- الجذور والنشأة والدراسة في كلية فيكتوريا بالإسكندرية
- حول الجامعة الأميركية ببيروت ونشأة القومية العربية

- ثورة الكيلاني وشخصية نوري السعيد

- العراق في عصر الأمير عبد الإله ونوري السعيد

- بداية العمل الدبلوماسي والحياة في الولايات المتحدة

أحمد منصور
عدنان الباجه جي

أحمد منصور: ولد عدنان الباجه جي عام 1923 في بغداد ونشأ في بيت سياسي حيث كان والده وعمه وصهره رؤساء وزارات مختلفة في العراق خلال العهد الملكي، درس في كلية فيكتوريا في الإسكندرية وتخرج من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1943، التحق بالسلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية العراقية وعين في السفارة العراقية في واشنطن وقد حصل خلال تلك الفترة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج تاون في واشنطن عام 1949. تقلد مناصب دبلوماسية عديدة من أهمها أنه بقي مندوبا للعراق في الأمم المتحدة ما يقرب من عشر سنوات، كما أصبح وزيرا لخارجية العراق بين عامي 1965 و1967. تقاعد من العمل الدبلوماسي عام 1969 وذهب للإقامة في أبو ظبي حيث ساهم مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة وكان أول من رفع علم الإمارات في الأمم المتحدة وبقي وزيرا في حكومة أبو ظبي من العام 1971 حتى العام 1991. عاد مرة أخرى للعمل السياسي قبيل الاحتلال الأميركي للعراق ثم عاد للعراق عضوا في مجلس الحكم الذي أسسته سلطات الاحتلال الأميركي في العام 2003 وبقي فيه حتى تم حله في نهاية يونيو من العام 2004. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر العراق من الملكية إلى الاحتلال. دكتور مرحبا بك.

عدنان الباجه جي: أهلا وسهلا.



الجذور والنشأة والدراسة في كلية فيكتوريا بالإسكندرية

أحمد منصور: ولدت في بغداد عام 1923 كيف كانت نشأتك وطفولتك؟

عدنان الباجه جي: والله أنا كنت أول ولادة قيصرية في تاريخ العراق الحديث وطبعا ذاك الوقت في بغداد وسائل والمعدات الطبية كانت يعني بدائية لكن يعني اضطر الأطباء أن يجروا العملية فيعني هذا أول شيء اللي أذكره في حياتي.

أحمد منصور: ما معنى أن تولد في بيت سياسي؟ عمك كان رئيسا للوزراء، والدك أصبح رئيسا للوزراء، صهرك أيضا كان رئيسا للوزراء.

عدنان الباجه جي: طبعا يعني كنت أشعر أن إحنا يعني مؤهلون لإدارة شؤون البلاد يعني صار عندي قناعة..

أحمد منصور: متى تولدت هذه القناعة؟

عدنان الباجه جي: هذا مع الوقت يعني والدي كان رجلا سياسيا وكان بيتنا دائما ذو زوار ويتكلمون وأنا أسمع وأنا ولد صغير.

أحمد منصور: كم عمرك كان؟

عدنان الباجه جي: يعني حوالي ثماني سنين، تسع سنين، سبع سنين.

أحمد منصور: طموحك السياسي بدأ مبكرا؟

عدنان الباجه جي: والله كان طموحي في الحقيقة دبلوماسيا أولا يعني على أساس أكون دبلوماسيا محترفا وليس سياسيا بالمعنى أن أدخل انتخابات وبرلمان ووزارات وإلى آخره، كان يعني طموحي أن أخدم في السلك الدبلوماسي في الخدمة الخارجية وطبعا مع الوقت أتسلم منصب سفير أو شيء من هالقبيل.

أحمد منصور: لفظ عائلة الباجه جي يوحي بأنه غير عربي.

عدنان الباجه جي: لا، الحقيقة إحنا أصلنا من قبيلة عبدة المتفرعة من عشيرة شمّر، عشيرة شمّر..

أحمد منصور: عرب أقحاح يعني.

عدنان الباجه جي: عشيرة شمّر نزحت في هجرات متتالية إلى العراق من موطنهم الأصلي في نجد في جبل شمر في نجد يعني، ويعني جدّنا الأكبر اللي كان هو هناك وبعدين انتقل إلى الموصل في أواسط القرن الثامن عشر وكان ضابطا في سلاح الخيالة.

أحمد منصور: في الجيش العثماني؟

عدنان الباجه جي: نعم، صباحي، كانوا يسمونهم صباحية، فكان عندهم ترتيب العثمانيون في ذلك الوقت أن الضباط اللي يعني يعتمدون عليهم يقطعوهم قطعة من الأرض يزرعونها ولكن لهم مسؤولية واحدة وهي أنه إذا الدولة العثمانية طلبت من أي شخص من أي ضابط من هالضباط أن يساعدها في الحرب ويأتي بالمتطوعين والجنود هذا من واجبه، في الحقيقة فيها شبه إلى حد ما للنظام الإقطاعي اللي كان سائدا في أوروبا في القرون الوسطى. فنزح إلى الموصل وهناك ابنه تصاهر مع عائلة اسمها عائلة الكلبدوني، الكلبدون هي قطع القماش المذهب بيسموها كلبدون في العراق، المهم هذول منتسبون إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الظاهر أحد أولاد الإمام زين العابدين نزح إلى شمال العراق وهناك في عائلات اسمها عائلات السادة في الموصل فهو ابنه تصاهر معهم لأن هذه القطع كانوا يسمونها بالتركي بارجا، بارجا يعني قطعة فكان اسمهم بيت البارجه جي..

أحمد منصور: آه الذين يجهزون القطع يعني.

عدنان الباجه جي: نعم إيه، وهو جدنا الأكبر دخل بالسياسة وكان الموصل فيها حروب أهلية فهو حارب مع فئة من الفئات اللي خسرت الحرب وقتل وابنه أيضا قتل وحفيده أيضا قتل فأولاد ابنه وأولاد.. يعني أحفاده أخذهم خالهم اللي هو من بيت الكربدون البارجه جي كان اسمه عمر بكر إلى بغداد ومع الوقت البارجه جي أصبحت الباجه جي مع أنه يعني الباجه جي لها معنى اللي يتاجروا أو يعملوا اللي يسموه في مصر الكوارع..

