- الخروج من تزمامارت
- مرحلة الإعداد للعودة إلى الحياة

- يوم الإفراج واللقاء الأول مع الأهل

- طعم الحرية.. طعم المرارة

الخروج من تزمامارت

أحمد منصور
أحمد المرزوقي
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج شاهد على العصر، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة أحمد المرزوقي أحد الضباط الذين شاركوا في محاولة انقلاب الصخيرات عام 1971 وأحد الناجين من سجن تزمامارت الرهيب في المغرب. توقفنا في الحلقة الماضية عند الخامس عشر من سبتمبر عام 1991 وهو يوم خروجكم من تزمامارت بعدما دخلتموه في السابع من أغسطس آب عام 1973، لم تروا الشمس أو الضوء طوال هذه السنوات، كيف مثل هذا اليوم بالنسبة لكم وكيف تلقيتم خبر الإفراج عنكم؟

أحمد المرزوقي: غالبيتنا كانت متفائلة نظرا للأحداث التي مرت قبل هذا اليوم ولكن البعض منا كان حذرا فقال لنا تريثوا قد يطلق سراحنا وقد نصفى بكل بساطة، المهم وقعنا في حيرة إلى أن..

أحمد منصور (مقاطعا): أحدكم قال هذا، قال إنه سمع أحد الحراس يقول للآخر إن السلطة أو المسؤولين أو الذين أسسوا تزمامارت إن لم يقوموا بتصفية السجناء والحراس وكل من شاهد هذا السجن فسوف يفتضح أمره ويخرج إلى العالم.

أحمد المرزوقي: هذا في الحقيقة حوار جرى بين حارسين، لما تكاثرت..

أحمد منصور (مقاطعا): وسمعتموه أنتم؟

أحمد المرزوقي: نعم، نعم، قال أحد الحراس وهو اسمه مولاي علي، قال لأحد كنا نسميه بأبي أحمد، قال له ماذا تظن أنهم فاعلون بهؤلاء؟ قال ربما سننتظر، سنبقى معهم حتى يموتوا وننصرف إلى حال سبيلنا، قال له أتظن ذلك؟ قال نعم، قال أنا لا أعتقد، أعتقد أنه بموت آخر هؤلاء السجناء فسوف نصفى جميعا.

أحمد منصور: كحراس؟

أحمد المرزوقي: كحراس. قال أوتظن ذلك؟ قال هذا من المفروض أن يقع هذا، لو كنت أنا مكان الرؤساء لقمت بهذا لكي لا أبقي أثرا على تزمامارت. والغريب في الأمر أن مولاي علي هذا لما أحيل على التقاعد لم يبق سوى ستة أشهر حتى مات، الموت -العلم لله- نقطة استفهام. في الخامس عشر من هذا اليوم وزع علينا بذلات عسكرية وكانت فضفاضة جدا نظرا..

أحمد منصور (مقاطعا): كما هي بدون ما تفصل.

أحمد المرزوقي: كما هي، يعني أشياء كنت تأخذ بالسروال هكذا، أنا كنت هكذا، هكذا، يعني الحزام كنت أضع رجلي، أما الفخذ يعني الفخذ عبارة عن عظام، عظم طويل..

أحمد منصور (مقاطعا): كلكم هياكل عظمية.

أحمد المرزوقي: كلنا هياكل عظمية، لما أخذنا..

أحمد منصور (مقاطعا): كنتم وأنتم تنظرون إلى بعض..

أحمد المرزوقي: (مقاطعا): كنا نضحك، كيف فلان، كيف كان وكيف رجع.

أحمد منصور: لكن لا أحد نظر منكم في المرآة إلى نفسه؟

أحمد المرزوقي: لا، أبدا.

أحمد منصور: ولا تعرفون أشكالكم بعد 18 عاما.

أحمد المرزوقي: نظرنا إلى المرآة لما.. نسينا الحديث عن اختراع الملازم مبارك الطويل والنقيب حشاد عندما اخترع مرآة، يعني كنا نسرق بها الشمس لكي ندخل بعضا من الشمس إلى..

أحمد منصور (مقاطعا): من الثقب الموجود في أعلى الزنزانة.

أحمد المرزوقي: نعم، نعم. وكان حدثا ضخما..

أحمد منصور: اختراع عظيم..

أحمد المرزوقي:  اختراعا عظيما حيث لعبنا فيه الشطرنج ولعبنا وكتبنا. على كل حال أخذت منا الملابس التي كانت علينا وأخرجت إلى الساحة وأحرقت، ثم أخذنا الملابس الجديدة..

أحمد منصور (مقاطعا): أحدكم أنا قابلته قال إن الملابس كانت ملتصقة في لحمه.

أحمد المرزوقي: نعم، هو الأحسن أوصياد يعني كنا نفصل من الأغطية، ومن الأغطية التي ورثناها عن الموتى، طبعا كانت بمثابة كنز ثمين، لما كان يتوفى أحد منا كنا نرث عنه تلك..

أحمد منصور: رغم رائحة الموت التي فيها.

أحمد المرزوقي: بقيحها وبنفايتها، طبعا من أجل مقاومة البرد، فكنا نصنع لنا من الأغطية يعني ثيابا داخلية لاصقة بالجلد رغم خشونها، فأوصياد كانت له يعني عباءة إن قلت إن شئت لاصقة به، التصقت بجلده، فلما قالوا له أزل عنك هذا، قال لا يمكن أن أزيلها التصقت بجلدي وإن أزلتها هلكت، المهم أنهم قطعوها بمقص. طبعا لما أخرجنا كان الباب يفتح..

