- دور القرآن الكريم في حل مشكلات الإنسان
- أهمية اللغة العربية لفهم مدلولات القرآن الكريم

- أسس فهم المفردة القرآنية ومنهجية التعامل معها

- أسباب الخطأ في القراءة والاختلاف في التفسير

عثمان عثمان
 أحمد حسن فرحات

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[ص:29] ما أهمية العودة إلى القرآن الكريم في حل مشكلات اليوم؟ وهل عطل المسلمون مهمة القرآن حين اكتفوا منه بمجرد التلاوة؟ وكيف نعيد فهم القرآن الكريم من مدخل المفردة القرآنية التي تميزت بدلالاتها وجمالياتها؟ المفردة القرآنية عنوان حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور أحمد حسن فرحات أستاذ التفسير وعلوم القرآن في عدد من الجامعات العربية، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

أحمد حسن فرحات: أهلا بكم.

دور القرآن الكريم في حل مشكلات الإنسان

عثمان عثمان: في البداية فضيلة الدكتور هناك مشكلات عديدة يعاني منها واقعنا المعاصر في مناحي مختلفة من الحياة يعني ما أهمية العودة إلى القرآن الكريم في حل هذه المشكلات اليوم؟

أحمد حسن فرحات: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كل المشكلات يمكن أن نعيدها إلى الإنسان كلها ترتبط بالإنسان فالإنسان مستواه هو الذي يحدد كيف يكون موقفه من المشكلات وكيف يتعامل معها، القرآن الكريم نزل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور وبتعبير آخر القرآن نزل ليعيد صياغة الإنسان من جديد، هناك فرق بين الإنسان الخام وبين الإنسان المصنع، الإنسان الخام له قيمة مثل المواد الخام المعروفة المعادن وما إلى ذلك لكن هذه المعادن حينما تصنع بتصير قيمتها أضعافا مضاعفة، فالإنسان المصنع اللي هو الإنسان المسلم الذي يشير إليه القرآن بهذه الألفاظ، ألفاظ الصناعة حينما يقول لموسى عليه السلام {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه:41]، {..وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، إذاً الإنسان في مفهوم القرآن يشمل كل البشر لكن الإنسان المسلم هو الإنسان المصنع على عين الله لأن هناك قيم جديدة دخلت في حياة هذا الإنسان فجعلته مختلفا عن بقية البشر ولذلك القرآن هو حياة لهذا الإنسان حياة جديدة غير الحياة المشتركة بينه وبين الناس، فالقرآن يعطي الإنسان المسلم حياة جديدة ولذلك سمى القرآن روحا قال {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ..}[الشورى:52]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..}[الأنفال:24] هم أحياء، لكن يقول {..لِمَا يُحْيِيكُمْ..} إذاً هناك حياة أخرى هناك مستوى آخر من الحياة، هذا المستوى الآخر هو الذي يعني يعطيه الإسلام هذه الصفة المتميزة عن بقية الناس.

عثمان عثمان: إذاً المشكلات مصدرها الإنسان والقرآن هو حياة هذا الإنسان.

أحمد حسن فرحات: طيب لما تشوف مثلا {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}[المعارج:19] أي إنسان هذا؟ كل إنسان خلق هلوعا فإذاً الهلع صفة في الإنسان الطبيعي الذي يشترك مع كل المخلوقات {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}[المعارج20- 23] والذين هم، إذاً هنا دخلت قيم جديدة غيرت من تكوين هذا الإنسان من طبيعة هذا الإنسان ولذلك أصبح إنسانا آخر غير بقية البشر، ولهذا {..إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ..}[الأنفال:65] كيف واحد بده يقابل عشرة؟ على أي أساس بده يقابل عشرة؟

عثمان عثمان: على أساس الصناعة الربانية.

أحمد حسن فرحات: أيوه، لأن هذا الإنسان يتصل بالله مثلما وارد في الحديث الشريف طبعا يعني "ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به ويده التي يبطش بها" إذاً هو يضرب بيد يعني من الله سبحانه وتعالى ويبصر بالله ويسمع بالله يعني إذاً أضيفت قوى جديدة إلى قوة هذا الإنسان الطبيعي وجعلته يقف أمام عشرة من المشركين.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور نتحدث عن هذه المشكلات ومعالجة هذه المشكلات، فاطمة الزعيم تسأل "هل يملك القرآن حلا لكل مشاكلنا أم أنه أمدنا بالمفتاح السري لحل المشاكل التي نواجهها وترك لنا البحث عن كيفية وضع المفتاح في المكان المناسب للخروج منها؟"، طبعا هذه المشاركة عبر الـ facebook.

