مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيوف الحلقة:

صلاح عمر العلي: عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية الأسبق

تاريخ الحلقة:

02/01/2004

- حقيقة علاقة صلاح عمر العلي بالسعودية
- استقالة العلي من الأمم المتحدة

- العلي وحزب البعث السوري

- التخطيط للانقلاب

- عبد الرازق نايف وإبراهيم الداود وتفاصيل الانقلاب

- العلي والأزمة الأردنية الفلسطينية

- الثورة الليبية ومقابلة العقيد معمر القذافي

سامي كليب: في السابع عشر من شهر تموز من العام 1968 قامت مجموعة من البعثيين العراقيين بالانقلاب على الرئيس السابق عبد الرحمن عارف، ماذا حصل في تلك الليلة البغدادية؟ من هم المشاركون؟ ماذا كان دور الرئيس العراقي صدام حسين؟ هل فعلاً أنَّ المخابرات البريطانية لعبت هي الأخرى دوراً؟ كل ذلك سوف نحاول أن نتعرف عليه وعلى مواضيع أخرى مع ضيفنا اليوم وأحد مهندسي ذاك الانقلاب (السفير والوزير السابق) صلاح عمر العلي.

حقيقة علاقة صلاح عمر العلي بالسعودية

في منزله الهادئ في ضواحي لندن كان صلاح عمر العلي قد استقبلنا قبل عودته إلى العراق في أعقاب انهيار النظام العراقي، وصلاح عمر العلي بقي معارضا من طراز آخر بحيث لم يرتمي في أحضان أميركا للإطاحة بالنظام، فهل كان ذلك سببا لاتهامه بالعمل لصالح السعودية؟

صلاح عمر العلي: هذه الصورة الحقيقة أََُخِذَت في أسبانيا عندما كنت سفيراً هناك، وكان الملك فهد كان ولي عهد، لم يكن ملكاً وكان قادم من واشنطن بعد زيارة رسمية بتكليف من، أعتقد، من مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية للقاء بالرئيس الأميركي آنذاك لنقل الموقف العربي إزاء موضوع بيتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

سامي كليب [مقاطعاً]: ولا زلنا حتى اليوم ننقل هذا الموقف.

صلاح عمر العلي: نعم.

سامي كليب: دون نتيجة.

صلاح عمر العلي: هنا، جنب الملك، كان السفير السعودي ناصر مندور اللي كان عميد السلك الدبلوماسي العربي في أسبانيا.

سامي كليب: يعني أود أن أسألك سؤالاً سريعاً عن المملكة العربية السعودية، قيل أنك حين قررت ترك النظام في الواقع والالتقاء والانتقال إلى صفوف المعارضة، حصل اتصال مباشر من السعوديين بك، وعرضوا عليك عرضاً كبيراً. هل ذاك صحيح، مساعدتكم كمعارضة ماليا وأيضا كمركز إقامة إذا شئت؟

صلاح عمر العلي: لا الحقيقة أنا يعني واحد من بين كثير، يعني، من شخصيات المعارضة العراقية التقيت بمسؤولين سعوديين، كما زرت المملكة العربية السعودية، حالي حال كثير من العراقيين، لكن حقيقة لم يُعرَض علي موضوع الإقامة، ولم يُعرَض علي هذا الموضوع. وأنت كما ترى أنا لا أملك حتى الآن، لا عندي مكتب خاص سياسي، ولا أملك قناة تليفزيونية كما يملك الآخرون، ولا أملك راديو كما يملك الآخرون، كل ما نملك.

سامي كليب [مقاطعاً]: بعد حرب الخليج الثانية.

صلاح عمر العلي: كل اللي نملكه إحنا في تنظيمنا نملك جريدة تصدر كل أسبوعين مرة، وهي جريدة متواضعة جداً، وهي جريدة لا تُمول إلا بالحد الأدنى، والكُتّاب فيها كلهم متطوعين ومتبرعين من داخل صفوف المعارضة العراقية، حقيقة أنا يعني لا أخشى ولا أخجل ولا أتردد من الإفصاح عن أي حجم من مساعدة إذا قُدِّم إلي من الدول العربية لأنه أنا أعتقد أن المحيط والمناخ الذي نعمل فيه وعمقنا الحقيقي هو الدول العربية.

سامي كليب: من مدينة تكريت العابقة بالتاريخ والتي ولد فيها الكثير من الرؤساء والقادة العسكريين والسياسيين في العراق انطلق صلاح عمر العلي صوب السياسة، ومن تجربة السجن الأولى عام 1963 والضرب والتعذيب انتقل إلى قيادة حزب البعث، لا بل وشارك في وصول الحزب إلى السلطة وفي مجده ومؤامرته. وهو كان في طليعة من حاوروا قادة سوريا، وأول من ألتقى العقيد معمر القذافي وأقنعه بترقية نفسه ليصبح قائد الثورة، ناهيك عن تجاربه الكثيرة كوزير للإعلام ثم كسفير في عواصم عديدة. فما الذي أوصله إلى منفاه الصعب في إحدى الضواحي البعيدة بلندن؟

استقالة العلي من الأمم المتحدة

صلاح عمر العلي: الحقيقة بعد أن استقلت من منصبي في الأمم المتحدة عام 1982، كانت النية متجهة للبقاء في أميركا باعتبار إن أولادي كانوا يدرسوا في المدارس ولأنني غير قادر على العودة إلى الوطن بسبب يعني الاستقالة.

سامي كليب: لماذا استقلت؟

صلاح عمر العلي: استقلت حقيقة بعد مضي عامين على الحرب العراقية الإيرانية. وبعد مضي هذه المدة من الحرب بدأت أكتشف أن هذه الحرب تحولت إلى حرب عبثية لا هدف إنساني من ورائها، 1986 حدثت حادثة لم تكن في الحسبان، وهي أن أحد مسؤولي النظام الإيراني أدلى بتصريح لوكالة أنباء رويتر، يقول فيها أنه لو أن الشعب العراقي تمكن من التخلص من النظام الحالي برئاسة صدام حسين وجئ بالسيد صلاح عمر العلي محله لوافقنا على البدء بالحوار والنقاش من أجل التوصل إلى إيقاف القتال أو الحرب.