أحمد منصور (مقاطعا): ثمانية عشر عاما وثلاثة أشهر لم يستحم أي منكم؟

أحمد المرزوقي: كنا في الصيف شبه استحمام، أي استحمام؟ يعني بخمسة ليترات في الصيف كنا يعني استحمام جاف إذا شئت. كان لما خرجنا كان الباب يفتح ورأينا.. فضّول..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه أول مرة يفتح عليكم الباب؟

أحمد المرزوقي: أول مرة نراه، فضّول كان ملازما فإذا به مقدما، ليوتنانت كولونيل.

أحمد منصور: هو الذي جاء بكم إلى السجن؟

أحمد المرزوقي: وهو الذي جاء في طلبنا لكي يعيدنا. المهم كان ينظر إلينا نظرات ثاقبة وبازدراء و.. من أنت؟ يتحقق من هويتنا، وكانت الكشافات ضوء مسلط علينا، كان يقول افتح عينيك من أنت، نقول أنا فلان فلان.

أحمد منصور: كلكم بشعوركم وعلى هيئة..

أحمد المرزوقي (مقاطعا): لا، لا، كانت تحسنت وضعيتنا لأننا اخترعنا مقصات وهكذا. قال من أنت؟ طبعا كان يتحقق من هويتنا وكان وراءه أطباء، طبيب سألتقي فيما بعد، وقال لي والله إني شاهدت في حياتي المهنية كثيرا من الفظاعات ولكن لما فتح عليكم أقول وأنا طبيب يعني انفطرت، وجئت معي بآلة تصوير ولكن لم أستطع خوفا من فضّول وإني لأندم ندما لأني لم ألتقط أي صورة لهذا المشهد.

أحمد منصور: أنتم لم تؤخذ لكم أي صورة.

أحمد المرزوقي: لا، لم تؤخذ أي صورة. طبعا أخرجنا الواحد تلو الآخر، قيدونا كما العادة وضعوا لنا العصابة على العينين، ألبسونا جلبابا وسقط القب، غطوا وجهنا وأدخلنا إلى الشاحنات، بين كل..

أحمد منصور (مقاطعا): هل كنتم تعتقدون أنكم في الإفراج ولا؟

أحمد المرزوقي: لا. طبعا كانت حظوظ الإفراج أكثر من حظوظ الإعدام، أنا شخصيا كنت متفائلا. وجلس كل سجين بين دركيين على كراس خشبية ونحن المقعدة كانت مجردة من اللحم وتعذبنا عذابا فظيعا لأننا خرجنا من تزمامارت عشية لأني سمعت دركيا يقول له كم الساعة، ووصلنا إلى أهرومو يعني القاعدة التي انطلقنا منها، لم نكن نعرفها، أنا لم أعرفها، في الساعة السابعة صباحا..

مرحلة الإعداد للعودة إلى الحياة



أحمد منصور (مقاطعا): لكن لم تعرف مدرسة أهرومو حين وصلت؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، لما أدخلت إلى غرفة كبيرة لم أعرف..

أحمد منصور (مقاطعا): أنك في أهرومو؟

أحمد المرزوقي: لا، لا، لم أتعرف، بعض الأصدقاء تعرفوا عليها، طبعا أنا في الغرفة التي كنت فيها لم أتعرف عليها.

أحمد منصور: كل واحد كان في غرفة منفصلة عن الآخر؟

أحمد المرزوقي: كل واحد كان في غرفة.

أحمد منصور: عزلوكم عزلا تاما عن بعضكم البعض؟

أحمد المرزوقي: تماما.

أحمد منصور: غرف وليست زنازين؟

أحمد المرزوقي: غرف بحوض ماء وسرير وغير ذلك. ومن الوهلة الأولى تعرفت على دركي برتبة مساعد كان في المدرسة التي كان يدرس فيها أخي، من الوهلة الأولى ولكن بلباس غريب، أنا قلت أين رأيت هذا؟ وهنا الحقيقة القدرة الربانية، كيف للذاكرة البشرية أن تحتفظ بملامح وجه إنسان رغم أني كنت في تزمامارت، من الوهلة الأولى ولكن كذبت نفسي قلت لا، إنه ربما يشبهه، ولكنه سرعان ما جاء عندي قال لي أحمد؟..

أحمد منصور: عرفك هو؟

أحمد المرزوقي: آه، طبعا تعرف علي، قال لي أحمد أنت هو؟ طبعا كانوا يقرؤون الأسماء، قلت له نعم أنا، قال لي أنا صديق أخيك، قلت له أخي لا زال على قيد الحياة أخي عبد اللطيف؟

أحمد منصور: لم تكن تعلم شيئا عن عائلتك؟

أحمد المرزوقي: عرفت بواسطة عائلة الأخ الصفريوي أن والدي توفي عام 1974 أما ما عدا هذا لم أكن أعلم أي شيء..

أحمد منصور (مقاطعا): لا عن أخوتك ولا عن عائلتك ولا عن أمك ولا عن أي شيء؟

أحمد المرزوقي: أي شيء.