أحمد منصور: آه، الباتشا، الباتشا في العراق نعم.

عدنان الباجه جي: فيقولوا لي أنتم أجدادك كانوا، قلت لهم والله إذا أجدادي كانوا يعملون باتشا فهذا شرف كبير يعني شو فيها..

أحمد منصور: لكن الباجه جي هي جاية من قطع القماش المذهب وليس من بارتشا ليس من صناعة الكوارع. أنت حصلت على الابتدائية من بغداد، انتقلت للدراسة في كلية فيكتوريا في الإسكندرية وكانت كلية فيكتوريا مدرسة النخبة في العالم العربي.

عدنان الباجه جي: صحيح.

أحمد منصور: أنت رحت 1934، كيف كانت الإسكندرية حينما ذهبت إليها؟

عدنان الباجه جي: والله المنطقة اللي كنا إحنا فيها يعني منطقة أجنبية يعني ما تتكلم عربي يعني في المنطقة اللي بيسموها.. تعرف إسكندرية حضرتك؟ محطة الرمل والشوارع المتفرعة عنها والأوتيلات والمطاعم..

أحمد منصور: قلب الإسكندرية القديمة.

عدنان الباجه جي: كلهم أجانب.

أحمد منصور: لا زال فيها أسر يونانية إلى اليوم.

عدنان الباجه جي: نعم، ما تسمع غير كلام يوناني أو طلياني أو فرنسي، اللغة الفرنسية كانت هي اللغة اللي تجمع بين كل هالشعوب اللي كانت تسكن في الإسكندرية، منطقة مثلا اسمها كامب سيزار، هذه كلها كانوا يوناني وشو اسمها، وكليوباترا وكذا، الإسكندرية تعرفها.

أحمد منصور: الإسكندرية يعني تراث وتاريخ، نعم، معظم الأحياء تحمل هذه الأسماء القديمة.

عدنان الباجه جي: إيه وأسماء أجنبية مينابولو وزيزينيا وإلى آخره. والله هي مدرسة فيكتوريا مدرسة إنجليزية يعني أنشأها الإنجليز في عام 1909 على أساس تكون مدرسة شبيهة بالمدارس يسموها public schools في إنجلترا مثل إيتن وهارولد ومنشستر هذه المدارس الشهيرة بس الـ school بنفس الطريقة حتى يعني تعرف الإمبراطورية البريطانية كانت في أوجها في ذلك الوقت وكانوا يعتبرون أنفسهم عليهم مسؤولية لتمدين الشعوب الأخرى ولهذا أراداوا أن يعملوا هالمدرسة هذه حتى المصريين والشعوب الأخرى اللي في المنطقة يستفادوا من الثقافة البريطانية.

أحمد منصور: لكن هنا في نقطة مهمة بالنسبة لهذه المدارس وكذلك بالنسبة لبعض الجامعات التي أسست، أن هدفها كان بالدرجة الأولى هو صناعة عقليات عربية تعمل أو بوفق الفكر الإنجليزي والثقافة الإنجليزية بحيث أنها تصبح في ظل الاحتلال الذي كان موجودا في المنطقة امتدادا للبريطانيين.

عدنان الباجه جي: يعني ما أعرف إذا كان هناك هدف سياسي لكن بدون شك كان هناك هدف ثقافي.

أحمد منصور: الهدف السياسي كان واضحا أن معظم الشخصيات التي تخرجت من هذه المدارس هي التي لعبت دورا في الحكم..

عدنان الباجه جي (مقاطعا): هم فكروا إذا الشخص تثقف ثقافة بريطانية رح يؤيد بريطانيا بس على العكس صار.

أحمد منصور: مش قضية يؤيد بريطانيا، قضية أن كثيرا من السياسيين العرب الذين تخرجوا من هذه المدارس لعبوا دورا في امتداد الاستعمار بشكل آخر أو ثقافته في المنطقة بغض النظر عن أن هناك استقلالا شكليا.

عدنان الباجه جي: أو كافحوا الاستعمار قسم منهم.

أحمد منصور: قليل يعني.

عدنان الباجه جي: يعني لا، بالعكس يعني بالنسبة لي يعني خبرتي بالموضوع أنه صار عندي رد فعل أنا لأنه يعني درسنا تاريخ..

أحمد منصور (مقاطعا): من أبرز زملائك اللي تذكرهم اللي درسوا معك في فيكتوريا ممن أصبحوا مشهورين أو معروفين بعد ذلك؟

عدنان الباجه جي: ما درسوا معي، بعدين إجوا مثلا الملك حسين الله يرحمه، لما صرت قنصل في الإسكندرية بعد عشر سنين من تخرجي كان هو لسه تلميذا في فيكتوريا يعني هذا هو طبعا أشهر شخصية وكان هناك بعض أولاد العائلات المصرية المعروفة يعني.

أحمد منصور: لماذا اختار لك أهلك الدراسة في الإسكندرية في كلية فيكتوريا؟

عدنان الباجه جي: والله كانت هي يعني تعتبر مثلما قلت مدرسة النخب ومدرسة تعد التلميذ للالتحاق بالجامعات البريطانية في أكسفورد وكامبردج لأن الشهادة اللي تعطيها كلية فيكتوريا كان اسمها The Oilcan Cambridge course difficult كانت الأسئلة يضعوها في..

أحمد منصور (مقاطعا): على فكرة التعليم في مصر في ذلك الوقت كله كان بهذه الطريقة وجامعة القاهرة كانت تصحح الامتحانات في جامعة لندن وكانت تمنح يعني الشهادة المصرية تعادل أي شهادة بريطانية في ذلك الوقت.

عدنان الباجه جي: إيه نعم، فكانوا يبعثون الأسئلة الامتحانات في.. يعني أقول لك بصراحة استفدت من فيكتوريا أولا يعني قوت اللغة الإنجليزية واللغة الإنجليزية مفيدة..

أحمد منصور: خدمتك في حياتك بعد ذلك.