أحمد حسن فرحات: طبعا القرآن الكريم رب العالمين أشار إليه في عدد من الآيات القرآنية، الآية التي مرت الآن معنا {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ..} إيش يعني مبارك؟ يعني كثير المعاني، ليست معاني محدودة، معاني القرآن {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ..}[لقمان:27] إيش المراد بكلمات الله هنا؟ معاني كلمات الله لأن ألفاظ القرآن محدودة ولكن معانيه هي غير محدودة، فتصور أنت {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ} ليش قال من شجرة ما قال من شجر؟ لأن كل شجرة صارت أقلاما، لو قال من شجر أقلام كانت الشجرة الواحدة قلم، فأنت اعمل الآن تصورا اعمل رحلة هيك في الفضاء باعتبارك الآن أنت على قناة فضائية ما في مشكلة وشوف قديش في الأرض غابات كم في كل غابة من الأشجار كم يمكن أن تصنع من كل شجرة أقلام ثم حاول هناك سبعة بحار من الحبر تكتب بها معاني كلمات الله تنتهي البحار السبعة من الحبر ولا تنتهي من كتابة معاني كلمات الله وهذا المعنى أكده علي رضي الله عنه لما سئل هل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الوحي لم يبلغ؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. هذا الفهم الذي يؤتيه الله عبدا في كتابه مفتوح غير محدد، الرسول بلغ من القرآن ما يحتاج إلى بيان من قبله ثم ترك المجال للتفكر، نفس الآية بتقول {..وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل:44]، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24] إذاً كل ما يحتاجه الإنسان من الهداية الإلهية موجود في هذا القرآن لكن كيف نستطيع أن نغوص عليه وكيف نستطيع أن نستخرجه من القرآن هنا المشكلة، ولذلك الشاعر محمد إقبال بيقول يعني

واللحن في الأوتار يرجو عازفا

ليبوح من أسراره بمعاني

اللحن موجود بالوتر بس مين بده يطالعه من الوتر؟ بده طبعا يكون عازفا ماهرا، أيضا كل شيء في القرآن موجود من بده يطالعه من القرآن؟ طبعا الذي يتدبر في القرآن والذي يتعمق في القرآن هو الذي يستخرج هذه الأشياء.

عثمان عثمان: إذاً موضوع التدبر موضوع التعمق في القرآن ربما غاب عن كثير من المسلمين واكتفوا منه من القرآن الكريم بمجرد التلاوة، هل ترون أن المسلمين بهذه الصيغة وبهذا الأسلوب يعني قد ضيعوا مهمة القرآن الكريم؟

أحمد حسن فرحات: بلا شك، يعني هو أصلا التلاوة مطلوبة لماذا؟ التلاوة طريق إلى التفكر والتدبر والتفكر والتدبر بعد ذلك تصل فيه إلى نتائج هذه النتائج هي التي تعمل بها وتطبقها، إذاً في عندنا قراءة في عندنا تفكر في عندنا عمل فكلها مرتبطة ببعضها يعني كل واحدة تؤدي إلى التي بعدها فلا يجوز أن نقف عند واحدة وينتهي الأمر لذلك بعض السلف يقول نزل هذا القرآن ليعملوا به فاتخذوا تلاوته عملا، إذاً هذه كبيرة تعتبر من الكبائر لما نقصر عملنا كله على القراءة، وبعضهم بيستشهدون يعني بيقولوا إن الإمام أحمد بن حنبل رأى ربه في المنام فسأله "بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال له بكلامي يا أحمد، قال له بفهم أو بغير فهم؟ قال له بفهم وبغير فهم" فالناس أخذوا بغير فهم أسهل لأن الفهم بده تدبر بده تفكر بده كذا ومشيوا عليها وما زالوا ماشين عليها.

عثمان عثمان: ولكن في المقابل هناك أيضا ترغيب من النبي عليه الصلاة والسلام بالإكثار من القرآن الكريم.

أحمد حسن فرحات: لأن التلاوة طريق إلى التفكر ولأن التفكر بعد ذلك طريق إلى العمل، إذاً التلاوة مطلوبة لماذا؟ لكثرة التلاوة لأنك في كل تلاوة جديدة تطلع بمعنى جديد لأن القرآن معانيه لا تنتهي، فنفس المفسر بيقول لك أنا هذه الآية صرت قارئها مثلا مئات المرات لكن الآن أجد نفسي في معنى جديد في تصور جديد في فهم جديد.

عثمان عثمان: مشكلة أخرى فضيلة الدكتور أننا نحمل القرآن أفكارنا ومشاكلنا يعني هنا كيف نعيد للقرآن الكريم مصدريته أن نسترشد به أن نستوعظ به أن نسبصر به؟

أحمد حسن فرحات: نحن يعني يجب أن يكون موقفنا من القرآن موقف خالي الذهن يعني أنت تأتي إلى القرآن ما عندك أشياء سابقة ما عندك مقررات سابقة تريد أن تستوحي من القرآن أن تستلهم من القرآن ما عنده، لا تريد أنت أن تفرض ما عندك على القرآن كما هو حال أصحاب المذاهب المختلفة اللي كان كل واحد يأتي بفكرته المذهبية ويريد أن يجد في النص القرآني ما يؤكد هذه الفكرة، فطبعا هذا الاتجاه غير صحيح فالمفروض أن نقف أمام القرآن نتلقى منه ولا نحمله ما عندنا نحن، نحن نريد أن نأخذ ما عنده نريد أن نستوحي ما عنده نريد أن نستلهم ما عنده.



أهمية اللغة العربية لفهم مدلولات القرآن الكريم

عثمان عثمان: نعم، فضيلة الدكتور أيضا القرآن الكريم وصفه الله عز وجل أنه نزل بلسان عربي مبين، في المقابل نجد هناك كتبا لغريب القرآن نجد تباينا في فهم القرآن الكريم في فهم المدلولات نجد ربما نزاعا في هذا الأمر، كيف يمكن أن نقارن ما بين أنه عربي مبين {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}[الشعراء: 195] وبين هذه القضايا الأخرى؟

أحمد حسن فرحات: هو كلمة {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} مبين بالنسبة لأهل العربية لعلماء أهل العربية لأعيان أهل العربية والناس يتفاوتون في فهمهم للعربية وبالتالي أيضا يتفاوتون في فهمهم للقرآن، إذاً التفاوت في اللغة يؤدي إلى التفاوت في الفهم فهم القرآن، أما كلمة الغريب هذه بعض العلماء بيقول لك يعني هذه استعملت..