سامي كليب [مقاطعاً]: من كان المسؤول في هذا الوقت؟

صلاح عمر العلي: الحقيقة لا أذكر من هو، ربما كان رئيس وزراء في...يعني أحد رؤساء الوزراء الذين قتلوا أعتقد وحتى لا أتشعب كثيراٌ في الحديث أود أن أبين لك أنه الأميركان بدءوا يهتموا بهذا الموضوع، فبدأت الـ (FBI) تُحقق معي حول هذا الموضوع، وأنا حقاً أقول، كما قُلت في مناسبات عديدة، أنني حتى الآن أجهل عن أسباب صدور هذا التصريح ولا أعرف أي سبب.

سامي كليب: لم تكن لك أي علاقة مع الإيرانيين قبل هذا التصريح الإيراني؟

صلاح عمر العلي: لم تكن لي علاقة، لا مع أفراد ولا مع مؤسسات ولا مع الحكومة الإيرانية اطلاقاً حتى هذه اللحظة، فبعد ثلاث جولات من اللقاءات مع الـ (FBI) بطبيعة الحال، في اللقاء الثاني، سمعت كلام من الـ (FBI) يقول أنه، بهذا المعنى، أنه بإمكانك أن تعيش كما تشاء في هذه الأرض في بلادنا، لكن إذا وصلنا لقناعة بأنك بدأت تشتغل ضد النظام في العراق نرجو أن تعلم بأنه لا مجال أن تبقى في بلدنا.

سامي كليب: إذن كان هذا السبب الذي قررت لأجله المجيء إلى بريطانيا؟

صلاح عمر العلي: هو في الحقيقة إذا سمحت لي، أنه في قبل نهاية الجلسة أبلغوني عن أسفهم الشديد بأنه علي أن أجد مكان آخر غير بلدهم، فتركت أميركا، وكانت النية متجهة أن أُغادر إلى فرنسا، ولكن بالنظر إلى العلاقات القوية التي كانت قائمة بين فرنسا وبين النظام في العراق آنذاك فهمت أنَّه لا مجال ولا فرصة نهائياً أن أعيش في فرنسا، الأمر الذي اضطرني أن أبحث عن مكان آخر فاتجهت إلى بريطانيا.

سامي كليب: هل حصلت خلافات بينك وبين النظام العراقي قبل اتخاذ القرار بترك الأمم المتحدة والاستقالة من كل وظيفة؟

صلاح عمر العلي: الحقيقة قبل أن استقيل وأنا أفكر بالاستقالة قررت أن أسافر إلى بغداد وأحاول اللقاء مع رئيس الجمهورية وأحاول قدر الإمكان أن أتحدث مع الرئيس حول وجهة نظري فيما يتعلق بمجريات الحرب وكيفية يعني توجيه الوجهة اللي يعني تخدم المصلحة العامة، وفعلا غادرت إلى بغداد والتقيت بالرئيس، وهذا اللقاء دام حوالي ثلاث ساعات، جرى حديث مطول وتفصيلي حول موضوعات الحرب وفي نهاية الاجتماع لم يقتنع بوجهة نظري كما أنني لم أقتنع بوجهة النظر اللي سمعتها من عنده، وطلعت من غرفته وأنا واخد قرار نهائي بالاستقالة والتخلي عن مسؤوليتي.

سامي كليب: في طبعاً البداية، البداية سياسية نذكر بعض محطات الرئيسية في الواقع، إحدى المحطات، السجن، يعني بدأت تدخل السجن باكراً، أول مرة دخلت السجن وعُذِّبت، أو في الواقع المرة التي عُذِّبت فيها في السجن جدياً كان عام 1964 حين أُشيع نبأ محاولة انقلاب على عبد السلام عارف، ما الذي حصل ولماذا دخلت السجن عام 1964؟

صلاح عمر العلي: أنا الحقيقة أُعتقلت في بداية 1964 لأسباب ليس لها علاقة بموضوع محاولة الانقلاب، كنت أنا معتقل قبل محاولة الانقلاب، حول موضوع يتعلق بتوزيع بيانات في منطقة من مناطق بغداد المعادية للنظام، وبعد ذلك وأنا في السجن أُعلن عن وجود محاولة لحزب البعث للإطاحة بنظام عبد السلام عارف ووٌضِعت في نفس القاطع اللي كان موجود فيه أحمد حسن البكر وبدأ التحقيق، الحقيقة يسمى هو تحقيق، لكن هو كله تعذيب وتعذيب قاسي شديد جدا. أنا بالحقيقة، جرى التحقيق معي من قبل مدراء شرطة اثنين واحد منهم اسمه فوزي الجميلي والآخر اسمه عبد الله شعبان وكان حقيقة تحقيق يعني وحشي وقاسي جدا وضُربت بشدة وقسوة شديدة جداً وكثير ما أغمي عليّ وأؤكد لك أنه أنا الآن عندي هنا في رأسي ما زال أثر لجرح كبير جداً نتيجة هذا التعذيب وهذا إصبعي إلى الآن، هذا العظم طالع من يدي نتيجة هذا التعذيب، على كل حال، فعُرِّضت إلى تعذيب كبير جداً وشديد كما عُرِّض.

سامي كليب [مقاطعاً]: لماذا مورست عليك تلك الوحشية في خلال التحقيق؟ هل لأنك كنت من القيادات البعثية آنذاك؟

صلاح عمر العلي: ما كان معروف عني ما كانت تتوفر عني معلومات إنَّه أنا من القيادات، لكن في الحقيقة شخص اعترف على أني كنت أدير تنظيم سري للغاية، تنظيم أشبه ما يكون بالتنظيم الفدائي، كنا نسميه تنظيم صدّامي كان على أساس أنه يكون نواة لعمل يأخذ على عاتقه الأعمال الخطيرة أثناء عملية التغيير.

سامي كليب [مقاطعاً]: وكان ذلك صحيح؟

صلاح عمر العلي: وهو صحيح حقيقة، هذا حق.

العلي وحزب البعث السوري

سامي كليب: طيب، في عام 1965 تمت تبرئتك وخرجت من السجن وذهبت مباشرةً إلى سوريا آنذاك للمشاركة في المؤتمر أعتقد كان المؤتمر القومي السابع أو الثامن.

صلاح عمر العلي [مقاطعاً]: السابع.