عدنان الباجه جي: في العمل الدبلوماسي وثانيا يعني نمت فيّ قابلية التفكير المستقل يعني..

أحمد منصور: صنعت شخصية لك مستقلة.

عدنان الباجه جي: نعم أفكر لما أشوف شيئا ما أفحصه يعني على أساس العقل والمنطق.

أحمد منصور: الحرب العالمية الثانية اشتعلت في العام 1939 وربما قضيتم العام الأخير من الدراسة ليس في كلية فيكتوريا وإنما..

عدنان الباجه جي: انتقلنا لأن كلية فيكتوريا أخذوها الإنجليز القيادة البريطانية عملوها مستشفى عسكريا فانتقلنا إلى أوتيل من أفخر الأوتيلات في الإسكندرية أوتيل سان ستيفانو.

أحمد منصور: آه طبعا. انتقلت من الدراسة في الإسكندرية، أنهيت دراستك في كلية فيكتوريا 1940؟

عدنان الباجه جي: نعم.



حول الجامعة الأميركية ببيروت ونشأة القومية العربية

أحمد منصور: انتقلت إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأميركية.

عدنان الباجه جي: كان المفروض أنا يعني أروح أنا إلى أكسفورد.

أحمد منصور: جامعة أكسفورد في بريطانيا.

عدنان الباجه جي: إيه ولكن سنة 1940 مثلما تعرف..

أحمد منصور: الحرب العالمية كانت قائمة.

عدنان الباجه جي: سقطت فرنسا ودخلت إيطاليا الحرب فأصبح السفر إلى إنجلترا طبعا طيارات ما في وطريق البحر غير ممكن مستحيل، فحتى لا تضيع علي السنين دخلت الجامعة الأميركية في بيروت وكانت الجامعة الأميركية الحقيقة تجربة ممتازة جدا لأنه بالرغم أن اسمها الجامعة الأميركية في الحقيقة كانت جامعة قومية عربية.

أحمد منصور: أنا حأجي لموضوع قومية عربية دي لأن هناك علامات استفهام لا زالت قائمة إلى اليوم وستظل قائمة حول الجامعة الأميركية في بيروت تحديدا وكونها أسست لعدة أهداف بغض النظر عن موضوع الثقافة كان الهدف الأساسي منها هو تخريج جيل من السياسيين العرب الذين سيقودون العالم العربي للمرحلة القادمة ما بعد انتهاء الاستعمار بشكل أساسي.

عدنان الباجه جي: والله هي طبعا أسست ككلية تبشيرية في الحقيقة نقول اللي قاموا فيها رجال دين بروتستانت، حتى كان اسمها قبل ما يكون الجامعة الأميركية ببيروت الـ Syrian Protestant college الكلية البروتستانتية السورية هذا اسمها الأول بعدين غيروه إلى الجامعة الأميركية في بيروت. طبعا من ناحية تبشيرية ومن ناحية أيضا في بعض الشخصيات في أميركا لهم تفكير مثالي يعني يبغون يخدموا البشرية وإلى آخره فيعني جاؤوا وخاصة أنشؤوا كلية الطب اللي ساهمت مساهمة مهمة جدا في تنمية العلوم الطبية في لبنان وفي البلاد العربية بس بعدين مع الوقت لما التحق بها عدد كبير من الشبان العرب من فلسطين ومن سوريا ومن لبنان ومن العراق ومصر قليل وخاصة بعد الحرب أو قبيل الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب وبعد الحرب موضوع فلسطين والاستعمار وكفاح سوريا ولبنان للاستقلال وكفاح دول المغرب وشعوب المغرب فتولد في الحقيقة شعور قومي عربي قوي جدا في داخل الجامعة..

أحمد منصور (مقاطعا): نشأة القومية العربية..

عدنان الباجه جي (متابعا): جمعية العروة الوثقى كانت، نعم.

أحمد منصور: نشأة القومية العربية بدأت داخل الجامعة الأميركية في بيروت وتحت رعاية رئيس الجامعة وهذا يلقي بعلامات استفهام كبيرة حتى اليوم حول فكرة القومية العربية التي لم تؤد إلى شيء للعرب إلا التمزق والتشتت القائم الآن.

عدنان الباجه جي: ما أظن هو هذا الذنب ما يقع على القومية لكن على الذين استغلوا القومية لأغراضهم الشخصية يعني الفكرة القومية مو فكرة سيئة وفكرة في الحقيقة موجودة في كل العالم يعني شيء طبيعي بعد سنين من الاستعمار..

أحمد منصور (مقاطعا): لكن كان الهدف منها هنا هو الانسلاخ عن العالم الإسلامي بالدرجة الأولى وتقزيم المشروع العربي ليصبح مشروعا محدودا وتقوده فئات محددة فعلت ما فعلت في العالم العربي بعد ذلك.

عدنان الباجه جي: والله تعرف يعني القومية العربية نشأت وصار لها قوة بعد ما جمعية الاتحاد والترقي عملت انقلابا في تركيا وخلعت السلطان عبد الحميد وكانت توجهاتها توجهات قومية تركية تورانية ضيقة يعني حاولوا تفكيك جميع العناصر غير التركية يعني العرب والأرمن وغيرهم وحتى البلغار وأن كلهم يصيروا أتراك يتكلموا تركي حتى كان يعني لغة التعليم يعلموا اللغة العربية بالتركي في المدارس العثمانية..

أحمد منصور (مقاطعا): نعم حتى غيروا الحروف بعد ذلك، لكن أنا خليني..

عدنان الباجه جي: اللغة العربية كمان..

أحمد منصور: أنت في الفترة من 1940، 1943 حينما كنت تدرس في الجامعة الأميركية في بيروت..

عدنان الباجه جي (مقاطعا): تأثرت جدا أنا بالفكر القومي، طبعا أنا كان عندي استعداد لأني نشأت في بيت يعني وخاصة والدي كان مما يسمى الرعيل الأول، الشباب المتعلم في مطلع القرن الماضي اللي يعني فكروا بأنفسهم عرب أولا وأنه لا يجوز أن يبقى العرب تحت الحكم التركي وخاصة بعدما جمعية الاتحاد والترقي استلمت..

