك سنحاول أن نبني هنا منطقة في غرب العراق بحيث لا يمكن للقوات العراقية أن يكون لها أي دور فيها.

محمد كريشان: ولكن عفواً القوات الأميركية الموجودة الآن وعددها –حسب آخر التقارير- ستة آلاف في الأردن، هل لها دور محتمل في العمليات بشكل مباشر؟

يعني هل يمكن أن تنطلق من هنا للإطباق على العاصمة بغداد، أم فقط.. أم فقط ستكون.. فقط ستكون لحماية الأردن أو ما يقال عن حماية إسرائيل من أية صواريخ عراقية حسب ما تقول واشنطن؟

روبرت هودييرن: لا أعتقد أن عدد.. أي عدد مهم من القوات الأميركية الموجودة في الأردن ستدخل إلى بغداد، قد أكون مخطئاً في ذلك، لكن هذه تكهنات من عندي، وهذا هي حسب خبراتي في التحليل العسكري، لكن بالنسبة لهذه القوات.. هذه القوات عملت في الأردن، وهنالك أيضاً قوات جوية موجودة في الأردن، وسيمكن أن تشارك بالحرب، لكن لا أرى أي غزو بهذا الحجم يأتي من الأردن.

محمد كريشان: نعم، دكتور سعيد في القاهرة، ولو أن السؤال يأتي من باب التفكير بالتمني أو حتى فيه بعض السذاجة: هل دول الجوار الآن قادرة على التحكم بشكل أو بآخر في القرار الأميركي بالحرب، أم أن الأمر تجاوزه الحدث، وأصبحت مجرد أدوات في حملة معدة سلفاً، ولم يعد بالإمكان.. أو لم يعد بالإمكان القيام بأي خطوة إلى الوراء؟

د. محمد قدري سعيد: في الحقيقة دول الجوار قاموا بمجهود كبير –من وجهة نظري- خلال الشهور الماضية في عملية تأخير هذا القرار، وعلى أكثر من جبهة، وأعتقد أن الموقف السياسي المعقد الذي تواجهه الولايات المتحدة أميركياً في اتخاذ قرار الحرب جزء منه يعود –حتى نكون منصفين- إلى الجهد الذي بذل من دول مهمة في المنطقة العربية، لكن في حقيقة الأمر العالم كله وليس فقط دول الجوار يواجه قرار أميركي مصمم على القيام بهذه الحرب، وبالتالي من وجهة نظري يجب التعامل مع هذه القرار بصورة أن يجعل لهذه الدول بعد ذلك كلمة في توجيه مسار الحرب نفسها، ثم أيضاً في توجيه النتائج التي تنتج من الحرب بعد ذلك.

محمد كريشان: نعم، الدكتور سعيد هناك مفارقة –الحقيقة- في الموقف الأميركي الذي يطالب باستمرار بأن تكون هناك ديمقراطية في الدول العربية وحريات و.. واحترام لحقوق الإنسان، في حين أن الدولة الوحيدة التي امتنعت -على الأقل لحد الآن- عن المساهمة في الحرب هي تركيا، وكان نتيجة ذلك لموقف البرلمان المنتخب بشكل ديمقراطي، بمعنى أن الدول الأخرى دول الجوار كان يُفترض ربما أن.. أن تتخذ نفس الموقف لو كانت بها ديمقراطية حقيقية، لو كانت بها مجالس منتخبة فعلاً.

د. محمد قدري سعيد: هو طبعاً..

محمد كريشان: نعم.. نعم..

د. محمد قدري سعيد: هو طبعاً هذا الموقف الذي نواجهه يقدم مفارقة يعني –في رأيي- تبعث على الابتسام، يعني الولايات المتحدة طالما طالبت بوجود الديمقراطية، فعندما أتت إلى تركيا كان أول قرار لهذه الديمقراطية هو الوقوف في وجه قرار أميركي في شن الحرب على العراق، ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضاً أن برغم هذا القرار التركي كما نرى هناك ما زال جنود موجودين في أماكن في تركيا برغم الاحتجاج التركي على ذلك، وهناك أيضاً وضع سوف يكون متاحاً للجانب الأميركي وهو استخدام القاعدة الجوية الموجودة في تركيا، وبالتالي كل ما حدث إلى الآن هو فقط يعني قرار بمنع استخدام الأرض التركية للهجوم البري على العراق، ومن هنا يعني لا أجد فارق كبير بين الموقف التركي وموقف الدول العربية التي تقدم بعض التسهيلات للجانب الأميركي، وكما قلت من قبل أن موقفها قد تم يعني اختصاره إلى عدم المشاركة المباشرة مع الجانب الأميركي، ما عدا طبعاً.. ما عدا طبعاً الكويت، يعني الكويت طبعاً لها وضع خاص جداً، وقد مرت بتجربة قاسية من قبل مع الجانب العراقي نفسه.

محمد كريشان: اللواء الدكتور محمد قدري سعيد (الخبير الاستراتيجي والمستشار العسكري في مركز الأهرام) شكراً جزيلاً لك.

ونعود لضيفنا في بيروت الدكتور هشام جابر، يبدو أن الدول العربية كلما ابتعدت عن مسرح العمليات كلما ازدادت مواقفها بشكل أفضل وربما سوريا وولبنان من بين هؤلاء، هل ترى الأمر من.. من نفس الزاوية؟

د. هشام جابر: قبل أن أبدأ بهذا الحديث أرجو أن أوضح بعض النقاط كي لا أكرر بعض ما قاله الإخوة الزملاء والمراسلين، فيما يتعلق بتركيا..

محمد كريشان [مقاطعاً]: لكن.. لكن باختصار شديد دكتور، لأنه لم يبق سوى دقيقتين لنهاية البرنامج.

د. هشام جابر: أنا أريد أن أركز على الموضوع التركي، أن الحكومة التركية التي ستشكل خلال اليومين ستتقدم بطلب إلى البرلمان التركي للسماح للقوات الأميركية، لن يقدم هذا شيئاً أو يؤخر، على عكس ما قاله أحد المراسلين أن هذه الحرب ستكلف أميركا.. الرفض التركي سيكلف أميركا أموالاً طائلة.. تكاليف باهظة وخسائر إلى آخره، أنا أجد أن أميركا قد حلت هذا الموضوع عسكرياً بإنزال قوات (مجوقلة) في شمال العراق، فرقتين تكفي، والأراضي التركية لا تزال تسمح للقوات الأميركية بالتمويل اللوجستي، بدليل إنزال مئات الشاحنات، واستعمال قاعدة.. قاعدة (أنجرليك) التركية للانطلاق إلى العراق، فالقوات البرية انطلاقاً من تركيا لا لزوم لها إطلاقاً في حال بدأت هذه الحرب خلال اليومين أو خلال الأسبوعين أو العشرة أيام المقبلة، أهم ما في المسألة، الموقف السوري اللبناني...

محمد كريشان [مقاطعاً]: نعم، شكراً.. شكراً لك.. شكراً لك الدكتور هشام جابر، نأسف للمقاطعة على وقع هذا الأسبوع أو الأسبوعين كما ذكرت الدكتور هشام جابر شكراً جزيلاً لك، نحن في انتظار الأحداث، أيضاً نشكر ضيفنا هنا في الأستوديو السيد روبرت هودييرن، شكراً جزيلاً.

أعد هذه الحلقة مصطفى سواق، أخرجها فريد الجابري، وكان في الترجمة إيناس زيادة. دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.