أحمد منصور: وهم أيضا لم يكونوا يعلمون عنك شيئا؟

أحمد المرزوقي: توصلوا برسائل مكتوبة في علب عود ثقاب، ووريقات صغيرة كتبت فيها بعض الكلمات وإن كنت قد كتبت رسائل بواسطة الأخ عبد اللطيف الكبير والأخير غلول سربت إلى الصحافة يعني سربت إلى الإعلان وإلى المنظمات الدولية، حتى الرسالة الكبيرة التي كانت شافية ووصفت فيها جميع الفظاعات لما وصلت إلى منظمة العفو الدولية لم يصدقوا ذلك، قالوا هذا من قبيل خيال الناس، لا يمكن أن يكون هذا فيها، فطلبوا رسالة أخرى..

أحمد منصور (مقاطعا): لا زال بعض الناس إلى الآن يقولون إن ما تتحدثون به هو من قبيل الخيال.

أحمد المرزوقي: زعيم سياسي محجوبي أحردان يقول بكل صفاقة يقول إن تزمامارت هو عبارة عن مغالاة ومبالغة وإنه كان سجنا كسائر السجون. وليقولوا ما يشاؤون الحقيقة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ماذا أقول لهؤلاء لأنهم..

أحمد منصور: الفترة التي قضيتها هذه من أجل عودتك إلى الحياة مرة أخرى التي كانت بين الموت والعودة إلى الحياة مرة أخرى امتدت كم؟

أحمد المرزوقي: يعني كانت ولادة ثانية، يعني كأن الإنسان كان في الآخرة ونفخت فيه الروح ورجع إلى الحياة الدنيا، لأن كل شيء قد تبدل، كان علينا أن نبدأ تعلم كل شيء انطلاقا من المشي..

أحمد منصور (مقاطعا): المشي؟

أحمد المرزوقي: المشي، تخيل أن الإنسان قضى قرابة عقدين من الزمن وهو دائما يرى أن حائطا، جدارا أمامه، فكان علينا أن نتعلم المشي، أن نتعلم الكلام، كنت أتكلم بصوت جهوري وكأنني أخاطب من وراء الجدران أصدقائي، الكل كان طبعا يقول لي أحمد أخفض من صوتك.

أحمد منصور: 18 عاما وأنت تصرخ.

أحمد المرزوقي: يقولون أحمد اخفض من صوتك، وكلما تكلمت مع أمي كانت تقفز. حتى المشي، لا زلت أذكر أن أول سفر قمت به إلى فاس كنت أمشي وكأنني سأصطدم بالجدار، كان علي أن أقنع نفسي بأنه لم يبق هنالك جدار، وكانت إحساسات أخرى كنت أعتقد أن الناس كلهم قد وقفوا يتفرجون على مشيتي ويضحكون لأن كثيرا من العقد والأشياء الغريبة، كان علينا أن نتأقلم، أن نتعرف بمن مات وبمن ازداد وبالتقلبات والحياة، كيف نزل علينا هذا السيل العرمرم من الأخبار دفعة واحدة بعدما كانت ذاكرتنا نائمة في ثبات عميق، كيف، يعني هذه الأشياء كان علينا أن نقاومها أن نتعود عليها بوحدنا.

أحمد منصور: الفترة هذه كانت، فترة قبل أن تخرج كانت فترة إعداد لكم تأكلون تشربون، يعدوكم حتى تخرجوا؟

أحمد المرزوقي: في أهرومو مكثنا قرابة شهرين تقريبا، كانوا يعلفوننا كالبهائم، كان بعض الأطباء يمرون علينا ويحثوننا على الأكل ويزينوننا، كل صباح كانوا يزينوننا لنرى تحسنا يعني بعبارة وجيزة كانوا يريدون أن يعطونا يعني صبغة آدمية..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى تصبحوا مثل باقي الناس.

أحمد المرزوقي: نعم، صبغة آدمية. ولما أرادوا أن يطلقوا سراحنا فجاء فضّول ومعه ناس طبعا كلمنا في كيفية مغامرة، أرادوا أن يحكوا بعض النكت وسلموا لنا المصاحف وقالوا لنا، المصاحف القرآنية وقالوا لنا إن صاحب الجلالة قد عفا عنكم ولهذا ينبغي أن تكونوا مدينين له بهذه النعمة، إياكم أن تتحدثوا بشيء عن تزمامارت وإلا عدتم إليها، هذه نسخة من المصحف الكريم قولوا بأنكم حفظتم القرآن وكنتم في ثكنة عسكرية، كنتم في أحسن الأحوال، وإياكم ثم إياكم أن تذكروا شيئا عن تزمامارت وإذا قيل لكم كيف اختفيتم قولوا كانت هنالك يعني لا أقول، بالفرنسية يقول (كلمة فرنسية) هنالك يعني أمر من أمور الدولة هي التي أرادت أن تبقوا في هذه الثكنة، وقال لي بالحرف -فضّول- قال لي.. طبعا كان ينتظرني أن أشكر، أن أطنب في المدح..

أحمد منصور (مقاطعا): لمن؟

أحمد المرزوقي: للملك طبعا، قال بأنه عفا عليك. قال لي بالحرف، قال لي سيفرج عنك، من الآن اعتبر نفسك ضيفا عندنا، قلت شكرا. قال لي ليس أنا من ينبغي أن تشكر، قلت من؟ قلت حتى المرسول حتى الذي يأتي بالبشرى ينبغي أن يشكر، قال لي والله، أقسم بالله لو قدر لك أن تراني مرة أخرى فسوف أرميك في بئر هذه المرة، أنت عنيد. وكذلك الشأن كان تقريبا بجل الأصدقاء.