عثمان عثمان (مقاطعا): غريب عن من؟

أحمد حسن فرحات: غريب أنه بالنسبة للأمم اللي دخلت في الإسلام من غير العرب.

عثمان عثمان: الأعاجم.

أحمد حسن فرحات: استعملوا هذه الكلمة، لكن هذا لا يمنع مثلا أنه في بعض الكلمات الصحابة وقفوا عندها وتساءلوا مثلا عن بعض الأشياء مثل سيدنا عمر لما قال عن الأب، تساءل عن الأب، طبعا هو تساءل عن الأب بمعنى أنه يعني يريد.. لا يعرف حقيقة هذا النبات أو اسم هذا النبات أما كونه نبات فهذا معروف يعني هذا لا يشكل على الصحابة، ثم قال يعني أنا عرفت اسمه أو لم أعرف ما في مشكلة المهم أنه يعرف أنه نبات يعني.

عثمان عثمان: الأخ حسين العسقلاني على الـ facebook يقول "هل بعد الناس اليوم عن اللغة العربية الفصحى يمثل حائلا دون فهم القرآن الكريم من مدخل المفردة القرآنية؟"

أحمد حسن فرحات: بلا شك اللغة العربية هي لغة القرآن وأول شرط في فهم القرآن أنك تفهم اللغة التي نزل بها، كيف نستطيع أن نفهم القرآن ونحن نجهل اللغة التي نزل بها؟ هذا أمر غير ممكن وغير معقول ولذلك بتلاحظ خلال التاريخ الأمم التي دخلت في القرآن من غير العرب أحسوا بأنهم إذا أرادوا أن يفهموا في القرآن فهما حقيقيا يجب أن يتعلموا العربية ولذلك معظمهم تركوا لغاتهم الأصلية يستعملونها ربما في حاجاتهم أو شيء ولكن اللغة العلمية هي اللغة العربية ولذلك بعض كبار علماء النحو والبلاغة تجد أصولهم غير عربية، سيبويه غير عربي، الجرجاني، الزمخشري كل هؤلاء الذين..

عثمان عثمان (مقاطعا): كانت اللغة العلمية اللغة العربية.

أحمد حسن فرحات: أيوه. ولذلك هم لما درسوا القرآن بهذه اللغة واكتشفوا هذه الأسرار تمسكوا بهذه اللغة حتى يقول أحدهم لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية.

عثمان عثمان: مع المفارقة العجيبة اليوم بين مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

أحمد حسن فرحات: طبعا، طبعا. فإذاً اللغة العربية لمن يتعمق فيها ويدرك أسرارها يدرك أيضا جماليتها ويتمسك بها ولا يتخلى عنها أبدا ولذلك شوف هلق عبد الحميد الفراهي الهندي هذا، في الهند في آخر الدنيا بتلاقي لما يتكلم عن العرب وعن اللغة العربية يتكلم كلام العاشق، يقول أنا قرأت الشعر الجاهلي وعشت مع العرب وتنقلت في بواديهم وجلست في خيامهم وكأنني واحد منهم ويقول هذه اللغة لغة قوم أذكياء يفهمون بالإشارة ويقول عن اللغة العربية هي لغة الوثب والقفز لأن فيها قفزا فوق الكلام المحذوف الذي يدرك عن طريق العقل والتدبر، بينما يقول عن اللغات الثانية غير العربية هي لغات دبيب النمل، فتصور بقى أنت الفرق بين الغزال والنملة، الغزال يقفز والنملة لا تقفز، فاللغة العربية فيها قفز فيها مجال للتأمل للتدبر للتفكر، بتلاقي القرآن بينتقل من قضية إلى قضية بيترك لك مجالا بالخيال أنت تكمل النقص، ممكن نجيب مثلا على الحذف، الحذف أسلوب من أساليب اللغة العربية، إيش معنى الحذف؟ معنى الحذف أنت أن تحذف جزء من الكلام بشرط أن يكون في الكلام ما يدل عليه، كيف مثلا؟ قوله تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}[الأنفال:58] إيش معنى هذه الآية؟ في حذف، بس يشترط في اللغة العربية في الكلام العربي ليصح الحذف أن يكون في الكلام المذكور ما يدل على الكلام المحذوف، فكلمة خيانة في الآية بتدل على أنه كان في عهد يعني تستعمل الخيانة مع وجود العهد فلما خانوا العهد جاءت الآية هذه، طبعا الآية نزلت في بني قريظة لما خانوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. كيف بدنا نقدر المحذوف في الآية؟ شوف بقى هنا كيف العقل بده يقدرها {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ..} بينك وبينهم عهد -هذه محذوفة- {..خِيَانَةً..} لهذا العهد -لهذا العهد محذوفة- {..فَانبِذْ إِلَيْهِمْ..} عهدهم ألقه إليهم وأخبرهم أنك نبذت العهد معهم، ليش؟ لتكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد {..سَوَاء..} شوف قديه في حذف، هذا يدركه كله العقل العربي الإنسان العربي اللي بيفهم اللغة العربية أيضا يستطيع أن يفهم هذا الكلام.