أحمد منصور (مقاطعا): هي القصة هنا ليست قضية الحكم التركي لأن كانت الخلافة العثمانية على يعني كل المعايير هي المظلة الإسلامية التي كانت تجمع العرب والمسلمين.

عدنان الباجه جي: ولهذا يعني مثلا إلى أن جاء الاتحاد والترقي والتوجه القومي التركي اللي غير يعني على أساس أنه دولة تركية على جميع الشعوب التي كانت يحكمها العثمانيون أن يصبحوا أتراك يعني قومية شوفينية مثلما..

أحمد منصور (مقاطعا): إحنا مش.. يعني أنا أريد ان أبقى في إطار ما يسمى بالقومية العربية ونشأة القومية العربية من الجامعة الأميركية في بيروت، هذه علامة استفهام تاريخية تريد فحصا وتدقيقا في ظل معلومات أشارت..

عدنان الباجه جي (مقاطعا): لا، يعني كانت..

أحمد منصور (متابعا): إلى أن رئيس الجامعة الأميركية في بيروت هو الذي تبنى..

عدنان الباجه جي (متابعا): كانوا يشجعون تعليم اللغة العربية..

أحمد منصور: مين اللي كان بيشجع تعليم اللغة العربية؟

عدنان الباجه جي: يعني في الجامعة يجوا تلاميذ ما دارسين اللغة العربية ما يعرفوا اللغة العربية..

أحمد منصور: عرب؟

عدنان الباجه جي: عرب طبعا يعني لأن هي المدارس التركية كانوا يعلمون التركي..

أحمد منصور: فين التركي؟ فين التركي؟ هات لي مدرسة كانت بتفرض اللغة التركية في مصر أو في أي دولة عربية؟

عدنان الباجه جي: مصر غير شكل.

أحمد منصور: لا، هات لي دولة عربية أخرى، أنت كنت في العراق مفروضة عليك اللغة التركية؟

عدنان الباجه جي: لا، لأنه أنا..

أحمد منصور: طيب؟

عدنان الباجه جي: لا، لأنه أنا..

أحمد منصور: طيب ليه بتقول لي..

عدنان الباجه جي:أنا ولدت بعد..

أحمد منصور: الأتراك لم يفرضوا اللغة التركية على العرب على الإطلاق.

عدنان الباجه جي: في المرحلة الأخيرة.

أحمد منصور: أي مرحلة؟ قل لي من كذا لكذا.

عدنان الباجه جي: أيوه من 1908 إلى نهاية الحرب العالمية..

أحمد منصور: قل لي أي دولة الآن الأتراك فرضوا عليها اللغة التركية أن تعلم في المدارس في هذه الفترة، فين؟

عدنان الباجه جي: في العراق.

أحمد منصور: في العراق فرضت اللغة التركية كحاجة أساسية؟

عدنان الباجه جي: نعم، في العراق في سوريا، أنا متأكد.

أحمد منصور: بدلا عن اللغة العربية؟

عدنان الباجه جي: اللغة العربية يتعلمونها كلغة لكن لغة التدريس..

أحمد منصور (مقاطعا): أنا لا أريد هنا، لا أريد هنا أن يكون هناك مبرر للدور الأميركي في نشأة القومية العربية من خلال الجامعة الأميركية التي درست فيها ودرس فيها كثيرون في ذلك الوقت ونشأ الفكر القومي فيها لأن نشأة الفكر القومي في الجامعة الأميركية في بيروت يلقي بعلامات استفهام كبيرة حول ما يسمى بالقومية العربية..

عدنان الباجه جي (مقاطعا): لا، فكرة القومية العربية في الحقيقة نشأت حتى قبل الجامعة الأميركية يعني نشأت في لبنان قبل الجامعة الأميركية يعني لما كان اكتشفوا الناس أمجاد العرب واللغة العربية و..

أحمد منصور (مقاطعا): هذه قصة أخرى ليس لها علاقة بالقومية العربية. نشأة الفكر القومي على يد مجموعة من المسيحيين تحديدا الذين كانوا يدرسون في الجامعة الأميركية في بيروت.

عدنان الباجه جي: لا، أنا أعتقد هذا في الحقيقة تسهيل.. لأنه مثلما قلت لك الشيء الأول هو إحياء اللغة العربية وبطبيعة الحال..

أحمد منصور (مقاطعا): اللغة العربية لم تكن ماتت.

عدنان الباجه جي: إحياء اللغة العربية أدت مع الوقت إلى إحياء الفكرة القومية العربية.



[فاصل إعلاني]

ثورة الكيلاني وشخصية نوري السعيد

أحمد منصور: أنت لما درست في الجامعة الأميركية في بيروت اخترت دراسة السياسة ولا حد وجهك إليها؟

عدنان الباجه جي: أنا اخترت طبعا.

أحمد منصور: أنت اخترت السياسة، كنت علاقتك بوالدك إيه في هذه الفترة؟

عدنان الباجه جي: والدي كان في فرنسا يعني تعرف والدي كان وزيرا مفوضا في باريس لما سقطت فرنسا وراح مثّل العراق في فيشي من الحكم الفرنسي، انتقلت إلى فيشي بعدين سنة نهاية 1941 العراق قطع علاقته مع حكومة فيشي فحاول يرجع للعراق ما قدر يرجع فبقي إلى نهاية 1950، في تلك الفترة أنا كنت في بيروت يعني ما شفته.

أحمد منصور: أنت درست أربع سنين في الإسكندرية ودرست أربع سنين في..

عدنان الباجه جي (مقاطعا): لا، ست سنين في الإسكندرية وثلاث سنين في بيروت.

أحمد منصور: تسع سنوات غبت عن العراق، كيف كانت فترة..

عدنان الباجه جي: يعني كنت أروح وأجي العراق طبعا.

أحمد منصور: لكن كيف كانت علاقتك بما يحدث في العراق؟

عدنان الباجه جي: مثلا سنة 1941..

أحمد منصور: ثورة رشيد عالي الكيلاني.