أحمد منصور: كلكم خرجتم في يوم واحد؟

أحمد المرزوقي: لا. كلما ظهر شيء من التغير، على دفعات..

أحمد منصور (مقاطعا): كلما واحد يبقى صحته كويسة ومعينة؟

أحمد المرزوقي: نعم. كانوا يأخذوننا خمسة أو ستة، على حسب.

يوم الإفراج واللقاء الأول مع الأهل



أحمد منصور: كيف التقيت بأهلك للمرة الأولى؟

أحمد المرزوقي: في أثناء السير، في أثناء الطريق..

أحمد منصور (مقاطعا): هم الآن أخرجوك؟

أحمد المرزوقي: لا أخذوني في شاحنة مع بعض الأصدقاء وفي..

أحمد منصور (مقاطعا): هذا كان في 23 أكتوبر 1991.

أحمد المرزوقي: نعم. وفي مكان خال أنزلوني من الشاحنة وأركبوني سيارة فارهة، أحسست بسيارة، يعني أول مرة أحس.. كان فيها نقيب دركي وهو كان آنذاك رئيس المنطقة التي أنتمي إليها..

أحمد منصور (مقاطعا): أخذوك إلى غفساي، إلى بلدتك؟

أحمد المرزوقي: نعم. وهذا الرئيس كان طبعا هو رئيس الدرك، منطقة الدرك في مدينة تونات ومعه بضعة دركيين. انطلقت السيارة وأخذ يطرح علي بعض الأسئلة، فتبين لنا أننا نعرف بعض الأشخاص مشتركين، ففي نصف الطريق توقف وقال إني تلقيت أوامر بأن لا أنزع عنك العصابة والقيد إلا عند الباشا ولكني أرى..

أحمد منصور (مقاطعا): آه، كنت لا تزال مقيدا معصوبا؟

أحمد المرزوقي: نعم. قال إني أرى بأن هذه التعاليم سخيفة جدا ونظرا لأننا نعرف بعض الأشخاص المشتركين فسوف أخالف هذه الأوامر، أهبطوني، أنزلت من السيارة وأزاحوا العصابة من عيني وأخذوا مني الجلباب وفكوا يدي وكانت أول مرة بعد عشرين سنة تقع فيها عيناي على الطبيعة..

أحمد منصور: يا سلام.

أحمد المرزوقي: ماذا أقول لك يا أخي؟! هذا الشعور لا يزال يسكنني إلى اليوم، أحسست بملكوت الله سبحانه وتعالى، بالأرض الشاسعة بالخضرة بالجمال، أحسست وكأني أدخلت إلى الجنة يعني نظرك يسرح في الآفاق البعيدة بدون جدار بدون بيبان بدون حيطان بدون، وكان أمامي وادي، قال لي أتدري أين أنت؟ قلت لا، قال أنت في بلدتك، هذا وادي أولاي، اسمه أولاي، وأول مرة لأول مرة كان بعض الصبية يمرون بحقائبهم على ظهورهم وكانوا منشغلين وتسمرت عيناي على تلك الوجوه البريئة وهم يستطلعون وينظرون ماذا، ورأوني طبعا كنت في منظر شاحب طبعا أثرت انتباههم، أول مرة تقع عيني على أطفال.

أحمد منصور: منذ عشرين عاما.

أحمد المرزوقي: منذ عشرين عاما. وبعد ذلك وصلت إلى مقر الداخلية، يعني مقر مركز القائد والباشا الذي كان، الذي ورثناه في غفساي عن المستعمر لأن غفساي همشت تهميشا مطلقا، طبعا غفساي رغم أنها شاركت في حرب التحرير وكل.. فإنها إلى حد الساعة مهمشة، هذا المركز يسمى البيرو، البيرو بمعنى المكتب، باقي احتفظ باسمه البيرو وجدته كما هو كأن شيئا لم، كأن التاريخ وقف في هذه البلاد، حتى القرميد الأحمر أصبح كالحا، فأدخلوني وكان الباشا مع القائد يتغديان مع بعض الضيوف، أدخلوني إلى القاعة، وأخذ الناس طبعا تركوا الغداء وجاؤوا يجرون يتراكضون فالكل كان يدخل ويأخذ مكانه في كراسي وينظر إلي كأني جئت من المريخ أو لست أدري، ينظرون إلي باندهاش، وقف القائد والباشا ينتظران ومعهم نقيب درك وران صمت ثقيل فقال الباشا، أين هم؟ أين هي أسرته هل أعلمتموهم؟ فقال أحدهم نعم سيدي الباشا لقد أعلمناهم، إنهم في الطريق، وفجأة دخل إنسان طويل أصلع الرأس نحيفا دخل وخلته أحدا من رجال الشرطة أو الدرك أو المخابرات لأن كرسيا ظل شاغرا وقلت إنه سيجلس في الكرسي فإذا به يبحث فتسمرت عيناه علي وانطلق نحوي وعانقني وأجهش بالبكاء، يعني ضمني وأخذ يبكي، أخذ يبكي أخي أخي، قلت من أنت في أخوتي؟..