عثمان عثمان: أيضا دكتور هناك يعني يلاحظ القارئ للقرآن الكريم للمرة الأولى يجد غرابة في التركيب غموضا في المعنى هل السبب يعني فقط هو عدم معرفته باللغة العربية أم أن هناك أسبابا أخرى؟

أحمد حسن فرحات: طبعا السبب الأساسي هو عدم فهم العربية، لكن القرآن نفسه يحدثنا عن القرآن بيقول {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}[القمر:17] أنت الآن بتروح في العالم الإسلامي بتشوف عجائز المسلمين الذين لا يعرفون العربية بيمسكوا القرآن وبيقرؤوا، بتعطيهم أي كتاب آخر في اللغة العربية ما بيعرفوا يقرؤوه، ليش؟ لأن القرآن ميسر يعني إذا صدقت النية عند الإنسان وأراد أن يتعلم إن الله سييسر له هذا، فطبعا اللغة العربية ضرورية جدا لفهم القرآن الكريم لكن في أشياء أخرى مساعدة بعد ذلك على عدم الفهم طبعا ممكن أن نشير إليها.

عثمان عثمان: هل يمكن الحديث عن مفردات معينة لا بد من فهمها لتفسير القرآن الكريم؟

أحمد حسن فرحات: المفردة القرآنية هي أساس الجملة القرآنية والجملة القرآنية أساس الآية وهكذا كله مرتبط ببعضه، فالخطأ في معنى المفردة القرآنية يؤدي إلى الخطأ في معنى الآية وأحيانا قد يؤدي إلى الخطأ في السورة كلها إذا كانت السورة مرتبطة بهذه الآية يعني ارتباطا وثيقا، فإذاً المفردة القرآنية ضرورية ولذلك الخطأ في معناها يترتب عليه أخطاء أخرى، إذا بتحب نحط أمثلة..

عثمان عثمان (مقاطعا): طبعا نحن نتابع في موضوع المفردة القرآنية بتفصيل أكثر إن شاء الله ولكن بعد الفاصل، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى بعد الفاصل.



[فاصل إعلاني]

أسس فهم المفردة القرآنية ومنهجية التعامل معها

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان المفردة القرآنية مع فضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات أستاذ التفسير وعلوم القرآن في عدد من الجامعات العربية. نتابع إذاً فضيلة الدكتور موضوع المفردة القرآنية، يعني بعض المفسرين تحدث عن أهمية أن ندرس نظم القرآن أن ندرس عمود السورة كأساس منهجي لتفسير وفهم القرآن الكريم، ما معنى ذلك؟

أحمد حسن فرحات: أولا الكلام لا بد أن يكون مترابطا ولذلك تكلم العلماء قديما عما سموه المناسبات بين الآيات والمناسبات بين السور، في العصر الحديث صار في حديث عن الوحدة الموضوعية للسورة، الدكتور غراز رحمه الله في كتابه "النبأ العظيم" عرض سورة البقرة على أساس انها وحدة متكاملة وقسمها إلى أبواب وفصول، عندك هذا عبد الحميد الفراهي سمى كتابه في التفسير "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان" نظام القرآن، هو يقول بالنظام والنظام أكبر من المناسبة، المناسبة تجعل ترابطا بين الآيات بينما النظام يجعل القرآن كله وحدة متكاملة فمن باب أولى أن تكون السورة عبارة عن وحدة متكاملة لكن كل هذا حتى تظهر هذه الوحدة تحتاج أن تكتشف محور السورة، هو مسميها الفراهي عمود السورة، صاحب الظلال بيسميها مثلا محور السورة، المحور أو العمود هو عبارة عن إيش؟ عبارة عن الفكرة الأساسية التي تتفرع منها جزئيات السورة وعناصرها الأساسية ولذلك لما نكتشف نحن عمود السورة أو محور السورة ما نحتاج أن نربط الآيات مع بعضها متجاورة نجد كلها ارتبطت بالمحور ولما هي ترتبط بالمحور إذاً هي كلها مترابطة في هذا الأمر فبيصير الحديث عن المناسبات تحصيل حاصل.

عثمان عثمان: أيضا هناك من يتحدث عن شبكة من المفاهيم في القرآن الكريم لا بد أن نربط بعضها ببعض حتى نفهم كتاب الله عز وجل.

أحمد حسن فرحات: المفاهيم إيش معناها أولا قبل ما نحكي عن الشبه، المفاهيم هي عبارة عن المعاني الاصطلاحية الجديدة التي أضافها القرآن إلى المعاني اللغوية الأصلية، إذاً كل مفهوم قرآني يعني أو كل مفردة قرآنية تتحدث عن مفهوم قرآني هذا بيكون المفهوم يكون معنى جديدا أضافه القرآن إلى اللغة العربية ولذلك بتلاحظ العلماء بيتحدثوا في أي قضية المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، القرآن بهذه العملية ماذا صنع؟ اللغة العربية كانت أكثر معانيها اللغوية محدودة معروفة، أضاف لها من المعاني الاصطلاحية ما لا يقع تحت الحصر فكأنه أحدث انفجارا في اللغة العربية لكثرة المدلولات الجديدة التي أعطاها للكلمة ولكثرة أيضا المفاهيم الجديدة التي أعطاها للكلمة وهذه المفاهيم لا بد أن تكون كلها مترابطة مع بعض متناسبة مع بعض يؤيد بعضها بعضا ويشرح بعضها بعضا ومن هنا تأتي فكرة الشبكة لأنها كلها متشابكة ومثل هذا الأمر هذا يدل على إعجاز القرآن لأن كلام الناس لا يكون عادة فيه هذه الدقة في الارتباط ووجود هذه الشبكة المتداخلة، فالقيم القرآنية كلها بتلاحظ أنها موضوعة في القرآن بنسب مختلفة فيما بينها فهي أشبه بقران النجوم، كل مجموعة من النجوم لها يعني منظر محدد جميل وكذلك كل أيضا مجموعة من المفاهيم القرآنية ممكن تلتقي على فكرة جميلة فهذه منسميها الشبكة فهي شبكة من المفاهيم لأنها مترابطة كلها فيما بينها.