سامي كليب: السابع، ماذا كان دورك تحديداً؟ ومتى التقيت فيما بعد بالرئيس السوري حافظ الأسد؟

صلاح عمر العلي: بالحقيقة بعد ما طلعت بأيام قليلة جاءتني رسالة من القيادة القومية تقول بأنه على الـ .. طبعاً كان نسبة عالية جداً من كوادر وقيادات الحزب في السجن، كانت تقول ضروري جداً أن يحضر عدد من الرفاق وإن كانوا غير منتخبين، للمشاركة في المؤتمر القومي، لأن عدم تمثيل العراق وتنظيم الحزب عليه دور مهم جدا في التنظيم القومي، راح يجعل من المؤتمر القومي ضعيف ويعني ووصلنا إلى دمشق وشاركنا في المؤتمر القومي السابع، وأثناء انعقاد المؤتمر وفي أثناء الجلسات اكتشفنا أن رفاقنا في سوريا كانوا تقريبا منقسمين إلى تيارين، إلى كتلتين، كتلة تمثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وكتلة ثانية تمثل صلاح شديد وحافظ الأسد.

سامي كليب: يعني اليوم الأستاذ صلاح نتحدث للتاريخ بالضبط، نود أن تذكر لنا بعض ما كان يقال تحديداً بين المجموعة العسكرية: حافظ الأسد وصلاح شديد والمجموعة المدنية. ما الذي كان يقال وعلام يتركز الخلاف؟ هل تذكر مثلاً بعض المواضيع التي طرحت بعض ما قيل في أثناء ذاك اللقاء معهم؟

صلاح عمر العلي: كان يجري الحديث عن نزعة للتكتلات داخل القيادة القومية والاستزلام وهكذا وتبني بعض الأشخاص وتقليب بعض الأشخاص وإبعاد أشخاص آخرين.

سامي كليب: من الذي كان يقول ذلك؟

صلاح عمر العلي: كان يقول ذلك مجموعة صلاح شديد اللي هما، مثلما ذكرت لك، وكان أيضا تجري نقاشات شديدة حول مواقف سياسية تتعلق بسياسات الحزب في داخل سوريا وفيما يتعلق بالسياسة القومية للحزب. على العموم، ما أتمكن أن أؤكد عليه في هذا اللقاء والتأريخ أنه كان عندما يحتدم النقاش ويأخذ دور يعني حاد جدا يتدخل حافظ الأسد للتخفيف من هذه الحدة ولتهدئة الوضع. وأيضا للتأريخ أقولها أنَّ الرئيس حافظ الأسد في اللقاءات التي تمت بيننا وبينه كان يؤكد على التزامه بالخطة القومية، على توجه القومية، على ضرورة أن يتحد الحزب، أن لا ينقسم، إنه التفاهم.

سامي كليب: صدام حسين آنذاك لم يكن بعد أصبح رئيساً، هل كان له رأي في هذا المؤتمر بشأن القيادة السورية؟

صلاح عمر العلي: أنا الآن ما أذكر حقيقةً يعني كثيراً، لأن تعرف المدة الزمنية صارت طويلة، وبعيدة جداً وما كان عنده رأي متميز إنما هو كان مع الموقف القومي، يعني كان يرفض مسألة الانشقاق أو الانقلاب أو إلى آخره.

سامي كليب: وهل صحيح أنك ذهبت لإقناع ميشيل عفلق فيما بعد في السويد، على ما أعتقد؟

صلاح عمر العلي: لا كان في البرازيل.

سامي كليب: أو في البرازيل عند عمه الطبيب ذهبت لإقناعه بالعودة .. وبالعودة إلى إطار حزب البعث وبالمصالحة مجدداً مع القيادة الجديدة.

صلاح عمر العلي: ميشيل عفلق بعد الانقلاب إللي حصل في سوريا والإطاحة به، هرب من سوريا إلى لبنان ثم من لبنان سافر إلى البرازيل لأنه كان عنده خال طبيب تقاعد وما عنده عائلة أعتقد، وكان يعيش في البرازيل فراح سكن معه. صار رأيي أنَّه أروح إلى البرازيل من أجل أن يأتي الأخ ميشيل عفلق إلى بغداد باعتبار أنه هو رمز توجهنا القومي للحزب. وغادرت للبرازيل والتقيت به هناك والحقيقة فاجئني عندما التقيت به بالبرازيل، فاجئني بموقف ما كنا متوقعينه إطلاقاً. قال إنا، بهذا المعنى، قال: "أنا .. أنا يعني تخليت عن الحزب وهذا الحزب الآن لم يعد هو الحزب إللي أنا شكلته وأنا أشكركم على هذا الموقف وأشكر مجيئك ولكن تُعذرني أنا غير راغب في العودة إلى العراق وأتمنى لكم التوفيق والنجاح في مهمتكم وخلاص. وأرجو أن تسمحوا لي البقاء هنا وأنا متخلي عن الحزب". لكن حقيقة أنا رايح للبرازيل وإحنا نعتبر أنه مصدر شرعيتنا في العمل الحزبي، هو بمقدار علاقتنا بميشيل عفلق باعتباره انه هو مثل الشرعية، فعودتي إلى العراق بدون أن يعود ميشيل عفلق يعني فيها إحراج إليّ شخصياً وثانياً فيها إحراج للحزب ولذلك أصررت على أن يعود وبقيت لهذا الغرض، بقيت حوالي 3 أسابيع في البرازيل من أجل إقناع ميشيل عفلق بالعودة وفعلا بالنتيجة أقنعتُه بالعودة المتدرجة إلى العراق لأنه يعني هيك اتفقنا أنه يجي إلى باريس أولاً ثم إلى بيروت ثم إلى بغداد ريثما تتوضح الصورة أمامه وحتى يقتنع بالعودة وأنا أيضا وافقت. وبالنتيجة أجى بهذه الطريقة ووصل إلى بغداد، وكان طبعا هذا رمزياً. كان يعتبر نوع من المباركة للتجربة والحزب والاعتراف بشرعية الحزب وشرعية التنظيم وشرعية ما حصل في العراق.

التخطيط للانقلاب

سامي كليب: صلاح عمر العلي الذي كان منفياً في منزله الهادئ في لندن والمناقد بهدوئه لويلات العراق يعود بنا عبر التاريخ إلى السابع عشر من تموز عام 1968. آنذاك كان النظام العراقي يعيش حالة من الضعف، أحزاب وصلت إلى قمة تناقضاتها، البعثيون يحيكون في تلك الليلة البغدادية مؤامرة الانقلاب أو الحركة التصحيحية أو الثورة الجديدة، لا بأس بالتسميات، فالنظام انهار كثمرة يانعة. لماذا وكيف حصل ذلك سيد صلاح عمر العلي؟

صلاح عمر العلي: بعد هزيمة 1967، هزيمة العرب أمام إسرائيل، بعد هذه الهزيمة بأشهر قليلة جداً، عُقِد مؤتمر قومي للحزب في لبنان.