أحمد منصور (مقاطعا): لم تعرفه؟

أحمد المرزوقي: لم أعرفه. قال أنا أخوك عبد الوهاب، يعني انفطرت وبذلت جهدا كبيرا لكي لا أبكي يعني قمعت دموعي وقمعت، قلت أخي لا تبكي، كان أول سؤال، خفت أن أطرح عليه السؤال، خفت أن يصدمني بموت أمي..

أحمد منصور: لم تكن تعرف شيئا عنها.

أحمد المرزوقي: لا عن أمي، طبعا كنت أعلم موت أبي ولكن أمي كنت أقول لو قال لي بأن أمي ماتت سأنهار ولكنني تريثت قلت وبدون إرادة مني وجدتني أطرح عليه السؤال، كيف حال أمي؟ فقال إنها في الرباط، قيل لنا بأنهم سيذهبون بك عند أخي في الرباط وأتوا بك هنا. آه نزلت علي رحمة، فيض من رحمة الله.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: كيف التقيت بباقي العائلة؟

أحمد المرزوقي: بعد ساعة جاءت سيارة فيها زوج أختي وابن عمي ومعلمي، الأستاذ الحاج الحسن..

أحمد منصور: معلمي!

أحمد المرزوقي: نعم. رأيته وتعرفت عليه في التو واللحظة ولكن لم أتعرف على أختي ربيعة..

أحمد منصور: لم تعرف أختك؟

أحمد المرزوقي: لا، أختي أول شيء فعلته أنها كانت تأخذ عيني، أخي هل ترى، هل ترى؟ كانت عيناي لا تتحركان كثيرا، كنت أرى نوعا من الضباب نظرا لكثرة الضوء، لم أكن قد تعودت بعد على الضوء، فقلت لها إني أرى. فطبعا جاء الباشا وخطب وقال كذا، أنعم عليه وينبغي أن يكون شاكرا للنعمة فتطوع ابن عمي وطلب منه أن يلقي خطابا فشكر ابن عمي الملك وشكر النظام لأنه تفضل بإطلاق سراحي، وألقى خطابا كذلك تفضل به..

أحمد منصور (مقاطعا): لكنك أنت لم تشكر؟

أحمد المرزوقي: أنا لم أتكلم، ران صمت رهيب وطلب مني، طبعت كانت إهانة، ماذا أقول؟ إنسان يحكم عليه بخمس سنوات فإذا به، خرجت من القبور، أي عفو هذا! ركبت سيارة مع أخي، قال لا تتركوه في غفساي ومنزل في الدوار يعني في المتجر اسمه بوعجول، اذهبوا به إلى بوعجول، وما أن وصلت حتى سرى الخبر وتقاطر الناس رغم أن الباشا والقائد يعني أعطوا أوامر صارمة بألا يكون هناك لا احتفال ولا زغاريد ولا كذا، رغم ذلك تقاطر الناس من كل صوب وحدب طيلة شهر من الزمن، شهر بكامله والناس يتقاطرون، لكن اللحظة المؤلمة جدا هي أنه لما اتصل أخي في الهاتف بأخي الدبلوماسي الذي كان في الرباط كان ينتظرني مع أمي قيل له بأن أحمد قد جاؤوا به وهو في بوعجول، الوالدة المسكينة يعني كانت على وشك الجنون، فكانت تحكي لي ولا زلت أحتفظ بشريط مسجل وهي تحكي، يعني شيء فظيع لا تستطيع..

أحمد منصور (مقاطعا): صف لنا بعضا من هذا؟

أحمد المرزوقي: قالت المسكينة، قالت إن الطريق، كانت تعتقد بأنهم يضحكون عليها، كانت تقول قولوا لي، ريحوني، قولوا لي بأن أحمد قد مات، كيف يمكن لي أن.. وجاءت في السيارة طبعا طال عليها الطريق، وأنا نمت في بيت أخي.

أحمد منصور: كيف كانت ليلتك الأولى خارج؟

أحمد المرزوقي: ليلة غريبة، كنت قد تعودت وأنا في الزنزانة أن أخرج من كيس كنت أسده من الداخل وكنت أفتحه في الليل أذهب إلى المرحاض وأعود وأنا نائم، ثم أغلقه، كذلك وقع لما بت عند أخي، فتحت يعني كالروبو يعني، ولما ذهبت اعتقادا مني أنني في الزنزانة دخلت في خزانة فتساقط.. جاؤوا يجرون، ماذا فعل؟ لم طبعا أحك لهم أي شيء، في الساعة الثالثة صباحا استيقظت كأن أحدا أيقظني، استيقظت لوحدي، فخرجت وجاء أحدهم وقال أمك قد قدمت.

أحمد منصور: كيف كان لقاؤك بأمك؟

أحمد المرزوقي: رفعت بصري إلى السماء فرأيت، كانت السماء صافية والنجوم يعني شيء، كنت أحسب نفسي أنني في الجنة، كل شيء كان جميلا، جاء لي أحد الأقارب وقال لي أحمد تشجع، أرجوك أن تبقى متماسكا، قلت لا عليك رأيت من المآسي ما لا.. لا تخف، جاءت الوالدة كانت بجلباب أبيض وكانت نحيفة، ولم يكن طبعا الكهرباء في المتجر، كانوا يأخذون بعض..

أحمد منصور: الإضاءة بالغاز أو بالكاز.