عثمان عثمان: أيضا البعض يتحدث عن وجوه لمعاني المفردة القرآنية يعني هل يختلف معنى المفردة باختلاف وجوهها باختلاف سياقاتها وما يقارنها؟

أحمد حسن فرحات: طبعا هذا أمر معروف في اللغة العربية، في شيء منسميه اللفظ المشترك، اللفظ المشترك هو لفظ واحد لكن معانيه متعددة، لو أخذت مثلا كلمة الأمة قد يراد بها الدين وقد يراد بها الجماعة وقد يراد بها الشخص أو النموذج المتفرد الذي لا نظير له وقد يراد بها الحين والزمن، القرآن استعمل هذه المعاني الأربعة، في معنى الدين قال إيش؟ {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً..}{البقرة:213] يعني على دين واحد، شايف. في معنى مثلا الجماعة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..}{آل عمران:110]، وبعدين كلمة الجماعة تحت معاني أخرى أيضا مش معنى واحد يعني يمكن تطلق الأمة على الجماعة من كل حي مش من الأحياء كلها، مثل إيش مثلا الآية القرآنية في هذا؟ {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }[الأنعام:38] فهنا الأمة تشمل الجنس من كل حي. وبعدين تحت كلمة الجماعة أيضا في جماعات يعني في مثلا تطلق الأمة على الذين أرسل إليهم رسول، تطلق الأمة على الذين يتخذون موقفا من الدين تطلق الأمة مثلا على خيار العلماء أو مثلما قال {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..}، {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..}[آل عمران:104] هذه كلها يراد بها الجماعة التي هي جماعة العلماء. بتجي مثلا تتمة الكلام يعني لما تقول مثلا بمعنى الزمن أين نجدها في معنى الزمن؟ في آية أخرى {..وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ..}[يوسف:45] يعني بعد حين، {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ..}[هود:8] قالوا إلى سنين معدودة، منشوف هنا كلمة الأمة، لكن المعنى الاصطلاحي العام للأمة هو الذي أعطاه القرآن هي الأمة التي تلتقي على الدين وتقوم على أساسه وهي المرادة بقوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..}[آل عمران:110] وهذه بيقول لك "كنتم" في بعض الناس بيقولوا لك يا أخي كان فعل ماضي هذا، شايف؟ لكن قلنا لو فرضنا أنها مثلما عم تتفضلوا يعني هذا الأمر في مجال الكلام لأن كلمة كان تستعمل في بعض الأحيان مش للزمن الماضي تستعمل للماضي والحاضر والمستقبل مثلما نقول {..وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}[النساء:96] كان ولا يزال وسيبقى كذلك. شايف؟ فنحن كنا نتحدث الآن عن إيش؟

عثمان عثمان: اختلاف سياقات ومواقع هذه المفردة القرآنية. نعم فضيلة الدكتور أيضا في موضوع آخر يعني قد نجد هناك بعض المعاني ترد في مواضع مختلفة من القرآن الكريم مقرونة بمعان أخرى، ما دلالة ذلك؟

أحمد حسن فرحات: معاني مقرونة بمعان أخرى؟

عثمان عثمان: نعم.

أحمد حسن فرحات: هذه فكرة الشبكة اللي كنا عم نحكي عليها يعني هذا الترابط بين المعاني وبين الاصطلاحات هو اللي تحدثنا عنه في موضوع الشبكة.

عثمان عثمان: يعني كما تربط الصلاة مثلا وغالبا بالزكاة وغير ذلك؟

أحمد حسن فرحات: طبعا، الصلاة طبعا أنت لما بتأخذ الصلاة والزكاة بتشوف التعريف الفقهي للصلاة إيش؟ بيقول لك مثلا أقوال.. أول شيء المعنى اللغوي إيش هو؟ الإقبال على الشيء أو الدعاء، طيب المعنى الاصطلاحي الفقهي، أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم. لكن حقيقة الصلاة ما هي؟ ركون العبد إلى الله محبة وخشية. والزكاة بيعرفها الفقهاء إيش؟ مال مخصوص يؤخذ من مال مخصوص ويصرف على أشخاص مخصوصين، حقيقة الزكاة ركون العبد إلى العبد محبة وشفقة. فإذاً واحدة بتمثل العلاقة مع الله والثانية بتمثل العلاقة مع الناس وكلاهما خلط القرآن بينهما بعروة لا تنفصم ولذلك استدل أبو بكر رضي الله عنه في حربه المرتدين الذين قالوا نحن نصلي بس ما منزكي قال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. إذا كان جمع القرآن بينهما معناها جعلهما في مرتبة واحدة فلا يمكن أن يستغنى بواحدة منهما وتبقى الأخرى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا نجد في القرآن الكريم ألفاظ متشابهة البعض أطلق عليها اسم المترادفات يعني ما أهمية أن نعرف الفروق بين هذه المترادفات في الألفاظ القرآنية؟