سامي كليب: بالضبط.

صلاح عمر العلي: وفي هذا المؤتمر اتُخِذَت مجموعة من القرارات، بس أبلغ هذه القرارات هو المطالبة، مطالبة فروع الحزب في الأقطار العربية للعمل بكل قوة من أجل إقامة جبهات مع الأحزاب الوطنية الأخرى كسبيل، كوسيلة من وسائل الرد على الهزيمة. فبدأنا بمفاتحة الشيوعيين وبعد رفض وتلكؤ لفترة معينة، وافق الحزب الشيوعي، اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لأن الحزب الشيوعي كان آنذاك منقسماً إلى تيارين: القيادة المركزية واللجنة المركزية. فوافقت اللجنة المركزية، ممثلو اللجنة المركزية على الدخول بحوار مع ممثلي الحزب. فاتحنا أيضا الأكراد أيضا بشقيهم الحزب الديمقراطي الكردستاني ممثلاً بقيادة القائد المعروف.

سامي كليب: البرزاني

صلاح عمر العلي: ملا مصطفى البرزاني والاتحاد الوطني بقيادة السيد جلال الطالباني. ووافق الطرفين على البدء بالحوار. وبدأنا نتحاور بهدف خلق مناخ وأرضية مشتركة لإقامة عمل جبهوي. بذات الوقت إحنا كنا نخطط للإطاحة بالنظام، وبدأنا نجتمع ونبحث مستلزمات الإطاحة بالنظام.

سامي كليب [مقاطعاً]: من الذي كان يجتمع...يعني...من؟

صلاح عمر العلي: قيادة الحزب.

سامي كليب: من هي الشخصيات تحديدا؟

صلاح عمر العلي: قيادة الحزب البعثي العربي الاشتراكي المدنية، إللي يعني كانت تضم 9 رفاق بعثيين زائداً المرحوم الشاعر شفيق الكمالي باعتباره عضو قيادة قومية ولم يكن عضو قيادة قضائية، فكان يحضر معنا الاجتماعات.

سامي كليب: ليلة الانقلاب، ليلة التخطيط للانقلاب، كيف اتٌخِذ القرار؟ أين كنت أنت تحديداً؟ وما الذي جرى؟ فقط نود أن نشرح هذه القضية ولو بشكل مختصر.

صلاح عمر العلي: لا إحنا عقدنا اجتماع في منزل أحمد حسن البكر إللي كان هو أمين سر القيادة القطرية وطبعاً أخذنا القرار، كان المقرر أن نقوم بعملية التغيير يوم 14 تموز باعتبار أن هذا اليوم مشهود في تاريخ العراق، ولكن كان هناك بعض النواقص إللي لم تستكمل بشكل كامل، الأمر إللي دعانا لتغيير الموعد إلى 17 تموز.

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني أيضا 14 تموز لأنه كان تصحيحاً لـ 14 تموز السابق.

صلاح عمر العلي: يعني كأنه اُريد أن يكون تصحيحاً لـ 14 تموز السابق، صحيح.

سامي كليب: وهل منذ ذاك بدأتم تشعرون مثلا أن صدام حسين ممكن أن يكون هو القائد المقبل؟ هل كانت بدأت تظهر عليه مثلا الرغبة في الوصول إلى السلطة؟

صلاح عمر العلي: لا بالحقيقة، إجماع القيادة كان على حول أحمد حسن البكر، فعملنا على إذاً على صعيد العلاقات مع بعض الضباط إللي يحتلون مواقع في داخل بغداد، عملنا لفترة طويلة جدا من أجل كسبهم إلى جانبنا، كان هناك آمر فوج القصر الجمهوري، حماية القصر الجمهوري، إللي هو كان برتبة مقدم اسمه إبراهيم عبد الرحمن داود وما زال هو حي ويعيش في أعتقد في المملكة العربية السعودية.

سامي كليب: سنعود إلى المؤامرة التي حكتوها ضده أيضا.

عبد الرازق نايف وإبراهيم داود وتفاصيل الانقلاب

صلاح عمر العلي: الرجل يعنى بعد ما فوتح بالموضوع وافق. ووافق على الاشتراك وعلى المساهمة بعملية التغيير، وكذلك سعدون غيداني إللي كان هو آمر كتيبة القصر الجمهوري أيضاً وعدد آخر من الضباط في مواقع أخرى، الضابط الوحيد إللي كان مستثنى من عملية المفاتحة أو محاولة الكسب هو عبد الرزاق نايف كان معاون مدير الاستخبارات العسكرية العراقية لأننا كنا يعني نشك في نواياه وفى توجهاته السياسية، ولكن في الحقيقة عبد الرزاق نايف كان على علاقة وثيقة جداً جداً قوية مع من؟ مع عبد الرحمن داود، وكانت هذه إحدى المشاكل، كيف نفصل بين عبد الرزاق نايف بعد عبد الرحمن عارف وعبد الرحمن داود؟ المهم تلاقي كثير من التفاصيل، حاولنا أن نأخذ تعهد من إبراهيم داود أنه ما يفاتح أحد نهائياً في هذه العملية نظراً لخطورتها وصعوبتها ودقتها و .. إلى آخره وعلى ما يترتب عليها من مشاكل ومخاطر، والرجل تعهد بهذا الأمر. وهذا جرى الحديث بيننا وبين أحمد حسن البكر في جلسة خاصة وأقسم بالقرآن، أقسم الطرفان حقيقة بالقرآن، إنَّه ما يتم مفاتحة أي شخص من خارج... لكن للأسف يبدو أن عبد الرحمن داود بعد هذا أبلغ عبد الرزاق نايف بالعملية، فليلة التنفيذ وبعد أن بلغنا يعني، وزعنا كثيراً من رفاقنا الحزبيين على زُمر لمهمات كثيرة، منها حماية بعض المواقع المهمة بالمدينة: الجسور، محطات البنزين وكذا، بعضهم كلفناهم بعمليات اقتحام بعض المواقع، احتلال بعض المواقع، إلى آخره. بعد ما طلعنا قطع أسلحة كنا حاطينها في مخابئ ملابس عسكرية للتمويه من أجل أن نستعملها أثناء عملية التغيير طلعناها وبدأنا نوزع المهام بينا، فوجئنا بمجيء مرافق عبد الرزاق نايف إلى بيت أحمد حسن بكر. فالمرافق كان يحمل رسالة بعد ما فتح أحمد حسن البكر الباب وأخذ الرسالة من هذا المرافق وقرأها، وجدنا أن أحمد حسن البكر بدا على وجهه شيء من الإرتباك.