أحمد المرزوقي: نعم، بالغاز، بعض المصابيح، فلما رأتني وقفنا أنا وخلفي نفر من العائلة وهي وخلفها نفر مع أخي سي محمد و.. يا أخي كانت لحظة، لا أقول، أنا كنت أعتقد أنني نسيت وانتهى الأمر، نسوني، لكن أم، يعني شيء فظيع لا أستطيع وصفه، التصقت بي، التصقت بي وأجهشت بالبكاء بكاء حارقا يعني، يعني تعوزني الكلمات لوصف هذا.

أحمد منصور: "لما تواجهنا وأصبح كل منا على مرمى خطوة من الآخر وقفت ووقفت، فتحت عينيها تنظر إلي كالمصعوقة، حاولت أن أبتسم، فجمعت شتات عقلي وقلت في دفعة واحدة بصوت خرج مبحوحا من شدة الاختناق، حبيبتي أمي كيف..".. أكمل أنت.

أحمد المرزوقي: "حبيبتي أمي كيف أنت؟ صرخت المسكينة صرخة واحدة جرحت من شدة حدتها أذن الفرج المتنفس وهتفت وهي تشهق منصهرة في بكاء مثير ملتاع ولدي، ولدي أحمد. ارتمت في أحضاني وعانقتني بكل ما أوتيت من قوة وهي تنوح وتئن وتتوجع غير عابئة بتوسلات أخواني وهم يناشدونها باكين أن تثوب إلى رشدها كي لا تزيد في محنة قلبها".

طعم الحرية.. طعم المرارة



أحمد منصور: عدت أنت للحياة بعد ذلك، متى استطعت أن تخرج من تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة إن سجن تزمامارت لا زال عالقا بنا إلى الآن، لا يستطيع أحد أن يتنصل من تلك المحنة، المحنة نراها عادة وكثيرا في كوابيسنا في الكوابيس التي نراها، طبعا بذلنا جهد كبيرا في التأقلم مع الحياة كان جهدا كبيرا كان علينا كما قلت لك أن نتعلم كيف نتكلم مع الناس كيف نتمشى، كل شيء كان قد تبدل، يعني أصحاب الكهف نحن كنا أصحاب الكهف تماما بتمام، كان علينا، يعني رجعنا إلى الحياة ووجدنا أنفسنا كهولا، لم نعش فترة الشباب، لبابة وعصارة الشباب قضيناها في تزمامارت ذهبت في تزمامارت كشريط قطع من الوسط وألصقت النهاية بالبداية هكذا كنا، وقيل لنا إنه بعد شهر من الزمان سنرتاح فيه ستأتي السلطات إلينا من أجل معالجتنا ومن أجل البت في مصيرنا.

أحمد منصور: يقولون إنهم عالجوكم ومنحوكم التعويضات وتعيشون وعائلاتكم حياة مريحة يعني؟

أحمد المرزوقي: هنا ينبغي أن نسلط الضوء على هذه الفترة، فبعد مرور شهر لم يأتوا وتركونا بحالنا وحاصرونا، وكنا محروسين من شدة، يعني كان هناك الكثير من المخبرين الذين يراقبوننا في كل أحوالنا وفي كل ساعات النهار وأنا شخصيا لما رأيت وتيقنت بأنهم نسوني وأصبحنا عالة على أسرنا، عالة، الأسرة المسكينة بكل ما لديها من إمكانيات هي التي كانت تؤدي فاتورة الدواء، أخواني وأخواتي وأمي كانت تبيع..

أحمد منصور: كثير من الأمراض لازمتكم، عاشت معكم؟

أحمد المرزوقي: طبعا إلى حد الساعة. ولكن لما تيقنت بأننا نسينا وأهملنا تحركت واتصلت بالمنظمات، منظمات العفو الدولية، وهنا أذكر الدور المشكور الذي لعبته المنظمات المغربية لحقوق الإنسان، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة الغربية لحقوق الإنسان وبعض الشرفاء وبعض الأطباء الذين طبعا تشجعوا واحتضنونا، لأن المغاربة كانوا مجرد سماع أن هذا كان من تزمامارت كان ينأى عنه وكأنه أمام وحش مفترس خوفا على نفسه، وهنا شيئا فشيئا اتصلت بالمنظمات الحقوقية المغربية التي أخذت بيدنا ووجدنا فيها الكثير من الرجال الشرفاء وكذلك في الخارج منظمات العفو الدولية التي اتصلت بها وكلفتني بالاتصال بأصدقائي ونفست عنا وخففت عنا كثيرا من الأشياء ومدتنا بشيكات من الأموال، يعني شيكات رمزية، واحتضننا الغربيون يعني في جميع أصقاع الدنيا إلا البلدان العربية، كانت تتقاطر علي رسائل بالعشرات يوميا، يوميا، طبعا من فرنسا وبلجيكا ومن كندا ومن، وهنا شيئا فشيئا أخذت أتواصل مع الأصدقاء وقلت لهم وبعض الأصدقاء كذلك تأكدوا..

أحمد منصور (مقاطعا): كم أنتم خرجتم أحياء من تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: 28.

أحمد منصور: وكم الذين ماتوا في تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: الذين ينتسبون إلى الطيارين وإلى المشاة ثلاثون بالإضافة إلى الغرباء الذين..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن منكم أنتم ثلاثون؟

أحمد المرزوقي: ثلاثون..