أحمد حسن فرحات: هذا أمر في غاية الأهمية الحقيقة أشار إليها الراغب الأصفهاني في مقدمة كتابه قال "وأتبع هذا الكتاب إن شاء الله ونسأ في الأجل بكتاب آخر أبين فيه الفروق بين القلب مرة وبين العقل مرة وبين الصبر مرة ولماذا انتهت هذه الآية بقوله لقوم يفقهون وبهذه لقوم يعقلون ممن يعده من لا يحق الحق ولا يبطل الباطل أنه باب واحد" إذاً الذي لا يفرق بين هذه المترادفات هذا لا يحق الحق ولا يبطل الباطل في نظر من؟ في نظر الراغب الأصفهاني صاحب كتاب.. أحسن كتاب في اللغة العربية في مفردات القرآن هو كتاب الراغب الأصفهاني. لم يسبقه أحد ولم يلحق به أحد في هذا الموضوع. لكن هذا الكتاب الذي وعد به هل وصلنا؟ يبدو أنه لم يصل إلينا لكن نستطيع أن نقول بأن ما وجد من تفسير للمخطوط يبدأ ببيان المترادفات والفروق بينها في أول كل آية من الآيات وبهذا يعطينا فكرة في الواقع عما أراده في ذلك الكتاب الذي كان يريد أن يؤلفه لهذا الموضوع.

عثمان عثمان: أليس هناك من محاولات إذاً معاصرة الآن يعني لإكمال..

أحمد حسن فرحات: الموضوع هذا مثلا يعني كتب فيه بعض المعاصرين الآن لكن نستطيع أن نقول نحن يعني نأخذ مثالا أول شيء على الفروق، يعني القرآن يستعمل مثلا كلمة زوج وكلمة امرأة، زوج بمعنى الزوجة يعني لكن القرآن يأتيها بلفظ زوج لأن لفظ زوجة أقل بلاغة وأقل فصاحة من لفظ زوج، متى يستعمل امرأة ومتى يستعمل زوج؟ منشوف الآيات القرآنية، يستعمل زوج لما بيكون في تفاهم بين الزوجين ما في اختلاف سواء كان هذا التفاهم تفاهما بالعقيدة أو تفاهما في الحياة الزوجية، إذا حصل اختلال بالعقيدة أو بالتعامل بتصير امرأة ما بتعود زوجا ولذلك قال، الآية الأخرى قال {..وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ..}[الأنبياء:90]، {..وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً..}[مريم:5]، بالأول امرأة لما صارت زوجة قال وأصلحنا له زوجه فإذاً بتلاحظ القرآن لما يستعمل كلمة زوج وكلمة امرأة كل واحدة لها دلالة معينة، الناس لا ينتبهون لهذه الأمور.

عثمان عثمان: اسمحوا لنا دكتور أن نأخذ الدكتور أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية من المغرب، السلام عليكم دكتور.

أحمد العبادي/ الأمين العام للرابطة المحمدية- المغرب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: دكتور ما محل المفردة القرآنية من البناء القرآني وما منهجية التعامل مع هذه المفردة القرآنية؟

أحمد العبادي: المفردة القرآنية ينبغي أن نتذكر أنها قد اتصلت بها مشيئة الله عز وجل والتي اتصلت حين اتصلت بالطين صيرته إنسانا فكذلك حين تتصل مشيئة الله عز وجل بالحرف والكلمة تصيرها قرآنا، الكلمة هي تجسد لإرادة الله عز وجل في البيان وهذا البيان بيان لا يمكن أن يترك تفصيلا جليلا ولا دقيقا إلا وقد أحاط به لأن قيمة الإحاطة باعتبارها صفة من صفات الله عز وجل {وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ}[البروج:20] تتجسد في كلامه سبحانه وتعالى ومن ثم فإن دراسة المفردة القرآنية وجب أن تخضع لمنهج يستبطن هذا الإدراك، إدراك أن ثمة إحاطة وأن هذا القول قول لا كالقول وأنه قول ثقيل، ولذلك نحت علماؤنا مناهج لدراسة المصطلحات في القرآن المجيد وقد ألمح الدكتور قبل لحظات إلى الراغب الأصفهاني كذلكم هناك الإمام الفراهي وغير هؤلاء ممن بحثوا هذه القضية ومن المعاصرين أيضا من انتبه إلى هذه المسألة أي أن اللفظة في القرآن وجب أن تتبع في مختلف السياقات وأن ينظر إلى مختلف قرائنها وضمائنها من أجل الوصول إلى فهم أقرب إلى الصواب لهذه المفردة. المفردة في القرآن المجيد هي متصلة بكل ما يقاربها من مفردات أخرى وكما سلفت في السياقات المختلفة ومن ثم فإن هناك منهجا للدراسة المصطلحية يقوم على الإحصاء ويقوم على النظر في كل الضمائن وفي كل المشتقات في كل السياقات قبل أن يتم الوصول إلى مرحلة التعريف وهذا التعريف أيضا ينبغي ان يكون خاضعا للفحص وللتجريب حتى يحصل كما يقول العلماء برد اليقين أن المعنى الأقرب هو هذا المعنى الذي قد خلص إليه الباحث في التعريف.