سامى كليب [مقاطعاً]: كنتم جميعاً في منزله؟

صلاح عمر العلى: كنا في المنزل. كنا مشغولين منهمكين في توزيع المهام وتوزيع الملابس وتوزيع الأسلحة والتخطيط لعملية التغيير. فإجه البكر قال: "اتفضلوا الرفاق لنجتمع". قال: "هذه الرسالة جاءتني الآن من عبد الرزاق نايف يقول فيها أنني أعلم بما سيجري بهذه الليلة وأنا يعني مستعد أتعاون معكم وأنا بعرِّفكم وأنا حاضر يعني أكلف بأي مهمة". في الحقيقة صُدِمنا وواجهنا مشكلة يعني بهذا الاجتماع لكننا يعنى حاطين عبدالرزاق نايف على قائمة الخصوم أو الخطيرين.

سامي كليب [مقاطعاً]: لماذا بمن كان مرتبط عبد الرزاق نايف؟

صلاح عمر العلي: بالواقع في يعني .. كان انطباع عام لدى السياسيين العراقيين أن عبد الرزاق نايف كان يعني له علاقات بقوة أجنبية.

سامي كليب[مقاطعاً]: بريطانيا تحديداً.

صلاح عمر العلي: نعم. فما كان لنا إلا أن نناقش الموضوع، فكان أقوى رأيين، الرأي الأول أن نبلغه أن ما وصلته من أخبار غير صحيحة وإحنا ما عدنا أيّ نيَّة للتغيير وفعلا وقفنا عملية التغيير.

سامي كليب[مقاطعاً]: أو أن بتعدوه

صلاح عمر العلي: أو...

سامي كليب: برئاسة الوزارة.

صلاح عمر العلي: بالظبط، لكن، هذا الرأي قلنا، هذا الرأي شنو راح يترتب عليه، إن عبد الرزاق نايف راح يفتهم وهو شخص حاذق وذكي جداً حقيقة، كان يفهم، راح يفهم أنّه إحنا أجلنا العملية لهذا السبب وبالتالي راح يجرنا من داخل بيوتنا ويذبحنا ويقتلنا مثل الخرفان دون أي معنى، دون أن نترك أي أثر أو أن نعمل على شيء من المخاطرة والمراهنة بأن نقنعه بطريقة ما ب أنّه إحنا ما بلغناه لسببين. أولاً ما أردنا نحرجه بشكل مباشر وثانياً لإنّه إحنا عارفين إنّ السيد إبراهيم الداود راح يبلغه وبالتالي إحنا متخذين قرار بكرة إذا توفقنا بعملية التغيير ونجحنا سراح يكون هو رئيس وزرائنا، نغريه بهذه العملية وحتى لو فرضنا، أنّ عبد الرزاق نايف، في هذه الحالة، ما راح يقتنع وراح ينتظر عملية التغيير ويطاردنا أو يقتّلنا بالشوارع، على الأقل، على الأقل راح نُقتَل وإحنا مناضلين وإحنا عندنا قضية وسنترك لرفاقنا في الحزب إرث يعتمدوه في المستقبل ويستمروا في عمله. هذا حقيقة ما جرى، ولذلك كتبنا رسالة لعبد الرزاق نايف بهذا المعنى، وقلنا له إحنا بكرة هذا القرار من قرار الحزب، أنت بكرة صباحاً أنت رئيس وزراء إذا الله وفقنا، يظهر هذه العملية نجحت، لكن.

سامي كليب[مقاطعاً]: من الذي نقل هذه الرسالة وأي ساعة؟

صلاح عمر العلي: لو سمحت لي. إحنا في ذات الوقت أخذنا قرار أيضاً قلنا على أن نعمل على التغيير بأقرب فرصة من عبد الرزاق نايف وإبراهيم داود نتيجة لما جرى. الرسالة أخذها نفس المرافق، المرافق وإللي هو اسمه أحمد مولود مخلص وإللي هو كان بعثي مرتبط بالحزب، دون علم عبد الرزاق نايف وهو مرافق عبد الرزاق نايف. فحقيقة هذا إللي جرى إنه لم نعبأ بعملية التغيير ونجحت العملية.

سامي كليب [مقاطعاً]: وتم تعيين عبد الرزاق نايف؟

صلاح عمر العلي: وتم تعيين عبد الرزاق نايف لكن القرار كان إنه لازم نتخلص من عبد الرزاق نايف وداود بأقرب فرصة.

سامي كليب: طبعا هذا القرار، أول قرار اتُخِذ بعد التغيير الذي نجح، في الواقع هو التخلص من هذين الرجلين. وأنت على ما يبدو لعبت دوراً في التخلص من أحدهما على الأقل داود هل ذاك صحيح؟

صلاح عمر العلي: الحقيقة إحنا بعد ما استلمنا السلطة وبعد ما نجحت عملية التغيير واتعين عبد الرزاق نايف رئيس وزراء وإبراهيم داود اتعين وزير الدفاع، بعد عملية التغيير يمكن بثلاثة أيام أو أربعة عقدنا اجتماع في القيادة، وبحثنا موضوع التغيير. وكانت النية متجهة أن نضع خطة للتخلص من عبد الرزاق نايف وإبراهيم داود، أحمد حسن البكر قال بهالمعنى قال: "يا رفاق إحنا كنا مرتبكين وبظروف خاصة أخذنا هذا القرار وكان عندنا انطباع أن هذا الرجل ما راح يتعاون معنا وراح يعمل ما يعمل وإلى آخره، لكن إحنا الآن أصبحنا سلطة واستلمنا السلطة الآن وقمنا بعملية التغيير والرجل ما عمل شيء ضدنا. صحيح مارس دور في عملية التغيير، لكن الرجل ما وقف ضدنا وبالتالي أنا اقترح خصوصا أن تاريخنا عام 1963 كان تاريخ دموي وعمليات فاشلة بطريقة مأساوية والشعب العراقي ما عاد يتحمل فأنا أقترح أن نؤجل هذا القرار ولا نلغيه، ونعطيه فرصة كما نعطي لإبراهيم داود فرصة ونرى ما الذي سيحصل".