أحمد منصور: وفقط 28 خرجوا أحياء.

أحمد المرزوقي: نعم.

أحمد منصور: كيف كانت سنتك الأولى في الحرية؟

أحمد المرزوقي: يعني كنت أريد أن أتدارك الوقت، كنت مهووسا بالقراءة وأريد أن أعرف كل شيء دفعة واحدة وكنت كلما قرأت كتابا رميته لأقرأ كتابا آخر، أريد أن أعرف كل شيء، كنت أريد أن أسابق الزمن لأكون.. ولكن كان ذلك مستحيلا، ولكني كنت آليت على نفسي وأنا في تزمامارت شيئين اثنين، أن أقطع يعني أنقطع عن عادتي السيئة عن التدخين، أن أتابع دراستي.

أحمد منصور: أنتم في التدخين كنتم تدخنون في تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: لا، لم يكن الخبز، حتى الخبز لم يكن موجودا بالأحرى التدخين! يعني كنت مدمنا قبل اعتقالي..

أحمد منصور: كثيرون منكم كانوا مدمنين على التدخين، محمد الريس..

أحمد المرزوقي: نعم، محمد الريس لا زال يتابع ولم يستطع. وكنت نذرت نفسي لكتابة كتاب لأتحدث عن تزمامارت وأراد الله سبحانه تعالى أن يحقق لي الأمنيات الثلاث. بعد سنة كان الفراغ، وجدت نفسي عالة على.. فلا أنا -ما ينطبق علي ينطبق على سائر الأصدقاء- فلا نحن أعطيت لنا الفرصة للتمدرس وللقراءة وللتحصيل ولنتحصل على دبلومات من أجل مواجهة الحياة ولا نحن نعرف مهنة نقتات بها و.. المهم أنني..

أحمد منصور: شعرت بغربة عن هذا العالم.

أحمد المرزوقي: غربة، غربة، ولكنني أردت أن أملأ الفراغ فتقدمت إلى..

أحمد منصور (مقاطعا): حصلت على الثانوية العامة ودخلت كلية الحقوق وحصلت على ليسانس الحقوق..

أحمد المرزوقي: الإجازة نعم.

أحمد منصور: إجازة في الحقوق لكن لم يسمح لك العمل بها.

أحمد المرزوقي: لم يسمح لي بالعمل بدعوى أنني تجاوزت الأربعين، وصديق آخر أخذ الإجازة في الأدب وقيل لنا رغم.. وأفتح قوسا وأقول بأن هنالك أتيحت، هنالك فعلا قانون ولكن أتيحت الفرصة للأخوان الصحراويين، الأخوان الصحراويون دوننا تجاوزوا الأربعين وسمح لهم بممارسة الطب والمحاماة..

أحمد منصور: طبعا كان هناك معتقلون سياسيون كثيرون، فترة الحسن الثاني كان فيها ما يقرب من مائة محاكمة للسياسيين خلال سنوات حكمه. ماذا تريدون؟ يعني أنتم الآن التزمامارتيون كما يقال العائدون إلى الحياة من الموت، ما الذي تؤملون فيما بقي لكم من أعماركم؟ هنالك من هو أكبر منك سنا بكثير من التزمامارتيين وهناك ناس يعيشون في الأمراض والأوجاع والآلام إلى الآن.

أحمد المرزوقي: أريد أن أوضح نقطة مهمة جدا، وهي أن كثيرا من الصحفيين المغرضين قدمونا كمرتزقة، لقد عوضنا، كانت هنالك اللجنة المستقلة للتحكيم عوضتنا، ولكن كيف عوضتنا؟ بعد هذه السنين الطويلة حتى سنة 2000، نحن خرجنا في سنة 1991، في 1994 سنة 1994 استدعينا من طرف وزير حقوق الإنسان الذي كان.. كانت طبعا استحدثت هذه الوزارة، فقال لنا بأن الملك الحسن الثاني يسلم عليكم ويسلمكم خمسة آلاف درهم إلى حين تصفية ملفكم، وأعطيت لنا مهلة شهرين قيل لنا، كنا نأخذ هذه. الناس يجهلون بأننا من 1991 إلى 2000 كنا طبعا عالة على عائلاتنا ولما خرجنا وجاءت هذه اللجنة أمرنا بأن نمضي على وثيقة تشهد بأننا نقبل الحكم مسبقا إذا ما كان، فالخصم والحكم يعني الحكم هو الخصم. ونظرا لاختلاف ولتفاوت موازين القوى كنا مضطرين كنا في حالة يعني مزرية، فأمضينا، فعوضنا بكيفية غريبة جدا، كلنا كنا في تزمامارت ولكن التعويض متفاوت من شخص إلى آخر، ولما عوضنا.. طبعا تزوج منا من تزوج واشترينا المنزل والباقي وضعناه أردنا أن نستثمر هذا اللي أعطيناه، ولكن نظرا لتخلفنا ولعدم كفاءتنا كنا مستهدفين يعني للنصابين والمحتالين، ذهب. وأؤكد على شيء خطير جدا، هو أنه لما عوضنا لم يقل لنا بأن خمسة آلاف درهم ستسحب منا، اعتقدنا أن.. قلنا الحمد لله عوضنا لا نريد أكثر من هذا، خمسة آلاف درهم كافية ولكن بعد مرور سنة سحبت منا الخمسة آلاف درهم وكان ذلك مقصودا وبنية الانتقام، فوجدنا أنفسنا بدون مورد بدون شهادات بدون صحة..