عدنان الباجه جي: أنا كنت في بيروت وتركت بيروت رأسا رحت إلى بغداد وتطوعت فيما يسمى بكتائب الشباب، كتائب الشباب يعني دربونا على أساس تكون لحفظ الأمن الداخلي في داخل المدن في العراق حتى الجيش يتفرغ للعمليات العسكرية، طبعا الحركة مع الأسف ما استمرت أكثر من أسابيع.

أحمد منصور: الحركة بدأت في أبريل/ نيسان 1941؟

عدنان الباجه جي: إيه والحرب بدأت في 2 مايو وانتهت في 28.

أحمد منصور: إيه الأسباب اللي أدت لفشل ثورة رشيد عالي الكيلاني؟

عدنان الباجه جي: ما كان في عندنا استعداد يعني وإنجلترا كانت داخلة الحرب وكان عندها جيش قوي موجود في مصر تعرف قيادة الشرق الأوسط وبعدين كان لها سيطرة جوية كاملة من الناحية العسكرية يعني العراق ما كان عنده قوات جوية فكانت الحقيقة معركة غير متكافئة.

أحمد منصور: رشيد عالي الكيلاني فر وأعضاء حكومته من بغداد في شهر مايو/ أيار عام 1941، بدأت مرحلة جديدة على يد البريطانيين..

عدنان الباجه جي: الاحتلال البريطاني الثاني.

أحمد منصور: ده بدا من 1941 واستمر إلى 1958.

عدنان الباجه جي: لا، 1941 وبعدين بعد الحرب انسحب البريطانيون، بقيت بس..

أحمد منصور: لكن بقوا يتحكمون في صناعة القرار وفي السياسة.

عدنان الباجه جي: صحيح.

أحمد منصور: من أبرز السياسيين اللي ظهروا في هذه المرحلة كان نوري السعيد.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: تعرف نوري السعيد؟

عدنان الباجه جي: نعم أعرفه شخصيا..

أحمد منصور: التقيت معه؟

عدنان الباجه جي: كثيرا.

أحمد منصور: صف لنا شخصية نوري السعيد.

عدنان الباجه جي: والله نوري السعيد يعني شخصية بغدادية وعنده طريقة لتحبيب نفسه للناس ومثل ما يسمونه بالإنجليزي Charm، عنده يعني شخصية شيقة في الحقيقة. وهو نوري السعيد بدأ حياته السياسية كقومي عربي ملتزم يعني كان من أول المنتمين إلى جمعية العهد اللي أسسها عزيز علي المصري في اسطنبول وأغلب أعضائها كانوا من الضباط العراقيين وكان ضابط أركان حرب في الجيش العثماني وشارك في حرب البلقان وجرح في معركة من المعارك ضد البلغار وقتها، وظل التفكير العربي يعني إلى أن مات يعني التزامه بالفكر القومي العربي. بس مشكلته أظن، تعرف سنة 1916 صارت الثورة العربية مع الملك حسين ملك الحجاز، هو شارك فيها -طبعا الشريف حسين- شارك فيها نوري السعيد فيعني فكر طبعا أن إنجلترا هي الدولة الكبرى العظيمة اللي إحنا نحتاج إلى صداقتها وإلى تعاونها ومعونتها لنا حتى نبني دولا ناشئة وظلت هالعقدة عنده إلى أن مات في الحقيقة مع الأسف الشديد..

أحمد منصور: طبعا الثورة العربية..

عدنان الباجه جي: بعدين صار عنده عقدة أخرى قبل ما يموت، الشيوعية، اقتنع أن الشيوعية خطر داهم على العراق ولهذا يعني عمل أشياء ما كان لها ضرورة ولزوم.

أحمد منصور: زي؟

عدنان الباجه جي: الدخول في الأحلاف، الأحلاف اللي..

أحمد منصور: حلف بغداد الشهير.

عدنان الباجه جي: حلف بغداد مثلا إيه نعم، وبعدين الغلطة المميتة أظن اللي ارتكبها لما صار العدوان الثلاثي على مصر في 1956 كان باستطاعته أن ينقذ سمعته أن ينسحب من حلف بغداد باعتبار أن أحد أعضاء الحلف وهو بريطانيا شاركت إسرائيل اللي العراق كان في حالة حرب معها في الهجوم على مصر اللي ارتبط العراق معها باتفاقية الدفاع المشترك، يعني هذه الناحية القانونية عدا الناحية القومية والناحية.. مع الأسف هالفرصة هذه ضيعها ولهذا أظن يعني وراءها كتب على نفسه الفناء.

أحمد منصور: يعني الآن الرجل كان مواليا للبريطانيين ويعتقد أنه لا يمكن عمل شيء بدون الدولة البريطانية العليا.

عدنان الباجه جي: يعتقد إيه نعم يعتقد أن بريطانيا..

أحمد منصور: عداؤه للشيوعية خلاه يدخل في أحلاف مع البريطانيين ومع الغربيين بشكل عام.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: ظلت سياساته -وهو ألف أكثر من 14 وزارة في العراق- سياسات مرتبطة بالبريطانيين بشكل رئيسي.

عدنان الباجه جي: يعني هو طبعا عقد معاهدة سنة 1930 أول معاهدة تحالف مع بريطانيا اللي على أساسها العراق نال استقلاله ودخل عصبة الأمم وأراد يعدل هالمعاهدة هذه بعد الحرب العالمية الثانية وخلافه مع مصر يعني مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان حول المعاهدة، هو عبد الناصر قال بلاش تدخل في أحلاف..

أحمد منصور: طلب منه عدم الدخول في أحلاف.

عدنان الباجه جي: إيه، اعمل معاهدة مثلما إحنا عملنا معاهدة ثنائية حول الجلاء عن السويس 1954..

أحمد منصور: اتفاقية الجلاء..

عدنان الباجه جي: بس جوابه لنوري السعيد كان بس إحنا وضعنا يختلف عن وضع مصر، إحنا الاتحاد السوفياتي قريب جدا والحزب الشيوعي عنده نشاطات قوية في العراق ولهذا يجب أن نتحالف مع الدول اللي أيضا تشاركنا الخوف من الخطر الشيوعي الداهم، هذه كانت وجهة نظره.