أسباب الخطأ في القراءة والاختلاف في التفسير

عثمان عثمان: شكرا فضيلة الدكتور أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية كنت معنا من المغرب. فضيلة الدكتور هناك خطأ يعني حدث أو وقع في فهم المفردة القرآنية والبعض ربما يسميه تحريف الكلم عن مواضيعه فيما يسمى بالقراءات المعاصرة، ما سبب هذا الخطأ الذي وقع؟

أحمد حسن فرحات: الخطأ طبعا لما يجي هو بفكرة سابقة ويريد أن يحمل الكلمة القرآنية معنى جديدا لم يكن معروفا في عهد التنزيل لأنه من شروط المفردة القرآنية أن نحملها على المعنى العرفي الذي كان سائدا في وقت نزول النص القرآني، المعاني التي تأتي بعد ذلك هذه تعتبر معاني مستحدثة لا يحمل عليها القرآن لكن أصحاب المذاهب وأصحاب الاتجاهات المنحرفة يحاولون في مثل هذه الحالة أن يعطوا الألفاظ القرآنية أو الكلمات القرآنية المدلولات التي استحدثوها هم في هذا الزمن وفي هذا العصر وهذا منهج غير صحيح وخاطئ جدا. ليس معنى ذلك أن القرآن لا يستجيب لحاجات العصر لكن القرآن يستجيب للأساليب المختلفة التي هي أكثر من المفردة القرآنية لكن المفردة لا بد أن يحرص على معناها السابق، يعني لو تأخذ مثالا كلمة التأويل مثلا، التأويل إيش معناها في اللغة العربية؟ اشتقاقها من الأول بمعنى الرجوع، طيب التأويل في يعني القرآن الكريم ورد في معنيين المعنى الأول هو التفسير والمعنى الثاني هو خروج الخبر من حيز الخبر إلى حيز الواقع إن كان خبرا وتحقيقه في عالم الواقع إن كان طلبا، هذا القرآن يقول لك مثلا عن سيدنا يوسف رأى رؤيا وبعدين قال في الآخر لما ذهب أبوه وأمه وإخوته إلى مصر وخروا له سجدا قال {..هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً..}[يوسف:100] هنا تأويل الرؤيا خروجها من كونها خبرا حينما رأى الرؤيا إلى أن أصبحت حقيقة واقعة، هذا التأويل. ولذلك القرآن متى يتم تأويله؟ {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ..}[الأعراف:53] يعني يوم القيامة يتكامل ويقع كل ما أخبر به القرآن من الأمور الغيبية فإذاً هنا التأويل صار خروج الخبر. جاء الأصوليون بعد ذلك أضافوا معنى جديدا غير المعنيين هدول، قالوا إيش التأويل، قالوا ترك المعنى الظاهر إلى المعنى غير الظاهر أو ترك المعنى الراجح إلى المعنى المجروح لقرينة أو دليل، فابن تيمية يعتبر هذا معنى جديدا لم يكن في زمن نزول القرآن الكريم ولذلك لا يجوز أن نحمل القرآن على هذا المعنى.

عثمان عثمان: دكتور أيضا يعني غالبا ما يتم الاستشهاد بقول منسوب للإمام علي رضي الله عنه أن القرآن حمال أوجه، وربما يأتي لتبرير الاختلاف في الدلالة أو لتعطيل الاستدلال في القرآن الكريم يعني ما صحة هذا القول المنسوب للإمام علي رضي الله عنه؟

أحمد حسن فرحات: على فرض أنه صحيح، لنفرض أنه كان صحيحا، هذا الكلام الحقيقة ليس على إطلاقه لأن متى يكون القرآن حمال أوجه؟ حينما تقطع الآية من سياقها لكن لما توضع الآية في سياقها يتجه الكلام إلى معنى محدد.

عثمان عثمان: نأخذ مثلا فضيلة الدكتور.

أحمد حسن فرحات: إيه لما تأخذ مثلا أنت {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات:96] قالوا ما في وما تعملون هنا ممكن تكون موصولة وممكن تكون مصدرية فإذا قلنا موصولة خلقكم والذي تعملون، إذا قلنا مصدرية خلقكم وعملكم، مذهب الجبر كله يقوم على هذه الآية أن الإنسان مجبر مخلوقة أفعاله مخلوقة أعماله وهو ليس له يعني أي اختيار ولا أي إرادة، طيب هذه الآية احتملت الإعرابين موصولة واحتملت أيضا أنها مصدرية، لما نضع الآية في سياقها إيش يصير؟ سيدنا إبراهيم يخاطب قومه المشركين {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات:95، 96] يعني أفتعبدون ما تنحتون من الحجارة والله خلقكم وخلق الحجارة التي تعملون فيها النحت؟! إذاً يتعين أن تكون موصولة، أما أقول غير ذلك يبقى هذا الكلام غير صحيح يعني لو أخذنا مثلا وما تعملون في الآية ذكر معها عملان، العبادة والنحت، طيب لو قلنا يراد بها العبادة، أفتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وعبادتكم؟ منكون ضيعنا المعنى لأنه استفهام استنكاري ينكر عليهم الفعل، فإذا قال لا، خلقكم وعبادتكم بيكون أعطاهم مبررا لهذا أعطاهم مسوغا وهو يريد أن يقيم عليهم الحجة مش يعطيهم حجة. طيب إذا قلنا العمل الثاني اللي هو النحت، أفتعبدون ما تنحتون والله خلقكم ونحتكم؟ أيضا كلام لا معنى له إلا إذا فسرنا النحت اعتبرناه مصدرا لمعنى اسم المفعول بيصير خلقكم ومنحوتكم بيرجع الكلام للمعنى الأول اللي هو ما الموصولة يعني لكن إذا استوى الكلام تقدير وعدم التقدير فعدم التقدير أولى.