أحمد منصور: لا تتقاضون أي رواتب؟

أحمد المرزوقي: لا، أي رواتب؟

أحمد منصور: ولا تقاعد ولا أي..

أحمد المرزوقي: إلى حد الساعة..

أحمد منصور: ولا مساعدات.

أحمد المرزوقي: ولما جاءت هيئة الإنصاف والمصالحة واستبشرنا خيرا نظرا لأننا نعرف جل العاملين فيها، نعرفهم معرفة تامة..

أحمد منصور: لأنهم من ضحايا السجون أيضا.

أحمد المرزوقي: من الضحايا، فإذا بهم في الأول تعاملوا معنا بجدية وقالوا لنا بأننا لن.. كلما قطعنا مرحلة إلا واستشرناكم، ومع مرور الوقت فإذا بهم يولونا ظهورهم، وإلى حد الساعة ماذا فعلت من أجلنا هيئة المصالحة؟ لا شيء، إلى حد الساعة لا زلنا نؤدي من جيوبنا ثمن العلاج.

أحمد منصور: كيف تنظر إلى سنوات تزمامارت؟

أحمد المرزوقي: أنظرها وكأنها ككابوس فقط، في بعض المرات أقول بأنها جرت يعني وقعت لشخص ما غيري، إنني استطعت الحمد لله أن أتغلب وإن كنت لا زلت طبعا تزمامارت تسكنني ولكن الحمد لله أقول بأن هذا فوق إرادتي كان قدرا من أقدار الله سبحانه وتعالى وابتليت بهذا وتقبلت هذا نظرا لطبعي المرح فأنا دائما أمرح لا أعطي بالا يعني لا أحقد، أقولها، يعني لا أحقد ولا.. أترك الله سبحانه وتعالى هو الحاكم وهو الحكم.

أحمد منصور: الشهادة، تحضير اللقاءات يعني كلها كانت مؤلمة لي أنا، حاولت أن أكون مجرد محقق صحفي أبحث ولكن لم أستطع، غلبتني إنسانيتي كثيرا، كنت كثيرا ما أختلي بنفسي ويعني أبكي من هول ما كنت أشاهده. ما كنت أتمنى أن وأنا أسجل أن يحدث لي شيء من هذا الذي كان يحدث لي ولكن للأسف إنسانيتي غلبتني..

أحمد المرزوقي: الأخ أحمد نحن نحس بغبن شديد، ماذا نريد؟ نحن لسنا مرتزقة، لا نريد ملايين، نريد أن نعيش ما تبقى من حياتنا في كرامة، فقط لو أعطونا راتبا محترما وسكنا، ليربحوا بالدنيا كلها. نحن فقط الآن ما.. هنالك من الناس من يحسب على صف التقدميين والمدافع عن حقوق الإنسان يقولون ماذا يريدون؟ المغاربة يعيشون بالخبز والشاي، ماذا يريد هؤلاء؟ يستكثرون علينا حتى حياة كريمة؟ إلى حد الساعة هيئة الإنصاف والمصالحة الأخوان الذين كنا نعزهم ونحترمهم الآن أصبحوا يطلون علينا من الأبراج العالية، أبراج عاجية، كيف؟ يعرفون الملف حق المعرفة، ماذا يريدون؟ نريد ما تبقى أن نعيش ما تبقى من حياتنا حياة كريمة، راتب، بماذا نسترزق؟ نحن الآن كل ما أعطونا نبيعه لكي نعيش وكي نربي أبناءنا، هل يريدون، يرضون أن يرونا نتكفف الناس؟ وأنا أقول لك، أفتح قوسا وأقول لك، لا أقول هذا مجاملة أو تقربا أو نفاقا للملك أو لغيره، أقول بأن الملك ومن مصادر موثوقة أمضى كل ما أعطوه، وقع حصر، الملك أمضى كل شيء، ولما الملك في خطابه أمر بإدماجنا بدليل أن المعتقلين السياسيين أدمجوا وسويت ملفاتهم إلا العسكريين، وهو ظلم حين يأتي من معتقلين سابقين فهو ظلم بدليل، أخ أحمد، وأقول هذا لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، الملك محمد السادس هو من تكفل بابني الذي تكسر رأسه وفقد حاسة السمع وهو الذي تكفل بالعملية، إذاً الذي يفعل هذه يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك ولكن نحس بأن حصارا يعني يحول بيننا وبين حياة كريمة.

أحمد منصور: أشكرك شكرا جزيلا على هذه الشهادة التي قدمتها للناس حول تزمامارت، والتوضيحات التي أدليت بها حول محاولة انقلاب الصخيرات التي أيضا لا يعلم كثير من الناس شيئا عن تفصيلاتها، ما تحدثت به هو جزء من تاريخ المغرب الحديث..

أحمد المرزوقي: نعم، جزء بسيط جدا.

أحمد منصور: وهناك ملفات كثيرة في فترة حكم الحسن الثاني لا زالت بحاجة إلى كثير من التوضيح. أخذت هذه الشهادة.. أنا أتمنى أن تضيف شيئا إلى المشاهد العربي حول هذه الفترة. أكرر شكري لك كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، حتى ألقاكم في حلقة قادمة مع شاهد جديد على العصر، هذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.