العراق في عصر الأمير عبد الإله ونوري السعيد

أحمد منصور: الآن نوري السعيد لعب دورا مهما في سياسة العراق حتى العام 1958، كان في شخصية أخرى أيضا كانت تلعب دورا مهما في صناعة السياسة في العراق هو الوصي على العرش عبد الإله الذي أصبح وليا للعهد بعد ذلك.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: تعرف عبدا لإله؟

عدنان الباجه جي: نعم أعرفه طبعا.

أحمد منصور: صف لنا عبد الإله.

عدنان الباجه جي: عبد الإله هو الابن الوحيد للملك علي، الملك علي هو النجل الأكبر للشريف حسين ولما الشريف حسين تنازل عن عرش الحجاز الملك علي أصبح ملكا لمدة قصيرة بعدين الجيش السعودي أخذ الحجاز مثلما تعرف، فهم تركوا الحجاز والملك علي جاء إلى بغداد ضيفا على شقيقه الملك فيصل الأول وعبد الإله كان، فعبد الإله يعني أعطوه وظائف رمزية هيك ما.. كان يعني الحقيقة شخصية مغمورة تماما، فجأة سنة 1939 ابن عمه الملك غازي قتل في حادث سيارة، الملك غازي كان متزوجا شقيقة الأمير عبد الإله وابن الملك غازي الملك فيصل كان عمره أربع سنين فقط فيعني كان موضوع وصاية..

أحمد منصور: أصبح وصيا على العرش.

عدنان الباجه جي: صار وصيا على العرش..

أحمد منصور: وأصبح هو الملك الفعلي الآن..

عدنان الباجه جي: ما عنده أي خبرة في شؤون السياسة بعدين كانت تلك السنة سنة في الحقيقة عصيبة وخطيرة لأنه يعني صارت الحرب العالمية الثانية في 1939 فيعني فجأة شاف نفسه عليه مسؤوليات وعليه تحديات اللي كان صعب عليه أن يقف أمامها فارتمى في أحضان الإنجليز.

أحمد منصور: آه، ارتمى في أحضان الإنجليز من اللحظة الأولى.

عدنان الباجه جي: اصطدم مع رشيد عالي، رشيد عالي أصبح رئيس وزراء وصارت مسألة دخول إيطاليا الحرب، لما صارت الحرب العراق قطع علاقته الدبلوماسية مع ألمانيا مثلما عملت مصر..

أحمد منصور: نعم، كل الدول المتحالفة مع البريطانيين.

عدنان الباجه جي: إيه، لما إيطاليا أعلنت الحرب بعد سقوط فرنسا يعني في شهر يونيو 1940 الإنجليز طلبوا من العراق أن يقطع علاقته مع إيطاليا، رشيد علي كان رئيس وزراء قال لا ما في ضرورة نقطع علاقتنا مع إيطاليا على كل حال إحنا.. فهذا الحقيقة يعني أثار غضب الإنجليز..

أحمد منصور: مستقل عن السياسة..

عدنان الباجه جي: بعدين حاولوا يستفزوه لرشيد عالي لصدام مسلح فقاموا يجيبوا جيوشا ويبقونها في العراق، رشيد عالي تفسيره للمعاهدة البريطانية العراقية أنه من حق الجيوش البريطانية أن تمر عبر العراق إذا كان عندها أسباب حربية وعسكرية بس مش البقاء في العراق، الإنجليز قالوا له لا إحنا من حقنا نبقى في العراق حتى نتزود والجندي يرتاح وإلى آخره يعني فصار هالأخذ والرد، الإنجليز كانوا شايفين أنه له علاقات جيدة مع إيطاليا وأيضا صلات مع الألمان فأرادوا يقضوا عليه يعني فاستدرجوه إلى مصادمة مسلحة غير متكافئة وطبعا..

أحمد منصور: عبد الإله علاقته بالبريطانيين لعبت الدور الأساسي في ظل أيضا أن نوري السعيد كان يرى أن بريطانيا هي الدولة العظمى التي ينبغي أن تكون هناك علاقة جيدة وكون هؤلاء الاثنان ثنائيا امتد من 1941 إلى 1958 تقريبا في وزارات كثيرة أسسها نوري السعيد.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: كان من آن لآخر كان يكلفه بالوزارة عبد الإله.

عدنان الباجه جي: عدة مرات طبعا يعني أول وزارة كلفه بها كانت الوزارة الرابعة.

أحمد منصور: هو شكل 14 وزارة رشيد علي يعني؟

عدنان الباجه جي:قصدك نوري السعيد.

أحمد منصور: آه نوري السعيد، عفوا.

عدنان الباجه جي: 13 أظن أو 14.. لا، الوزارة الـ 14 وزارة الاتحاد الهاشمي مش وزارة عراقية.

أحمد منصور: آه هذه أنت كنت فيها عضوا في اللجنة التي تبحث.. سآتي إليها بعد ذلك. لكن في هذه الفترة يعني حتى يفهم المشاهد معنا كيف صيغت سياسة العراق في الفترة من 1941 إلى 1958 وأنها بين الرجلين تحديدا الوصي على العرش عبد الإله ونوري السعيد بحكم أنهما علاقتهما كانت وطيدة بالبريطانيين وكانوا يرون أن الارتماء في أحضان البريطانيين أساسيا.

عدنان الباجه جي: يعني يعتقدون أن البريطانيين بإمكانهم تقديم المساعدات بعدين لما أميركا أصبحت هي الدولة العظمى الكبرى فأيضا وطدوا العلاقات مع أميركا يعني مثلا بعد العدوان الثلاثي على مصر في 56 أميركا أخذت موقفا يعني آيزنهاور موقفا مشرفا الحقيقة..

أحمد منصور: لا، هو موقف يتوافق مع السياسة الأميركية مشرف لأميركا مش لنا إحنا.

عدنان الباجه جي:لا، بس يعني على كل حال أجبرت إسرائيل والإنجليز والفرنسيين أن ينسحبوا من..

أحمد منصور (مقاطعا): لأن أميركا كانت تريد أن تصنع سياسة جديدة في المنطقة وليس من أجل العرب، نضع الحاجة في إطارها.