سامي كليب: وهكذا فالقادة البعثيون الذين حصلوا على مباركة عبد الرزاق نايف ودعمه عادوا وتألبوا عليه وعلى عبد الرحمن داود وغرقت القيادة البعثية مجددا بمبدأ "اتقي شر من أحسنت إليه". لماذا انقلبوا على الذين أنقذوهم إذن؟ ومن هو ناصب الفخ بين المتنافسين؟

صلاح عمر العلي: أنا ذكرت لك أن الاجتماع عقد بعد ما استلمنا السلطة بحوالي ثلاثة أو أربعة أيام وبحثنا موضوع التخلص من عبد الرزاق نايف وإبراهيم داود، والحقيقة قدم الرئيس البكر وجهة نظر وقبلناها في تأجيل العملية وإعطائهم فرصة من أجل أن يعني أن نتجنب البدء بعمليات دموية وإلى آخره، خصوصاً أن العراق ما عاد يتحمل والمزاج الشعبي ما عاد يتحمل وهذا إللي جرى، اجلنا الاجتماع، القرار. بعد مضي تقريباً أسبوع على هذه الحادثة، دعانا الرئيس أحمد حسن البكر لعقد اجتماع عاجل، وعادة الاجتماع العاجل يدعى إلِيّه في حالة طارئة لوجود حالة خاصة مؤامرة وما أشبه ذلك، فحضرنا الاجتماع وإذا بأحمد حسن البكر يفاجئنا بالآتي، قال: "رفاق تذكروا بالإجتماع السابق يعني شنو هي وجهة نظري؟" قلنا له: "طبعا نتذكر وجهة نظرك اللي كانت تقضي بعدم يعني تنفيذ قرار التخلص من إبراهيم داود وعبد الرزاق نايف. فالرئيس البكر في هذا الاجتماع قال: "تذكرون في الاجتماع السابق ما الذي حصل؟" قلنا له: "نعم". قال: "أنا في هذا الاجتماع أدعوكم بسرعة لتنفيذ القرار القاضي بالتخلص من نايف وداود.

سامي كليب: بعد كم يوم تقريباً؟

صلاح عمر العلي: تقريباً أسبوع، يعني 6 أيام أو 7 أيام. قلنا لهك "ما الذي حصل؟" قال: "إللي حصل إن إبراهيم الـ .. عبد الرزاق نايف بدأ يتصل سريا برفاقنا العسكريين بكل الوحدات إللي داخل بغداد وخارج بغداد من أجل تعبئتهم للإطاحة في النظام بالحزب."

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب لصالح من؟ لصالح بريطانيا دائماً، يعني للخارج؟

صلاح عمر العلي: لصالح، لصالحه هو لصالح مخططه طبعاً. هو رجل طموح، رجل ذكي وذكاؤه كان متميزاً. معروف عنه أنه كان شخص غير عادي. فعقدنا اجتماع ثاني في بيت المرحوم صالح أحمد عماش. وضعنا خطة واتفقنا على تنفيذها وبضوء هذه الخطة بعثنا إبراهيم داود إلى .. على أساس أنه يروح يفتش قطاعات الجيش في العفرا. وبعدها بيوم بعثنا له عدد من أعضاء المكتب العسكري البعثيين التابعين للحزب، شباب، راحوا من هناك اعتقلوه وحطوه بطيارة وودوه لأسبانيا. وأما فيما يتعلق بعبد الرزاق نايف، فكان الحقيقة كل يوم ظهراً نتناول وجبة الغذاء مشتركا في داخل القصر الجمهوري، أعضاء القيادة وأعضاء مجلس قيادة الثورة والوزارء، يعني عدد من الوزراء ورئيس الوزراء والرئيس البكر فبعد ما انتهى تناول الغذاء اتجه الرئيس البكر وصالح أحمد عماش وعبد الرزاق نايف إلى مكتب البكر داخل القصر. ودخلنا بعدها بدقائق دخلنا أنا وصدام حسين على مكتب البكر واشهرنا السلاح بوجه عبد الرزاق نايف وطلبنا من عنده إنّه لا يتحرك ولا يحاول أي شيء، فوضعناه في غرفة مجاورة.

سامي كليب: رغم أنكما كنتما مدنيين؟

صلاح عمر العلي: إحنا مدنيين طبعا لا شك، فوضعناه بغرفة بشكل موقت ريثما حضرنا سيارة، وشنو، وكنا محضرين طيارة في معسكر الرشيد، فنقل بالسيارة إلى معسكر الرشيد ووُضِع في الطيارة وسُفِّر إلى الخارج.

العلي والأزمة الأردنية الفلسطينية

سامي كليب: كنا أشرنا منذ قليل إلى الموضوع الفلسطيني، أنت أيضا كُلِفت بالاتصال بالملك حسين قبيل وأعتقد خلال – ربما- أزمة عام 1970 "أيلول الأسود" الشهيرة. أخبرنا قليلاً ما الذي جرى بينك وبين الملك حسين، الملك الراحل؟ وهل كنتم تشعرون فعلاً أن الملك يريد إزالة هذا العمل المسلح الفلسطيني بكل الوسائل؟

صلاح عمر العلي: إذاً تُذكَر الأزمة إللي حصلت بين الأخوة الفلسطينيين والحكومة أو السلطة الأردنية حصلت على مرحلتينز حصلت أولاً في شهر حزيران واتوقفت بعدين، ومن ثم اتجددت في شهر أيلول، فعندما حصلت الأزمة الأولى في شهر حزيران، بعث أبو عمار رسالة مستعجلة يطلب من العراق أن يتوسط من أجل إيقاف القتال من أجل حل الأزمة بين الفدائيين، بين المنظمات الفلسطينية وبين الملك حسين. فاتصل بي الرئيس البكر وطلب من عندي أن أسافر إلى الأردن على رأس وفد عراقي لهذا الغرض وسافرنا على عجل فعلا إلى الأردن. التقينا في بالأردن، بالعاصمة عمان، اتجهنا إلى مقر منظمة التحرير والتقينا تقريبا بكل قادة فصائل المقاومة الفلسطينية كانوا مجتمعين وعقدت اجتماع معهم مطول استغرق يمكن أربع، خمس ساعات. وغادرت الاجتماع وخرج معي الأخ أبو عمار يوصلني إلى السيارة.