عثمان عثمان: طبعا المشاهد مجاهد عثمان يقول على الـ facebook أيضا إن القرآن صالح لكل زمان ومكان، يعني طالما أن القرآن صالح لكل زمان ومكان أليس هناك من تطورات معينة لا بد أن يكون القرآن فيها حمال أوجه يعني في مكان ما في مساحة معينة ليواكب العصر وتطوراته؟

أحمد حسن فرحات: القرآن مش حمال أوجه بالمعنى اللي ذكرناه نحن قبل قليل لكن القرآن في أسلوبه وفي طريقة تعبيره وفي الأشياء التي يقولها يمكن أن يثري المعاني بغير فكرة حمال أوجه، نأخذ مثالا في قوله تعالى مثلا {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة:75- 79] الفقهاء وقفوا عند آية {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} تحدثوا عن ضرورة الطهارة لمس المصحف يعني هذا اللي لفت انتباههم في الموضوع لكن لما تضع الآية في سياقها {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} الحديث عن القرآن في مواقع النجوم قبل أن ينزل إلى الأرض مش الحديث عن القرآن وهو في الأرض، {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} في اللوح المحفوظ، {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة هم الذين يستطيعون الوصول إليه بأيدي سفرة كرام بررة، بمعنى إيش؟ أن الشياطين لا يمكن أن تصل إليه في ذلك المكان لذلك قال في نهاية الكلام هذا {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}[الواقعة:80]. وفي الآية الأخرى بين  {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}[الشعراء:210- 212] إذاً الحديث هنا عن القرآن في مواقع النجوم والمراد بالمطهرين الملائكة لأنهم مطهرون خلقة والناس لا يكونون متطهرين خلقة وإنما يكتسبون الطهارة بالفعل ولذلك قال  {..إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222] ما قال المطهرين لأن الإنسان يكتسب الطهارة بالفعل لكن الملائكة خلقوا مطهرين هكذا {..لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم:6]. طيب هذا المعنى لكن الراغب الأصفهاني، أو خلينا نقول قبل الراغب الأصفهاني ابن تيمية يقول لكن المعنى هو في الملائكة وفي اللوح المحفوظ لكن من باب الإشارة في الآية مش من باب دلالة العبارة من باب إيش؟ دلالة الإشارة إذا كان القرآن في مواقع النجوم لا يصل إليه إلا الملائكة المطهرون إذاً ممكن نقول أيضا في الأرض يجب ألا يصل إلى القرآن إلا من تطهروا، من باب الإشارة وليس من باب العبارة ودلالة الإشارة أقل من دلالة العبارة. بيجي مثلا الراغب الأصفهاني بيقول أيضا من باب الإشارة ممكن يقال معنى جديد، إيش هو المعنى الجديد؟ منقول {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} يعني لا يصل إلى حقيقة معانيه إلا من طهرت قلوبهم. شوف هلق عندك ثلاثة معاني، ثلاثة معاني محتملة والثلاثة معاني بينها تعانق وليس بينها تضاد فإذاً هذا يدلك على إيش؟ على إمكانية تعدد المعاني لكن عن طريق الأسلوب مش عن طريق المفردة نفسها نجي نغير معناها، تجي تقول لي مثلا والله يا أخي الآن السيارة هذه الموجودة حاليا موجودة في القرآن يا أخي {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ..}[يوسف:19] طيب السيارة الموجودة في القرآن هي حديث عن القافلة مش عن السيارة الموجودة الآن التي تمشي على أربع عجلات هذه!

عثمان عثمان: نعم، دكتور ماذا عن اختلاف المفسرين في كلمة، في يعني ألفاظ كثيرة من القرآن الكريم منها كلمة آلاء بأنها النعم ثم اضطربوا في فهم {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {الرحمن:35، 36] يعني كيف تفسرون هذا؟ ما علاقة النعم بإرسال شواظ من نار؟ في دقيقتين لو سمحتم.

أحمد حسن فرحات: هذا الكلام الحقيقة ذكره الفراهي قال أجمعوا على أن معنى الآلاء النعم يعني أجمعوا من؟ العلماء السابقون ولكن القرآن وكلام العرب يأبى هذا المعنى، كيف يأبى هذا المعنى؟ قال لما تجي في سورة الرحمن، بيقول لك والظاهر.. إذاً شو معناها إذا كان ليست هي النعم؟ يقول لك والظاهر أن معناها الفعال العجيبة ولما كانت غالب فعاله تعالى العجيبة الرحمة ظنوا أن الآلاء هي النعم لكن هي الفعال العجيبة قد تكون نعما وقد تكون نقما. ويستشهد لك بأبيات بقى من الشعر الجاهلي "كامل يحمل آلاء الفتى " آلاء الفتى سجايا الفتى أيضا "كريم ثناه وآلاؤه" فعاله، إذاً يستشهد على صحة المعنى الذي اهتدى إليه بالشعر وبالقرآن وبيقول لك وقد اقترب يعني أحد علماء اللغة الأزهري من هذا المعنى من معنى الفعال العجيبة حينما قال وبيجيب النص وبيقول لك ولكنه لم يثبت عليه فرجع إلى معنى النعم، إذاً التحقيق لما نشك بكلمة بدنا نرجع للشعر الجاهلي ونعرف هذا المعنى من خلال الشعر الجاهلي.

عثمان عثمان: إذاً في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم الدكتور أحمد حسن فرحات أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم في عدد من الجامعات العربية على حضورك معنا في هذه الحلقة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.