عدنان الباجه جي: على كل حال يعني المهم النتائج يعني إحنا ليش نروح ونبحث ما هي الدوافع اللي خلت أميركا..

أحمد منصور (مقاطعا): حتى نضع الأمور في إطارها هذا تاريخ.

عدنان الباجه جي: بس موضوع الدوافع..

أحمد منصور: يعني لما نقول مشرف لنا..

عدنان الباجه جي (متابعا): مسألة رأي..

أحمد منصور: أميركا أخذت موقفا مشرفا، مشرف لمين؟ مشرف لمن الموقف اللي أخذته أميركا؟

عدنان الباجه جي: موقف مشرف للقانون الدولي و..

أحمد منصور (مقاطعا): هي من إمتى أميركا بتأخذ مواقف مشرفة؟

عدنان الباجه جي: بس بهالقضية لو أنه..

أحمد منصور: لا، ما أخذت موقفا من أجل القانون الدولي..

عدنان الباجه جي: هذه القضية.

أحمد منصور: هذا الموقف كان تحديدا من أجل ملء الفراغ، من أجل أن يكون هذا نهاية بريطانيا في المنطقة وتحل أميركا محلها.

عدنان الباجه جي: اسمح لي، أنا كنت في أميركا وقتها، لولا الضغط والموقف القوي اللي اتخذه آيزنهاور ما كانت إسرائيل رح تنسحب من سيناء ولا كان الإنجليز ينسحبوا من مصر.

أحمد منصور: نحن لا ننكر هذا ولكن نضعه في إطاره، إطاره السياسي وإطاره التاريخي، إطاره السياسي أنه كان لمصلحة أميركا.

عدنان الباجه جي: يعني طبعا أميركا يعني أيضا ستعمل لمصلحتها يعني شافت أن مصلحتها تتفق مع جلاء القوات الأجنبية عن مصر يعني مصلحتها صارت من مصلحة مصر أيضا.

أحمد منصور: بس مصر لازم تفهم أن دي مصلحة أميركا، واستفادت منها دي قصة أخرى.

عدنان الباجه جي: إيه طبعا يعني الدول تقوم.. سياسات الدول تكون على أساس مصالحها لكن إذا نتيجة هالسياسة تكون مفيدة لك فهذه تعترف بها.

أحمد منصور: أنت رجعت العراق سنة 1943 وفكرت أن تلتحق بالعمل الدبلوماسي، قدمت لوزارة الخارجية؟

عدنان الباجه جي: قدمت ورفض طلبي بالامتحان.

أحمد منصور: لماذا؟

عدنان الباجه جي: لأني شاركت مثلما قلت لك في كتائب الشباب..

أحمد منصور: التي كانت تابعة لرشيد عالي الكيلاني.

عدنان الباجه جي: فكان هناك تقارير، إيه.

أحمد منصور: أنت كيف وجدت العراق حينما رجعت في 1943؟

عدنان الباجه جي: يعني قلت لك كان احتلالا ثانيا يعني مثلا عدا الجيش البريطاني اللي كان موجودا كانت جيوش أخرى مع الحلفاء مثلا جيش البولوني..

أحمد منصور: موجود في العراق.

عدنان الباجه جي:الجيش البولوني الي كان موجودا في روسيا كانوا أسرى عند روسيا، لما ألمانيا هاجمت الاتحاد السوفياتي سنة 1941 أفرج عن هؤلاء الأسرى وبعدين بريطانيا جابتهم من روسيا عبر إيران إلى العراق، بقوا مدة في العراق بعدين راحوا إلى مصر وحاربوا في ليبيا تعرف الصحراء الغربية.

أحمد منصور: الوزارات كانت مضطربة جدا في العراق، كل عدة أشهر الوصي على العرش يكلف وزارة جديدة، نوري السعيد شكل وزارته السابعة في 8 تشرين الأول 1942، الوزارة الثامنة في 19 كانون الأول 1943 وقدم استقالته المزدوجة منها في 1940، ما الذي كان يعكسه ذلك على الوضع العراقي؟ الوزارة لا تستمر عدة أشهر.

عدنان الباجه جي: هو يعني الحقيقة عبد الإله حاول أن يتحرر من نفوذ نوري السعيد أن يبتعد عنه بقدر الإمكان ولهذا حاول أن يجيب شخصيات أخرى اللي هي كانت مناوئة لنوري السعيد أو على كل حال يعتقد أنها ممكن تملأ الفراغ فكان عمل تجارب كثيرة لكن لم ينجح لأن الإنجليز في الحقيقة كانوا ملتزمين بنوري السعيد، الأميركان في وقت ما رشحوا فاضل الجمالي وصار رئيس وزراء فاضل الجمالي وفي وقت آخر كانوا يؤيدون شخصية سياسية صالح جبر أيضا صار رئيس وزراء لكن كلها لمدة أشهر فقط.

أحمد منصور: أيضا عمك حمدي الباجه جي شكل حكومته الأولى بتكليف من الوصي على العرش في 23 مايو/ أيار 1944 بعد تدخل من البريطانيين استقال في 29 أغسطس / آب 1944، كلفه الوصي على العرش مرة أخرى بتشكيل حكومته الثانية وأيضا بعد مدة استقال.

عدنان الباجه جي: استقال يعني في الحقيقة وزارته الوزارتان بقيتا سنة ونصف اللي كانت يعني تقريبا ضعف عمر الوزارات الاعتيادية.



بداية العمل الدبلوماسي والحياة في الولايات المتحدة

أحمد منصور: والدك مزاحم الباجه جي وأنت كتبت سيرته الذاتية، كان في تلك الفترة في فرنسا لا زال؟

عدنان الباجه جي: نعم، كان من سنة 1939 إلى 1945 بعدها آخر سنتين من الحرب قضاها في سويسرا في جنيف.

أحمد منصور: أنت فترة طويلة لم تلتق بوالدك.

عدنان الباجه جي: عشر سنين.

أحمد منصور: عشر سنين؟

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: في الفترة من كم لكم؟

عدنان الباجه جي:1939، 1949 خلال الفترة هذه دخلت الخارجية العراقية وتزوجت وصار عندي طفلة.

أحمد منصور: ولم تر أباك طول العشر سنوات.