سامي كليب [مقاطعا]: الرئيس الفلسطيني؟!

صلاح عمر العلي: الأخ أبو عمار همس في اذني قال: " أنه قبل أن تطرح مطالبنا وشروطنا لوقف القتال على الملك حسين أترجاك أن تحاول تفحص وضعه النفسي وتكتشف هل إذا كان مستعد أن نحضر هذا الاجتماع فيما بعد؟ فأفضل إذا كان مستعد أن تتصل فيه حتى نجي نحضر الاجتماع، وإذا لم يكن مستعد فلا مانع أن تطرح المطالب". ورحنا إلى القصر، إلى منزل الملك حسين، فالرجل حقيقة كان يعني كان منفتح وكان ايجابي وكان متسامح، اتصلت فيهم وإجا الأخ أبو عمار ومجموعة من قادة منظمات المقاومة الفلسطينية، جاءوا وسلموا وقعدوا بالقاعة، فأيضا بدأت أتحدث مع الملك حسين وقلت له: "جلالة الملك، أنا شاكر لك وممتن كثير على هذا الموقف الإيجابي وعلى هالشهامة العربية المعروفة عنك وعلى هالتسامح وها دول الإخوة إخوانك وهم أبناؤك، والآن هم في بيتك وأتمنى أنه يعنى يصير الحديث بمناخ أخوي، عائلي، أسروى من أجل أن نتوصل إلى اتفاق لإيقاف هذه الصدامات اللي تصير". فالحقيقة أنا كنت أتوقع أن أبو عمار يخرج الورق من جيبه ويتحدث عن الشروط، لكن فوجئت بأن أبو عمار يقفز من مكانه متجه إلى الملك حسين ويكب على الملك حسين بمجموعة من القبلات.

سامي كليب[مقاطعا]: وليس له مطالب؟

صلاح عمر العلي: وقال: "لا أي شروط، إحنا لا نملك شروط ولا عندنا مطالب، ولا أي شيء، إحنا مطلبنا الوحيد هو الملك حسين ورضاه و .. وإلى آخره". وكان حقيقة مجموعة من أعضاء الوفد جالسين معه، ووجدت كنت اطلع فيهم، هم كانوا محرجين، حتى بعضهم كان يستعمل كلمات قاسية جدا ضد الأخ أبو عمار.

سامي كليب: مثلا مَنْ الذي استخدم كلاماً قاسياً؟

صلاح عمر العلي: والله ما أذكرهم الآن، يعني تعرف الحادثة صارت من زمان، على العموم، فالحقيقة أنا أُحرَجت، وباقي أعضاء الوفد الفلسطيني أيضا أُحرَجوا، ناس حوالي خمسة ساعات نقضيها بمنظمة التحرير الفلسطينية من أجل أن يتفقوا على شروط، وإذن تُلغَي كل هالمطالب وهالشروط. على العموم مع ذلك، أنا الحقيقة استكملت الحديث مع جلالة الملك حسين واستطعنا أن نتفق وأن نأخذ تعهد من الملك حسين بأنه يتوقف هذا الموضوع، وتعهد وفعلا ابلغ القوات المسلحة الأردنية بإيقاف أي صِدام مع المنظمات الفدائية الفلسطينية، ورجعنا إلى بغداد بهذا

سامي كليب: البلاغ

صلاح عمر العلي: وتوقفت فعلا، واستمر هذا إيقاف الصدام إلى أيلول.

الثورة الليبية ومقابلة العقيد معمر القذافي

سامي كليب: طبعا لن نتوقف طويلاً عند هذه القضية. هناك قضايا عديدة في الواقع تحدثنا عنها ويبقى بعض الأسئلة، مثلا أنت كنت أيضاً من أوائل الذين التقوا - ربما الأول- الذي التقى، القيادة الليبية الجديدة العقيد معمر القذافي. هل تذكر أول لقاء؟ ما الذي جرى بينكما؟ وماذا قال لك العقيد؟

صلاح عمر العلي: نعم، الحقيقة إحنا كنا نحضر وفد عراقي، كنا في القاهرة للمشاركة في "مؤتمر دول المواجهة". وحصلت الثورة في ليبيا، فأول دولة اعترفت بالثورة الليبية هي العراق أولاً، ثانياً جاءتنا برقية من بغداد تطلب أن يتجه عدد من أعضاء الوفد إلى طرابلس لتقديم التهنئة بعملية التغيير واستمرار الآخرين للمشاركة في "مؤتمر دول المواجهة في القاهرة". هذا الأمر الحقيقة جعل المرحوم الرئيس عبد الناصر يتحسس بشكل عالي جدا أنه كيف أول دولة تعترف بهذا التغيير؟ ثانيا كيف راح يسافر وفد إلى طرابلس للتهنئة؟ وخصوصاً أن قادة الثورة في ليبيا كان كلهم شباب مجهولين، ما معروفين وعبد الناصر لم يعرف أحد من عندهم. وثاني يوم طلعت "جريدة الأهرام" فيها مانشيت عريض يتحدث عنوانه "انقلاب في ليبيا سعد الدين أبو الشواربي يقود الانقلاب." الشيء الآخر الحقيقة إنّه النظام السابق في ليبيا أيام الملك السنوسي كان عنده علاقة إيجابية شديدة جداً مع مصر، وكان يدعم الحقيقة القضية .. النظام في مصر، وكان إيجابي وكان يساعد الرئيس، نظام الرئيس عبد الناصر. فكل هذه المسائل كانت تدعو لنوع من الشك والريبة في النظام الجديد، المهم غادرنا أنا والمرحوم.