عدنان الباجه جي: لا، التقيت به أول ما عينت في الإسكندرية التقيت به في مطار القاهرة.

أحمد منصور: كنت تتواصل معه؟

عدنان الباجه جي: إيه طبعا.

أحمد منصور: كيف كان لقاؤك بعد عشر سنين مع والدك في الفترة؟

عدنان الباجه جي: والله تعرف ما كان سهلا لأن هو كان يفكر أنه أنا بعدني..

أحمد منصور: طفل!

عدنان الباجه جي: طفل، وأنا كنت يعني فخورا بشبابي ومتزوجا وعندي عائلة وعندي كذا وأصبحت قنصلا وإلى آخره فيعني فصار نوع من.. هذا شيء طبيعي أعتقد يعني.

أحمد منصور: أنت في نوفمبر 1944 التحقت بوزارة الخارجية في العراق؟

عدنان الباجه جي: ديسمبر.

أحمد منصور: ديسمبر 1944، عينت في البعثة العراقية في واشنطن.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: ذهبت إلى الولايات المتحدة وبقيت هناك إلى العام 1949.

عدنان الباجه جي: نعم.

أحمد منصور: كيف كانت واشنطن في الفترة هذه بعد الحرب العالمية الثانية؟

عدنان الباجه جي: والله يعني أنا تعرف معلوماتي عن أميركا كانت مستقاة من بعض كتب التاريخ وبعض الأعمال الأدبية الأميركية والأفلام، أفلام هوليوود، كان عندي فكرة يعني عن الحياة الأميركية، لما رحت شفتها تختلف تماما.

أحمد منصور: كيف؟

عدنان الباجه جي: غير شيء كان، أميركا كانت في أوج قوتها..

أحمد منصور: في ذلك الوقت.

عدنان الباجه جي: إيه طبعا لأن العالم..

أحمد منصور: أمال دلوقت..

عدنان الباجه جي: العالم كله كان مدمرا، أوروبا مدمرة اليابان مدمرة والشرق الأقصى مدمر وأميركا خلال الحرب أربع سنين الحرب اللي كانت فيها ما أصابها شيء..

أحمد منصور: باستثناء بيرل هاربر بس.

عدنان الباجه جي: بيرل هاربر أول شيء وانتهى بعدها. فكان يعني شفت مجتمعا متقدما وراقيا وفيه نوع من.. لكن لاحظت شيئا في واشنطن، المعاملة السيئة اللي كانوا يعاملون فيها السود..

أحمد منصور: آه، كانت ظاهرة..

عدنان الباجه جي: يعني كان ذاك الوقت واشنطن كانت مدينة فيها تفرقة كاملة.

أحمد منصور: صف لنا بعض مظاهر التفرقة.

عدنان الباجه جي: يعني مثلا ما تشوف اسود في مطاعم اللي يرتادها البيض..

أحمد منصور: على الإطلاق!

عدنان الباجه جي: على الإطلاق ما تشوف أسود، ما يخلوه أصلا..

أحمد منصور: يمنعوه من الدخول.

عدنان الباجه جي: حتى إذا دخل ما يعطوه أكلا، أنا شايفها بعيني هذه، يقعد ويتجاهلونه تماما.

أحمد منصور: حتى لو معه فلوس؟

عدنان الباجه جي: ما يريدون فلوسه، المخازن، دور السينما..

أحمد منصور: ممنوع الأسود؟

عدنان الباجه جي: ممنوع الأسود في دور السينما.

أحمد منصور: اللي فيها البيض. مفهوم الأسود هنا اللي لونه أسود ولا حتى أنت كشرق أوسطي ينظر لك كأسود يعني؟

عدنان الباجه جي: من أصل إفريقي من أصل يعني هدول الزنوج العبيد..

أحمد منصور: كانوا يقفون عند حد اللون فقط ولا حتى لو ملامحك ليست بيضاء؟

عدنان الباجه جي: يعني إذا الملامح تشبه إلى حد ما الزنوج.

أحمد منصور: فترة وجودك في الولايات المتحدة من 1944 إلى 1949؟

عدنان الباجه جي: من 1945.

أحمد منصور: من 1945 إلى 1949، في هذه الفترة أنت حصلت على الدكتوراه من جامعة جورج تاون وحصلت عليها في العلوم السياسية.

عدنان الباجه جي: أيوه.

أحمد منصور: واعتبرت ده إنجازا كبيرا في حياتك.

عدنان الباجه جي: أعتقد إيه.

أحمد منصور: أيضا تزوجت واعتبرت زواجك إنجازا كبيرا في حياتك.

عدنان الباجه جي: هذا أكبر، أكبر من الشهادة.

أحمد منصور: طبعا صهرك أصبح رئيس الوزراء العراقي عدة مرات كان آخرها في سنة 1957.

عدنان الباجه جي: ثلاث مرات، ألف ثلاث وزارات.

أحمد منصور: ثلاث مرات. إيه أهم الأشياء اللي تركت أثرا في شخصيتك في خلال فترة وجودك الأولى في واشنطن من 1945 إلى 1949؟

عدنان الباجه جي: والله أنا يعني الحقيقة درست بعمق النظام السياسي الأميركي وتاريخ الولايات المتحدة ويعني شفت أن المجتمع ما في شك مجتمع قام على أساس الحرية والمساواة ما عدا فيما يتعلق بالسود طبعا، الأسس السياسية والقانونية اللي بنيت عليها أميركا أسس قوية وهذا سر بقاء الديمقراطية الأميركية بالرغم من كل التقلبات.

أحمد منصور: أنت رجعت بعد ذلك 1949 أصبحت قنصلا في الاسكندرية، لم تبق فترة طويلة ورجعت بعد ذلك إلى بغداد، في الفترة من 1951 إلى 1958 كانت فترة مليئة بالتقلبات الكثيرة في بغداد، أبدأ معك الحلقة القادمة من هذه الفترة من 1951 إلى 1958، شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى شهادة الدكتور عدنان الباجه جي وزير خارجية العراق الأسبق وعضو المجلس الرئاسي في مجلس الحكم الذي أسس بعد الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا أحمد منصور يحييكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.