سامي كليب [مقاطعا]: رغم نصائح الرئيس المصري غادرتم إلى ليبيا؟

صلاح عمر العلي: غادرنا طبعا أنا والمرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي إللي هو عضو القيادة وعضو الوفد متجهين إلى بنغازي، مدينة بنغازي. وفي بنغازي، استقبلنا من قبل ضابط كان برتبة مقدم كان اسمه موسى أحمد إللي عُيِن فيما بعد وزير داخلية. والتقى فينا شخص آخر كان برتبة مقدم اسمه آدم الحواس، واللي عُيِن فيما بعد وزير دفاع. واجتمعنا فيهم وفهمنا من مجرى الأحاديث إللي جرت بينا وبينهم أن قائد الثورة هو آدم الحواس. فإحنا أكملنا الاجتماع مع آدم الحواس، وقررنا المغادرة إلى طرابلس. بعدين اتصل بي الدكتور محمد المغربي إللي صار أول رئيس وزراء في ليبيا. محمد المغربي ليه قصة معنا.محمد المغربي بعد أحداث 1967 بعد هزيمة 1967، قاد مظاهرة كبيرة جداً في ليبيا وكان يشتغل في شركات النفط، وبضوء هذه المظاهرة السلطات الليبية اعتقلته وحطوه بالسجن، ولكن بما أنه شخص معروف وقوي ومعروف شخصية سياسية، مع الزمن بدأت ضغوط على الملك إدريس من أجل إطلاق سراحه. فقبل أن نستلم السلطة .. بعد ما استلمنا السلطة من العراق بفترة وجيزة جدا، الملك إدريس اتخذ قرار بأن يطلق سراح المغربي بس بشرط أن يبعده خارج ليبيا. فبلغناهم لأسرته وبلغناه إليه قبل ما تصير الثورة في ليبيا وهما بياخذوا إجراءات للسفر.

سامي كليب [مقاطعا]: حصلت الثورة.

صلاح عمر العلي: صار الثورة الليبية، فالمغربي طبعا لا شك أنه اعتبر هذا موقف يعني لا ينسى بالنسبة إليه، ويعني قَّدر هذا الموقف تقدير كبير جدا. أنا بعد ما وصلت طرابلس الرجل خابرني وإجا زارني إلى الأوتيل بعد ما كان صدر قرار بتعيينه رئيس وزراء والقرار بتعيين معمر القذافي كرئيس لمجلس قيادة الثورة. فتحدثنا، أنا سألته، قلت له: "من هو قائد الثورة؟" قال لي: الملازم أول معمر القذافي.

سامي كليب: معمر القذافي، نعم.

صلاح عمر العلي: أنا معمر القذافي، في ذيك اللحظة حتى سمعت الإسم، قلت له "طيب .. آدم حواس." قال لي: "هذه فيها قصة، بني غازي فيها تنظيم وطرابلس فيها تنظيم .. وآدم حواس قائد الثورة هناك. وهنا بس راح يكون القائد الأول هو معمر القذافي.

سامي كليب: والتقيت بالقذافي فيما بعد؟

صلاح عمر العلي: التقيته .. جاني الحقيقة إجا معمر القذافي مساءاً ولا زلت أذكره، شاب نحيف، كان ملازم أول، يعني نجمتان وجلسنا مطولاً والرجل يعني أيضا أعرب عن شكره وامتنانه الكبير للاعتراف بالثورة والتغيير والتهنئة اللي قدمناها وعلى مجيئنا إلى طرابلس.

سامي كليب [مقاطعا]: حدثك عن مصر؟

صلاح عمر العلي: وشكرنا

سامي كليب: وعن الرئيس جمال عبد الناصر؟

صلاح عمر العلي: لا حقيقة ما حكى عن هالأمر هذا. كانت .. المغربي كان يقول لي إن إحنا بكرة راح نعلن عن التشكيل، بكرة هيعلنوا معمر القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة، ولكن معمر القذافي عنده نجمتين وعنده في الجيش رتب أعلى من عنده. فراح يصير إشكال قال: "حكينا معه من أجل إن إما يغير، يعني ينزع الرتبة أو يعلي الرتبة حتى لا يصير إشكال في الجيش". وما عم يوافق، فاترجاني قالي ممكن إذا تحكي معه.

سامي كليب: ابتسم

صلاح عمر العلي: فحكيت أنا الحقيقة معه مطولاً بها الموضوع هذا وكان يرفض، وكان مصر ومعتبر هالمسألة كبيرة وأساسية. أنا ذكرته قلت له: "أنت بعد ساعات راح تعلن أنت مسؤول عن بلد بالكامل، فهي مسألة شكلية كل ما في الأمر إنّه راح يصير بها إشكال، لا يجوز إنه واحد برتبة مقدم أو عقيد يجي يؤدي لك تحية وأنت بنجمتين. فهي مسألة ما لها أي قيمة وما لها أي معنى، وبالتالي قبول هذا ما يحتاج نقاش ولا جدال ولا هذا أبداً وإحنا جرى عندنا بالعراق، رفعنا ناس، رفعنا ضابط مثلا برتبة مقدم، سويناه فريق لغرض يعني تنظيمي فقط لا أكثر ولا أقل."

سامي كليب [ابتسم]

صلاح عمر العلي: فوافق الرجل، الحقيقة نتيجة للأحاديث إللي جرت الإيجابية جداً إللي جرت وياه، ما أعرف ليها سبب قال لي: "أنا ما راح أخليك تسافر، أنا راح استبقيك هنا أنا". قلت له: "تستبقيني شنو؟ أنا عضو مجلس قيادة الثورة وعندي مهام هناك وعندي وزارة وإلى آخره". قال لي: "أنا ما أعرف، الحد الأدنى، أنا راح اتصل بالأخوة في العراق، لازم يعينوك سفير هنا، حتى تعاونا، حتى تساعدنا، حتى كذا". طبعا أنا الحقيقة يعني جاملته بهالمسألة هذه وقدمت له التهنئة والتبريك واتمنينا عليهم أنه يحققوا النجاح في خدمة المجتمع الليبي.

سامي كليب: بعدها عدت إلى مصر أم عدت إلى العراق؟

صلاح عمر العلي: عدت إلى مصر ومن ثم إلى بغداد.

سامي كليب: الحرية .. الحرية .. كلمات يكررها اليوم صلاح عمر العلي من منزله في بريطانيا ويحدثنا قبل مغادرتنا له وبكثير من الصدق عن جاره الوزير البريطاني الذي يقود سيارته بنفسه ويشتري خضاره بنفسه وينعم بحياته وتواضعه، بينما تعالي القادة عندنا حرم شعوباً بكاملها من حريتها. فهل ينبغي أن يخرج كل مسؤول عربي إلى دولة ديمقراطية ليفهم فعلاً معنى هذه الكلمة؟ إلى اللقاء في الأسبوع المقبل.